تراهن الحكومة المصرية على التعليم التكنولوجي لإحداث نقلة في مجالات التعليم وربطه بسوق العمل. وفي هذه الإطار أطلقت مبادرة «الرواد الرقميون» (Digilians)، التي تستهدف «تطوير مهارات الشباب في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتطبيقاتها الحديثة، لتأهيلهم لأسواق العمل المحلية والعالمية».
وخلال لقاء مع وزير الاتصالات عمرو سميح طلعت، أطلع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، على آخر مستجدات المبادرة التي سيبدأ العمل بها في سبتمبر (أيلول) المقبل، داعياً الشباب والأسر إلى «الاهتمام بالتعليم الرقمي»، حسب بيان للرئاسة.

ولا يزال الطلاب في مرحلة التقديم التي تمتد إلى عدة مراحل، بدايةً من رفع المستندات المطلوبة على الموقع، مروراً بالخضوع لعدة اختبارات، أولها في اللغة الإنجليزية، والتي تجري الدراسة بها داخل المبادرة، ثم العلوم المتخصصة سواء تحليل بيانات أو ذكاء اصطناعي أو علوم الحاسب، حسب الموقع الرسمي للمبادرة.
وبحماس ينتظر الطالب في الفرقة الرابعة بالمعهد العالي للهندسة التكنولوجية بطنطا (دلتا النيل) محمد رجب كسبر، قبوله في المبادرة، لدراسة «برنامج الأمن السيبراني» الذي يمتد 9 أشهر. يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «درس مقدمات عنه خلال دراسته الجامعية، ويسعى إلى التعمق فيه أكثر خلال المبادرة، التي ستفتح أمامه فرص عمل أكثر».
يقدم على البرنامج نفسه الشاب الحاصل على بكالوريوس هندسة الاتصالات من أكاديمية طيبة، عبد الله مسعد، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «توجه الدولة لصقل مهاراتهم في تكنولوجيا المعلومات أمر مفيد جداً سواء لمتلقي التعليم نفسه أو للدولة ككل»، لافتاً إلى أن «الأمن السيبراني أصبح واحداً من العلوم الأساسية والمرتبطة بمجالات كثيرة، إذ يُعنى بتأمين البيانات والمعلومات الرقمية، سواء على مستوى الشركات المختلفة لمنع اختراقها أو على مستوى أجهزة الدولة ككل».
وسبق للرئيس عبد الفتاح السيسي أن حضَّ في أبريل (نيسان) من العام الماضي، الشباب على دراسة العلوم التكنولوجية والبرمجة، في مقابل انتقاده للإقبال على كليات مثل «التجارة والآداب»، لعدم حاجة سوق العمل إليها، مشيراً إلى أن هناك «أعمالاً يمكن أن تجني منها 30 و40 ألف دولار (الدولار يساوي 49.80 جنيه) وأنت جالس في بيتك، وأحياناً قد يصل الرقم إلى 100 ألف دولار شهرياً».
وثمَّن الأكاديمي والسياسي المصري، حسام بدراوي، المبادرة، بوصفها «خطوة ممتازة في قلب رؤية مصر التعليمية 2030»، وإن كانت تعد «محاولة للحاق بالركب العالمي في التكنولوجيا»، خلال تصريحات لـ«الشرق الأوسط».
وتبلغ تكلفة المبادرة أول عام 3 مليارات جنيه، إذ تتضمن تجهيز المعامل والإقامة، إلى جانب التكلفة السنوية مليار جنيه للتدريب حسب تصريح لوزير الاتصالات، الأربعاء، مشيراً إلى أنها تقبل الشباب من عمر 18 إلى 32 عاماً».
وتتنوع البرامج الدراسية في المبادرة بين دبلومات مكثفة مدتها 4 أشهر فقط، وصولاً إلى الماجستير «من إحدى الجامعات الأجنبية المرموقة لبرامج الماجستير» وفق الموقع الرسمي للمبادرة، والتي «ستُقدَّم مجاناً بالكامل، بما في ذلك الإقامة والإعاشة والتدريب»، إذ تشترط التفرغ الكامل، والإقامة في الأكاديمية العسكرية مدة الدراسة، حسب موقع المبادرة.
وشدد بدراوي، على ضرورة ألا تقتصر الرؤية المصرية على مبادرات يستفيد منها عدد محدود من الطلاب، قائلاً: «على أهمية هذه المبادرات، لكن لا بد من إدراج المفاهيم التكنولوجية والتعليمية الحديثة في كل المراحل التعليمية بدايةً من التعليم قبل الأساسي».
ولفت إلى أنه «وإن كانت مصر عدلت مناهجها الدراسية السنوات الماضية، وخرجت بمنتج جيد جداً في التعليم قبل الأساسي والأساسي، لكن المشكلة تكمن حالياً في المعلمين واستيعابهم للتغيرات في المجالات التعليمية».
يتفق الكاتب والأكاديمي أستاذ علم المعلومات وتاريخ المعرفة، زين عبد الهادي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن العالم يشهد «تطوراً كبيراً في مجالات التعليم، قائماً على توظيفات الذكاء الاصطناعي والعلوم التكنولوجية المختلفة، لذا فإن إطلاق مثل هذه المبادرات مهم».
وحول العوائد المالية الكبيرة من العمل في هذه المجالات، أكد عبد الهادي «وجود عوائد كبيرة من الوظائف في هذا المجال والتعاون التكنولوجي مع شركات عالمية، وجهات تعليمية، مما ينعكس على مستوى معيشة الشخص الذي يهب نفسه للمعرفة وإنتاجها بشكل مستمر، أو على الدولة، إذ سيترجم في زيادة العوائد الدولارية». وأضاف: «الرئيس السيسي مطَّلع على مجريات سوق العمل العالمية».

وعقب ساعات من التوجيه الرئاسي بسرعة تنفيذ الإجراءات الخاصة بمبادرة «الرواد الرقميون»، كرر عدد من الوزراء خلال مؤتمر سنوي لكلية الطب بجامعة القاهرة، التوجهات نفسها نحو توظيف التكنولوجيا في جميع العلوم.
وقال نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة، خالد عبد الغفار، الخميس، إن «الطب وصل إلى الثورة الصناعية الخامسة وهو يعتمد على الذكاء الاصطناعي، العالم بدأ إدخال علم الذكاء الاصطناعي في مراحل رياض الأطفال التعليمية»، مطالباً بضرورة إدراج مناهج الطب والذكاء الاصطناعي للطلاب في كلية طب قصر العيني.



