متحف «اللوفر» مُعطَّل... والموناليزا «مُحاصَرة»

إضراب غير مسبوق يشلُّه... والضغوط تُهدِّد تراث فرنسا الفنّي

عالقون عند «بوابة الفنّ»... (أ.ب)
عالقون عند «بوابة الفنّ»... (أ.ب)
TT

متحف «اللوفر» مُعطَّل... والموناليزا «مُحاصَرة»

عالقون عند «بوابة الفنّ»... (أ.ب)
عالقون عند «بوابة الفنّ»... (أ.ب)

صمد متحف «اللوفر»، الأكثر زيارة في العالم والرمز العالمي للفن والجمال والديمومة، في وجه الحروب والإرهاب والوباء، لكنه توقّف عن العمل، الاثنين، بسبب إضراب موظفيه الذين يقولون إنّ المؤسسة تنهار تحت وطأة «السياحة الجماعية».

كان مشهداً لا يمكن تصوّره: موطن أعمال ليوناردو دافنشي وأعظم كنوز الحضارة على مدى آلاف السنين، بدا مشلولاً من قبل الأشخاص أنفسهم المكلَّفين الترحيب بالعالم في صالات العرض.

واحتشد آلاف الزوّار العالقين والمُربَكين، حاملين تذاكرهم، في طوابير لا تتحرَّك بجوار «الهرم الزجاجي» الذي صمّمه المعماري الأميركي من أصل صيني آي إم باي.

وفي هذا السياق، نقلت «أسوشييتد برس» عن كيفن وارد (62 عاماً) من ميلووكي بالولايات المتحدة، قوله: «إنه أنين (الموناليزا) هنا. آلاف الناس ينتظرون، بلا اتصال وبلا تفسير. أعتقد أنها حتى هي تحتاج إلى يوم عطلة».

وأصبح متحف «اللوفر» رمزاً للسياحة التي وصلت إلى أقصى حدودها. وفي الوقت الذي تسعى فيه الوجهات السياحية الشهيرة من البندقية إلى الأكروبوليس إلى الحدّ من الازدحام، يصل المتحف الأوسع شهرة في العالم، الذي يزوره الملايين، إلى نقطة الانهيار.

قبل يوم واحد فقط، اجتاحت احتجاجات منسّقة ضدّ السياحة جنوب أوروبا، فتجمَّع الآلاف في مايوركا والبندقية ولشبونة... وغيرها، مندّدين بنموذج اقتصادي يقولون إنه يُرهق السكان المحلّيين ويؤدّي إلى تآكل الحياة في المدن. وفي برشلونة، رشَّ النشطاءُ السياحَ بمسدسات مائية، في محاولة مسرحية تهدف إلى «تهدئة» السياحة الجامحة.

صراعات لا تُرى خلف الجدران (رويترز)

كما اندلع الإضراب العفوي في متحف «اللوفر» خلال اجتماع داخلي روتيني، حيث رفض موظّفو المعرض وموظّفو التذاكر وأفراد الأمن تولّي مَهامهم؛ احتجاجاً على الحشود التي لا يمكن السيطرة عليها، والنقص المزمن في الموظّفين، وما وصفته إحدى النقابات بظروف العمل «غير المُحتملة».

من النادر أن يُغلِق «اللوفر» أبوابه. وقد حدث ذلك خلال الحرب، وفي أثناء الجائحة، وعدد قليل من الإضرابات، بما فيها الإضرابات العفوية بسبب الازدحام عام 2019، والمخاوف الأمنية عام 2013. ولكن نادراً ما حدث ذلك بشكل مفاجئ، من دون سابق إنذار، وعلى مرأى من الحشود.

علاوة على ذلك، تأتي هذه الاضطرابات بعد أشهر قليلة من كشف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن خطّة شاملة مدّتها 10 سنوات لإنقاذ المتحف من المشكلات التي تتفاقم الآن؛ وهي تسرب المياه، والتقلّبات الخطيرة في درجات الحرارة، والبنية التحتية القديمة، وحركة المشاة التي تتجاوز بكثير ما يمكنه تحمّله.

لكن بالنسبة إلى العاملين في الميدان، «يبدو المستقبل الموعود بعيد المنال»؛ قالت موظّفة الاستقبال في المتحف ومسؤولة خدمة الزوّار، سارة سيفيان: «لا يمكننا الانتظار 6 أعوام للحصول على المساعدة. فرقنا تتعرَّض لضغوط الآن. الأمر لا يتعلَّق بالفن فحسب، وإنما بالناس الذين يحمونه».

حشود «الموناليزا» اليومية

رمز الجمال في مأزق (أ.ب)

تقع «الموناليزا» في قلب كل ذلك. لوحة من القرن الـ16 تجذب حشوداً معاصرة تُشبه حشود حفلات استقبال المشاهير أكثرَ منها تجربة فنّية.

يحتشد نحو 20 ألف شخص يومياً في قاعة «Salle des États» الكبرى في المتحف، فقط لالتقاط صورة «سيلفي» مع المرأة الغامضة التي رسمها ليوناردو دافنشي، والموجودة خلف زجاج واقٍ. غالباً ما يكون المشهد صاخباً ومزدحماً ومكتظّاً حدَّ أنّ كثيرين بالكاد يُلقون نظرة على التحف الفنّية المحيطة بها؛ منها أعمال «تيتيان» و«فيرونيز» التي تُتجاهل غالباً.

وقال جي هيون بارك (28 عاماً) الذي سافر من سيول إلى باريس: «أنت لا ترى لوحة. أنت ترى هواتف. أنت ترى أكتافاً. تشعر بالحرارة. ثم تُدفع إلى الخارج».

يَعِدُ مشروع ماكرون لتجديد المتحف، الذي أُطلق عليه اسم «نهضة اللوفر الجديدة»، بحلّ لهذه المشكلة. ستحصل «الموناليزا» أخيراً على غرفة مخصّصة لها، يمكن الوصول إليها من خلال تذكرة دخول محدّدة الوقت. ومن المقرَّر أيضاً إنشاء مدخل جديد بالقرب من نهر السين بحلول عام 2031 لتخفيف الضغط عن مركز «الهرم» المزدحم.

وقال ماكرون في يناير (كانون الثاني) الماضي: «ستكون ظروف العرض والشرح والتقديم على مستوى ما تستحقه (الموناليزا)».

لكن عمال «اللوفر» يصفون تصريحات ماكرون بالنفاق، ويقولون إنّ خطة التجديد التي تتراوح تكلفتها بين 700 و800 مليون يورو (730 إلى 834 مليون دولار) تُخفي أزمة أعمق. فبينما يستثمر ماكرون في مداخل جديدة ومساحات عرض، فقد تقلّصت الإعانات التشغيلية السنوية التي يتلقّاها «اللوفر» من الدولة الفرنسية بأكثر من 20 في المائة خلال العقد الماضي، رغم ارتفاع أعداد الزوّار.

وعلَّقت سيفيان: «إلقاء الرئيس خطاباته هنا في متحفنا أمر سيئ جداً... وعندما ننظر إلى ما وراء السطح، نجد أن الاستثمار المالي للدولة يزداد سوءاً عاماً بعد عام».

آلاف الزوّار ينتظرون تحت شمس باريس (أ.ب)

وبينما يخطّط عدد من الموظّفين المُضربين للبقاء خارج الخدمة طوال اليوم، قالت سيفيان إنّ بعض العمال قد يعودون مؤقتاً لفتح «مسار التحف الفنّية» المحدود لساعات؛ مما يسمح بالوصول إلى بعض المعالم البارزة، بما فيها «الموناليزا» و«فينوس دي ميلو». وربما يُعاد فتح المتحف بالكامل كالمعتاد، الأربعاء، وقد يُسمح لبعض السيّاح الذين لديهم تذاكر صالحة ليوم الاثنين بإعادة استخدامها في ذلك اليوم.

متحف في حالة من عدم اليقين

وقد استقبل متحف «اللوفر» 8.7 مليون زائر العام الماضي؛ وهو عدد أكثر من ضعف ما صُمِّمت بنيته التحتية لاستيعابه. حتى مع وجود حدّ أقصى يوميّ يبلغ 30 ألف زائر، فإن الموظفين يقولون إنّ التجربة أصبحت اختباراً يومياً للقدرة على التحمُّل، مع قلّة أماكن الراحة، ومحدودية الحمّامات، وحرارة الصيف التي تُضخّمها تأثيرات الاحتباس الحراري لـ«الهرم».

وفي مذكرة مسرَّبة، حذَّرت رئيسة المتحف، لورانس دي كار، بأنّ أجزاء من المبنى «لم تعُد مانعة لتسرُّب المياه... وتقلّبات درجات الحرارة تُعرّض الأعمال الفنّية التي لا تقدَّر بثمن للخطر، وحتى الحاجات الأساسية للزوار (الطعام والحمّامات واللافتات) أقل بكثير من المعايير الدولية». ووصفت التجربة ببساطة بأنها «محنة جسدية».

بدورها، علَّقت سيفيان: «ما بدأ جلسةً إعلاميةً شهريةً مجدولةً تحوَّل إلى تعبير جماعي عن السخط». بدأت المحادثات بين العمال والإدارة عند الساعة العاشرة والنصف صباحاً واستمرَّت حتى بعد الظهر.

ومن المتوقَّع تمويل خطة التجديد الكاملة من خلال عائدات التذاكر، والتبرّعات الخاصة، والأموال الحكومية، ورسوم الترخيص من فرع متحف «اللوفر» في أبوظبي؛ وأيضاً أن ترتفع أسعار التذاكر للسيّاح من خارج «الاتحاد الأوروبي» في وقت لاحق من هذا العام.

لكن العمال يقولون إنّ حاجاتهم أشد إلحاحاً من أي خطة مدّتها 10 سنوات.

وعلى عكس المواقع الرئيسية الأخرى في باريس، مثل «كاتدرائية نوتردام» أو «متحف مركز بومبيدو»، اللذين يخضعان لعمليات ترميم مدعومة من الحكومة، لا يزال متحف «اللوفر» عالقاً في مأزق، فهو لا يتمتَّع بتمويل كامل ولا يعمل بكامل طاقته.

وقد وعد الرئيس ماكرون، الذي ألقى خطاب فوزه في انتخابات 2017 من المتحف وعرضه خلال «دورة الألعاب الأولمبية (باريس 2024)»، بمتحف أعلى أماناً وحداثة بحلول نهاية العقد.

وحتى ذلك الحين، يظلّ أعظم كنز ثقافي لفرنسا، بالملايين الذين يتدفّقون لرؤيته، عالقاً بين الأزمات.


مقالات ذات صلة

نيويورك في قبو المنزل

يوميات الشرق يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

نيويورك في قبو المنزل

سائق شاحنة يبني نيويورك مصغّرة تضم أكثر من 800 ألف مبنى، في مشروع بدأ كهواية وانتهى به المطاف داخل متحف المدينة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق لوحة بعنوان «يونغ وومان أت ذي ويل» للفنان الفرنسي بيار أوغست رينوار التي سُرقت من متحف رينوار في كاني سور مير بفرنسا - 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

لصّان يسرقان لوحتين للرسام رينوار من متحف فرنسي

ذكرت السلطات المحلية أن لصّين سرقا لوحتين للرسام رينوار من متحف في كاني سور مير على الريفيرا الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)

بعد اللوفر... سرقة لوحات قيمتها تسعة ملايين يورو من متحف فرنسي

قال بريان ماسون رئيس بلدية مدينة كاني سور مير، حيث متحف رينوار على الريفيرا الفرنسية، في بيان على «فيسبوك» إن لصين سرقا ثلاث لوحات من المتحف.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الرئيس الصيني يستمع لشرح أمام قناع الملك توت (رئاسة الجمهورية المصرية)

قناع توت الذهبي يأسر قلب الرئيس الصيني

أسر القناع الذهبي للملك «توت عنخ آمون» الرئيس الصيني شي جينبينغ، ليتوقف طويلاً أمام الفرعون الذهبي خلال جولته بالمتحف المصري الكبير.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
TT

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

تغوص مسرحية «دنيا» على خشبة «دوار الشمس» ببيروت، لكاتبها ومخرجها زياد نجَّار، داخل أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتُشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن. وتؤدي ندى أبو فرحات دور «المايسترو» الذي يجمع حكايات نساء كثيرات في مقطوعة إنسانية واحدة، تلامس كل مُشاهد وفق تجربته الخاصة.

عالم «دنيا»؛ المرأة التي ضاعت بين تناقضات تجربتها والخيبات التي واجهتها، يطرحه نجّار في قالب حديث، متنقلاً بين الافتراضي والواقعي، ومستعيناً بالموسيقى بوصفها عنصراً درامياً، وصولاً إلى رقصة المذبوح من الألم، التي توقظها كلمة «موم (أمي)» بالإنجليزية، وفق قاموس الجيل الجديد. وانطلاقاً من هذا التعبير البسيط، الذي حلّ مكان كلمة «ماما» التقليدية، يدرك المشاهد أن الحكاية تطوله هو أيضاً.

ويُبقي العمل على قيم الحب والتضحية التي لم تتغيّر لدى الأمهات، من جيل الجدات حتى اليوم، ويبرزها في قالب مسرحي تتحكّم أبو فرحات في مساره، فيما ترافقها نغمات البيانو التي يعزفها نجّار مباشرة على الخشبة. وتواكب الموسيقى تقلّبات الشخصية وثورتها على ذاتها؛ فيرتفع صوت الأم ليتحوّل ضجيجاً مضنياً في مَشاهد القلق، وينساب بهدوء في لحظات أخرى.

تحكي «دنيا» قصص نساء كرّسن حياتهن لتربية أبنائهن، وحلمن بمستقبلهم على حساب أحلامهن الخاصة. نساء تأثرن بتربية أمهاتهن وانتقدنها، معتقِدات أنهن يؤدّين أدوارهن على طريقتهن المنفتحة، فركّزن على تزويد أبنائهن بالقوة والاستقلالية لمواجهة مشكلات الحياة ومصاعبها.

في «دنيا» قدمت ندى أبو فرحات أحد أهم أدوارها المسرحية (مسرح دوار الشمس)

وفجأة؛ يجدن أن ذلك المسار الطويل انتهى إلى مغادرة الأبناء البيت. هنا تبدأ رحلتهن مع الذات، فيستعدن شريط حياة لم يعشنها، بل قدّمنها هدية لأبنائهن. فالبيت الذي كان يشهد نقاشات وجدالاً بين الأم وابنتها أصابه الصمت، وتحول سماعُ كلمة «موم» شوقاً ضاغطاً وحاجة ملحّة، بعدما كانت تشكّل مصدر انزعاج لكثرة تردادها على ألسنة أولاد متطلِّبين.

«أولادكم ليسوا لكم»... مقولة جبران خليل جبران؛ تصبح قاسية عندما تتحوّل حقيقةً تعيشها الأمهات. ويعكس عنوانُ العمل دنيا الأمِّ وعالَمَها، بما ينطوي عليه من تقلّبات وتناقضات يصعب اختصارها في عرض مدته 60 دقيقة. ولذلك جاء النص مركّزاً وتفاعلياً؛ إذ حاول نجّار، بالتعاون مع أبو فرحات، الإحاطة بالقصة من خلال تفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع.

وتتناول المسرحية تجربة الأمومة شكلاً ومضموناً، كما تتطرّق إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة جيل المؤثرين الجديد. فالأبناء يصدّقون المؤثرة «فلالوبا» على «تيك توك» أكثر مما يصدّقون أمّاً رافقتهم في أحلامهم وتحدياتهم. كذلك يظهر قلق الأمهات من «سباع» جائعة قد يصادفها أبناؤهن في علاقاتهم العاطفية، وكيف يعيد التاريخ نفسه من خلال حجج يتسلّح بها الأبناء للقاء الآخر، سبق أن استخدمتها الأم في زمن الصبا.

ويتأثر الأهل أيضاً بأبنائهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. وعندما يفقدون وسيلة التواصل معهم بسبب انشغال الأبناء بالمحادثات الإلكترونية، يصبح «تشيت شات» مع الذات، كما يسمّيه العمل، خياراً بديلاً لهم.

وتنجح ندى أبو فرحات، خلال أكثر من مشهد، في الانتقال من حالة إنسانية إلى أخرى. فتتحوّل من أم تتذمّر من علاقتها بابنتها، إلى أخرى حنون وعاطفية، تسأل عن أحوالها بلهفة وهي تناديها: «يا حياة قلبي وينك تقبريني». وتكشف هذه الانتقالات عن تنوّع أدائها وقدرتها على تجسيد حالات أمومة مختلفة.

دنيا تحتفي بالحياة على طريقتها (مسرح دوار الشمس)

وتقدّم المسرحية صوراً بلاغية عدّة في إطار عمل إنساني يحمل رسالة مباشرة ويتناول الموضوع بجرأة. وتتجدّد شخصية «دنيا» وهي ترتدي عباءة الحرية حيناً، وعباءة البحث عن الذات والتفاني حيناً آخر.

وتبرز قدرات أبو فرحات الأدائية عندما ترقص الفلامنغو والفالس، فتترك لنفسها العنان، كأنها تستعيد أياماً أضاعتها في رعاية الآخرين. لكنها تعود إلى الواقع حين تصغي إلى ابنتها المنكسرة، التي لجأت إليها لمواجهة مشكلة عاطفية كبيرة.

ويعزّز أسلوبُ زياد نجّار الإخراجي الأثرَ البصري والسمعي للعمل، عبر لغة مسرحية تجمع بين الأداء والحركة والموسيقى والصورة، فيما صمّمت تمارا حاوي اللوحات الكوريغرافية.

وفي نهاية العمل، الذي تستمر عروضه حتى 27 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحتفي «دنيا» بنفسها وبكل امرأة سارت في طريقها... فقد واجهت التحديات انطلاقاً من حدسها وخبرتها وحبها أبناءها، وإن كان ذلك على حساب نفسها وأحلامها، لتصبح نموذجاً لأمهات كثيرات في بلادنا.


جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
TT

جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)

أعادت تصريحات للفنانين أحمد العوضي، ومحمد رمضان، جدل «الأعلى أجراً»، والأكثر مشاهدة، للواجهة، وذلك بالتزامن مع إعلان وجودهما ومنافستهما لأول مرة في الماراثون الرمضاني القادم معاً، وكل منهما في صدارة البطولة لمسلسلات تصنف ضمن «الدرامية الشعبية».

وكتب محمد رمضان عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أنه «نمبر وان» في الأجر، و«أنه ليس طماعاً... بل عشماوي»، بينما كرر العوضي تصريحاته بأنه الأعلى أجراً، والأكثر مشاهدة، في عدد من الفعاليات، أبرزها ظهوره في بودكاست «قصتي»، وخلال ندوته في «ملتقى الإعلام العربي» بدبي.

ويشكل «عشماوي» عودة لمحمد رمضان للدراما التلفزيونية بعد غياب لسنوات، انشغل خلالها بالإصدارات الغنائية والأفلام السينمائية، وتحديداً منذ تقديمه مسلسل «جعفر العمدة»، بينما اعتاد أحمد العوضي تصدر البطولة الدرامية الرمضانية بانتظام منذ سنوات، أحدثها سيكون مسلسل «سلطان الديب»، الذي ينافس به في الموسم المقبل.

ويشهد مسلسل «عشماوي»، الذي يجمع بين محمد رمضان، والمخرج بيتر ميمي، لأول مرة، مفاجآت لافتة، أبرزها مشاركة مي عمر، وأيضاً زوجها المخرج محمد سامي، بالتمثيل، بينما يتعاون العوضي مع صناع مسلسلات سابقة له، مثل «على كلاي»، وهما المخرج محمد عبد السلام، والسيناريست محمود حمدان.

بدوره أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، أن «المتاجرة من قبل البعض بكونهم الأعلى أجراً أمر غير صحي بالوسط الفني»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «صدارة أي عمل ونجاحه ليس بالضرورة أن ينسب للبطل الأوحد، فهناك أدوار مساعدة وثانية وثانوية، وفريق كامل بالصفوف الخلفية هم العمود الفقري للأحداث وبإمكانهم جذب المشاهد ببساطة بعيداً عن النجم».

وأشار النجار إلى أن هذه التصريحات تزداد انتشاراً في الآونة الأخيرة ويجب الحد منها، مضيفاً: «البطل لا بد وأن يتحدث بفنه وإبداعه وتجسيده ببراعة وإتقان، وعليه أن يترك أمر التصدر للمنصات المتخصصة، وإلا فليظهر الدليل والعقد الذي يثبت أنه الأعلى أجراً، طالما أنه يتحدث بثقة مطلقة».

الفنان المصري أحمد العوضي (حسابه على «فيسبوك»)

وفي سياق معركة الصدارة، التي ظهرت مؤشراتها أخيراً، خاض العوضي بطل فيلم «شمشون ودليلة»، التجربة نفسها مع محمد إمام بطل «صقر وكناريا»، خلال موسم الصيف السينمائي، فبينما أكد إمام تصدره «شباك التذاكر» وتحقيقه لإيرادات مليونية، أعلن العوضي عن إيرادات ضخمة حصدها فيلمه خلال أسبوع واحد فقط.

واشتعلت المعركة بين العوضي وإمام عبر منشورات «سوشيالية»، شهدت على تدخل نقيب الممثلين أشرف زكي حينها لفض الاشتباك، وطالبهما بحذف كل المنشورات، وقبل ذلك شهد موسم دراما رمضان الماضي منشورات متبادلة بين الفنانتين مي عمر بطلة «الست موناليزا»، وياسمين عبد العزيز بطلة «وننسى اللي كان»، عن التصدر والأكثر مشاهدة، ودخل على خط الأزمة حينها الفنان عمرو سعد الذي نافس بمسلسل «إفراج».

ووصف الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل «الصراع الدائر على الإيرادات والترند والأعلى أجراً بأنه نوع من (الإفلاس الفني) والاستفزاز للمشاهد»، مؤكداً أن «غالبية المسلسلات أصبحت عجينة واحدة، لذلك فالمخرج الوحيد لإثبات الوجود هو الحديث عن ذاتهم وتصدرهم، وبات ملاذهم هو مقولة الأكثر نجاحاً وأجراً بدون دليل مادي يثبت الأمر».

وعن رأيه في ثيمة «البطل الشعبي» في الدراما المصرية حالياً، أكد سمير لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما يعرض لا يعبر عن الحارة الشعبية التي تمثل السواد الأعظم من الناس، فالحارة الأصيلة لا تؤوي البلطجي والنصاب والسارق، وما يقدم ويصدر للناس هو صورة وهمية لا تمثل الفن المصري، بل عشوائيات درامية لن تعيش في الذاكرة».

وختاماً طالب الناقد الفني بالتوازن والتنوع في الدراما لعدم إفساد القيم الشعبية من خلال مفاهيم مغلوطة تعرض من أجل «الترند»، لافتاً إلى أن «الفن يقود المجتمع وليس العكس، لأنه الأقوى بإبداعه وفكره»، على حد تعبيره.

Your Premium trial has ended


قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
TT

قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

مع انطلاق العام الدراسي الجديد في المدارس والجامعات المصرية، برزت توجهات رسمية مُشددّة لفرض الانضباط داخل المؤسسات التعليمية، سواء من خلال قرارات تستهدف حماية المعلمين والحفاظ على هيبة المنظومة التعليمية داخل المدارس، أو عبر تطبيق ضوابط خاصة بالمظهر العام للطلاب داخل الجامعات.

وبدأ نحو 4 ملايين طالب وطالبة العام الجامعي الجديد 2026 - 2027، بداية هذا الأسبوع، بالجامعات والمعاهد المصرية، فيما استقبل أكثر من 60 ألف مدرسة بدايةً من الأسبوع الماضي نحو 25 مليون طالب وطالبة بمختلف المراحل.

وفي سياق فرض الانضباط، أصدر وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، الاثنين، توجيهات مشددة لجميع المدارس على مستوى الجمهورية بتطبيق عقوبة الفصل لمدة عام دراسي كامل لأي طالب يستخدم أي أداة من أدوات التصوير لتصوير المُعلّم داخل المدرسة، بهدف الإساءة أو التنمر أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن «الحفاظ على هيبة وكرامة المعلم واحترامه، وتوفير بيئة تعليمية منضبطة داخل المؤسسة التعليمية، يمثلان ثوابت أساسية للعملية التعليمية».

كانت واقعة قد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لتلميذ في إحدى المدارس تتم معاقبته في الطابور ويقدم اعتذاراً لمدرّسته بعد أن صوّرها وهي تشرح في الفصل ونشر المقطع عبر وسائل التواصل مع تعليقات ساخرة.

قيادات جامعة القاهرة في جولات ميدانية بالكليات مع انطلاق العام الجامعي الجديد (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

وامتدت محاولات ضبط الإيقاع التعليمي إلى الجامعات، التي شددت على تطبيق ضوابط المظهر العام داخل الحرم الجامعي، حيث أعلنت عن «مدونة سلوك» أو أصدرت تعليمات تحظر ارتداء الملابس الممزقة أو الشفافة أو القصيرة، إلى جانب الشورتات والأحذية المفتوحة وبعض أشكال الإكسسوارات التي لا تتناسب مع البيئة الأكاديمية.

وشهد أول أيام العام الجامعي الجديد عدة وقائع أثارت تفاعلاً، منها منع طالب وطالبة من دخول جامعة بنها بسبب ارتدائهما «بناطيل ممزقة»، كما شهدت الجامعة منع أحد الطلاب من الدخول بسبب انتعاله حذاءً مفتوحاً (شبشب)، ورغم أن الطالب أوضح لأفراد الأمن أنه خضع مؤخراً لعملية جراحية بالقدم، وأن انتعاله هذا الحذاء جاء بناءً على توصية طبية، إلا أن الأمن اشترط تقديم تقرير طبي رسمي يُثبت حالته الصحية، حسبما أفادت به تقارير صحافية محلية.

وجددت هذه الوقائع نقاشاً قديماً ومكرراً بشأن ضوابط «الزي اللائق» وآليات تطبيقها، وسط انقسام بين تأييد موقف الجامعات في وضع قواعد للانضباط والمظهر العام داخلها، وبين معارضين رأوا أن ملابس الطالب لا ينبغي أن تكون سبباً لمنعه من حق تلقي التعليم، كما أثار البعض تساؤلات حول وجود أكواد موحدة (dress code) داخل الجامعات تلزم الطلاب بملابس ذات مواصفات محددة.

كانت مصادر بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية قد أكدت في تصريحات صحافية سابقة عدم وجود قانون محدد ينظم ملابس الطلاب داخل الجامعة، من خلال وضع مواصفات محددة للملابس داخل الحرم الجامعى سواء للطلاب أو الطالبات، موضحةً أن الجامعات تتمتع بشخصية مستقلة، وبالتالي يكون لرئيس كل جامعة الحق في تنظيم شؤون الجامعة والحرم الجامعي في جميع الأمور بما فيها الملابس.

ويوضح الخبير التربوي، عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، أن الجامعات المصرية لا تستند إلى قانون موحد يحدد بصورة تفصيلية شكل الزي المسموح به داخلها، وإنما تعتمد في الغالب على اللوائح الداخلية أو قرارات تنظيمية، مؤكداً أن «غياب كود موحد ومحدد للزي داخل الجامعات، يجعل بعض القرارات خاضعة للتقديرات والاجتهادات الشخصية عند التطبيق».

طلاب بجامعة بنها داخل إحدى القاعات الدراسية في أول أيام العام الدراسي (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجدل المتكرر حول هذه الوقائع يعكس الحاجة إلى وجود إطار أكثر وضوحاً تصدره الجهات المسؤولة عن التعليم العالي»، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن أي «دريس كود» لن يكون قادراً على تغطية جميع التفاصيل المرتبطة بالأزياء، فالموضة تتطور بصورة متسارعة، الأمر الذي يجعل من الصعب صياغة قواعد تستوعب كل جديد.

ويفسر حجازي تكرار هذه الأزمات مع بداية كل عام دراسي لكونها «تقع في منطقة حساسة بين رؤيتين متباينتين داخل المجتمع، فهناك تيار مُحافظ يرى أن للجامعة الحق في فرض معايير للمظهر، يقابله تيار آخر ينظر إلى مسألة اللباس بوصفها حرية شخصية، وبالتالي يتحول الأمر إلى صراع قيمي يأخذ أبعاداً فلسفية وجدلية كبيرة».

بدورها، تؤكد الخبيرة التربوية داليا الحزاوي، المنسق العام للبرنامج الوطني لتعزيز الحق في التعليم بمجلس الشباب المصري، أن بناء شخصية الطالب لا يقتصر على التحصيل الدراسي، وإنما يشمل أيضاً غرس قيم والسلوكيات الإيجابية، موضحةً أن «للأسرة دوراً أساسياً في ذلك، سواء بتعليم الأبناء الاستخدام المسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي واحترام خصوصية الآخرين، وكذلك التدخل والتوجيه فيما يرتدونه داخل الجامعة».

وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «توجيهات معاقبة تصوير المعلم داخل المدرسة تأتي في توقيت مهم، في ظل انتشار بعض الممارسات التي تستهدف السخرية من المعلمين وتصويرهم ونشر المقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، مشددةً على أن «احترام المعلم والحفاظ على كرامته من أساسيات الانضباط داخل المدرسة».

كما تبيّن أن «الحفاظ على هيبة المؤسسة التعليمية لا يتعارض مع احترام حق الطالب في اختيار ملابسه»، لافتةً في الوقت نفسه إلى أن مخالفة ضوابط المظهر يجب أن يكون لها عقوبات متدرجة وفق لائحة واضحة ومعلنة.