«الفيدرالي» يترقب... والرسوم تضع باول في مأزق تضخمي

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول خلال مؤتمر صحافي في واشنطن 7 مايو 2025 (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول خلال مؤتمر صحافي في واشنطن 7 مايو 2025 (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يترقب... والرسوم تضع باول في مأزق تضخمي

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول خلال مؤتمر صحافي في واشنطن 7 مايو 2025 (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول خلال مؤتمر صحافي في واشنطن 7 مايو 2025 (رويترز)

رغم أن الاقتصاد الأميركي لا يزال في وضع جيد عموماً، فإن ذلك لا يُجنّب رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، حالة من القلق والترقّب.

فمع اجتماع السياسة النقدية، الذي يستمر يومين بدءاً من الثلاثاء، تبدو أغلب المؤشرات الاقتصادية مشجعة: التضخم في مسار انحداري مستقر، والبطالة لا تزال عند مستوى منخفض تاريخياً يبلغ 4.2 في المائة. ومع ذلك، فإن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب مؤخراً قد تُنعش التضخم في الأشهر المقبلة، وتؤدي في الوقت نفسه إلى إبطاء وتيرة النمو، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وفي ظل هذا الغموض، من المرجّح أن يُبقي «الفيدرالي» سعر الفائدة الأساسي دون تغيير عند نطاق 4.25 في المائة - 4.50 في المائة، يوم الأربعاء. كما سيُصدر صناع السياسة حزمة جديدة من التوقعات الاقتصادية الفصلية، يُنتظر أن تُظهر توقعات بتسارع التضخم لاحقاً هذا العام، مع احتمال ارتفاع طفيف في معدل البطالة.

ويرجّح اقتصاديون أن تتضمّن هذه التوقعات أيضاً إشارة إلى خفضين محتملين لسعر الفائدة خلال ما تبقى من العام.

وغالباً ما يقود احتمال ارتفاع التضخم إلى تثبيت أسعار الفائدة أو حتى زيادتها، في حين يُفضي ارتفاع البطالة عادة إلى خفضها. ومع احتمالية جذب الاقتصاد في كلا الاتجاهين، أكد باول وعدد من المسؤولين مؤخراً أنهم يفضّلون التمهّل إلى أن تتّضح الصورة بشكل أكبر قبل اتخاذ أي خطوة.

وقالت ديان سوانك، كبيرة الاقتصاديين في شركة «كيه بي إم جي» للمحاسبة: «(الاحتياطي الفيدرالي) يقف في منطقة رمادية أشبه بالمطهر، ولولا التهديدات الناتجة عن الرسوم الجمركية لكان خفض الفائدة مرجحاً. لكن الغموض وعدم اليقين والتأثيرات المحتملة التي لم تتجلَّ بعد تُبقي (الفيدرالي) في موقع الترقب».

وفي الوقت نفسه، تُكثّف إدارة ترمب ضغوطها على باول لخفض تكاليف الاقتراض، إذ وصفه الرئيس بـ«الأبله» لعدم خفضه الفائدة، في حين دعا آخرون، من بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير التجارة هوارد لوتنيك، إلى اتخاذ هذه الخطوة.

ويؤدي خفض «الفيدرالي» سعر الفائدة قصير الأجل عادةً -وإن لم يكن دائماً- إلى تقليص تكاليف الاقتراض على المستهلكين والشركات، بما يشمل الرهون العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان، إلا أن أسعار الفائدة طويلة الأجل تتأثر أيضاً بتوقعات الأسواق، ويمكن أن تبقى مرتفعة حتى في حال خفض الفائدة القصيرة.

فإذا خشي المستثمرون من استمرار التضخم، فقد يطالبون بعوائد أعلى على سندات الخزانة طويلة الأجل، ما يرفع بدوره تكاليف الاقتراض الأخرى.

ورغم تصريحات ترمب بأن الاقتصاد «يسير على ما يرام»، فإنه أشار إلى أن خفض الفائدة قد يؤدي إلى إقلاع الاقتصاد «كالصاروخ». لكنه عبّر أيضاً عن مخاوف من أن عدم خفض الفائدة سيُكبّد الحكومة الفيدرالية فوائد ضخمة على الدين العام، خاصة في ظل مشروع قانون الضرائب والميزانية الجديد المطروح أمام مجلس الشيوخ.

وقال ترمب الأسبوع الماضي: «سندفع 600 مليار دولار سنوياً فقط بسبب شخص واحد يجلس هناك، ويقول: لا أرى سبباً وجيهاً لخفض الفائدة الآن».

لكن مطالبة «الفيدرالي» بخفض الفائدة فقط لتقليل أعباء فوائد الدين تُثير القلق في أوساط الاقتصاديين، لأنها تتعارض مع تفويض «الاحتياطي الفيدرالي» الذي منحه له الكونغرس، والمتمثل في استقرار الأسعار وتحقيق أقصى مستويات التوظيف.

ومع ذلك، فإن الأسواق لم تُظهر رد فعل كبيراً تجاه هجمات ترمب الأخيرة، خصوصاً بعد أن أصدرت المحكمة العليا حكماً الشهر الماضي يُفيد بأن الرئيس لا يملك السلطة القانونية لعزل رئيس «الفيدرالي».

ومع بقاء التضخم حتى الآن قريباً من المستهدف، رغم الرسوم الجمركية، فقد تزداد الضغوط على «الفيدرالي» في الأشهر المقبلة من قِبل المستثمرين والاقتصاديين لخفض الفائدة. ويقدّر صناع السياسة أن «سعر الفائدة المحايد» -أي الذي لا يسرّع النمو ولا يُبطئه- يبلغ نحو 3 في المائة.

أما التضخم، وفقاً للمقياس المفضل لدى «الفيدرالي»، فيُقدّر حالياً بنحو 2.1 في المائة، أي أنه قريب جداً من هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة. وهذا قد يُشير إلى أن سعر الفائدة الحالي البالغ 4.4 في المائة مرتفع أكثر من اللازم، ومن ثم قد يُبرر خفضه للاقتراب من المستوى المحايد.

وقال جون هيلسنراث، الباحث الزائر في جامعة ديوك: «هذه حجة منطقية يتعيّن على (الفيدرالي) أخذها في الاعتبار».

ومع ذلك، فإن استطلاعاً أجراه هيلسنراث شمل عدداً من المسؤولين والموظفين السابقين في «الفيدرالي»، أشار إلى أن التوقعات تُرجّح خفضاً واحداً فقط للفائدة هذا العام. وأضاف: «ثمة مخاوف من ارتفاع التضخم؛ لذا لا يريد (الفيدرالي) التسرع».

وقد لا تكون تأثيرات الرسوم الجمركية على التضخم بحجم المخاوف المطروحة، وأحد الأسباب لذلك هو أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي، ما يرفع البطالة ويُضعف شهية المستهلكين للدفع، ومن ثم يُخفف الضغوط التضخمية.

وفي مذكرة بحثية حديثة، توقّع خبراء «غولدمان ساكس» ارتفاع التضخم إلى 3.6 في المائة بحلول ديسمبر (كانون الأول)، لكنهم أشاروا إلى أن هذا الارتفاع سيكون مؤقتاً.

وكتب يان هاتزيوس، كبير الاقتصاديين في البنك، وزملاؤه: «سبب قلقنا المحدود يعود إلى توقعاتنا بضعف الاقتصاد خلال هذا العام، مع ارتفاع طفيف في معدل البطالة».

وإذا ما استمر التباطؤ الاقتصادي ونتج عنه ضعف في الإنفاق الاستهلاكي وضغوط تضخمية محدودة، فقد يجد «الفيدرالي» مبرراً أقوى لخفض سريع للفائدة. غير أن صناع السياسة يفضلون الانتظار حتى تتّضح الصورة الكاملة لتأثيرات الرسوم الجمركية.

وكتب مايكل غابين، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «مورغان ستانلي»، في مذكرة يوم الاثنين: «سيحتاج (الاحتياطي الفيدرالي) إلى عدة أشهر لتقييم تداعيات التغيرات السياسية. التأني والحذر أفضل من التسرع والخطأ».


مقالات ذات صلة

التضخم في أميركا يكمل 5 سنوات... صدمة اقتصادية لا تهدأ

الاقتصاد شخص يعمل في كشك لبيع الفواكه والخضراوات في مانهاتن بنيويورك (رويترز)

التضخم في أميركا يكمل 5 سنوات... صدمة اقتصادية لا تهدأ

يُكمل أسوأ تفشٍّ للتضخم في الولايات المتحدة خلال جيل 5 سنوات هذا الشهر، وهو صدمة اقتصادية محورية لا تزال تحرك النقاشات السياسية، وتؤثر على السياسات الوطنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد أمام مقر بنك الاحتياطي الأسترالي في وسط مدينة سيدني (رويترز)

الاحتياطي الأسترالي يستهل «أسبوع البنوك» برفع الفائدة

رفع البنك المركزي الأسترالي سعر الفائدة للشهر الثاني على التوالي، يوم الثلاثاء، قائلاً إن هناك حاجة إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض لكبح التضخم.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد ناقلة نفط كبيرة تُبحر باتجاه رصيف في ميناء تشينغداو بالصين (أ.ف.ب)

صدمة النفط تضرب آسيا: كيف تتعامل الدول مع ارتفاع الأسعار؟

ارتفعت أسعار النفط، وتراجعت أسواق الأسهم بسبب المخاوف من أن يؤدي الضغط على إمدادات الطاقة الناتج عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى زيادة التضخم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد بائع يعرض أساور ذهبية للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يرتد عن الـ5000 دولار بفعل رهانات التشدد النقدي

انخفضت أسعار الذهب يوم الاثنين، متأثرةً بمخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تفاقم التضخم ودفع البنوك المركزية الكبرى إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

«المركزي الأوروبي» يودع «الوضع الجيد»... فهل يرفع الفائدة الخميس؟

يجتمع البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس ويتوقع المتداولون أن يدفع ارتفاع أسعار النفط البنك إلى رفع أسعار الفائدة في وقت مبكر من هذا العام 

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)

كازاخستان وروسيا تناقشان زيادة كميات النفط إلى الصين

حقل نفط في شمال روسيا (رويترز)
حقل نفط في شمال روسيا (رويترز)
TT

كازاخستان وروسيا تناقشان زيادة كميات النفط إلى الصين

حقل نفط في شمال روسيا (رويترز)
حقل نفط في شمال روسيا (رويترز)

أعلنت «كازترانسويل» شركة خطوط الأنابيب الكازاخستانية، الثلاثاء، أن كازاخستان وروسيا تجريان محادثات لزيادة نفاذ النفط الروسي للصين إلى 12.5 مليون طن متري سنوياً من 10 ملايين طن متري.

وأعلنت شركة «كازترانسويل» أنها تخطط لتصدير 474 ألف طن متري من النفط عبر كونسورتيوم خط أنابيب بحر قزوين خلال هذا الشهر، بالإضافة إلى 210 آلاف طن متري إلى ألمانيا و138 ألف طن متري عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان.

وأوقفت الولايات المتحدة الأميركية تفعيل العقوبات على روسيا حتى منتصف أبريل (نيسان) المقبل، بعد ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات كبيرة عند ما يقارب 105 دولارات للبرميل، وسط توقعات ببلوغه 200 دولار حال استمرار تعطل مضيق هرمز.


الأسهم الصينية تتراجع وسط حالة من عدم اليقين في الشرق الأوسط

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

الأسهم الصينية تتراجع وسط حالة من عدم اليقين في الشرق الأوسط

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

أنهت الأسهم الصينية تداولات الثلاثاء على انخفاض، متراجعةً عن مكاسب الصباح، في ظل استمرار عزوف الأسواق عن المخاطرة وسط حالة جديدة من عدم اليقين الجيوسياسي. واستقرت أسهم هونغ كونغ بشكل تقريبي. وأغلق مؤشر «سي إس آي300» الصيني للأسهم القيادية على انخفاض بنسبة 0.7 في المائة، بينما انخفض مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة 0.9 في المائة. وارتفع مؤشر «هانغ سينغ» القياسي في هونغ كونغ بنسبة 0.1 في المائة. وانخفضت أسهم قطاعي الفحم البري والنفط والغاز بنسبة 2.3 في المائة و1.6 في المائة توالياً، على الرغم من ارتفاع أسعار النفط نتيجة تجدد المخاوف بشأن الإمدادات.

واستقر مؤشر «هانغ سينغ» للتكنولوجيا بشكل تقريبي يوم الثلاثاء، بعد أن سجل أدنى مستوى له منذ نحو عام في وقت سابق من هذا الشهر. ويترقب المستثمرون نتائج شركة «تينسنت» السنوية، المقرر صدورها يوم الأربعاء، لتقييم نموها في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي قد يؤثر على المؤشر. وأشار محللون في شركة «هواتاي» للأوراق المالية في مذكرة لهم إلى أن أسهم هونغ كونغ، خصوصاً مؤشر «هانغ سينغ» للتكنولوجيا، قد راكمت مراكز بيع كبيرة خلال عمليات البيع الأخيرة. ومع ارتفاع تقلبات سوق الأسهم عالمياً، تراجعت نسبة المخاطرة إلى العائد في رهانات الشراء والبيع بالرافعة المالية؛ مما دفع إلى تغطية مراكز البيع على المكشوف خلال الأسبوعين الماضيين؛ الأمر الذي أسهم في دعم السوق، وفقاً لما ذكره المحللون. وتفوقت أسهم القطاع المالي على الأسهم المتراجعة، حيث ارتفعت أسهم القطاع المالي المحلي بنسبة 1.2 في المائة، بينما ارتفعت أسهم نظيراتها الخارجية بنسبة 0.6 في المائة. كما ارتفعت أسهم شركات التأمين بنسبة اثنين في المائة.

* اليوان يرتفع

من جانبه، ارتفع اليوان الصيني مقابل الدولار يوم الثلاثاء، حيث ترقب المستثمرون الإشارات النقدية من اجتماعات البنوك المركزية الرئيسية هذا الأسبوع، في ظل تصاعد الحرب في الشرق الأوسط وتأجيل زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المقررة إلى الصين. وافتتح اليوان الفوري عند 6.8880 مقابل الدولار، وبلغ سعره 6.8834 بحلول الساعة الـ02:20 بتوقيت غرينيتش، أي أعلى بمقدار 74 نقطة من إغلاق الجلسة السابقة. وكان رد فعل السوق محدوداً على خطة ترمب لتأجيل زيارته المرتقبة إلى الصين في أوائل أبريل (نيسان) المقبل لنحو شهر بسبب الحرب الإيرانية. وانخفض مؤشر الدولار مجدداً إلى ما دون 100 بعد أن لامس أعلى مستوى له في 10 أشهر الأسبوع الماضي، مدعوماً مؤخراً بتدفقات الملاذ الآمن عقب الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران وارتفاع أسعار النفط. وارتفع المؤشر بنسبة 0.07 في المائة ليصل إلى 99.93 نقطة. وقبل افتتاح السوق، حدد «بنك الشعب الصيني» سعر الصرف المتوسط عند 6.8961 مقابل الدولار، أي أقل بمقدار 87 نقطة من تقديرات «رويترز». ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بنسبة اثنين في المائة أعلى أو أقل من سعر الصرف المتوسط المحدد يومياً. وقال محللون في شركة «هواتاي فيوتشرز» إن ارتفاع أسعار النفط العالمية سينعكس جزئياً على الصين عبر الواردات، لكن التأثير الأوسع على النمو والتضخم سيكون محدوداً نسبياً. وأشاروا إلى أن الفحم والطاقة المتجددة يشكلان حصة أكبر من مزيج الطاقة في البلاد، وأن الاعتماد على النفط أقل منه في أوروبا أو اليابان. ويتوقع المحللون أن يُتداول اليوان الصيني في السوق المحلية ضمن نطاق بين 6.85 و6.92، مستندين إلى صادرات الصين وسياسة تثبيت سعر الفائدة التي يتبعها «بنك الشعب الصيني»، التي لا تزال داعمة للعملة. وأضافوا أن أي انفراجة ملموسة في التوترات بالشرق الأوسط أو إشارات أوضح من «مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» بشأن خفض أسعار الفائدة قد تدفع باليوان إلى تجاوز مستوى 6.85 واختبار مستوى نحو 6.82. ويستعد المستثمرون لأسبوع حافل في اجتماعات البنوك المركزية، بما في ذلك «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، و«البنك المركزي الأوروبي»، و«بنك إنجلترا»، و«بنك اليابان». وقال محللو بنك «دي بي إس» في مذكرة: «القيمة الجيوسياسية المرتفعة حالياً للدولار الأميركي عرضة لتقلبات السياسة النقدية التي قد تؤدي إلى خفض سعر الفائدة مرة أو مرتين من قبل (الاحتياطي الفيدرالي)، مقابل توقعات بتوقف أو رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية الأخرى». وأضاف المحللون: «قد تزداد التقلبات مجدداً نتيجة أي رد فعل غاضب من ترمب ضد الحلفاء الذين يسعون إلى حل دبلوماسي للصراع الإيراني، مع احتمال أن يؤدي انهيار الوحدة الغربية إلى إعادة إشعال موجة البحث عن ملاذ آمن».


التضخم في أميركا يكمل 5 سنوات... صدمة اقتصادية لا تهدأ

شخص يعمل في كشك لبيع الفواكه والخضراوات في مانهاتن بنيويورك (رويترز)
شخص يعمل في كشك لبيع الفواكه والخضراوات في مانهاتن بنيويورك (رويترز)
TT

التضخم في أميركا يكمل 5 سنوات... صدمة اقتصادية لا تهدأ

شخص يعمل في كشك لبيع الفواكه والخضراوات في مانهاتن بنيويورك (رويترز)
شخص يعمل في كشك لبيع الفواكه والخضراوات في مانهاتن بنيويورك (رويترز)

يُكمل أسوأ تفشٍّ للتضخم في الولايات المتحدة خلال جيل 5 سنوات هذا الشهر، وهو صدمة اقتصادية محورية لا تزال تحرك النقاشات السياسية، وتؤثر على السياسات الوطنية، وتثير إحباط مسؤولي مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الذين يحاولون إعادة معدل زيادة الأسعار إلى هدفهم البالغ 2 في المائة، بعد إخفاق هائل.

وعندما أثار التضخم المتراجع في بداية جائحة «كوفيد-19» مخاوف من دوامة خطيرة في الأجور والأسعار، اعتُبر ارتفاع الأسعار بأكثر من 2 في المائة سنوياً في مارس (آذار) 2021 مؤشراً إيجابياً. وكان مسؤولو «الفيدرالي» يخططون لتشجيع هذا الاتجاه الناشئ، عبر إبقاء أسعار الفائدة منخفضة.

وقال رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، في مؤتمر صحافي ذلك الشهر: «نريد التضخم عند 2 في المائة، وليس على أساس مؤقت»، في تصريح تحذيري سيظل يطارد البنك المركزي. وتوقع المصرفيون أن يبقى التضخم أعلى من الهدف خلال ذلك العام، ولكن ليس بفارق كبير، وأنهم سينتظرون قبل أي محاولة لتهدئة الاقتصاد، عبر رفع أسعار الفائدة حتى يتأكدوا من استمرارية الارتفاع.

لكن وتيرة التضخم استمرت في التسارع. بنهاية العام، كان مؤشر أسعار الإنفاق الشخصي (PCE) الذي يستخدمه «الفيدرالي» لتحديد هدفه يرتفع بأكثر من 6 في المائة سنوياً، أي ثلاثة أضعاف الهدف. ولم يبلغ ذروته إلا بعد تجاوزه 7 في المائة في يونيو (حزيران) 2022، حينها اضطر «الفيدرالي» لمواكبة الوضع عبر سلسلة سريعة وحادة من رفع الفائدة. بينما تجاوز مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) 9 في المائة في الشهر ذاته، وهو أسرع معدل منذ 1981، حين كان «الفيدرالي» يكافح خروج الأسعار عن السيطرة.

فالآثار السياسية والمالية والاقتصادية لهذه الأزمة لن تتلاشى سريعاً.

مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

السلع مقابل الرواتب

كان شعار «الناس يكرهون التضخم» شائعاً بين مسؤولي «الفيدرالي» في أثناء تبنيهم سلسلة سريعة تاريخياً من رفع أسعار الفائدة في 2022 للسيطرة على التضخم، رغم إدراكهم أن تشديد الائتمان سيؤدي إلى صعوبات عبر دفع تكلفة المنازل أو السيارات إلى مستويات بعيدة عن متناول بعض المستهلكين. وتعمل السياسة النقدية جزئياً عبر تقليل الطلب برفع تكلفة الاقتراض، ما يخفف الضغط على الأسعار.

وكانت هناك مخاطر أكبر، تتمثل في «هبوط حاد» من التضخم على شكل ارتفاع البطالة أو ركود اقتصادي، وهو ما لم يحدث رغم توقع كثير من كبار الاقتصاديين حدوثه.

والسبب واضح في استعداد مسؤولي «الفيدرالي» لتحمل هذه المخاطر: التضخم بمثابة ضريبة تترك الجميع أسوأ حالاً. على مدار السنوات الست الماضية، قوَّض التضخم معظم زيادات الدخل الشخصي، وضرب الفئات الأقل دخلاً أكثر من غيرها. فالدولار اليوم يعادل نحو 79 سنتاً مقارنة بيناير (كانون الثاني) 2020.

للمشترين العقاريين... علاج مؤلم

يقول بعض الاقتصاديين إن حل التضخم هو مزيد من التضخم؛ إذ إن الأسعار المرتفعة ستقتل الطلب في النهاية. ولكن بالنسبة لـ«الفيدرالي»، الحل هو رفع أسعار الفائدة. ورفع سعر الفائدة قصير الأجل يؤدي إلى زيادة تكاليف الاقتراض الأخرى؛ خصوصاً الرهون العقارية.

بدأت سلسلة رفع الفائدة في 2022 في وقت غير معتاد؛ حيث اعتاد المستهلكون الأميركيون على عقود رهن منخفضة للغاية لأكثر من عقد، أرخص من أي وقت حديث. وكان التحول المفاجئ إلى تكاليف تمويل أعلى بمثابة صدمة. وتلعب التوقعات دوراً كبيراً في الاقتصاد والسياسة، وما زال الجمهور يتكيف مع حقيقة أن «المال الرخيص» انتهى حالياً.

ويضيف ارتفاع سعر الرهن من أقل من 3 في المائة إلى أكثر من 6 في المائة مئات الدولارات إلى المدفوعات الشهرية، ما يثير الإحباط لأولئك الذين لم تعد دخولهم تكفي لشراء منزل.

المعركة مستمرة

مع اجتماع «الفيدرالي» هذا الأسبوع، المتوقع فيه إبقاء أسعار الفائدة ثابتة، لا تزال الولايات المتحدة تواجه آثار ما اعتبره الاقتصاديون تصادماً بين سلاسل التوريد المقيدة بالجائحة، والطلب الناتج عن تريليونات الدولارات من الإنفاق الفيدرالي خلال جائحة «كوفيد». في الوقت ذاته، يبقى مؤشر التضخم المفضل لدى «الفيدرالي» فوق الهدف بنحو نقطة واحدة عند نحو 3 في المائة، وتظل السياسة النقدية مشددة نسبياً، وقد تحدث صدمة جديدة في الأسعار مع تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وارتفاع أسعار الغاز إلى أكثر من 3.70 دولار، أي بنسبة تقارب 25 في المائة منذ اندلاع العمليات العدائية في 28 فبراير (شباط).

الرئيس دونالد ترمب الذي استغل غضب الناخبين من التضخم، وارتفاع الأسعار، كأداة قوية في حملته لإعادة انتخابه عام 2024، لا يزال يواجه مخاوف المواطنين بشأن «القدرة على تحمل التكاليف»، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الغذاء، وبقاء معدلات الرهن العقاري فوق 6 في المائة، بالإضافة إلى الضغوط المتزايدة لتكاليف الرعاية الصحية والنفقات الأساسية على ميزانيات الأسر. لقد وعد بانخفاض الأسعار، ولكنها لم تتراجع، ونادراً ما تشهد تراجعاً فعلياً في الواقع.