السوداني ورشيد يبددان مع عون الغيمة التي ظللت العلاقات بين بيروت وبغداد

شِعر ونفط و«ترياق» في زيارة الرئيس اللبناني إلى العراق

من الاستقبال الرسمي للرئيس اللبناني في مطار بغداد الدولي (أ.ف.ب)
من الاستقبال الرسمي للرئيس اللبناني في مطار بغداد الدولي (أ.ف.ب)
TT

السوداني ورشيد يبددان مع عون الغيمة التي ظللت العلاقات بين بيروت وبغداد

من الاستقبال الرسمي للرئيس اللبناني في مطار بغداد الدولي (أ.ف.ب)
من الاستقبال الرسمي للرئيس اللبناني في مطار بغداد الدولي (أ.ف.ب)

عند سلم الطائرة في مطار بغداد الدولي، وفي درجة حرارة مرتفعة، صافح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ضيفه، الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي وصل إلى بغداد الأحد... حرارة الجو، وحفاوة الاستقبال بَدَّدَتَا البرود النسبي الذي ساد العلاقات بين بغداد وبيروت على أثر تصريحات عون بشأن «الحشد الشعبي»، وعدم حضوره «قمة بغداد»، التي حضرها رئيس الوزراء نواف سلام.

ولم يتوجه عون إلى مدينة النجف (160 كلم جنوب بغداد) للقاء المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، بل تحدث هاتفياً مع نجله محمد رضا واطمأن على صحته وصحة والده، متمنياً له الشفاء العاجل على أمل أن تتاح له الفرصة لزيارته في وقت لاحق.

السوداني يرحب بالرئيس اللبناني في مطار بغداد (أ.ف.ب)

وكان الرئيس اللبناني، ذكر السيستاني في مؤتمره الصحافي المشترك مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، وتلا خلاله أبياتاً من شعر الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، قبل أن يؤكد أن «السيد السيستاني وضع خريطة طريق لتحقيق مستقبل أفضل». وقال: إن الحل لإشكالية هويتنا الوطنية داخل دولتنا الناجزة، استلهمه حرفياً من موقف أصيل عميق للمرجع الدينى الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حين وضع خريطة طريق للحل، إذ دعا النخب الواعية إلى أن تأخذ العبر من التجارب التي مرت بها وتعمل بجد في سبيل تحقيق مستقبل أفضل لبلدها ينعم فيه الجميع بالأمن والاستقرار والرقي والازدهار، وذلك عبر إعداد خطط علمية وعملية لإدارة البلد اعتماداً على مبدأ الكفاءة والنزاهة ومنع التدخلات الخارجية وتحكيم سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد على جميع المستويات... انتهى كلامه (السيستاني) ولا نزيد عليه حرفاً».

وبشأن العلاقة مع بغداد، قال عون مخاطباً السوداني: «نتقدَّم بأصدق الشكر على كل ما قدمتموه دوماً للبنان، من هبات، وتقديمات، ومساعدات في شتى المجالات، ولا أفي العراق حقه ولا أنجز التعداد». وأضاف أن «كل لبناني بات يؤمن فعلاً عند كل أزمة، بأن الترياق من العراق ليس قولاً مأثوراً، بل فعل».

من جهته، أكد رئيس الوزراء العراقي، «حرص العراق، حكومة وشعباً، على دعم لبنان وتقوية مؤسسات الدولة فيه». وقال: «إن العراق يدعم تماسك ووحدة واستقرار لبنان، ومؤسسات الدولة فيه، والسيادة على أرضه، ويرفض كل ما يتجاوز على هذا الركن المهم، وهو ما سيعمل العراق عليه خلال رئاسته القمة العربية».

وأوضح، أن «نجاح القوى السياسية اللبنانية في تشكيل حكومة خطوةٌ واثقةٌ كنا ننتظرها مثلما كان ينتظرها الشعب اللبناني»، مؤكداً: «ندعم التوافق السياسي الداخلي في لبنان في إطار التزامنا بمنهجنا الأساسي في عدم التدخل في الشؤون الداخلية».

كما تطرَّق السوداني إلى الحوار الذي أجراه مع عون، واصفاً إياه بـ«المهم». وقال: «استعرضنا الفرص المشتركة في مجالات الطاقة والاتصالات والتبادل التجاري والتكامل المطلوب بما ينعكس على الشعبين، ويؤكد دعم كل فرص التعاون، خصوصاً في القطاع الخاص الذي نعوّل على وجوده في العراق ولبنان».

عون والسوداني خلال استعراض حرس الشرف في مطار بغداد (رويترز)

وكان المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي أكد، في بيان له، أن السوداني وعون عقدا اجتماعاً ثنائياً، بالقصر الحكومي في بغداد، «تناول العلاقات بين البلدين، وسبل التعاون في مختلف المجالات، إضافة إلى البحث في مستجدات الأوضاع في المنطقة».

وأضاف أن «الاجتماع شهد استعراض العلاقات الثنائية، والمواقف المشتركة، وسبل توسعة الشراكة البناءة بين العراق ولبنان، وتعزيز التكامل الاقتصادي على مختلف المستويات، وزيادة فرص التواصل المنتج بين القطاعين الخاص والعام في البلدين الشقيقين».

وأكد السوداني، بحسب البيان، «حرص العراق حكومة وشعباً على دعم لبنان، وتقوية مؤسسات الدولة فيه، والوقوف إلى جانب الشعب اللبناني الشقيق، ورفض أي اعتداء على السيادة، أو تدخل خارجي يحاول النيل من إرادته المستقلة»، مشيراً إلى «استمرار الدعم والإسناد من أجل تجاوز التحديات الراهنة».

من جانبه، أعرب الرئيس اللبناني عن «شكره وتقديره لمواقف العراق المبدئية والعملية تجاه لبنان، خصوصاً في الظروف الصعبة التي مرَّت على اللبنانيين، ورفع قدرته على مواجهة المنعطفات المختلفة، ودعم العراق لسيادة لبنان واستقراره، إضافة إلى السعي نحو توسعة آفاق التعاون لما فيه مصلحة الشعبين الشقيقين».

يضاف إلى ذلك، من المتوقع أن تتناول زيارة الرئيس اللبناني إلى العراق البحث في إمكانية استمرار تزويد لبنان بالوقود المخصَّص لتشغيل محطات الطاقة، وضمن الاتفاق السابق القائم على مقايضة جزء من الوقود بالخدمات، وجزء آخر بأسعار أقل من السوق العالمية، بالإضافة إلى مسائل أمنية بين البلدين بشأن تبادل المعلومات وتسليم المطلوبين، وغيرها.

من اللقاء بين الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد ونظيره اللبناني عون (د.ب.أ)

وعقد الرئيس العراقي عبد اللطيف جمال رشيد لقاءً ثنائياً مع الرئيس عون في قصر بغداد، رحَّب خلاله بالرئيس الضيف، وأكد «متانة العلاقات الثنائية بين البلدين، والحرص على تطويرها وتنميتها، وأهمية تعزيز التعاون والتبادل التجاري في مختلف المجالات». كما جرى خلال اللقاء، طبقاً لبيان صادر عن رئاسة الجمهورية، «استعراض الأوضاع في لبنان والمنطقة، مع التأكيد على ضرورة بذل مزيد من الجهود الدولية لتخفيف حدة التوترات، والركون إلى التهدئة والحوار البنَّاء لتحقيق السلام والاستقرار إقليمياً ودولياً، كما تم بحث الأوضاع في فلسطين وغزة، حيث أكد الرئيسان أهمية مواصلة دعم وإسناد الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة، وجدَّدا دعمهما لوحدة سوريا واستقرارها والحفاظ على سيادتها وأمنها».

بعدها عُقد اجتماع موسَّع بين الجانبين بحضور عدد من المسؤولين العراقيين واللبنانيين، حيث أكد رئيس الجمهورية موقف العراق الثابت تجاه لبنان، «الذي يقوم على دعم كل ما يحفظ أمنه واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه، وما يحقق مصلحة شعبه»، مشيراً إلى أن العراق «وانطلاقاً من مقررات (قمة بغداد) يبذل أقصى الجهود بالتنسيق مع الأشقاء والأصدقاء لدعم الشعب اللبناني الشقيق، وبما يسهم في تحقيق تطلعات وآمال اللبنانيين بجميع مكوناتهم».

بدوره، أعرب الرئيس عون عن شكره وامتنانه «لمواقف العراق الداعمة للبنان في مختلف المجالات، ودوره في لمّ الشمل وبناء جسور التعاون بين دول المنطقة»، مؤكداً حرص بلاده على «تعزيز العلاقات بين البلدين، وتوطيد التعاون الثنائي وبما يخدم المصالح المشتركة»، مستعرضاً الأوضاع في لبنان، ومؤكداً انتهاج الدولة اللبنانية «سياسة واضحة تلتزم الإصلاح في مختلف المجالات، وتقوم على احترام سيادة لبنان واستقراره».

من الجلسة الموسعة مع الرئيس رشيد في بغداد (د.ب.أ)

يذكر أن زيارة عون إلى بغداد، تأتي بعد فترة برود قبيل انعقاد القمة العربية في بغداد الشهر الماضي بعد تصريحات للرئيس عون بشأن «الحشد الشعبي» العراقي. وكانت وزارة الخارجية العراقية استدعت السفير اللبناني في بغداد علي الحبحاب؛ للتعبير عن عدم ارتياحها إزاء تلك التصريحات. وأكد وكيل الوزارة لشؤون العلاقات الثنائية، السفير محمد بحر العلوم، أن «الحشد الشعبي جزء مهم من المنظومة الأمنية العسكرية في العراق، وهي مؤسسة حكومية وقانونية، وجزء من منظومة الدولة العراقية»، مشيراً إلى أن «ما صدر عن الرئيس اللبناني من ربط في هذا السياق لم يكن موفقاً، وكان الأجدر عدم إقحام العراق في الأزمة الداخلية اللبنانية، أو استخدام مؤسسة عراقية رسمية مثالاً في هذا السياق».

وأشار بحر العلوم إلى أن «حالة من عدم الارتياح سادت العراقيين، لا سيما أن العراق لم يتوانَ عن الوقوف إلى جانب لبنان في مختلف الظروف». وأعرب عن أمله في أن «يُصحِّح الرئيس اللبناني هذا التصريح، بما يعزِّز العلاقات الأخوية بين البلدين، ويؤكد احترام خصوصية كل دولة».


مقالات ذات صلة

الصدر يعلن إلحاق جناحه العسكري بالحكومة العراقية

المشرق العربي عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي العسكري الخاص بـ«سرايا السلام» (أ.ف.ب)

الصدر يعلن إلحاق جناحه العسكري بالحكومة العراقية

قال زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الأربعاء، إنه قرر فك ارتباط جناحه العسكري «سرايا السلام» بالتيار وإلحاق عناصرها بالدولة.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد موظف يقوم بتعبئة الوقود في إحدى المحطات (رويترز)

العراق: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في بغداد

أعلنت شركة المنتجات النفطية العراقية، الأربعاء، أن محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في بغداد والمحافظات.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق (إكس)

السفير البريطاني في بغداد: التدخل الإيراني واسع وغير شرعي

وجّه السفير البريطاني لدى العراق، عرفان صديق، انتقادات لاذعة إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، واتهمها بالابتزاز والعمل على طريقة «المافيا»...

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في القائم على الحدود مع سوريا - 2 مارس 2026 (رويترز)

العراق... 5 فصائل تتجه لنزع السلاح وفصيلان يرفضان

تتحدث مصادر مقربة من أجواء قوى «الإطار التنسيقي» العراقي عن عدم ممانعة 5 فصائل نزع أسلحتها، في مقابل رفض فصيلين لمثل هذه الخطوة التي تصر عليها أميركا.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي صورة متداولة لشاحنة أغنام صفحة مستشار الحلال وتربية الأغنام

تعليق مرور «أغنام العوّاس» السورية اختبار لعودة الترانزيت عبر العراق

ثار الجدل بين الجانبين السوري والعراقي على خلفية تعليق عبور «الترانزيت» للمواشي إلى دول الخليج والسعودية عبر العراق.

سعاد جرَوس (دمشق)

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)

شهد الشهر الماضي منعطفاً دراماتيكياً في تاريخ سوريا، الدولة التي مزَّقتها سنوات من الحرب الأهلية التي لم تنتهِ إلا في ديسمبر (كانون الأول) 2024. فبعد 16 شهراً من فرار الديكتاتور بشار الأسد إلى موسكو، بدأت السلطات الانتقالية السورية أخيراً باعتقال كبار مسؤولي النظام السابق، المسؤولين عن أبشع جرائم الحرب. وقد تكون هذه نقطة تحوُّل للحكومة الوليدة، لكن من غير الواضح إلى أي اتجاه ستتجه، بحسب خبراء دوليِّين.

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

في الأسابيع الـ6 الماضية، ألقت قوات الأمن القبض على عدنان عبود حلوة، وهو جنرال متهم بتدبير هجوم السارين عام 2013 على الغوطة الشرقية، وجايز الموسى رئيس أركان القوات الجوية للأسد وشخصية خاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي مرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية، واللواء وجيه علي العبد الله، الذي أدار مكتب الشؤون العسكرية للأسد لمدة 13 عاماً، وأمجد يوسف، ضابط المخابرات المتهم بقيادة مجزرة التضامن عام 2013، والتي تمَّ فيها اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً إلى حفرة وإطلاق النار عليهم، وهو ما وثَّقه القتلة في ذلك الوقت بالفيديو.

اللواء الطيار الركن جايز حمود الموسى أحد أعمدة نظام الأسد (الداخلية السورية)

الاعتقالات أُعلن عنها عبر سيل من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي وعلى التلفزيون السوري. الأسماء معروفة لدى معظم السوريين، فهم «الرأس المدبر» لنظام قمعي وحشي. وتزامنت الاعتقالات مع بدء محاكمة عاطف نجيب، الذي كان أول المختارين، رمزياً، لأنه الرجل الذي أسهم تعذيبه العنيف لمعارضي الأسد اليافعين في إشعال فتيل انتفاضة 2011 التي أدت إلى سقوطه بعد أكثر من عقد من الزمان.

في العاشر من مايو (أيار) الحالي، جلس عاطف نجيب، ابن عم الأسد، في إحدى قاعات محكمة دمشق، مكبلاً بالأصفاد داخل قفص معدني، مرتدياً زي السجن المخطط الباهت. كان نجيب يشغل منصب رئيس الأمن في محافظة درعا الجنوبية عندما اعتُقل تلاميذ المدارس وعُذِّبوا لكتابتهم شعارات مناهضة للأسد على جدران مدارسهم. سُجن التلاميذ لمدة 45 يوماً، وبحلول وقت إطلاق سراحهم، كانت درعا تشهد مظاهرات أسبوعية سرعان ما امتدت إلى باقي أنحاء البلاد.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

كان هذا ثاني مثول لنجيب أمام المحكمة. تلا القاضي 10 تهم، من بينها القتل والتعذيب. وُجِّهت التهم غيابياً إلى بشار وشقيقه ماهر الأسد. ونظراً لفرارهما إلى موسكو، لا يتوقع أحد اعتقالهما قريباً، لكن هذا الإجراء رمزي، كما كتب فضل عبد الغني، رئيس «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»: «لقد نُقل الأسد من موقع الرئيس السابق، وصاحب السلطة المطلقة، إلى موقع المتهم أمام القضاء السوري».

كان بعض «فتيان الكتابة على الجدران»، الذين أصبحوا الآن بالغين، موجودين أيضاً في المحكمة. وكان القاضي الذي يرأس الجلسة، فخر الدين العريان، قد حُكم عليه بالإعدام سابقاً من قبل النظام الذي سيحكم عليه الآن.

تزامن كل هذا مع توجيه اتهامات جديدة لأكبر مرتكبي الجرائم في الحرب الأهلية السورية. لم يكن هذا التسارع وليد الصدفة، ولم تكن المساءلة هي الدافع الوحيد، بحسب موقع «سليت»، فقد تعرَّض الرئيس أحمد الشرع، رئيس الحكومة الانتقالية، لضغوط متواصلة من عائلات الضحايا، ومنظمات حقوق الإنسان السورية، ونشطاء المجتمع المدني، وعواصم غربية تدرس تخفيف العقوبات، لإثبات جدوى خطابه حول العدالة الانتقالية. وقد أمضى العام الماضي في بناء أسس المساءلة، وإنشاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم صدر في مايو الماضي، ولجنة المفقودين التي تُولي العدالة الانتقالية أولويةً قصوى.

سيارة محترقة قرب مقر وزارة الدفاع السورية في حي الباب الشرقي بدمشق الثلاثاء نتيجة انفجار سيارة مفخخة (د.ب.أ)

لكن الأمن هو المحرِّك الآخر. لم تختفِ شبكات النظام السابق، فبعض الشخصيات لا تزال تمتلك أسلحةً وأموالاً ونفوذاً محلياً، فضلاً عن صلات بجهات خارجية، لا سيما روسيا وإيران. لدى هذه الشبكات دوافع لاستغلال الوعود غير المُحقَّقة للمرحلة الانتقالية في بلدٍ تتسم فيه سلطة الدولة الجديدة بالتفاوت، وتشهد فيه أسعار الوقود والكهرباء ارتفاعاً حاداً، ويكافح فيه السوريون لإطعام أسرهم. وكان افتتاح المحاكمة الأولى وسيلةً لتلبية أحد هذه المطالب على الأقل.

«تتعرَّض السلطات لضغوط مشروعة من المجتمع، فيما يتعلق بالعدالة والاقتصاد؛ والآن، عليهم أن يستجيبوا، لذلك لا يمكنهم تجاهل مطالب الشعب»، كما يقول معتصم السيوفي، المدير التنفيذي لمنظمة «اليوم التالي»، وهي منظمة تعمل على دعم الانتقال الديمقراطي في سوريا.

من بعض النواحي، كان اعتقال هؤلاء الرجال الجزء الأسهل. أما المشكلة الأصعب فهي بناء نظام قضائي من الصفر لمحاكمتهم. ثمة فراغ في القضاء بعد إقالة معظم قضاة عهد الأسد. وتحاكم الحكومة الانتقالية عاطف نجيب بموجب قانون العقوبات لعام 1949، وهو قانون كُتب للقتل العادي، لا للجرائم ضد الإنسانية. ودون برلمان فاعل، سيتعيَّن تأجيلُ سنِّ قوانين جديدة تفي بالمعايير الدولية لجرائم الحرب.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

يقول النقاد إنَّ الإطار القانوني المحلي غير كافٍ. فلا يوجد قانون ينصُّ على مسؤولية القيادة في القانون السوري. وتقتصر ولاية لجنة العدالة الانتقالية على جرائم عهد الأسد، مستثنيةً انتهاكات قوات الأمن الجديدة خلال المجازر الساحلية التي استهدفت العلويين العام الماضي، والعنف الطائفي ضد الدروز في مدينة السويداء الجنوبية.

يُمثل حجم القضايا المحتملة تحدياً آخر. فقد سجنت الحكومة الانتقالية الجديدة ما يُقدَّر بنحو 4 آلاف مسؤول سابق في النظام؛ ولا يزال آلاف آخرون، بمَن فيهم مَن ارتكب جرائم تعذيب بحق المعتقلين، في البلاد.

على سبيل المثال، اتُّهمت امرأة تُدعى هالة، كانت تُعرَف داخل سجون النظام باسم «مونيا»، من قِبَل ناجين، في أثناء عملها حارسةً في مركز احتجاز المخابرات الجوية سيئ السمعة، بأنها شاركت في التعذيب وسوء المعاملة خلال عهد الأسد. وقد أبلغ الضحايا السلطات بعد أن رأوها تعمل علناً حلاقة في حي راقٍ بوسط دمشق، ونشرت صوراً لتسريحات محلها، على الإنترنت. تَعرَّف المعتقلون السابقون على وجهها وصوتها. وأُلقي القبض عليها في مارس (آذار).

جثمانا طفلَي قال أقاربهما إنهما قُتلا جراء انفجار ناجم عن مخلفات الحرب خلال لعبهما في قرية بريف إدلب الشرقي يوم 21 مايو (أ.ب)

وكشف موقع «سليت»، عن أنَّ أكثر من 300 طالب في كلية الحقوق بجامعة دمشق، حضروا حلقة نقاش عُقدت مؤخراً، قدّمها متخصصون قانونيون دوليون في جرائم الحرب، من بينهم ستيفن راب، السفير الأميركي السابق المتجول لشؤون جرائم الحرب. ويهدف البرنامج إلى إنشاء برنامج عملي يُشرك الطلاب فوراً في العمل القانوني، ويُزوّدهم بأدوات تُساعد القضاة والمدعين العامين. ويقول راب: «إنّ كيفية بناء القضايا، وتحديد ما إذا كانت هناك جريمة، ومناقشة أشكال المسؤولية، هي مفتاح النجاح».

يقول بعض المسؤولين الحكوميين للموقع، إنَّ الهدف هو إجراء 500 محاكمة على مدى السنوات الـ5 المقبلة، لكن راب يقول: «حتى هذا الهدف قد يكون صعب المنال: سيواجهون صعوبةً في إقامة 500 محاكمة، وسيتعيَّن عليهم اتخاذ خيار استراتيجي بشأن مَن سيحاكمون».

ستكون لتلك الخيارات أهمية بالغة بالنسبة لمجتمع مُصاب بصدمة نفسية، وسيُصرّ أفراده على أن يكون لهم رأي في القرارات. إنَّ الاختبار الأكبر ليس في عدد الجنرالات السابقين الذين سينتهي بهم المطاف في السجن، بل في قدرة الحكومة الجديدة على إرساء عملية عدالة انتقالية شفافة وتعزيز سيادة القانون لأول مرة في سوريا.


أميركا تمدد وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى نوفمبر

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)
وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)
TT

أميركا تمدد وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى نوفمبر

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)
وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)

أفاد إشعار نُشر في السجل الاتحادي، الأربعاء، بأن الولايات المتحدة مددت تصنيف وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

إلى ذلك، تخطّى الجيش الإسرائيلي نهر الليطاني عبر تنفيذ عمليات توغل واجتياح شمال ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان، بالتزامن مع إنذار وجّهه إلى سكان النبطية، في مؤشر على انتقال المواجهات إلى مرحلة ميدانية أكثر اتساعاً.

وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن عمليات تهدف إلى وقف مسيّرات «حزب الله»، فيما شهد محور زوطر الشرقية مواجهات عنيفة مع إعلان الحزب التصدي لمحاولات تقدّم إسرائيلية باتجاه مجرى النهر باستخدام الصواريخ والقذائف والمسيّرات الانقضاضية.

كما توسعت الغارات الإسرائيلية لتشمل مناطق في صور وبنت جبيل وجزين والبقاع الغربي، حيث تعرضت مشغرة لسلسلة غارات عنيفة شكّلت ما يشبه «حزاماً نارياً».

وفي موازاة التصعيد، ينعقد الجمعة في واشنطن اجتماع عسكري لبناني - إسرائيلي برعاية أميركية، يُنظر إليه من الجانب اللبناني على أنه تقني بامتياز ويهدف إلى بحث تثبيت وقف إطلاق النار وانتشار الجيش جنوب الليطاني.


بالصور: فلسطينيون يشيّعون جثمان قائد «القسام»... وإسرائيل تكثف هجماتها

فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)
فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)
TT

بالصور: فلسطينيون يشيّعون جثمان قائد «القسام»... وإسرائيل تكثف هجماتها

فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)
فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)

حمل عشرات الفلسطينيين جثمان محمد عودة، القائد الجديد لكتائب القسام، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في جنازة بشوارع مدينة غزة الأربعاء، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ويأتي موكب الجنازة بعد يوم من مقتل عودة على يد إسرائيل في إطار حملتها للقضاء على كبار قادة «حماس» على الرغم من وقف إطلاق النار. وقال الجيش الإسرائيلي إن عودة قُتل في عملية دقيقة في غزة، مساء الثلاثاء، وذلك بعد أكثر من أسبوع من مقتل سلفه، عز الدين الحداد، في هجوم إسرائيلي على مبنى سكني في قطاع غزة.

ويعني مقتل الحداد وعودة تبقي عدد قليل من القادة المسلحين في غزة لقيادة «كتائب القسام» في وقت وصلت فيه المفاوضات، بوساطة الولايات المتحدة، بين إسرائيل و«حماس» إلى طريق مسدود بشأن المضي قدماً في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمستقبل غزة.

فلسطينيون يحملون جثمان محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» خلال جنازته بمدينة غزة 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

«حماس» تنعى عودة

ونعت حركة «حماس» في بيان الأربعاء محمد عودة الذي قدمّته بأنه «القائد القسامي الكبير».

وجاء في البيان: «ننعى إلى شعبنا الفلسطيني وأمَّتنا العربية والإسلامية وأحرار العالم القائد القسامي الكبير البطل الشهيد محمَّد عودة (أبا عمرو) الذي ارتقى إلى ربّه شهيدا» مساء الثلاثاء «برفقة زوجته واثنين من أبنائه» في قصف إسرائيلي بمدينة غزة.

وأشار البيان إلى أن عودة كان من مؤسسي العمل العسكري في «حماس»، وذكر أنه «كانت له بصمات واضحة في كل مراحله ومحطّاته المباركة، حتى طوفان الأقصى، بناءً وإعداداً وتخطيطاً». وعدّ قتله «انتهاكاً سافراً لكل القيم والأعراف والقوانين والشرائع السماوية».

مشيّعون: المقاومة لن تتوقف

قالت عائلة عودة إن الغارة الإسرائيلية التي استهدفته أسفرت أيضاً عن مقتل زوجته وابنه. وحمل المشيعون الجثث الثلاث المغطاة بأكفان بيضاء مروراً بمبان دمرها القصف خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية التي استمرت عامين على غزة.

وقال أبو العبد عودة، أحد أقارب محمد عودة، إن الحملة الإسرائيلية لن تثني الفلسطينيين عن الانتفاض.

وأضاف في مسجد بمدينة غزة خلال الجنازة: «هذه المسيرة مش هتتوقف، ونضال الشعب الفلسطيني في كل الأصعدة هيظل مستمر». ويقول مسؤولون في قطاع الصحة في غزة إن الغارة التي أسفرت عن مقتل عودة وزوجته وابنه خلّفت أيضاً ثلاثة قتلى آخرين وأكثر من 20 مصاباً، ودمّرت الطابق العلوي من مبنى سكني في حي الرمال بمدينة غزة.

وبحث عمال الإنقاذ تحت الأنقاض، في وقت سابق من الأربعاء، عن مزيد من القتلى والمصابين.

فلسطينيون يحملون جثمان محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» خلال جنازته بمدينة غزة 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل: عودة ضالع في هجوم 7 أكتوبر

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن عودة كان يرأس شعبة المخابرات في «حماس» وقت الهجوم عبر الحدود على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي تلاه اندلاع حرب غزة، مضيفاً أنه عُين قبل نحو أسبوع ليحل محل عز الدين الحداد، أعلى قائد عسكري بالحركة، الذي قتلته إسرائيل في 15 مايو (أيار).

وقالت مصادر مقربة من «حماس»، إن عودة ربما كان آخر عضو متبق في مجلس القيادة العليا لكتائب القسام.

رجل فلسطيني يتفقد موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في مدينة غزة 27 مايو 2026 (رويترز)

وقتلت إسرائيل عشرات من قادة «حماس» منذ بدء حرب غزة، وتوعّدت بقتل أو اعتقال أي شخص تقول إنه كان ضالعاً في هجمات السابع من أكتوبر 2023.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان، إن «حماس» لن تمارس بعد الآن سيطرة مدنية أو عسكرية على غزة، وإن خطة لما وصفها بأنها «هجرة طوعية» من القطاع ستنفّذ أيضاً «في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة».

ويرفض الفلسطينيون أي محاولة لتهجيرهم من قطاع غزة.

وتشير إحصاءات من مسؤولي صحة في غزة إلى أن نحو 900 فلسطيني قُتلوا في ضربات إسرائيلية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر. ولا تحدد تلك الإحصاءات عدد المدنيين والمقاتلين من بين القتلى.

وقال الجيش الإسرائيلي إن أربعة من جنوده قُتلوا على أيدي مسلحين خلال الفترة نفسها.

فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (رويترز)

ولا تفصح «حماس» عن أرقام الخسائر في صفوف مقاتليها. وتقول إسرائيل إن ضرباتها بعد وقف إطلاق النار تهدف إلى منع الهجمات أو منع الناس من الاقتراب من الخط الفاصل بين المناطق الخاضعة لسيطرتها والأراضي التي تسيطر عليها «حماس» بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.

ووصلت المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل و«حماس» إلى طريق مسدود حول تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي تشمل نزع سلاح الحركة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي.

وتسيطر إسرائيل على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة بعد سريان وقف إطلاق النار المتفق عليه في أكتوبر، وتسيطر «حماس» على شريط ضيق من الأراضي الساحلية.