هل يُسهم حديث ترمب عن «سد النهضة» في حلحلة الأزمة بين مصر وإثيوبيا؟

انتقد سياسة واشنطن بشأن تمويله

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)
سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)
TT

هل يُسهم حديث ترمب عن «سد النهضة» في حلحلة الأزمة بين مصر وإثيوبيا؟

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)
سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)

أثار حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «سد النهضة» تساؤلات حول مدى إمكانية تدخل واشنطن لحلحلة الأزمة القائمة بين القاهرة وأديس أبابا حول «السد».

وانتقد الرئيس الأميركي سياسات بلاده بشأن «تمويل السد»، وقال إن «واشنطن موّلت السد بغباء»، حسب وصفه. وأشار في منشور على منصته الإعلامية «تروث سوشيال»، السبت، إلى أن «السد يقلّل من تدفق المياه إلى نهر النيل».

وحسب مصدر مصري مطلع وبرلمانيين وخبراء فإن حديث ترمب «لا يعكس وجود مؤشر إيجابي للنظر في قضية (سد النهضة) بوساطة أميركية»، غير أنهم رأوا «إمكانية استثمار حديثه لتحريك مسار المفاوضات مرة أخرى».

وهناك خلاف بين مصر وإثيوبيا حول مشروع «سد النهضة»، الذي أقامته أديس أبابا على رافد نهر النيل الرئيسي، حيث تطالب دولتا المصب (مصر والسودان) باتفاق قانوني ملزم ينظّم عمليات «ملء السد وتشغيله».

جاء حديث الرئيس الأميركي عن «سد النهضة» ضمن منشور له، السبت، أشار فيه إلى أدواره بوصفه فاعلاً في مسار السلام بعدد من النزاعات على الساحة الدولية، وذكر ترمب موضوع تدخله بملف «سد النهضة» في إطار عدد من المبادرات التي عدّ أنها «تُعزّز فرصته للفوز بجائزة نوبل للسلام». ولفت إلى أن السد «جرى تمويله بغباء من قِبل بلاده، وهو ما يقلّل بشكل كبير من تدفق المياه إلى نهر النيل».

وسبق أن قامت الولايات المتحدة الأميركية بدور الوساطة في أزمة «السد الإثيوبي»، بعد تجربة تدخل إدارة ترمب الأولى، التي استضافت جولة مفاوضات في واشنطن عام 2020 بمشاركة البنك الدولي، ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين (مصر وإثيوبيا والسودان)، لكنها لم تصل لاتفاق نهائي، بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها.

«لا يعني حديث ترمب وجود أي مؤشر إيجابي لحلحلة مفاوضات (سد النهضة) المتوقفة»، وفق مصدر مصري مطلع، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مسار التفاوض متوقف بسبب تعنت الجانب الإثيوبي».

وأوضح المصدر أن مسار التفاوض بشأن اتفاق قانوني ملزم مع الجانب الإثيوبي، «فشل نتيجة لعدم وجود إرادة سياسية من الجانب الإثيوبي، لتسوية الأزمة، والوصول لاتفاق مع دولتي المصب مصر والسودان».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض بين الدول الثلاث، خلال العام الماضي، بعد جولات مختلفة على مدار 13 عاماً. ولم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة الإثيوبية بشأن حديث الرئيس الأميركي حول «تمويل سد النهضة». لكن خبراء في أديس أبابا وصفوا «تصريحات ترمب بأنها غير مسؤولة، وليست موجهة بالدرجة الأولى إلى إثيوبيا، بل تشكّل مناورة إعلامية-سياسية».

الرئيس الأميركي خلال استقباله وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا في نوفمبر 2019 (البيت الأبيض)

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، لا يرى أملاً في حلحلة أزمة «السد الإثيوبي» بعد حديث ترمب، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة ما زالت قائمة، في ظل تصرفات أديس أبابا الأحادية بشأن ملء السد وتشغيله». ونوه إلى أن «التدخل الأميركي السابق لم يُنهِ النزاع، بالوصول لاتفاق قانوني ملزم، ولم ينتج عنه تطور في مستوى العلاقات المصرية-الإثيوبية».

وينظر حليمة إلى تصريحات ترمب، بعدّها «اعترافاً بارتكاب بلاده خطأ في قضية السد الإثيوبي»، غير أنه يعتقد أنه «يمكن استثمارها لتحريك مسار المفاوضات، من خلال تدخل مصري، عبر قنوات الاتصال الدبلوماسية، بهدف استعادة التفاوض برعاية أميركية، إذا كانت واشنطن راغبة في تحقيق السلام بهذه القضية».

وناقش الرئيس الأميركي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، في اتصال هاتفي، فبراير (شباط) الماضي، «ملف سد النهضة»، وقالت الرئاسة المصرية، وقتها، إن الاتصال بحث «سبل تعزيز التعاون في مجال الأمن المائي».

وحسب تقدير عضو «لجنة الدفاع والأمن القومي» بمجلس النواب المصري (البرلمان)، يحيى كدواني، فإنه «لا يُمكن التعويل على تصريحات ترمب، إلا إذا كانت مرهونة بتحرك فعلي من واشنطن».

وقال كدواني لـ«الشرق الأوسط»، إن «واشنطن تتدخل في عدد من النزاعات والقضايا القائمة على الساحة الدولية، ومصداقية دورها في قضية السد الإثيوبي، رهن بالنتائج العملية»، مشيراً إلى أن «تأثيرات السد على الأمن المائي المصري ما زالت حاضرة».

آخر جولة مفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن «سد النهضة» في ديسمبر الماضي (الري المصرية)

وسبق أن أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد «اكتمال بناء وملء بحيرة سد النهضة مع وصول السعة التخزينية للمياه إلى 74 مليار متر مكعب». وقال في مارس (آذار) الماضي، إنه سيتم «افتتاح السد مع مطلع العام الإثيوبي»، الذي يوافق شهر سبتمبر (أيلول) من العام الحالي.

في سياق ذلك، قال مدير وحدة العلاقات الدولية في «المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، إن تصريحات الرئيس الأميركي حول السد الإثيوبي «تستهدف لفت الأنظار إلى ملف السد مرة أخرى»، مضيفاً أنه «يُمكن التعويل على حديث ترمب لاستعادة ملف سد النهضة ضمن أجندة الاهتمام الدولي لتسوية القضية».

وأوضح المغربي لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يجب قطع قنوات التواصل مع الجانب الإثيوبي بشكل كامل»، مشيراً إلى أن «السودان يمكن أن يلعب دوراً دبلوماسياً في الأزمة خلال الفترة المقبلة بالتنسيق مع القاهرة».

وكان رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، قد أجرى اتصالاً بنظيره السوداني المكلف، كامل الطيب إدريس، في 11 يونيو (حزيران) الحالي، أكد خلاله «استمرار العمل على تعزيز العلاقات الثنائية بين القاهرة والخرطوم على مختلف الأصعدة، بما يُسهم في مزيد من التنسيق بين البلدَيْن».


مقالات ذات صلة

«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

شمال افريقيا رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)

«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

لا يزال النفوذ الأميركي يبحث عن تعميق مسار السلام الذي بدأه قبل أشهر في الكونغو الديمقراطية، بحثاً عن توسيع وجوده بالقرن الأفريقي.

محمد محمود (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله توم برَّاك المبعوث الأميركي إلى سوريا في الرياض (واس)

فيصل بن فرحان وتوم برَّاك يبحثان مستجدات أوضاع سوريا

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وتوم برَّاك مبعوث الولايات المتحدة الأميركية إلى سوريا، الأحد، مستجدات الأوضاع في سوريا والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أميركا: جدل بعد رصد «مكالمة لمخابرات أجنبية» بشأن شخص مقرّب من ترمب

رصدت وكالة الأمن القومي الأميركية، في ربيع العام الماضي، مكالمة هاتفية «غير معتادة» بين اثنين من أعضاء مخابرات أجنبية، ناقشا خلالها «شخصا مقربا» من الرئيس ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)

ترمب يشيد برئيس هندوراس الجديد بعد محادثات في الولايات المتحدة

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بنظيره الهندوراسي نصري عصفورة، الذي دعمه خلال حملته الانتخابية، عقب اجتماع عقد في منتجع مارالاغو الذي يملكه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)
TT

«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)

لا تزال واشنطن تبحث عن تعميق مسار السلام الذي بدأته قبل نحو أشهر في الكونغو الديمقراطية، بحثاً عن توسيع وجودها بالقرن الأفريقي الذي يعجّ بمنافسين كبار كالصين وروسيا.

وعقدت كينشاسا وواشنطن محادثات بشأن الأمن والاقتصاد مجدداً وسط جمود مسار السلام، وهو ما يرى خبير في الشأن الأفريقي تحدّث لـ«الشرق الأوسط» أنه يأتي وسط مساعٍ أميركية لتثبيت أركانها وسط نفوذ دولي كبير بالمنطقة، متوقعاً أن تقود مفاوضات لتهدئة خلال الربع الأول من العام الحالي.

استثمارات أميركية

وفي صورة نشرتها وزارة الخارجية الأميركية عبر منصة «إكس»، السبت، ظهر الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي متوسطاً كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، في لقاء عُقد الجمعة.

وقال بولس عبر حسابه بـ«إكس»: «حوار هام ركز على سبل تعميق الشراكة بين الولايات المتحدة وجمهورية الكونغو الديمقراطية»، مضيفاً: «ناقشنا اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، بما في ذلك فرص توسيع الاستثمارات الأميركية في جمهورية الكونغو الديمقراطية». وأضاف «تطرّقنا إلى الوضع الأمني شرقي البلاد، مع التشديد على الأهمية الحاسمة للامتثال الكامل لاتفاقات واشنطن».

بينما أكد تشيسيكيدي وجود جهود مشتركة مع واشنطن لإحلال السلام في شرقي الكونغو الديمقراطية، وفق ما ذكرت «وكالة الأنباء الكونغولية»، السبت. وقال الرئيس الكونغولي خلال مائدة مستديرة عقدت في غرفة التجارة الأميركية بواشنطن، إن الرئيس دونالد ترمب قد جدد تأكيده على عزمه المساهمة في إحلال السلام في شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ بما يتيح للمستثمرين الأميركيين الاستثمار في البلاد.

وخلال المائدة المستديرة الأميركية تلقى مستثمرون أميركيون تطمينات رسمية بشأن التزام رئيسي البلدين بدعم جهود إحلال السلام في شرقي الكونغو، في خطوة تهدف إلى طمأنة المستثمرين الأميركيين وتشجيعهم على تعزيز استثماراتهم في البلاد.

وقال وكيل وزارة الاقتصاد الأميركية، جاكوب هيلبرغ، والممثل لإدارة ترمب، خلال الاجتماع نفسه، إن الولايات المتحدة والكونغو الديمقراطية أبرمتا شراكة عميقة للغاية من شأنها تحقيق فوائد ملموسة لأمن الولايات المتحدة.

مساعي ترسيخ النفوذ

«ليست واشنطن من تسعى لنفوذ في الكونغو الديمقراطية وحدها»، وفق ما يشير المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، موضحاً أن «هذا اللقاء يعد نموذجاً لمساعي ترسيخ هذا النفوذ عبر ضخ استثمارات وحل المشاكل الأمنية».

ويمثل صراع النفوذ في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية نموذجاً لنزاع مركب، تتداخل فيه الهشاشة الداخلية مع الحسابات الإقليمية والمصالح الدولية، وفق عيسى. وأضاف: «إقليمياً، يشكل الشرق الكونغولي عمقاً أمنياً حساساً لدول الجوار، خصوصاً رواندا التي تربط تدخلها باعتبارات أمنية وحدودية، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى الحفاظ على نفوذ مباشر أو غير مباشر داخل المنطقة، بينما أوغندا وبوروندي تنخرطان بدرجات أقل، انطلاقاً من مخاوف أمنية ومصالح اقتصادية».

وبحسب عيسى: «دولياً، تزايد الاهتمام الأميركي بالصراع يعكس خشية الوجود الصيني - الروسي، إضافة إلى أهمية استقرار شرق الكونغو في سياق المنافسة على الموارد الاستراتيجية وسلاسل الإمداد العالمية، ولذلك تميل واشنطن إلى دعم مسارات دبلوماسية متعددة، والضغط على الأطراف الإقليمية لاحتواء التصعيد، دون الانخراط العسكري المباشر».

وحذر من أن تكون الضغوط أو النفوذ الأميركي أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، خاصة أن هذا سيجعل السلام هشاً وقابلاً للانتكاس عند تغير الحسابات الاستثمارية أو السياسية.

صعوبة السلام

ومنذ نحو عام، يشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، خاصة بعدما سيطرت حركة «23 مارس»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيتَين في الإقليم.

ولم يصمد مسار السلام رغم توقيع اتفاقات رعتها واشنطن والدوحة في 2025، فضلاً عن نحو 10 محاولات سابقة منذ 2021. ورغم هذا الجمود في مسار السلام، يرجح الخبير في الشأن الأفريقي أن تعود المفاوضات في الربع الأول من هذا العام، «لكن نتائجها ليست مضمونة».

ويوضح أن المؤشرات السياسية والدبلوماسية تشي بأن الربع الأول من العام يشكل نافذة مناسبة لإعادة إطلاق المفاوضات، لعدة أسباب؛ منها تصاعد الضغوط الأميركية، وخشية الأطراف الإقليمية من انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع، وحاجة الجميع إلى تهدئة تسمح بإعادة ترتيب المصالح الاقتصادية والأمنية.

ويتوقع أن أي عودة محتملة للمفاوضات ستكون على الأرجح تقنية وتدريجية، تتمثل في لقاءات تمهيدية، ووساطات غير معلنة، أو إحياء لمسارات قائمة بصيغة معدلة، لا مفاوضات شاملة ونهائية.


تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)
TT

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

رفع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، من درجة التصعيد مع فرنسا، بينما دخلت العلاقات الثنائية منذ شهور في قطيعة معلنة، حيث اتهم حكومتها بـ«السعي لضرب المباحثات مع الاتحاد الأوروبي»، الجارية منذ عام بخصوص مراجعة «اتفاق الشراكة» الذي يربط الطرفين منذ 21 سنة.

وأشاد تبون في مقابلة صحافية بثها التلفزيون العمومي، ليل السبت - الأحد، بالعلاقة مع السعودية، مشدداً على أن «من يمسّ المملكة بسوء فكأنه مسّ بالجزائر».

ورداً على سؤال يخص العلاقات مع المملكة العربية السعودية، أجاب تبون بأنها «متينة وأخوية جداً»، مشدداً على أن «ما يمس السعودية يمس الجزائر أيضاً بحكم التاريخ المشترك والروابط القوية التي تجمع البلدين».

الرئيس عبد المجيد تبون لدى لقائه الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف (الداخلية السعودية)

وأوضح الرئيس أن الجزائر «ترتبط بعلاقات إيجابية وراسخة مع محيطها العربي، لا سيما مع مصر والكويت وقطر»، واصفاً هذه الروابط بأنها «تتجاوز الطابع الأخوي التقليدي، لتصبح علاقات استراتيجية لا نقبل أي مساس بها». وفي معرض حديثه عن العمق التاريخي لهذه العلاقات، استذكر الرئيس الموقف المصري الداعم للجزائر إبان «اعتداء 1963» (المواجهة العسكرية مع المغرب أو ما يسمى حرب الرمال)، مشيراً في المقابل، إلى مسارعة الراحل هواري بومدين لـ«مد يد العون لمصر في اللحظات الفارقة، تأكيداً على مبدأ التضامن المتبادل».

فرنسا

وتناول تبون الزيارة التي قادت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» سيغولين روايال، إلى الجزائر الشهر الماضي، والتي استقبلها في قصر الرئاسة، حيث قال رداً على سؤال بهذا الخصوص: «إذا سمحتَ وفي إطار الديمقراطية، لا أجيب فيما يخص فرنسا»، وفهم من أسلوبه في الحديث بأن الاستياء من فرنسا بلغ الذروة.

وأثنى تبون على مرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية لسنة 2007، روايال، بقوله : «أُكنّ لها كامل الاحترام»، مشيداً «بشجاعتها ونزاهتها الفكرية وصراحتها... وهي مرحب بها».

الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأدت روايال دوراً أشبه بـ«الدبلوماسية الموازية»، وفق توصيف الصحافة، خلال زيارة دامت 5 أيام، في محاولة لكسر الجمود الذي يطبع العلاقات بين البلدين. وقد واجهت انتقادات حادة من بعض وسائل الإعلام الفرنسية ومن رموز اليمين واليمين المتطرف، بسبب إشادتها بـ«جزائر تتطور وتتقدم»، متسائلة عن «سبب إقامة ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا علاقات جيدة مع الجزائر دون فرنسا، رغم أن المنطق يفترض العكس، بحكم التاريخ الذي يربط البلدين».

«دول تحرّض على الكراهية ضدنا»

وفيما يخص العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، التي تمر بظرف صعب منذ شهور، اتهم تبون فرنسا، من دون تسميتها، بـ«عرقلة النقاشات بين الجانبين وشنّ حرب اقتصادية ضد الجزائر». وذكر مثال تصدير حديد البناء الجزائري إلى أوروبا، قائلاً: «لدينا علاقات جيدة مع الدول، لا سيما مع أصدقائنا الإيطاليين والإسبان والألمان ودول أخرى».

وأضاف: «لكنّ هناك بعض الدول التي تحرّض على الكراهية ضد الجزائر، معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»، دون أن يذكر أسماء. كما ندد الرئيس تبون بـ«حرب تُشنّ ضد الصلب الجزائري في أوروبا».

وقال بهذا الخصوص أيضاً: «الاتحاد الأوروبي يمنح الجزائر حصة لكل 3 أشهر، وهي كمية تُستهلك كلياً في 12 يوماً، في حين أن 85 في المائة من مشتريات الجزائر تأتي من أوروبا، ومن المفترض أن يكون هناك تبادل حر». وأضاف: «لهذا طلبنا إعادة التفاوض حول اتفاق الشراكة. في الحقيقة هناك إجماع، ناقص واحد»، في إشارة إلى فرنسا، التي اتهمها، من دون تسميتها، بـ«تكرار أخطائها» مع الجزائر.

ودخلت الجزائر وبروكسل في مفاوضات، منذ مطلع 2025، بهدف إدخال تعديلات على «اتفاق الشراكة»، الذي تراه الجزائر «مجحفاً في حقها»، بدعوى أنه «جلب لطرف واحد فقط».

ولم يوضح تبون كيف أن باريس، أدت دوراً سلبياً في هذا المسعى، علماً بأن مفوضية الاتحاد الأوروبي لوّحت باللجوء إلى التحكيم الدولي، بسبب توقيف الجزائر الصادرات الأوروبية منذ 2022، ما يعدّ إخلالاً ببنود «اتفاق الشراكة»، في تقدير الأوروبيين.

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون (الرئاسة الجزائرية)

واستحضر الرئيس الجزائري، في تصريحاته، الحظر الفرنسي على النبيذ الجزائري غداة الاستقلال عام 1962، ما اضطر الجزائر إلى «اقتلاع كرومها»، وتعويضها بمحاصيل أخرى كالحبوب. وقال: «بعد الاستقلال، تركوا لنا مصانع لصناعة المشروبات الكحولية في المدية (جنوب العاصمة) ووهران وتلمسان (غرب الجزائر)... ثم قرروا التوقف عن شراء النبيذ الجزائري بهدف جعلنا نندم على استقلالنا. فأمر الرئيس بومدين (هواري بومدين 1965 - 1978) باقتلاع الكروم. هم لا يريدون أن يفهموا أنه لا يجب ابتزاز الجزائر». وأضاف: «الغريب أننا نتفاهم مع الكبار».

وفي سياق التوترات الشديدة، اعتبر الرئيس تبون أن مشروع وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، زيارة الجزائر «أمر يخصه ولا يخصني. إن أراد المجيء فهو مرحب به»، في إشارة ضمناً، إلى «شروط» أعلن عنها الوزير الفرنسي في صحافة بلاده، مقابل زيارة إلى الجزائر تم الإعلان عن إجرائها بنهاية 2025، لكنها لم تتم. ويأتي على رأس هذه «الشروط»، حسبه، «تعهّد الجزائر باسترجاع مهاجريها غير النظاميين محل أوامر بالطرد من التراب الفرنسي».

وبخصوص سؤال حول تدابير استثنائية تم الإعلان عنها الشهر الماضي، تخص عودة الرعايا الجزائريين «في وضعية غير نظامية وهشة بالخارج»، وما إذا كان يشمل الجزائريين الصادرة بحقهم أوامر بمغادرة التراب الفرنسي، أجاب الرئيس تبون بالنفي، قائلاً: «مشكلة أوامر مغادرة التراب تتعلق ببلدان الاستقبال».

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة مع الجزائر منذ بدايتها (رويترز)

وأبرز تبون أنه رفض استقبال رعايا صدرت بحقهم أوامر بمغادرة التراب الفرنسي خلال تولي برونو ريتايو وزارة الداخلية (سبتمبر/ أيلول 2024 - أكتوبر/ تشرين الأول 2025)، وقال: «فيما يخص أوامر مغادرة التراب، رفضناها من وزير، لأنه كان يسمح لنفسه بأخذ جزائريين ووضعهم في طائرة وإعادتهم إلى الجزائر. هؤلاء الجزائريون لهم حقوق. يعيشون في فرنسا منذ 10 إلى 15 سنة. يجب احترام حقوقهم. إذا أمر القضاء بترحيلهم، فهناك طعن. لدينا اتفاقيات تنظم ذلك. يجب إبلاغ الجزائر، وعلى القنصل (الجزائري) أن يزور الشخص الصادر بحقه أمر مغادرة التراب... وإذا كان كل شيء قانونياً، يوقّع على رخصة المرور». وتابع بنبرة تحذيرية: «الذي يريد إهانة أو إذلال الجزائر لم يولد بعد».


عائلة الليبي البكوش تكشف كواليس اعتقاله وتسليمه لواشنطن

الزبير البكوش بعد وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)
الزبير البكوش بعد وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)
TT

عائلة الليبي البكوش تكشف كواليس اعتقاله وتسليمه لواشنطن

الزبير البكوش بعد وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)
الزبير البكوش بعد وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)

تتفاعل قضية المواطن الليبي الزبير البكوش، الموقوف في الولايات المتحدة لاتهامه بالتورط في الهجوم الإرهابي على مجمع القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012، الذي أفضى في حينها إلى مقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة موظفين آخرين، في وقت كشفت جوانب من الكواليس التي استبقت عملية اعتقاله.

الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)

وقُتل ستيفنز في الهجوم الذي وقع يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2012، إلى جانب الموظف بوزارة الخارجية الأميركية شون سميث، والجنديين بقوات البحرية الأميركية الخاصة غلين دوهرتي وتايرون وودز.

وقال عمر البكوش، شقيق الزبير، إن الإدارة الأميركية السابقة في عهد الرئيس جو بايدن «طالبت عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة (الوحدة الوطنية) المؤقتة، عام 2021، بتسليم الزبير، عندما كان معتقلاً في طرابلس فرفض، وتمسك بالتحقيق معه داخل الأراضي الليبية».

وسبق لـ«القوة المشتركة» في مصراتة القبض على الزبير، وفق ما صرحت به زوجته بسمة الفاخري لوسائل إعلام ليبية محلية، «وأُخضع للاستجواب من قبل (قوة أميركية)، لكنها أخلت سبيله بعد تأكدهم من انتفاء صلته بأي أعمال إرهابية».

وأوضح شقيق البكوش عبر حسابه على «فيسبوك»، مساء السبت، أن «التحقيق مع الزبير استمر أكثر من ستة أشهر، وكان المحققون ضباطاً أميركيين، وتمت تبرئته من التهم المنسوبة إليه وأُفرج عنه نهاية عام 2021».

وأوضح مصدر مقرب من أسرة البكوش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنها تسعى راهناً للحصول على توضيح من حكومة الدبيبة بشأن مصير عائلها، الذي قالت إنه «سبق وبُرئ بعد إخضاعه لتحقيقات سابقة من أي اتهامات».

وينتقد حقوقيون ليبيون عملية تسليم المواطنين إلى الولايات المتحدة، مشيرين إلى أن هذا النهج مرفوض، وذَكَروا أسماء سابقة تم تسليمها إلى أميركا، من بينهم أبو أنس الليبي، وأحمد أبو ختالة، وأبو عجيلة المريمي.

ولم تصدر عن حكومة «الوحدة» أي تصريحات بالنفي أو التأكيد، تتعلق بقضية تسليم الزبير إلى أميركا، لكن المحلل السياسي أسامة الشحومي قال إن عملية التسليم جاءت في توقيت تمر فيه حكومة عبد الحميد الدبيبة بأضعف مراحلها سياسياً، معتقداً أنها «اختارت الاسم الأسهل لتقديمه إلى واشنطن دون فتح جبهات داخلية».

الزبير البكوش أثناء وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)

ولفت إلى أن الزبير البكوش «أُوقف عام 2020 عن طريق (قوة الردع الخاصة) واحتُجز في سجن معيتيقة الذي كانت تديره القوة، ثم أُفرج عنه بضغط من دار الإفتاء وبقيادة المفتي الصادق الغرياني وسامي الساعدي، أمين عام دار الإفتاء، عندما كانت موازين القوة لصالحهم».

ونقلت وسائل إعلام محلية عن زوجة البكوش، بسمة الفاخري، أن «قوة مدججة بأسلحة كبيرة، عرّفت نفسها بأنها (الأمن الداخلي)، اقتحمت منزلهم مساء الأحد الماضي واقتادت زوجها، وتعهدت بإطلاق سراحه خلال ساعة»، مشيرة إلى أنها في اليوم التالي ذهبت إلى مقر الأمن الداخلي لإرسال أدوية وملابس لزوجها، «لكنني فوجئت بأن الجهاز يفيد بأنه ليست له علاقة باقتياد زوجها».

ونوهت بأن «جهاز الأمن الداخلي كان قد ألقى القبض على زوجها في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ومكث لديهم، ثم اتصلوا بنا لتسلمه من مصحة الفردوس بسبب تدهور حالته الصحية»، ولفتت إلى أن عائلة البكوش لم تعلم بوصول زوجها إلى أميركا إلا من خلال وسائل الإعلام.

وناشدت زوجة الزبير البكوش، السلطات الليبية، الاهتمام بقضية زوجها، وتكليف محامٍ له وتوفير الأدوية اللازمة ومتابعة حالته الصحية.

ووسط مناشدات أسرة الزبير، نقلت صحيفة «المرصد» الليبية عن تقارير منسوبة لوسائل إعلام أميركية، أن المتهم تم نقله عبر «مطار مصراتة الدولي» بغرب ليبيا في الخامس من فبراير (شباط) الحالي إلى «مطار ماناساس» في ولاية فيرجينيا، وأن الزبير «كان ضمن مجموعة من 20 شخصاً شاركوا في الهجوم الإرهابي على المجمع».

ونشرت صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية صورةً من مقطع فيديو تعتقد أنها للزبير أثناء الهجوم على مجمع القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012، وأشارت إلى أن هناك قضايا سابقة مرتبطة بهجوم بنغازي تضمنت إشارات إلى تسجيلات مصورة تظهر البكوش مرتدياً زياً عسكرياً ويحمل سلاحاً، ويقف قرب مركبة أُحرقت أثناء الهجوم، إضافة إلى وقوفه خارج القاعدة وقت انطلاق الهجوم على المجمع.