رجل يهاجم مظاهرة مؤيدة لإسرائيل في كولورادو الأميركية بعبوات حارقة

«إف بي آي» يحقق في «هجوم إرهابي» محتمل

الشرطة الأميركية تلقي القبض على رجل هاجم حشداً في بولدر بولاية كولورادو (رويترز - OpusObscura)
الشرطة الأميركية تلقي القبض على رجل هاجم حشداً في بولدر بولاية كولورادو (رويترز - OpusObscura)
TT

رجل يهاجم مظاهرة مؤيدة لإسرائيل في كولورادو الأميركية بعبوات حارقة

الشرطة الأميركية تلقي القبض على رجل هاجم حشداً في بولدر بولاية كولورادو (رويترز - OpusObscura)
الشرطة الأميركية تلقي القبض على رجل هاجم حشداً في بولدر بولاية كولورادو (رويترز - OpusObscura)

قالت السلطات الأميركية إن ثمانية أشخاص أصيبوا، الأحد، عندما هتف رجل يبلغ من العمر (45 عاماً): «فلسطين حرة»، وألقى عبوات حارقة على حشد من الناس في مدينة بولدر بولاية كولورادو الأميركية، حيث كانت تقام مسيرة للتذكير بالرهائن الإسرائيليين الذين ما زالوا في غزة.

وأعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي)، الأحد، أن الوكالة تحقق في «هجوم إرهابي» في بولدر بولاية كولورادو وسط تقارير عن هجوم على مظاهرة مؤيدة لإسرائيل في المدينة.

وقال كاش باتيل عبر منصة «إكس»: «نحن على علم بهجوم إرهابي مستهدف في بولدر بولاية كولورادو ونحقق فيه بشكل كامل».

وأضاف: «عناصرنا وقوات إنفاذ القانون المحلية موجودة في الموقع، وسوف نشارك التحديثات مع توفر المزيد من المعلومات».

في الأثناء، قالت شرطة بولدر على منصة «إكس»، إن عناصرها «يستجيبون لتقرير عن هجوم في شارعي الثالث عشر وبيرل في قلب المدينة مع تقارير عن عدة ضحايا».

وقال مارك ميشاليك المسؤول عن مكتب دنفر الميداني التابع لمكتب التحقيقات الاتحادي إنه تم نقل ثمانية ضحايا تتراوح أعمارهم بين 67 و88 عاماً إلى المستشفيات. وأضافت السلطات أن واحداً منهم على الأقل في حالة حرجة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميشاليك: «بناء على هذه الحقائق الأولية يتضح أنه عمل من أعمال العنف الموجه وأن مكتب التحقيقات الاتحادي يحقق في الواقعة على أنها عمل إرهابي».

رجل شرطة يغادر مسرح الجريمة في بولدر بولاية كولورادو (إ.ب.أ)

وحدد ميشاليك هوية المتهم قائلاً إنه يدعى محمد سليمان، وتم نقله للمستشفى بعد وقت قصير من الهجوم.

واعتبر قائد شرطة بولدر ستيف ريدفيرن عندما سُئل ما إذا كان الهجوم إرهابياً، أنه «من المبكر للغاية التكهن بالدوافع وراء الحادث».

وقال ريدفيرن للصحافيين، إن «المتصلين الأوائل أشاروا إلى وجود رجل يحمل سلاحاً وإنه تم إضرام النار بأشخاص»، مضيفاً أن الشرطة وصلت «بسرعة كبيرة، وعندما وصلنا، واجهنا العديد من الضحايا الذين أصيبوا بجروح»، مشيراً إلى حروق وإصابات أخرى.

وأكد أن الشرطة اعتقلت المشتبه به في مكان الحادث وتم سوقه إلى الحجز «دون وقوع حوادث».

ونقلت وسائل إعلام محلية عن شهود عيان قولهم إن رجلاً ألقى شيئاً يشبه زجاجة حارقة بدائية الصنع على مجموعة من المتظاهرين المؤيدين لإسرائيل.

شخص يلصق علم إسرائيل على أحد أعمدة الإنارة قرب موقع شهد هجوماً في بولدر بولاية كولورادو (رويترز)

وقال المدعي العام لولاية كولورادو فيل وايزر إن الواقعة تبدو «جريمة كراهية بالنظر إلى المجموعة التي تم استهدافها». وقال ستيفن ريدفيرن قائد شرطة بولدر إنه لا يعتقد أن هناك أي شخص آخر شارك في الهجوم. وأضاف: «نحن واثقون تماماً بأننا نحتجز المشتبه به الوحيد في الواقعة».

وقع الهجوم في مركز بيرل ستريت التجاري، وهو مكان تسوق شعبي للمشاة بالقرب من جامعة كولورادو خلال فعالية نظمتها منظمة «اركضوا من أجل حياتهم» والتي تكرس جهودها لتسليط الضوء على الرهائن الذين اختطفوا في أعقاب هجوم حركة «حماس» على إسرائيل عام 2023.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المسيرات تقام أسبوعياً منذ ذلك الحين «دون أي حوادث عنف حتى اليوم».

سيارة شرطة مدينة بولدر بولاية كولورادو الأميركية (أ.ف.ب)

وندد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، اليوم الاثنين، بالهجوم، وعده «معاديا للسامية» تغذيه بعض وسائل الإعلام.

وقال ساعر، عبر حسابه على منصة «إكس»، «مصدوم من الهجوم الإرهابي المعادي للسامية الذي استهدف اليهود في (مدينة) بولدر، (في ولاية) كولورادو». وأضاف: «هذه معاداة سامية خالصة، تغذيها الافتراءات الدموية التي تروج لها بعض وسائل الإعلام».

تأتي هذه الواقعة في ظل تصاعد التوتر في الولايات المتحدة بشأن حرب إسرائيل على غزة، التي أدت إلى زيادة جرائم الكراهية المعادية للسامية، بالإضافة إلى تحركات مناصري إسرائيل المحافظين بقيادة الرئيس دونالد ترمب لوصف الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين بأنها معادية للسامية. وتحتجز الإدارة الأميركية المتظاهرين المعارضين للحرب دون توجيه اتهامات لهم، وقطعت التمويل عن جامعات أميركية مرموقة سمحت بمثل هذه المظاهرات.

وقال ستيفن ميلر نائب مدير مكتب ترمب، في منشور على منصة «إكس»: «إن تأشيرة إقامة سليمان انتهت ولكن الإدارة السابقة سمحت له بالعمل». وأضاف أن ذلك دليل إضافي على ضرورة «التخلي التام» عما وصفها «بالهجرة الانتحارية».

شرائط صفراء خاصة بالشرطة تحيط بمسرح الجريمة في بولدر بولاية كولورادو (رويترز)

وقالت بروك كوفمان، وهي طالبة تبلغ من العمر (19 عاماً) من جامعة كولورادو وشهدت الواقعة، إنها رأت أربع نساء على الأرض مصابات بحروق في أرجلهن. وأضافت أن إحداهن بدت مصابة بحروق بالغة في معظم جسدها وقد لفها أحد الأشخاص بعلم.

وأكدت أنها رأت رجلاً يفترض أنه المهاجم وهو يقف عاري الصدر ويحمل زجاجة تحتوي على سائل شفاف ويطلق صيحات. وتابعت: «كان الجميع يصرخون ويقولون (أحضروا الماء... أحضروا الماء)».

من جهته، قال زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، وهو ديمقراطي يهودي بارز إنه يراقب الوضع من كثب. وأضاف، في منشور على منصة «إكس»: «هذا أمر مروع ولا يمكن أن يستمر. يجب أن نتصدى لمعاداة السامية».

يأتي الهجوم بعد أسابيع من اعتقال رجل من مواليد شيكاغو في حادث إطلاق نار على اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأميركية واشنطن مما تسبب في مقتلهما.

وأثارت الواقعة حالة من الاستقطاب في الولايات المتحدة بشأن الحرب في غزة بين مؤيدي إسرائيل ومتظاهرين مناصرين للفلسطينيين.

وقال جاريد بوليس حاكم ولاية كولورادو، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه «من غير المعقول أن يواجه المجتمع اليهودي هجوماً إرهابياً آخر هنا في بولدر».


مقالات ذات صلة

أوروبا تتوحّد ضد تهديدات ترمب لغرينلاند

أوروبا أفراد من القوات المسلحة الألمانية يستعدون لركوب متجهة من مطار نوك (غرينلاند) إلى ريكيافيك (آيسلندا) الأحد (أ.ف.ب)

أوروبا تتوحّد ضد تهديدات ترمب لغرينلاند

عبّرت الدول الأوروبية الثماني التي هدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب برسوم جمركية إضافية، بسبب معارضتها طموحاته للاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل - لندن)
العالم إيلون ماسك رئيس شركتي «تسلا» و«سبيس إكس» أصبح أول فرد يتجاوز صافي ثروته 500 مليار دولار (رويترز)

«أوكسفام»: ثروة المليارديرات بلغت ذروة جديدة مع تزايد نفوذهم

قالت منظمة «أوكسفام» لمكافحة الفقر، اليوم، إن ثروة المليارديرات ارتفعت في العام الماضي بثلاثة أمثال وتيرتها الأخيرة لتصل إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
الخليج الرئيس السوري أحمد الشرع يرفع أمام الصحافيين اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل لـ«قسد» ضمن مؤسسات الدولة (أ.ف.ب) play-circle 00:22

السعودية تُرحِّب باتفاق الحكومة السورية و«قسد»

رحَّبت السعودية باتفاق وقف إطلاق النار واندماج قوات سوريا الديمقراطية بكامل مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية، مشيدة بجهود الولايات المتحدة في ذلك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز) play-circle

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب إن الدنمرك لم تتمكن من فعل أي شيء ‌لإبعاد "«التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند، ‌مضيفا «حان الوقت لذلك الآن وسيتم».

أصر ترمب مرارا على أنه ⁠لن يرضى بأقل ‌من ‍ملكية ‍بلاده لغرينلاند، وهي إقليم ‍يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمرك، في ​حين يصر قادة كل من الدنمرك ⁠وغرينلاند على أن الجزيرة ليست للبيع وليست هناك رغبة في أن تكون جزءا من الولايات ‌المتحدة.


تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟