«مدام دو فارين» المرأة التي غيّرت مذهب روسو وطائفته

كان آخر نصّ كتبه ناقصاً، وكان موجهاً إليها

جان جاك روسو
جان جاك روسو
TT

«مدام دو فارين» المرأة التي غيّرت مذهب روسو وطائفته

جان جاك روسو
جان جاك روسو

من يستطيع أن ينسى الحب الأول؟ ليس أبو تمام طبعاً؛ ما الحب إلا للحبيب الأول... وليس جان جاك روسو أيضاً؛ أي ليس ذلك الشخص الذي ظلّ يحن إلى حبيبته الأولى «مدام دو فارين» ويتوجع عليها ويتفجع. فبعد مرور خمسين عاماً على بداية لقائه بها نجده ينفث نفثات الصبّ الموله لدى ذكراها. ومعلوم أنها المرأة التي غيّرت مجرى حياته، فانتقل لأجلها من البروتستانتية إلى الكاثوليكية، قائلاً: «إن مذهباً يعتنقه مبشرون من أمثالها سوف يقود حتماً إلى الجنة».

في شتاء العمر، عندما يتهيأ المرء للرحيل الأبدي وينسى كل شيء، كان آخر نصّ كتبه ناقصاً، وكان موجهاً إليها؛ إلى تلك المرأة الخالدة. كان موجهاً إلى تلك المرأة التي أنقذته يوماً ما والتقطته من الشارع تقريباً. كان موجهاً إلى تلك المرأة التي آوته واحتضنته عندما كان ضائعاً مشرداً على الطرقات والدروب...

ينبغي أن يقرأ المرء تلك الصفحات «القاتلة» التي كرّسها روسو لهذه المرأة على مدار اعترافاته أو مذكراته. وربما توقف القارئ أو تسمَّر بصره عند ذلك الموقف العجيب والأخّاذ حيث رآها روسو لأول مرة. من يستطيع أن يصف اللقاء الأول للحبّ؟ من يستطيع أن يسترجعه ويتذكر الشرارة الأولى؟ أي متعة في ذلك، وأي حسرة؟! أين هي السينما أو الكاميرا التي تستطيع أن تصور الحادثة مثلما صوّرها روسو عندما ناداها من الخلف، فاستدارت، فرأى وجهها لأول مرة؟ وردة الوردات، شمسٌ ساطعة... كانت آنذاك في عزّ شبابها.

لم يحبّ جان جاك روسو «مدام دو فارين»، وإنما قدسها؛ كانت أكبر من أن تُحبّ أو تُشتهى. لأجلها غيّر مذهبه وطائفته، لأجل «سواد عيونها»... ومعلوم أن تغيير المذهب في ذلك الوقت كان أصعب عليك من تجرع السم الزعاف. نقول ذلك وخاصة أن المذهب الكاثوليكي كان يعدّ بمثابة العدو اللدود للمذهب البروتستانتي الذي تربى عليه روسو في جنيف، والعكس صحيح أيضاً. لكن لنستمع إليه يتحدث عنها في كتاب «الاعترافات» الشهير:

«لن أنتهي من الحديث عنها مهما طال إذا ما دخلت في تفاصيل كل الحماقات والأعمال الجنونية التي كنت أرتكبها عندما لم أكن تحت بصرها وعندما كانت ذكراها تعمر قلبي. كم من المرات رحت أقبّل السرير لأني أعرف أنها كانت قد نامت فيه قبلي؟ وكم قبلت الستائر وأثاث الغرفة لعلمي أنها كانت تشغلها قبل لحظات وأن أناملها الناعمة قد لمست كل أشيائها؟ بل كم هويت لكي أقبل الأرض التي مشت عليها؟»...

أرجو من القارئ أن يعود إلى اعترافات جان جاك روسو فيختار منها تلك الصفحات العديدة المتبعثرة هنا أو هناك، والمتعلقة فقط بتلك السيدة الرائعة المدعوة؛ مدام دو فارين. وأرجو منه أن يتوقف عند آخر لقاء حصل بينه وبينها بعد سنوات طويلة من القطيعة والهجران. وكانت قد كبرت وتشوهت وغيَّرت السنون ملامح وجهها. وأرجوه أن يقرأ بخشوع هاتيك السطور...

كان آخر نصّ كتبه قبل أن يرحل عن هذا العالم ناقصاً. وكان مكرساً لها ولها وحدها. وقد توقف في منتصف العبارة، لأن الموت داهمه فلم يستطع أن يكمله. لم يقل كلمة واحدة عن زوجته «تيريز لوفاسير» التي كانت تعيش معه منذ أكثر من ثلاثين سنة، والتي كانت تعدّ ظاهريّاً بمثابة قرينته، ولكنها عملياً كانت متعايشة معه مثل أخ وأخته؛ كل واحد في غرفته ما عدا السنوات الأولى. ولكنه كان يشفق عليها ويحترمها ويتحمل مسؤولية نفقتها وإعالتها. وكانت تخدمه وترعاه وتوفر له الظروف المناسبة لكي يكتب ما كتب ويفعل ما فعل. ألم نقل لكم إن الحب في جهة، والزواج في جهة أخرى؟ قصة كلاسيكية... ولهذا الموضوع كرّس روايته الشهيرة التي دوّخت فرنسا.

مدام دو فارين

لم تصدق مدام دو فارين أن هذا «الولد» الذي جاءها يوماً ما شريداً جائعاً، والذي تعرف كل نقاط ضعفه واحدة واحدة، قد أصبح جان جاك روسو؛ أي نبي العصور الحديثة. لم تصدق أنه أصبح النجم الساطع للآداب الفرنسية والفكر العالمي. ولذلك عندما التقيا لأول مرة بعد الفراق الطويل هوت على يديه لكي تقبلهما فتلقفها هو واحتضنها واختلطت دموعه بدموعها...

من المعلوم أن شهرة روسو كانت أسطورية. كانت الناس في مقاهي باريس تصعد على الكراسي والطاولات عندما يمر في الشارع فقط لكي تلمح وجهه، صورته، شكله. هذه الشهرة الهائلة هي التي جرّت عليه المتاعب والويلات والملاحقات الضاريات. ومعلوم أنه مات مطارداً مرعوباً مغيراً عنوانه باستمرار، بل مختفياً عن الأنظار. ستون جهة كانت تلاحقه دفعة واحدة. يريدون أن يقتلوه، أن يصفوه، أن يمصوا دمه مصّاً. كان يقول هذه العبارة البليغة: «للسقف فوق رأسي عيون وللجدران آذان». كان يعرف أنه مراقب في كل حركاته وسكناته. ممنوع أن يتنفس تنفساً. وكان يقول ما معناه؛ هناك يد تلاحقني في الظلام تريد أن تصل إليّ، أن تلسعني بأي شكل، ولا أعرف كيف أتحاشاها. كلما هربت منها لحقتني، كلما تحاشيت الحفرة وقعت فيها. ولكن لماذا يستغرب جان جاك روسو كل ذلك؟ هل يعتقد أنهم سيلاقونه بالورود والرياحين والأهازيج بعد كل ما فعل؟ ألا يعلم أنهم قرأوا كتاباته حرفاً حرفاً؟ قنابل موقوتة، حرائق مشتعلة... لقد فكّك في مؤلفاته كل التصورات العتيقة البالية وكل المفاهيم الأصولية التقليدية - بل التكفيرية - للدين المسيحي. وهي مفاهيم وتصورات كانت راسخة في العقلية الجماعية كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. لقد فتح الآفاق لمفهوم آخر للدين، مفهوم منعش ومحرر، غير مفهوم القساوسة والمطارنة وبقية رجال الدين. كل العالم القديم أصبح يتهاوى تحت ضربات جان جاك روسو. كل الفكر القديم الراسخ رسوخ الجبال منذ أكثر من ألف سنة فقد مشروعيته ومصداقيته. لقد أخرج فرنسا – بل أوروبا كلها - من عصر الظلمات إلى عصر الأنوار. كيف يمكن أن يغفروا له فعلته تلك؟ لهذا السبب قال عنه غوته: «فولتير أغلق العالم القديم، وجان جاك روسو دشن العالم الجديد». وقد صدق. والدليل على ذلك أنه بعد موته بعشر سنوات فقط اندلعت الثورة الفرنسية وملأت صوره شوارع باريس، وأصبحت مؤلفاته إنجيلاً لها. بل أصبحت أفكاره المادة الأساسية لذلك الإعلان الشهير؛ إعلان حقوق الإنسان والمواطن. بعد اليوم لا طائفية في فرنسا ولا مذهبية، ولا أقليات ولا أكثريات. بعد اليوم لا يوجد إلا مواطنون ومواطنات متساوون في الحقوق والواجبات. بعد اليوم، لا يوجد ابن ستّ وابن جارية، ابن الإقطاعيين الأرستقراطيين وابن الفلاحين المحتقرين. ولمن يعود الفضل في ذلك؟ إلى جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو وبقية فلاسفة الأنوار الكبار. أما أساطين الأصولية الكاثوليكية والظلامية المسيحية فقد نزلوا تحت الأرض واختفوا عن الأنظار. هذه هي الثورة الكبرى التي دشّنت العصور الحديثة. هذه هي الثورة التي صفق لها كانط بكلتا يديه، وكذلك هيغل وهولدرلين وبقية العباقرة والعظماء...

.


مقالات ذات صلة

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

يوميات الشرق أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك) p-circle 01:43

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

ولدت الكاتبة أجاثا كريستي في مثل هذا التاريخ قبل 136 سنة. اشتهرت برواياتها البوليسية، لكن قلّة تعرف أنها أمضت جزءاً من حياتها متنقّلةً بين البلدان العربية.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط..

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير معتز سلامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».