كيف أثّرت التوترات السياسية على العلاقات التجارية بين الجزائر وفرنسا؟

بعد أن لامست القطيعة في مناسبات عديدة منذ اعتراف باريس بمغربية الصحراء

الرئيسان الجزائري والفرنسي بـمتحف الجيش بالعاصمة الجزائرية قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي بـمتحف الجيش بالعاصمة الجزائرية قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
TT

كيف أثّرت التوترات السياسية على العلاقات التجارية بين الجزائر وفرنسا؟

الرئيسان الجزائري والفرنسي بـمتحف الجيش بالعاصمة الجزائرية قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي بـمتحف الجيش بالعاصمة الجزائرية قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

بدأت التوترات الدبلوماسية بين باريس والجزائر تُلقي بظلالها الثقيلة على التبادلات التجارية. فبحسب تقارير إعلامية فرنسية، تراجعت الصادرات الفرنسية إلى الجزائر بنحو 20 في المائة خلال الربع الأول من عام 2025، إذ بلغت قيمتها في الربع الأول من العام الماضي 1,255 مليار يورو. لكن انخفض هذا المبلغ إلى 992,5 مليون يورو في الربع الأول من العام الحالي. أما الصادرات الجزائرية إلى فرنسا، فقد تراجعت من 1,42 مليار يورو إلى 1,36 مليار يورو بين الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024، ونفس الفترة من عام 2025.

ويُعزى هذا التراجع أساساً إلى الأزمة السياسية، التي اندلعت في صيف 2024، عقب اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بسيادة المغرب على الصحراء. وتشير عدة مؤشرات إلى تشدد في العلاقات الاقتصادية، من بينها تعقيد الإجراءات الجمركية، واستبعاد للشركات الفرنسية من بعض المناقصات العامة التي تطرحها الجزائر، كالقمح وحليب البودرة، فضلاً عن العراقيل التي تواجهها شركتا «رينو» للسيارات، و«رينو تراكس» للشاحنات في استئناف نشاطهما.

رئيس المنظمة الجزائرية لأرباب العمل (على اليمين) مع مسؤول «ميديف» الفرنسية (الشرق الأوسط)

ورغم نفي السلطات الجزائرية اتخاذ أي إجراءات ضد الشركات والمستثمرين الفرنسيين، فإن العديد منهم اشتكوا من «صعوبات متزايدة» بخصوص تصدير منتوجاتهم إلى الجزائر، ما اضطرهم إلى إعادة توجيه شحناتهم عبر مواني أوروبية أخرى، وهو ما أدّى إلى تكاليف إضافية، وفق ما أشارت إليه نفس التقارير الإعلامية، التي تناولت صحيفة «لوفيغارو» بعضاً منها، نهاية الأسبوع الماضي.

وبرغم ذلك، تقلل «غرفة التجارة الجزائرية - الفرنسية» من حجم هذا التراجع، حيث صرّح رئيسها ميشيل بيزاك لصحف جزائرية أن «الأمر يتعلق بإشارة سياسية أكثر من كونه قطيعة اقتصادية». غير أن انخفاض الحضور الفرنسي في معرض «باتيماتيك» للبناء والأشغال العمومية الدولي، الذي يعقد في الجزائر مع بداية شهر مايو (أيار) من كل سنة، مقابل تزايد لافت لحضور الشركات التركية والإيطالية والإسبانية، يعكس بوضوح أن التجارة بين الجزائر وباريس تأثرت بالتوترات السياسية.

ميشيل بيزاك رئيس غرفة التجارة والصناعة الجزائرية - الفرنسية (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ومع وجود نحو 6 آلاف شركة فرنسية صغيرة ومتوسطة تُصدّر إلى الجزائر، التي تُعد ثاني أكبر سوق أفريقية لفرنسا، تتزايد المخاوف من تأثير الخلافات السياسية على التجارة والأعمال. وقد دعا رئيس «الغرفة»، ميشيل بيزاك، إلى التهدئة في عدة حوارات صحافية، معرباً عن أمله في استئناف الحوار الذي لاحت بوادره في الأفق، مطلع أبريل (نيسان) الماضي، لما زار وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الجزائر، لكن سرعان ما انتكست العلاقات من جديد.

ووفق أرقام «الغرفة»، فإن الجزائر استوردت من فرنسا قرابة 4.8 مليار يورو عام 2024، أي بزيادة قدرها 6.6 في المائة، مقارنة بعام 2023. وعن أهمية هذا التبادل، قال بيزاك، في مقابلة مع صحيفة «الوطن» الجزائرية: «إذا فقدنا هذا السوق، فكم من الوقت سنحتاج لإيجاد زبائن قادرين على تعويض ذلك؟».

وجاء في تقرير مفصل عن خسائر التجارة بين البلدين، خلال الربع الأول من العام الحالي، نشرته الصحيفة الإلكترونية «كل شيء عن الجزائر»، أن التراجع في الصادرات الفرنسية نحو الجزائر شمل معظم المنتجات، أبرزها الآلات والمعدات العامة، ومنتجات الدواء والمواد الكيميائية الأساسية ومنتجات النيتروجين، والمعدات الكهربائية، والمنتجات الغذائية المختلفة (-60 في المائة)، والمنتجات الزراعية والحيوانية (-99 في المائة) ولبّ الورق والورق والكرتون، ومعدات السيارات، وأدوات القطع والمعدات وأجهزة القياس والاختبار والملاحة، والمنتجات الفولاذية، إضافة إلى الحواسيب والعطور ومستحضرات التجميل والأدوات الطبية، ومنتجات الألبان والمثلجات (-98 في المائة).

اجتماع سابق لأطر «ميديف» الفرنسي ومجلس التجديد الاقتصادي الجزائري في مايو 2022 (منظمة أرباب العمل الجزائرية)

في المقابل، شهدت بعض المنتجات ارتفاعاً في قيم صادراتها نحو الجزائر خلال نفس الفترة، مثل منتجات صناعة السيارات، وبعض المواد الكيميائية المتنوعة، والآلات ذات الاستخدامات الخاصة والملابس، ومنتجات البلاستيك.

أما فيما يتعلق بالصادرات الجزائرية إلى فرنسا، فقد سجّلت المحروقات ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، حيث انتقلت من 1.075 إلى 1.078 مليار يورو، بينما تراجعت المنتجات النفطية المكررة بنسبة 17.1 في المائة، ومنتجات النيتروجين بنسبة 22.7 في المائة، حسب نفس البيانات، التي بيّنت أن فرنسا كانت ثاني أكبر مزود للجزائر عام 2024، بقيمة 5.2 مليار يورو، وحصة سوقية بلغت 12.2 في المائة، خلف الصين (11.7 مليار يورو)، وأمام إيطاليا (3.2 مليار يورو). ولم يتغير الترتيب الثلاثي الأوّل للموردين مقارنة بعام 2023.

أما من حيث الزبائن، فتفيد البيانات بأن فرنسا احتلت كذلك المرتبة الثانية سنة 2024 (6.8 مليار يورو، بحصة سوقية 14.4 في المائة)، خلف إيطاليا (12 ملياراً)، وأمام إسبانيا (6 مليارات). وهنا أيضاً لم يتغير ترتيب الثلاثة الأوائل.

حركة المبادلات التجارية بين الجزائر وفرنسا انخفضت بشكل كبير خلال السنة الحالية مقارنة بسنة 2024 (الشرق الأوسط)

من المعروف أن مشكلة سياسية كبيرة وقعت بين الجزائر وإسبانيا عام 2022، تسببت في توقف التجارة بين البلدين، ما خلّف خسائر مالية كبيرة. وكانت المشكلة شبيهة بما حدث مع فرنسا، حيث دعمّت مدريد خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء. لكن في نهاية 2024، عادت العلاقات إلى طبيعتها. ومع ذلك، فإن التوترات بين الجزائر وإسبانيا لم تصل إلى المستوى، الذي وصلت إليه العلاقات بين فرنسا ومستعمرتها السابقة.



الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
TT

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء، في العاصمة الإيطالية روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم.

وأوضحت البعثة في بيان، تلقت «وكالة الأنباء الألمانية» نسخة منه، أن المناقشات جرت في أجواء بنّاءة وجدية، حيث عبّر المجتمعون عن ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم من خلال صناديق الاقتراع. كما شددوا على ضرورة إنهاء الانسداد السياسي، الذي حال دون تقدم المسار الانتخابي.

وتوصل الفريق إلى اتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأوصى بأن يقوم النائب العام بترشيح أحد رجال القضاء، كما أعاد الفريق تسمية 3 أعضاء للمفوضية، كان مجلس النواب قد اختارهم سابقاً، و3 آخرين سماهم المجلس الأعلى للدولة في وقت سابق.

وبالإضافة لذلك، شرع أعضاء الفريق المصغر في مناقشة القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، واتفقوا على مواصلة مشاوراتهم بتيسير من البعثة الأممية للتوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق، تلبي طموحات الليبيين في إجراء انتخابات وطنية.

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعلنت خلال إحاطتها لمجلس الأمن في فبراير (شباط) الماضي، عن مقاربة من خطوتين لتجاوز عجر مجلسي النواب والدولة عن التوصل لاتفاق بشأن استكمال مجلس المفوضية الوطنية للانتخابات، وتعديل القوانين الانتخابية. ويعد الفريق المصغر الخطوة الأولى في هذه المقاربة.

ويتكون الفريق المصغر من 8 أعضاء، مقسمين بين شرق وغرب البلاد. ومَثّل فريق الغرب عضوين من المجلس الأعلى للدولة، وآخرين سمتهم حكومة الوحدة الوطنية، أما الشرق فيمثله عضوان من مجلس النواب وعضوان سمتهم القيادة العامة للقوات المسلحة.

وبسبب الانقسام السياسي، وخلاف على القوانين الانتخابية وبعض المرشحين، فشل الليبيون في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية كانت مقررة في ديسمبر (كانون الأول) 2021.


«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تسارع بعثة الأمم المتحدة وتيرة تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر الجمود السياسي، الذي يخيم على ليبيا منذ سنوات: الأول عبر قطع خطوات على مسار «الحوار المهيكل» الذي أطلقته منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي بمشاركة شرائح ليبية متعددة. أما المسار الأممي الثاني فيتمثل في اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة»، بصيغة «4+4»، الذي تستضيفه روما، الأربعاء، لمعالجة أكثر الملفات الانتخابية تعقيداً، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، والمناصب الشاغرة بمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية.

إحدى جلسات الحوار الليبي المهيكل في طرابلس (البعثة الأممية)

لكن هذه المقاربة المزدوجة، التي تتمسك البعثة الأممية بأنها تهدف إلى تحريك العملية السياسية، فتحت الباب مجدداً أمام تساؤلات ليبية متزايدة حول جدوى تعدد المبادرات، وما إذا كانت تعكس تكاملاً دولياً أم تنافساً بين مسارات الحل المختلفة، خصوصاً مع حديث دبلوماسيين عن دعم أميركي لصيغة «4+4»، التي تجمع ممثلين عن الأطراف السياسية المتنازعة في شرق ليبيا وغربها.

تشكيك في جدوى المسارين

لا يبدي السفير مراد حميمة، وكيل وزارة الخارجية الليبية السابق، تفاؤلاً باختراق حاسم في الأزمة السياسية عبر هذين المسارين، مبرزاً أن «تعدد المبادرات عزز الانطباع بوجود حالة من التنافس، بدلاً من التكامل بين خريطة الطريق الأممية، ومبادرة مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، الخاصة بتوحيد السلطتين المتنافستين في ليبيا».

وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق مراد حميمة خلال لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في وساطة محلية فبراير الماضي (فريق الوساطة الليبية)

ويعتقد حميمة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «غياب مؤشرات واضحة على وجود إرادة سياسية جادة لمعالجة العقبات، التي تحول دون إجراء الانتخابات، لا يزال يمثل العائق الأكبر أمام أي تقدم فعلي»، لافتاً إلى أن المبادرة الأميركية قوبلت بـ«رفض شعبي واسع».

ويستند الدبلوماسي الليبي في تقييمه إلى ما وصفه بـ«التباين في سرعة معالجة الملفات العالقة»، موضحاً أن توحيد مصرف ليبيا المركزي تم خلال بضعة أشهر في عام 2023، بينما لا تزال ملفات القوانين الانتخابية والمفوضية العليا للانتخابات تراوح مكانها، وهو ما عَدّه «دليلاً على اختلال أولويات العملية السياسية».

حفتر في لقاء سابق قبل سنوات مع عبد الرحمن العبار في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

وتحرص المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، في مواجهة الانتقادات المتزايدة، على التأكيد على أن «الحوار المهيكل» يمثل ركناً أساسياً في العملية السياسية، لأنه يساعد الليبيين على تحديد أولوياتهم الوطنية، وصياغة رؤية للإصلاحات السياسية والتشريعية، وهو ما أكدته في إحاطة في وقت سابق هذا الأسبوع على وقع أصوات رافضة في مدن بغرب ليبيا.

وتدافع تيتيه عن المسارين بالقول إن اجتماع «4+4»، أو «الاجتماع المصغر»، لن يكون بديلاً عن الحوار المهيكل، موضحة أنه «آلية تكميلية» تستهدف معالجة العقبات المحددة المرتبطة بالإطار الانتخابي والهيئة العليا للانتخابات، بينما يهدف الحوار الأوسع إلى بناء توافق وطني شامل، «بقيادة وملكية ليبية».

وكان مشاركون في «الحوار المهيكل» قد طرحوا، خلال جلسة عقدت الأسبوع الماضي، بحضور دبلوماسيين دوليين، تصورات متنوعة لتجاوز الانقسام السياسي والمؤسسي. وقال أبو عجيلة سيف النصر إن أولوية المرحلة الراهنة يجب أن تتمثل في «إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، عبر تشكيل حكومة واحدة تتولى توحيد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية».

«ميثاق وطني ملزم»

من بين هذه الاقتراحات للمشاركين في الحوار ما تحدث عنه الدكتور عبد الله الحاسي من ضرورة التوصل إلى «ميثاق وطني ملزم»، يضمن قبول نتائج الانتخابات، أما السياسية أماني محمود فرأت أن أي ترتيبات سياسية لا تضمن مشاركة النساء بنسبة لا تقل عن 35 في المائة «ستظل مساراً منقوصاً يفتقر إلى الاستدامة».

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي خلال حفل افتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس شهر مارس الماضي (مكتب الدبيبة)

ورغم ذلك، يرى وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق أن «الحوار المهيكل» لا يزال يفتقر إلى مقومات التنفيذ الفعلي، باعتبار أنه تجاوز، وفق رأيه، المراحل الأساسية في الخطة الأممية، وهي استكمال تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وإنجاز القوانين الانتخابية، وتشكيل حكومة موحدة، ما يجعل مخرجاته «أقرب إلى توصيات يصعب تطبيقها في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة ومنتخبة».

ويأتي هذا الجدل في وقت أخفق فيه مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» في حسم الملفات المطلوبة ضمن «خريطة الطريق»، التي طرحتها تيتيه والمدعومة بقرار من مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، وهو ما دفع البعثة الأممية إلى التحرك بصورة أكثر مباشرة، عبر الدفع نحو اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة» في روما (اليوم) الأربعاء.

وبحسب معلومات رشحت عن المشاورات الجارية، مثل حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة»، عضوي المجلس الأعلى للدولة علي عبد العزيز وعبد الجليل الشاوش، إلى جانب مستشار رئيس الحكومة مصطفى المانع، ووزير الدولة للاتصال وليد اللافي للمشاركة في الاجتماع، فيما أناب «الجيش الوطني» عضوي مجلس النواب آدم بوصخرة وزايد هدية، إضافة إلى الدبلوماسي الشيباني بوهمود، وعميد بلدية بنغازي السابق عبد الرحمن العبار.

ويرجح حميمة، من واقع تجربته الدبلوماسية، أن «المشاورات التي تقودها تيتيه تبدو أقرب إلى محاولة لدمج مبادرة بولس داخل خريطة الطريق الأممية، عبر حصر دور (4+4) في ملفي المفوضية والقوانين الانتخابية، مع توسيع عضوية المجموعة، وتقليص نفوذ الأطراف التقليدية داخلها، إلى جانب وضع سقف زمني لعملها».

وتوقع حميمة أن البعثة الأممية قد تتجه، في حال فشل هذا المسار، إلى تفعيل المادة «64» من الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية 2015، وهو خيار عقد حوار سياسي موسع، قال إن «فريق تيتيه داخل البعثة يميل إلى دعمه».

ويبدي قطاع من المحللين الليبيين تشاؤماً حيال فرص نجاح المقاربة الأممية المزدوجة، على خلفية إخفاق مبعوثين سابقين في فرض تسويات دائمة. وقال المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، لـ«الشرق الأوسط» إن المسارات المطروحة قد تنتهي إلى تفاهمات مؤقتة بشأن القوانين الانتخابية، وهو ما عزاه إلى «غياب رغبة حقيقية لدى الأطراف السياسية في مغادرة المشهد عبر الانتخابات، رغم الدعم الأميركي لصيغة (4+4)».

وفي ظل مشهد معقد يسوده الانقسام السياسي بين حكومتين في غرب وشرق البلاد، وأطراف عسكرية داعمة لها، لا يرى حميمة بديلاً عن تبني «مقاربات غير تقليدية» لمعالجة الأزمة، من بينها دعم جهود «الوساطة السياسية الليبية»، التي انخرطت في مفاوضات بين مجلسي النواب والدولة منذ فبراير للتوصل إلى حلول توافقية بشأن المفوضية والقوانين الانتخابية، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ضمن إطار وطني جامع، بحلول سبق أن أقرتها البعثة الأممية وتحظى بقبول دولي واضح.


ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
TT

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ناقض الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، اليوم الأربعاء، مساعده السابق كلود غيان، نافياً أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية ملف قضائي لعبد الله السنوسي، صهر الزعيم الليبي، الذي كان متهماً بتفجير طائرة. وتُعاد محاكمة ساركوزي، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، للاشتباه في تلقيه أموالاً سراً من ليبيا في زمن القذافي، من أجل تمويل حملته الانتخابية للرئاسة.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نفى ساركوزي، الأربعاء، أن يكون القذافي قد أثار معه خلال عشاء رسمي في طرابلس عام 2007، مباشرة بعد توليه الرئاسة، الوضع القضائي لصهره المحكوم عليه في فرنسا، أو أن يكون طلب بنفسه من غيان الاهتمام بهذا الأمر.

وأضاف ساركوزي موضحاً: «المرة الوحيدة التي تحدث فيها القذافي معي عن هذا الأمر كانت عام 2005»، وذلك أثناء زيارة إلى ليبيا فيما كان يتولى ساركوزي حينها وزارة الداخلية، مؤكداً أنه رفض الطلب حينها.

وتُعد هذه النقطة محورية، إذ تشتبه النيابة العامة في إبرام «اتفاق فساد» بين فريق ساركوزي والسلطات الليبية السابقة، يقوم على تمويل حملته الرئاسية لعام 2007، مقابل امتيازات، من بينها النظر في الوضع القانوني لعبد الله السنوسي الذي حُكم عليه في فرنسا بالسجن المؤبد، لدوره في تفجير طائرة عام 1989.

وناقض ساركوزي ما قاله غيان، الذي نقل في رسالة تلاها محاميه أن رئيس الدولة استدعاه لكي يكرر معمر القذافي أمامه «الاهتمام، الذي عبّر عنه بشأن السنوسي»، قائلاً: «كلود، تولَّ هذا الأمر»، وذلك في 25 من يوليو (تموز) 2007.

وأوضح غيان لاحقاً أنه أدرك أن من المستحيل تلبية طلب القذافي. وأضاف ساركوزي أمام المحكمة: «أؤكد ما يقوله السيد غيان، لم نرغب أبداً، لا هو ولا أنا، في القيام بأي شيء لصالح السنوسي، أو في إعطاء الليبيين انطباعاً بأننا سنفعل ذلك».

مؤكداً: «أنا لا أقول إن غيان يكذب (...)، لكن فيما يتعلق بأحداث مضى عليها 19 عاماً يمكن لذاكرة الإنسان أن تتغير». وكان كل من ساركوزي وغيان قد استأنفا حكماً صادراً بحقهما قضى بالسجن خمس سنوات وست سنوات على التوالي. وينفي الاثنان ضلوعهما في أي اتفاق فساد مع السلطات الليبية السابقة.