روسيا تتحايل على العقوبات الغربية لتعزيز وجودها العسكري بأفريقيا

عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)
عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)
TT

روسيا تتحايل على العقوبات الغربية لتعزيز وجودها العسكري بأفريقيا

عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)
عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)

في الوقت الذي تُواصل فيه روسيا قصف أوكرانيا، تقوم بتوسيع نطاق وجودها العسكري في أفريقيا، من خلال تزويد مناطق النزاع في أفريقيا جنوب الصحراء بأسلحة متطورة، حيث تشهد قوة مسلَّحة خاضعة لسيطرة «الكرملين» صعوداً ملحوظاً.

وبينما تتجاوز العقوبات التي فرضتها الدول الغربية، تستخدم موسكو سفن شحن لنقل دبابات ومركبات مدرَّعة ومدفعية ومُعدات عالية القيمة إلى غرب أفريقيا، وفق ما كشفته وكالة «أسوشييتد برس».

شعار «فاغنر» الروسية (أرشيفية)

وباستخدام صور الأقمار الاصطناعية والإشارات اللاسلكية، تتبعت الوكالة قافلة من سفن الشحن التي ترفع العَلم الروسي، خلال رحلةٍ استمرت قرابة شهر من بحر البلطيق.

ووفقاً لمسؤولين عسكريين أوروبيين راقبوا السفن من كثب، فقد كانت تحمل مدافع هاوتزر ومُعدات للتشويش اللاسلكي، وغيرها من العتاد العسكري.

ومِن شأن هذه الشحنات أن تُعزز «فيلق أفريقيا»، التابع لروسيا، والذي لا يزال في بداياته، في وقتٍ تتنافس فيه موسكو مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين على النفوذ بالقارة.

سفينة شحن روسية في غينيا (أ.ب)

ويشهد «فيلق أفريقيا»، الذي يرتبط بفرع سري من الجيش الروسي، تنامياً في وقتٍ بدأت فيه القوات الأميركية والأوروبية الانسحاب من المنطقة، بعد أن أجبرتها دول في أفريقيا جنوب الصحراء على الخروج، واختارت التوجه نحو روسيا للحصول على الدعم الأمني.

ويخوض كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، منذ أكثر من عقد، معارك ضد مقاتلين مرتبطين بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش».

أنهت مجموعة «فاغنر» دورها رسمياً وغادرت مالي حيث كانت تنشط منذ عام 2021 على أن يجري دمج مجموعاتها ضمن «فيلق أفريقيا» المرتبط بروسيا (أرشيفية-متداولة)

في البداية، دخلت جماعات مرتزقة ذات صلة غير مباشرة بـ«الكرملين» ساحات القتال في أفريقيا، لكن روسيا بدأت تدريجياً نشر قوتها العسكرية وأجهزتها الاستخباراتية بشكل مباشر ومتزايد. وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف: «نعتزم توسيع تعاوننا مع الدول الأفريقية في جميع المجالات، مع التركيز على التعاون الاقتصادي والاستثمارات». وأضاف: «يشمل هذا التعاون مجالات حساسة مرتبطة بالدفاع والأمن».

سفينة شحن روسية في غينيا (أ.ب)

وتُنقل الأسلحة الروسية بالشاحنات إلى مالي، وتُعدّ سفينتا «بالتيك ليدر» التي تبلغ حمولتها 8800 طن، و«باتريا» التي تبلغ حمولتها 5800 طن، من بين مئات السفن التي فرضت عليها الدول الغربية عقوبات؛ في محاولة لخنق الموارد التي تُستخدم في حرب روسيا ضد أوكرانيا.

وأظهرت صور أقمار اصطناعية لوكالة «أسوشييتد برس» أن السفينتين رَسَتا وأفرغتا حمولتيهما في مدينة كوناكري، عاصمة غينيا، في أواخر شهر مايو (أيار) الماضي.

عناصر من «فاغنر» في بلدة بشمال مالي يسكنها طوارق (متداولة)

وكانت سفن أخرى قد قامت بنقل شحنات إلى الميناء نفسه في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث جرى تسليم دبابات ومركبات مدرّعة ومُعدات عسكرية أخرى نُقلت، لاحقاً، براً إلى مالي المجاورة، وفقاً لمسؤولين عسكريين أوروبيين، وفيديو نشره مدوِّن مالي يُظهر قافلة طويلة من المركبات. وتحدّث المسؤولون العسكريون إلى وكالة «أسوشييتد برس» حول العمليات الروسية، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم. ونجحت الوكالة في التحقق من الفيديو، الذي نشره المدوِّن، عبر تحديد الموقع الجغرافي للقافلة على طريق «آر إن 5» السريع المؤدي إلى العاصمة المالية باماكو.

وبعد الشحنة الأخيرة التي جرى تسليمها في كوناكري، شُوهدت مجدداً شاحنات تنقل مركبات مدرّعة ومدافع هاوتزر ومُعدات روسية الصنع أخرى على الطريق البري المؤدي إلى مالي.

صورة من مقطع فيديو نُشر 20 مايو 2023 على «تلغرام» التابع للخدمة الصحافية لشركة «كونكورد» المرتبطة برئيس «فاغنر» يفغيني بريغوجين الذي يظهر واقفاً أمام عَلَم وطني روسي مع جنوده (أ.ف.ب)

وأكدت هيئة الإذاعة والتلفزيون المالية الرسمية «أو آر تي إم» أن جيش البلاد تسلَّم مُعدات عسكرية جديدة. ومن خلال تحليل فيديوهاتها وصور المدوِّن المالي، التي صُوّرت في الموقع نفسه الذي التُقطت فيه صور تسليم يناير، جرى التعرف على مجموعة واسعة من المُعدات روسية الصنع، من بينها مدافع ميدانية من عيار 152 ملم، ومدافع أخرى أصغر حجماً.

كما حددت وكالة أسوشيتد برس وجود ناقلة جنود مدرّعة من طراز «بي تي آر-80» مزودة بمُعدات تشويش لا سلكي، إلى جانب مركبات مدرّعة من طراز «سبارتاك» ومركبات مدرّعة أخرى، بعضها مزود بأسلحة رشاشة. وضمّت الشحنة أيضاً زورقين صغيرين شِبه مطاطيين، أحدهما يحمل عَلَم روسيا مرسوماً على هيكله، بالإضافة إلى شاحنات صهريجية، كُتب على جوانب بعضها كلمة «قابل للاشتعال» باللغة الروسية.

أرشيفية لعنصرين من «فاغنر» في مالي (متداولة)

وقال المسؤولون العسكريون، الذين تحدثوا إلى وكالة «أسوشييتد برس»، إنهم يعتقدون أن روسيا خصصت أقوى المُعدات، ولا سيما المدفعية ومُعدات التشويش، لـ«فيلق أفريقيا» التابع لها، وليس للجيش المالي. ويبدو أن «فيلق أفريقيا» حصل أيضاً على قدرات جوية، إذ رصدت الأقمار الاصطناعية، خلال الأشهر الأخيرة، طائرة هجومية من طراز «سو24-» في قاعدة جوية بباماكو.

والوحدة السرية سيئة السمعة في موسكو، ولسنوات، دعّمت القوات الفرنسية، خلال عمليات مكافحة التمرد في مالي وبوركينا فاسو والنيجر المجاورتين. لكن فرنسا سحبت قواتها بعد الانقلابات التي وقعت في مالي خلال عاميْ 2020 و2021، وفي بوركينا فاسو عام 2022، وفي النيجر عام 2023. وقد ملأ المرتزقة الروس هذا الفراغ.

وأبرز هؤلاء كانت مجموعة «فاغنر»، التي نشرت قواتها في السودان عام 2017 ووسَّعت نطاق انتشارها إلى دول أفريقية أخرى، غالباً مقابل الحصول على امتيازات في مجالات التعدين.

واكتسبت المجموعة سُمعة بالوحشية، حيث اتهمتها دول غربية وخبراء من الأمم المتحدة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك في جمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا ومالي.

ومن بين 33 دولة أفريقية تنشط فيها شركات عسكرية روسية خاصة، كانت الأغلبية تحت سيطرة «فاغنر»، وفق بحثٍ أجرته مؤسسة راند، برعاية الحكومة الأميركية.

لكن بعد تمرد قوات «فاغنر» في روسيا، خلال عام 2023، ومقتل زعيمها يفغيني بريغوجين، بعد شهرين، في حادث تحطم طائرة تحوم حوله شبهات، شددت موسكو قبضتها.

وجرت إعادة هيكلة العمليات العسكرية الروسية في أفريقيا، مع تولي «الكرملين» مزيداً من السيطرة، من خلال «فيلق أفريقيا».

ويُشرف على هذا الفيلق قائد الوحدة 29155، وهي واحدة من أكثر فروع جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي غموضاً وسوء سُمعة، وفقاً للاتحاد الأوروبي.

سفينة شحن روسية في غينيا (أ.ب)

واتهمت الوحدة 29155 بتنفيذ هجمات سرية ضد مصالح غربية، على مدى سنوات، شملت أعمال تخريب ومحاولات اغتيال.

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على اللواء أندريه أفيريانوف، قائد الوحدة 29155، متهماً إياه بالإشراف على عمليات «فيلق أفريقيا».

وجاء في قرار العقوبات: «في عدد من الدول الأفريقية تُقدم القوات الروسية الحماية للمجالس العسكرية التي أطاحت بحكومات ديمقراطية شرعية، مما أدى إلى تدهور بالغ في الاستقرار والأمن والديمقراطية بتلك الدول». وأضاف القرار أن هذه العمليات يجري تمويلها من خلال استغلال الموارد الطبيعية للقارة.

مقاتلون من مرتزقة «فاغنر» الروسية في مدينة روستوف أون دون بروسيا 24 يونيو 2023 (رويترز)

تجنيد «فيلق أفريقيا»

يقول باحثون ومسؤولون عسكريون إن تدفق الأسلحة من روسيا يبدو أنه يُسرّع من صعود «فيلق أفريقيا» على حساب مجموعة «فاغنر»، مما يساعده على كسب ولاء المرتزقة، الذين ظلوا مُوالين للمجموعة. كما يقوم «فيلق أفريقيا» بتجنيد أفراد داخل روسيا، مقدماً عروضاً مالية تصل إلى 2.1 مليون روبل (26 ألفاً و500 دولار)، وقِطع أراض، مقابل توقيع عقد مع وزارة الدفاع، إضافة إلى مزايا إضافية عند الانتشار.

وبعد أيام فقط من وصول أحدث دفعة من المُعدات، أعلنت «فاغنر» انسحابها من مالي، قائلة، في منشور عبر «تلغرام»، إن «المهمة أُنجزت».

وفي منشور منفصل، أعلن «فيلق أفريقيا» نيّته البقاء.

وقالت جوليا ستانيارد، الباحثة في نشاط المرتزقة الروس بأفريقيا، إن هذا الانتقال من «فاغنر» إلى «فيلق أفريقيا» في مالي قد يكون مؤشراً على تحولات مشابهة في مناطق أخرى من القارة.

وأضافت ستانيارد، من المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومقرُّها سويسرا: «جلب هذه الأسلحة الحديثة والمركبات المدرّعة الجديدة يمثل تحولاً كبيراً».

وتُكبد الجماعات المسلّحة في مالي، القوات الحكومية والمرتزقة الروس خسائر فادحة، فقد قتل مقاتلو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بـ«القاعدة»، العشرات من الجنود، في هجومٍ، هذا الشهر، على قاعدة عسكرية.

وتُظهر صور أقمار اصطناعية، التُقطت في 29 مايو الماضي شاحنات مصطفّة على الرصيف البحري، أثناء تفريغ السفينة. ولم تتمكن وكالة «أسوشييتد برس» من التحقق مما إذا كانت الحمولة تتضمن أسلحة أو الوجهة النهائية للشحنة، إلا أن مجموعة «فاغنر» لا تزال تحتفظ بوجود قوي في جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يتهم مبعوثَي الولايات المتحدة بعدم احترام أوكرانيا

العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي يتهم مبعوثَي الولايات المتحدة بعدم احترام أوكرانيا

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبعوثي الولايات المتحدة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بإظهار نقص في الاحترام تجاه أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

طلبت أوكرانيا من تركيا السعي لعقد اجتماع بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي وسط ترحيب فاتر من روسيا باستئناف محادثات السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)

ارتياح في روسيا بعد فوز «صديق الكرملين» بانتخابات بلغاريا

مثّل الفوز الكبير الذي حققه حزب «بلغاريا التقدمية»، الذي يقوده الرئيس السابق للبلاد، رومين راديف، المعروف بصلاته الوثيقة مع الكرملين، مفاجأة سارة لموسكو.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا مقر وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول) في لاهاي بهولندا

الشرطة الأوروبية تعثر على 45 طفلاً أوكرانياً تم ترحيلهم قسراً

أعلنت وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول)، الاثنين، أنها عثرت على 45 طفلاً أوكرانياً رُحّلوا أو نُقلوا قسراً.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
أوروبا جندي أوكراني يختبر أنظمة روبوتية قتالية برية في ميدان تدريب بمنطقة زابوريجيا (أ.ف.ب)

حروب بلا جنود... أوكرانيا تدفع بـ«الروبوتات» إلى ساحات القتال

في تحول غير مسبوق في طبيعة الحروب، تكشف التطورات الأخيرة في أوكرانيا عن اعتماد متزايد على الأنظمة غير المأهولة مثل الروبوتات البرية والطائرات المسيّرة.

«الشرق الأوسط» (كييف)

أكبر حزب في تيغراي يعلن استعادة حكم المنطقة والسلام بشمال إثيوبيا في خطر

مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
TT

أكبر حزب في تيغراي يعلن استعادة حكم المنطقة والسلام بشمال إثيوبيا في خطر

مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)

قال الحزب السياسي الرئيسي في تيغراي إنه يستعيد السيطرة على حكومة المنطقة، مما يعني فعلياً إلغاء اتفاق السلام مع الحكومة الاتحادية الإثيوبية الذي أنهى أحد أكثر الصراعات دموية في القرن الحادي والعشرين.

وأصدرت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي هذا البيان في منشور على «فيسبوك»، أمس الأحد، متهمة الحكومة الاتحادية بانتهاك اتفاق بريتوريا، الذي أنهى الحرب التي استمرت عامين. وجاء في البيان أن الحكومة أثارت نزاعاً مسلحاً داخل تيغراي، وحجبت الأموال اللازمة لدفع رواتب الموظفين المدنيين في المنطقة، ومددت ولاية رئيس الإدارة المؤقتة دون استشارة الحزب. وأضاف البيان «إنها (الحكومة الاتحادية) في عجلة من أمرها لشن حرب دموية مرة أخرى».

نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي في 12 فبراير 2025 (أ.ب)

ودفع هذا الإعلان جيتاشو رضا، المتحدث السابق باسم الحزب ومستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، لأن يكتب على «إكس» أمس الأحد أن بيان الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يشكل «رفضاً واضحاً» للوضع الذي أرسته اتفاقية بريتوريا بعد الحرب.

وقال جيتاشو، الذي شغل منصب رئيس الإدارة المؤقتة في تيغراي قبل خلافه مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإبعاده وتعيين آخر في المنصب في العام الماضي: «يجب على المجتمع الدولي... أن يتحرك لدرء خطر اندلاع صراع كارثي في منطقة لا تستطيع تحمله».

ولم ترد بيلين سيوم المتحدثة باسم رئيس الوزراء آبي أحمد على طلب للتعليق على مزاعم الجبهة.

ولم يتسن الاتصال بمسؤولي الجبهة على الفور للتعليق.

ويقدر باحثون أن الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 2020 و2022 بين القوات التي تقودها جبهة تحرير شعب تيغراي والجيش الإثيوبي أودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص جراء العنف المباشر وانهيار الرعاية الصحية والمجاعة. واندلعت الحرب بعد انهيار العلاقات بين جبهة تحرير شعب تيغراي، وهي حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي سيطر على السياسة الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، وآبي أحمد، الذي أنهى تعيينه رئيساً للوزراء في عام 2018 هيمنة الجبهة. انتهت الحرب في أواخر عام 2022 باتفاق بريتوريا، الذي توسط فيه الاتحاد الأفريقي، والذي دعا إلى تشكيل إدارة مؤقتة لتيغراي، يتم إنشاؤها من خلال الحوار بين الجانبين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في المنطقة حتى يمكن تنظيم انتخابات جديدة.

ورغم إحراز بعض التقدم في تنفيذ الاتفاق، فقد تعرضت عملية التنفيذ لضغوط في الأشهر الأخيرة، حيث اندلعت اشتباكات مسلحة منذ يناير (كانون الثاني) بين قوات الجبهة والجيش الاتحادي ومقاتلين موالين للحكومة. ورداً على انتهاكات مزعومة من جانب الحكومة، قالت الجبهة في بيانها إنها ستستعيد السلطة التنفيذية والتشريعية في تيغراي بدلاً من الإدارة المؤقتة، وستعزز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة والدول المجاورة. وكانت الحكومة الاتحادية قد أكدت في وقت سابق التزامها باتفاق بريتوريا واتهمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا في عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية من عام 1998 إلى عام 2000.

ولم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل من مزاعم الجبهة بشأن الانتهاكات المزعومة للاتفاق من قبل الحكومة.

ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق من المتحدث باسم الاتحاد الأفريقي نور محمد بشأن قرار الجبهة استعادة الإدارة السابقة. ونفت الجبهة وإريتريا التعاون بينهما. وخاضت إريتريا، التي وقعت اتفاق سلام مع إثيوبيا في عام 2018، الحرب دعماً للجيش الإثيوبي خلال الحرب الأهلية في تيغراي. لكنها استاءت مؤخراً مما تعتبره تعليقات تهديدية من آبي أحمد، الذي يؤكد أن إثيوبيا الحبيسة لها حق في الوصول إلى البحر.


نيجيريا: «بوكو حرام» تهدد بإعدام مئات الرهائن

رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: «بوكو حرام» تهدد بإعدام مئات الرهائن

رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

هددت جماعة «بوكو حرام» الإرهابية بإعدام 416 رهينة تحتجزهم في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي نيجيريا، إذا لم تتم الاستجابة لمطالبها خلال 72 ساعة، وهو ما أثار موجة واسعة من الرعب في أوساط السكان المحليين، خصوصاً ذوي المختطفين.

وفي مقطع فيديو جرى تداوله، ونشرته صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية، حذّر متحدث ملثم باسم «بوكو حرام»، كان يتحدث بلغة الهوسا، من أن عدم الاستجابة لمطالب الجماعة خلال المهلة المحددة سيؤدي إلى قتل عدد كبير من المحتجزين، بمن فيهم نساء وأطفال.

وزعمت الجماعة أنها تحتجز 416 رهينة، مؤكدة ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة قبل انقضاء الوقت. وقال المتحدث في الفيديو: «نحن جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد. اليوم، الموافق 19 أبريل (نيسان) 2026، نوجه رسالة جديدة إلى تحالف شباب جنوب بورنو (BOSYA) وكذلك إلى الحكومة النيجيرية التي لا نعدّها حكومتنا».

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

أضاف المتحدث: «هذه رسالتنا الأولى والأخيرة؛ نمنحكم 72 ساعة، وإذا لم تلبّوا مطالبنا فسنقوم بتوزيع النساء والأطفال على مواقع مختلفة. جميعهم. أنتم اتخذتم قراركم، ونحن اتخذنا قرارنا. نأمركم، باسم الله، ألا تتجاوزوا المهلة المحددة».

وسبق أن أعلنت الجماعة أنها مستعدة للإفراج عن المختطفين مقابل مبلغ 5 مليارات نايرا نيجيرية، وهو ما يعادل أكثر من 3.7 مليون دولار أميركي، ولكن يبدو أن وساطات تقوم بها شخصيات محلية لم تفضِ إلى أي نتيجة.

ودعا «تحالف شباب جنوب بورنو» إلى تدخل عاجل من طرف السلطات عقب المهلة التي حددتها «بوكو حرام»، وذلك من أجل إنقاذ النساء والأطفال المختطفين من مجتمع نغوشي، في ولاية بورنو.

وفي بيان صحافي قال التحالف إنه تلقى معلومات تفيد بأن «بوكو حرام» أصدرت مهلة نهائية مدتها 72 ساعة تتعلق بالمختطفين، وأضاف: «وفقاً للمعلومات التي تم الحصول عليها خلال عملية الوساطة التي يقودها رئيس التحالف سامايلا إبراهيم كايغاما، تم إرسال فيديو تحذيري أخير بعد نقل المطالب، التي شملت طلب فدية قدرها 5 مليارات نايرا (3.7 مليون دولار) مقابل الإفراج عن النساء والأطفال المختطفين (...) مع توجيهات تتعلق بكيفية تنفيذ عملية الإفراج».

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية)

وشدد التحالف على أنه «نظراً إلى الطابع العاجل لهذه القضية الإنسانية، يجدد تحالف شباب جنوب بورنو نداءه إلى الرئيس بولا أحمد تينوبو، ونائب الرئيس كاشيم شتيما، وحاكم ولاية بورنو باباغانا أومارا زولوم، وجميع النيجيريين المعنيين والمحسنين، بمن في ذلك أليكو دانغوتي، وعبد الصمد ربيع، وغيرهما من المليارديرات الشماليين ذوي النوايا الحسنة».

وخلص التحالف إلى القول: «ندعو باحترام جميع الأطراف القادرة إلى التدخل العاجل واستخدام كل الوسائل القانونية المتاحة للمساعدة في تأمين حرية هؤلاء النساء والأطفال البالغ عددهم 416». ووصف التحالف ما يجري بأنه «أزمة إنسانية تتطلب تحركاً فورياً، وتعاطفاً، ووحدة في الصف»، وفق ما جاء في البيان.

وتُعدّ عمليات الخطف الجماعي والإفراج مقابل فدية واحدة من أهم روافد تمويل الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة في نيجيريا، رغم أن السلطات سنت قوانين تمنع دفع الفدية، وتنفي دوماً أن يكون لها أي دور في عمليات الدفع خلال الإفراج عن الرهائن المختطفين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».