خليل النعيمي: أكتب رواياتي بمشرطي كطبيب جراح

الكاتب السوري المقيم في باريس لا يرى في الترجمة سبيلاً للعالمية

خليل النعيمي
خليل النعيمي
TT

خليل النعيمي: أكتب رواياتي بمشرطي كطبيب جراح

خليل النعيمي
خليل النعيمي

يقيم الكاتب السوري خليل النعيمي في باريس منذ عقود ومع ذلك يرفض الكتابة بغير العربية رغم إجادته الفرنسية؛ بسبب غرامه بلغة الضاد التي درس بها الطب والفلسفة في جامعة دمشق. ورغم نجاحاته المهنية في «مدينة النور» طبيباً جراحاً، فإن قلبه معلق بالهم السوري والعربي وهو ما يتجلى في معظم أعماله منذ روايته الأولى «الرجل الذي يأكل نفسه» وحتى روايته الأخيرة «زهر القطن»، مروراً بأعماله الأخرى مثل «قصاص الأثر»، و«تفريغ الكائن»، و«مديح الهرب» و«دمشق 67».

في هذا الحوار، يتطرق النعيمي إلى هموم التجربة الإبداعية، وولعه بالسفر والترحال الذي انعكس في عدد من أعماله وبخاصة كتابه الأحدث «أنا مكان».

* تواصل مسيرتك في أدب الرحلات والولع بالسفر من خلال كتابك الأخير «أنا مكان»... كيف تنظر إلى هذا العمل في سياق تجربتك الإبداعية عموماً؟

- إبداع الكاتب الحقيقي هو إبداعه في حياته، والكتابة هي جزء ضئيل من عملية الإبداع الأساسية هذه التي تمثلها حياتنا في أبعادها المختلفة. لكن إذا حاولنا أن نؤطِّر هذا الكتاب، فلا بد لي من القول إنه «زبدة» ما كتبت حول الأمكنة الكثيرة التي زرتها، لا من حيث اللغة وطريقة الكتابة فحسب، وإنما من حيث «وعي الكاتب بالأمكنة»، فالمكان ليس شيئاً آخر غير وَعينا به. ولكي ألخّص ما أقول، يكفي أن أعد أسماء الكتب السابقة، والأسماء ليست حيادية، كما تعلمين: «مخيلة الأمكنة»، و«كتاب الهند»، و«قراءة العالم»، و«الطريق إلى قونية» وأخيراً «أنا مكان».

* بما أن هذا الكتاب ليس الأول من نوعه في أدب الرحلات بالنسبة إليك، ما الجديد الذي يحمله «أنا مكان» مقارنة بما سبقه؟

- الأمكنة لا تنتهي والإحساس بجمالها، هو الآخر لا نهائيّ. وعبر الجمال المتجدد الذي يمنحنا إيّاه السفر، نستَخْلِق، نحن العابرين، مشاعر جديدة، أكثر إبداعاً، وأكمل بنية، وأعمق وَعْياً، ممْا نعيشه، وممّا عشناه، من قبل. تاريخ الكتابة، وإنجازها، يتعلّقان، بشكل متين، بتاريخ الكاتب الشخصيّ، الذي يتجلّى دائماً فيما يكتب. ومن منظور آخر، يمكن أن نقول إن الكتابة ليست تجميعاً إنشائياً، أو وصفاً جغرافياً للأمكنة والبشر الذين يعيشون فيها، إنها علاقة حميمة تتخلّق بين العابر والمقيم، علاقة تتعمّق إلى أن تغدو، بشكل أو بآخر، شبه تاريخية. نحن نسافر لأننا نحب الآخرين، ونفرح بأمكنتهم التي تعيدنا إلى مكاننا الأول.

* لكن، تحديداً، ما سر ولعك بالسفر و«هوسك» باكتشاف الأمكنة الجديدة؟

- بكلمة واحدة «الفَقْد». فَقْد المكان الأول الذي لم يكن باستطاعتي العودة إليه، بعد أن رحلتُ عنه بطريقة قسرية. وهو ما جعلني أكتب فيما بعد: «نحن لا ننفر من الأمكنة، وإنما من الفكر الذي يتحكّم فيها. نحن لا نستبدل مكاناً بمكان آخر، وإنما فكراً بفكر آخر. فالمكان كالكائن لا يمكن استبداله». وبتعبير آخر، كنت أبحث عن مكاني الأول في الأمكنة الأخرى التي أزورها، وهو ما استغرق مني وقتاً طويلاً لكي أدرك البعْد النفسي للفَقْد. كان السفر بالنسبة لي الملجأ الذي حماني من الانهيار.

* إلى أي حد انعكس هذا الولع على تجربتك الأدبية... هل المكان بطل أساسي في النص؟

- المكان شيء أساسيّ في تجربة الكتابة الروائية عندي، فهو على سبيل المثال «الشخصية الأساسية» في روايات «دمشق 67»، و«قَصّاص الأثَر» و«زهر القطن». وعلى العموم، فإن الكتابة، أياً كان شأنها، أو نوعها، في حاجة إلى «أرضيّة» تستند إليها. نحن لا نكتب عن السماء وإنما عن الأرض، الأرض التي نشأنا فوق ترابها، وتنفسنا هواءها، وأحببناها. وعندما نسافر تكون هي المعيار الذي نرى من خلاله أرض الآخرين التي ستغدو، سريعاً، أرضنا الأخرى. فمن لا يحب مكانه الأول، لن يحب أمكنة الآخرين، ولن يعني له السفر شيئاً.

* تجمع بين كل من الأدب والطب في ثنائية شهيرة تجلت أصداؤها عبر نماذج مدهشة، من أبرزها عالمياً أنطون تشيخوف وعربياً يوسف إدريس... كيف تنظر إلى تلك الثنائية من واقع تجربتك الشخصية؟

- أنا طبيب جراح، وأمارس الجراحة، مهنتي التي أعيش منها. أنا لم أكتفِ بدراسة الطب فقط، مثل كثير من الأدباء، وإنما أمارسه. والممارسة تطبع الكائن بضروراتها، وتعلّمه حتى ما لا يريد أن يتعلمه. أنا أقوم بعمليات جراحية عالية التخصص، تستغرق مني العملية الواحدة، أحياناً، ساعات عدة، وهو ما يعني الكثير، ثقافياً وحتى سلوكياً. من الجراحة تعلّمتُ الصبر، والمثابرة، والإتقان. منها تعلمت، أيضاً، أن عمل الكائن، أياً كان نوعه، يمثله. العمل يمثّل مَنْ ينجزه.

هذا ما حاولتُ، وأحاول باستمرار، أن أطبّقه على الكتابة، فالكتابة التي هي مجرّد حروف على الورق، لا تقلّ أهمية عندي، عن العمل الجراحي الذي أقوم به على الجسد الإنساني، والذي لا يقبل أي تنازل في أدائه. ففي الجراحة، كما في الكتابة، وفي الحياة، أقصد في السلوك والأفعال، ليس هناك شيء نافل. كل شيء مهم. والفعل أياً كانت نوعيته، يستحق الاهتمام نفسه، سواء أكان حركة المشرط الجراحي، أم حركة القلم على الورق.

* هل يمتلك المبدع القادم من خلفية طبية «حساسية إبداعية» مختلفة تميزه عن زملائه القادمين من خلفيات أخرى؟

هذا يتعلّق بنوعية المبدع، وبطريقة حياته. رد الفعل الإنساني، ليس واحداً ولا موحَّداً أمام الأشياء، والأوضاع، والظروف. هناك أمور عدّة تتدخّل في مسار الحياة، وبالتالي في الإبداع، بشكل خاص. نحن كلنا نعيش على سطح هذه الأرض، ولكن منْ يستطيع أن يعثر على اثنين «طبق الأصل»؟ لا أحد، بالطبع. المماثلة لا توجد إلا على الورق، وبإرادة السلطة، ولفترة محدودة جداً من الوقت.

أقول إن الحساسية الإبداعية مسألة شخصية بحتة، لكنها قابلة للتأثّر. وهي، مثلها مثل غيرها من الحساسيات الإنسانية الأخرى، عرضة للتحوّل والتغيّر المستمر. يبقى علينا أن نعترف بأن الحساسية الإبداعية ليست معطى جامداً، ولا هي نهائية. وهي ليست خلف المبدع، أي ليست متصلة بتاريخه، فقط. وإنما هي، باستمرار، أمامه، متعلّقة بسلوكه واعتباراته ومشاغله اليومية، وبمهنته، ومعارفه، حتى العابرين منهم، وقبل كل شيء، بقابليته للتغيّر. المبدع، بهذا المعنى، طاقة خلاّقة متبدّلة باستمرار. ولكن إلى أي حدّ؟ تلك هي النقطة التي يصعب تحديدها.

* رغم إقامتك في فرنسا منذ عقود، فإن الهمّ السوري العربي هو المهيمن على فضاءاتك الإبداعية... ما السبب وراء ذلك؟

- السبب في ذلك هو اللغة، علاقني باللغة العربية علاقة وجودية. أنا لا أستطيع أن أعيش ثقافياً من دون اللغة العربية. أنا درست الطب والفلسفة في جامعة دمشق العريقة باللغة العربية، وفي فرنسا، تخصصتُ في الجراحة، وتابعت دراسة الفلسفة المقارنة في جامعة السوربون حتى صرت «عضو الحمعية الجراحية الفرنسية»، و«جرّاح المستشفيات في فرنسا». وأمارس مهنتي باللغة الفرنسية، بالطبع.

لكن التعبير عن الإبداع له شأن آخر. لماذا؟ لأن الكائن مهما تقدم في العلم، وتعمّق في التخصص، يظل قريباً من مجاله العاطفي المرتبط بمكانه الأول. وأتصوّر أنني لو كتبت باللغة الفرنسية لكنت نسيت، بشكل من الأشكال، مَنْ كنتُ، ومن أين جئت، حتى ولو ظلتْ رائحة المكان الأول عالقة بي. أنا أكتب من أجل «مجتمعي»، وأعمل من أجل أن أكون مستقلاًّ عن جميع سلطات العالم. هناك، إذن، علاقة ارتباط لا انفكاك منها مع المكان الذي نشأت فيه. علاقة وجود أكثر مما هي علاقة مصلحة عابرة.

* ألم تفكر في الكتابة بالفرنسية بدعوى ما يعدُّه البعض «تحقيق حلم العالمية» والوصول إلى الآخر بلغته؟

- لم أفكّر بالكتابة بلغة أخرى، حتى ولو كنت أتقنها، وأمارسها في حياتي اليومية. إضافة إلى أن «مفهوم العالمية» عن طريق الترجمة مفهوم سخيف تماماً. هناك جوائز عربية مستلَبة بهذا المفهوم، تترجم كل كتب جوائزها إلى أكثر من لغة، وكلها ترجمات مدفوعة الثمن، مسبقاً، وهو ما أساء، ويسيء، إلى الإبداع العربي الحقيقي. ومع ذلك ليس هناك في الغرب الذي أعيش فيه أي صدى لهذه الترجمات التي سرعان ما تُنسى، وكأنها لم تكن.

العالمية جهد فردي، ليس هدفه الترجمة، وإنما نقد المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب. نقده بمعنى المساهمة في إغناء تراثه الثقافي الخاص، وعدم التردد في مقاومة العوآئق الأخلاقية والسلوكية والمعرفية التي تكبّل التحرر الاجتماعي.

* كانت بدايتك مع الشعر من خلال ديوان «صور من ردود الفعل لأحد أفراد العالم الثالث»، لماذا لم تستمر في المسار الشعري... ألا تشعر بالحنين إلى القصيدة؟

- في الحسكة كنت شاعراً، وفي دمشق صرت روائياً، وفي باريس كتبتُ «موت الشعر». أقصد أن الإبداع صيغة من صِيَغ المكان الذي نعيش فيه، أما مفهوم الحنين إلى القصيدة، فهو ما لم يخطر لي على بال. ومما يجدر ذكره أن ديواني المشار إليه في سؤالك مُنِع، وصودِر، ربما كان ذلك وراء تحوّلي إلى الرواية بشكل جذري، مع أن أول رواية لي «الرجل الذي يأكل نفسه»، مُنعت هي الأخرى.

* في هذا السياق، كيف ترى ظاهرة تحول الكثير من الشعراء العرب حالياً نحو كتابة الرواية بحثاً عن الأضواء والانتشار؟

- أنتِ قلتِ هذا: «بحثاً عن الأضواء والانتشار». هذا ما أعتقده أنا أيضاً. لكن المهم، رغم ذلك، هو الاعتراف العلني والصريح بحق المبدع في أن يمارس الفن الذي يعتقد أنه يلائم ذائقته ووقته وجهده وإمكاناته. وله كل الحق في أن يتنقّل من فن إلى آخر ما شاء، وسمحت له ظروفه. لا تخصص نهائياً في مجال الإبداع، ولا حظر لممارسته، بأي شكل من الأشكال. المهم، في النهاية، هي القيمة الإبداعية للعمل الفني، وليس شكله.


مقالات ذات صلة

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».