أمير قطر يحث ترمب على العمل لإحلال السلام بالمنطقة

الدوحة وواشنطن لرفع تبادلهما الاقتصادي إلى 1.2 تريليون دولار

TT

أمير قطر يحث ترمب على العمل لإحلال السلام بالمنطقة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الديوان الأميري بالدوحة (الديوان الأميري القطري)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الديوان الأميري بالدوحة (الديوان الأميري القطري)

أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن قطر ساعدت بلاده فيما يتعلق بالملف الإيراني، متوقعا نجاح الجهود الدبلوماسية في هذا الشأن للوصول لاتفاق.

وأعرب ترمب عن أمله في «نجاح مساعيه الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران»، وذلك بعد محادثاته مع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر.

وقال ترمب خلال مؤتمر صحافي مشترك مع أمير قطر في الدوحة: «لدي شعور بأن الأمر سينجح».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الديوان الأميري بالدوحة (الديوان الأميري القطري)

وكان الرئيس الأميركي وصل إلى العاصمة القطرية الدوحة قادما من السعودية، ضمن جولته الخليجية، حيث استقبله أمير قطر.

وعقد أمير قطر والرئيس الأميركي لقاءً ثنائياً استعرضا خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين وتطورات الأوضاع الإقليمية والدولية والجهود المشتركة لتعزيز السلام والاستقرار.

وأعلن ترمب عن توقيع اتفاقيات تجارية ودفاعية مع الدوحة.

وخلال زيارة الرئيس الأميركي وقعت قطر اتفاقا لشراء طائرات من شركة «بوينغ» الأميركية لصالح «الخطوط الجوية القطرية».

وقال ترمب إن قيمة الصفقة تبلغ 200 مليار دولار وتشمل 160 طائرة «بوينغ».

السلام في المنطقة

وبعد اجتماع أجراه مع الرئيس ترمب، أكد أمير قطر أن بإمكان الدوحة وواشنطن مواصلة العمل معا لإحلال السلام في المنطقة.

وقال الشيخ تميم بن حمد: «جميعنا نريد إحلال السلام في المنطقة ونأمل أن يتحقق ذلك هذه المرة».

وخاطب الرئيس ترمب: «أعلم أنك رجل سلام وتريد إحلال السلام في المنطقة»، مشيرا إلى أن بإمكان الدوحة وواشنطن مواصلة العمل معا لإحلال السلام في المنطقة أو بمناطق أخرى كالسلام بين روسيا وأوكرانيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الديوان الأميري بالدوحة (الديوان الأميري القطري)

وأكد أمير قطر تأييده للمباحثات القطرية الأميركية التي ستشمل إحلال السلام في المنطقة وقضايا الاستثمار والطاقة.

بدوره، قال الرئيس الأميركي لأمير قطر: «أحببنا بعضنا بعضاً وعملنا معا على أعلى المستويات لإحلال السلام في هذه المنطقة وعبر العالم»، مضيفا: «أنتم تساعدوننا بإحلال السلام في مناطق عدة مثل روسيا وأوكرانيا، وسنرى تطورا في هذا الملف».

وقال الديوان الأميري القطري إن أجندة مباحثات الشيخ تميم مع الرئيس الأميركي شملت عدة ملفات، لا سيما في مجالات الاستثمار والطاقة والتعاون العسكري والأمني.

وجرى خلال الجلسة أيضا بحث علاقات التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وسبل دعمها وتطويرها في مختلف المجالات، لا سيما في مجالات الدفاع، والاقتصاد، والاستثمار، والطاقة، والتعليم، والأمن السيبراني، والجهود المشتركة لتعزيز الأمن والسلام الدوليين، كما جرت مناقشة عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك وآخر تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، لا سيما تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.

أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يستقبل الرئيس ترمب في الدوحة (الديوان الأميري القطري)

وشدد أمير قطر على أهمية إحلال السلام في المنطقة، مشيداً بمعرفته الطويلة بالرئيس ترمب، وبما يبذله من جهود لإحلال السلام في المنطقة، واصفاً إياه «برجل السلام»، ومعرباً عن أمله في أن تتحقق هذه التطلعات المشتركة.

كما أعرب عن سعادته باستضافة الولايات المتحدة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، ودورة الألعاب الأولمبية، مشيراً إلى التعاون المشترك القائم بهذا الخصوص.

من جانبه، أعرب الرئيس الأميركي عن «عمق العلاقات الودية الطويلة التي تجمعه مع أمير قطر منذ أول لقاء جمعهما»، متطلعاً إلى «العمل معه وبأعلى القدرات لإحلال السلام في المنطقة وعبر العالم».

ولاحقاً، ذكر البيت الأبيض في بيان، الأربعاء، أن زيارة الرئيس ترمب للدوحة شهدت إبرام اتفاقيات اقتصادية ضخمة تُسهم في تعزيز التبادل الاقتصادي ليبلغ 1.2 تريليون دولار على الأقل، من بينها صفقات تجارية تتجاوز 243.5 مليار دولار تشمل بيع طائرات «بوينغ» ومحركات GE Aerospace لشركة «الخطوط الجوية القطرية».

وأشار البيان إلى أن «هذه الصفقات التاريخية ستُسهم في دفع عجلة الابتكار والازدهار لأجيال، وتعزيز الريادة الصناعية والتكنولوجية الأميركية، ووضع الولايات المتحدة على طريق عصر ذهبي جديد».

وكشف البيت الأبيض عن تفاصيل بعض «الصفقات الرائدة العديدة التي أُبرمت في قطر»، حيث حصلت «بوينغ» و«جنرال إلكتريك» للطيران على طلبية تاريخية من «الخطوط الجوية القطرية»، وهي اتفاقية بقيمة 96 مليار دولار لشراء ما يصل إلى 210 طائرات «بوينغ 787 دريملاينر» و«777X» أميركية الصنع تعمل بمحركات «جنرال إلكتريك للطيران»، موضحاً أن هذه أكبر طلبية لـ«بوينغ» ولطائرات «787» على الإطلاق، وستدعم الاتفاقية التاريخية 154 ألف وظيفة أميركية سنوياً، بإجمالي أكثر من مليون وظيفة بالولايات المتحدة خلال فترة الإنتاج والتسليم.

ولفت البيان إلى أن الاتفاقيات تشمل أيضاً استثمارات قطرية كبيرة في القطاع الدفاعي الأميركي، منها، شركة «رايثيون» التي أبرمت صفقة بقيمة مليار دولار لتزويد قطر بمنظومات دفاعية مضادة للطائرات المسيرة، ما يجعلها أول دولة أجنبية تحصل على نظام «FS-LIDS».

وأبرمت شركة «جنرال أتوميكس» اتفاقاً بقيمة تقارب ملياري دولار لتزويد القوات القطرية بطائرات «MQ-9B» من دون طيار، مما يعزز القدرات الدفاعية المشتركة.

وجرى توقيع «بيان نوايا» لتعزيز الشراكة الأمنية، يشمل استثمارات محتملة بقيمة 38 مليار دولار في قاعدة العديد الجوية، والدفاع الجوي، والأمن البحري.

 


مقالات ذات صلة

السعودية وقطر لممرات لوجستية ترفع كفاءة التجارة الإقليمية

الاقتصاد جانب من توقيع الاتفاقية بين الجانبين (قنا)

السعودية وقطر لممرات لوجستية ترفع كفاءة التجارة الإقليمية

وقَّعت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) والشركة القطرية لإدارة الموانئ «مواني قطر» مذكرة تفاهم بهدف تعزيز التعاون البحري واللوجستي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عربية أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لحظة تتويجه الفائزين السعوديين (وكالة قنا)

أمير قطر يتوج الفرسان السعوديين بـ«سيفه الذهبي»

توّج الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، اليوم (السبت)، الفرسان السعوديين في منافسات قفز الحواجز.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عربية يأمل السد صاحب الرقم القياسي بالتتويجات في استعادة كأس الأمير (نادي السد)

كأس أمير قطر: الغرافة والسد في مهمة سهلة بثمن النهائي

يستهل الغرافة، حامل لقب كأس أمير قطر لكرة القدم، والسد الأكثر تتويجاً بالبطولة، مشوارهما في النسخة الـ54، السبت، بمواجهتين في المتناول أمام الخريطيات والمرخية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الخليج الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر يستقبل أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في الدوحة الأربعاء (الديوان الأميري)

أمير قطر يبحث مع ترمب ولاريجاني سبل «خفض التصعيد»

استقبل الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، الأربعاء، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في الدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الاقتصاد توقعات بنمو الطلب على الغاز الطبيعي المسال بنسبة 5 % (رويترز)

«قطر للطاقة» تتوقع نقصاً في إمدادات الغاز المسال بسبب الطلب الأوروبي

توقع سعد الكعبي الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة» ‌حدوث نقص في إمدادات الغاز الطبيعي العالمية بحلول عام 2030 بسبب الطلب الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
TT

الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)

أكدت الدكتورة هالة بنت ذياب المطيري، الأمينة العامة للجمعية التاريخية السعودية، أن تجربة الإمام محمد بن سعود أظهرت أن النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها، لافتة إلى أن الاستقرار الأمني كان له أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعي الذي شكل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة الأولى.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»، قامت الدولة السعودية الأولى في وسط شبه الجزيرة العربية خلال مرحلة تاريخية اتسمت بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حيث كانت منطقة نجد قبل قيام الدولة تعاني من التفكّك السياسيّ وتعدّد الكيانات المحلّية، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض الأمن وحماية المصالح العامّة. وقد أدّى هذا الوضع غير المستقرّ إلى تراجع النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ، إذ تضرّرت الزراعة والتجارة بسبب كثرة النزاعات وانتشار أعمال السلب وقطع الطرق، ممّا جعل القوافل التجارية عُرضة للخطر، كما أضعف حركة التبادل التجاري بين مناطق نجد والمناطق المجاورة، متّسماً آنذاك بالبساطة والعشوائية، حتى اعتمد السكان على الجهود الفردية المحدودة في تأمين معيشتهم، مع ضعف الموارد المالية وغياب أيّ تنظيم اقتصاديّ شامل.

وأضافت: عندما تولّى الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الحكم في الدرعية، أدرك منذ البداية أنّ بناء دولة قوية مستقرّة لا يتحقّق إلّا من خلال الأمن وتنظيم الموارد الاقتصادية، فالأمن يُعدّ الأساس الذي تقوم عليه أيّ نهضة اقتصادية حقيقية. ولذلك عمل الإمام على توحيد الجهود وبسط النفوذ في المناطق المحيطة، وتأمين الطرق التجارية وطرق الحجاج، وحماية القوافل من الاعتداءات، حتى أسهم هذا الاستقرار الأمني في إعادة الثقة إلى طرق نجد التجارية، بعد أن كانت مهجورة أو محفوفة بالمخاطر، مما شجّع التّجار على معاودة استخدامها، فتحقّق تنشيط حركة التجارة الداخلية والخارجية، وزيادة التبادل التجاري بين نجد وبقيّة مناطق شبه الجزيرة العربية.

الازدهار وليد الاستقرار

كان للاستقرار الأمني أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعيّ، الذي شكّل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة السعودية الأولى، فقد شهدت منطقة الدرعية ووادي حنيفة توسّعاً ملحوظاً في الزراعة، نتيجة توفُّر الأمن والاستقرار السياسيّ. وأسهم ذلك في زيادة إنتاج المحاصيل الأساسية، مثل الحبوب والتمور والخضراوات، التي كانت تشكّل الغذاء الرئيسي للسكان. كما شجّع المزارعين على استصلاح الأراضي والعناية بها، وتحسين أساليب الريّ والزراعة، فتحقّق قَدْرٌ من الاكتفاء الذاتي، وقَلّ الاعتماد على الواردات من المناطق المجاورة. وأسهم الفائض الزراعي في دعْم الأسواق المحلّية وتزويد القوافل التجارية بالمؤن، الأمر الذي عزّز الروابط الاقتصادية بين سكان الحاضرة والقبائل المجاورة.

الدكتورة هالة المطيري

وفي ظِلّ هذا النشاط الزراعيّ المتنامي، تؤكد المطيري أن أسواق الدرعية شهدت ازدهاراً كبيراً، حتى أصبحت من أهم المراكز التجارية في نجد، فقد جذبت هذه الأسواق التّجار من مختلف المناطق، ووفّرت بيئة مناسبة لتبادل السلع والمنتجات. وتنوّعت البضائع المعروضة في الأسواق بين المنتجات الزراعية المحلّية، والحِرَف اليدويّة، والسلع المستوردة التي كانت تصل عبر القوافل التجارية، كما نشطت الحِرَف والمِهَن، مثل النجارة والحدادة وصناعة الأدوات الزراعية، فتوفّرت فرصُ عملٍ جديدة، وتحسّنت مستويات المعيشة لدى السكان.

ولم يقتصر دور الأسواق على الجانب الاقتصادي فقط، بل كانت -أيضاً- مراكز للتفاعل الاجتماعيّ وتبادل الخبرات والمعارف، مما عزّز من مكانة الدرعية بصفتها مركزاً حضاريّاً واقتصاديّاً مهمّاً.

ورأت أن النظام الماليّ في الدولة السعودية الأولى، تميّز بالبساطة والتنظيم، والالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية. واعتمدت الدولة في مواردها المالية على الزكاة والصدقات، التي كانت تُجمَع وتُدار بطريقة منظّمة، بالإضافة إلى عوائد الأسواق والتجارة من الرسوم البسيطة على السلع، دون إثقال كاهل التجّار أو السّكان. كما شملت الموارد المالية الإنتاج الزراعي والسلع الفائضة المتداولة في الأسواق، بالإضافة إلى موارد المناطق التي خضعت لسلطة الدولة، بما في ذلك بعض الغنائم الناتجة عن توسيع النفوذ. وقد مكّن هذا النظام المالي الدولة من تسيير شؤونها الإدارية والعسكرية، ودعْم الأمْن، وتحقيق قدْرٍ من الاستقرار الماليّ، فتعزّزت ثقة السكان بالدولة وسلطتها.

خفض النزاعات

شددت هالة المطيري على أن الاستقرار الماليّ أسهم في تمكين الإمام محمد بن سعود من تنفيذ عدد من المشروعات التي دعّمت البنية التحتية، مثل تحسين الطرق وتأمينها، وتطوير الأسواق، ودعْم الأنشطة الزراعية، وهو ما انعكس إيجاباً على الاقتصاد والمجتمع. كما أتاح هذا الاستقرار المالي تحقيق توازن بين متطلبات التوسّع السياسيّ والحفاظ على قوة الاقتصاد المحليّ، دون الإضرار بمصالح السكان أو استنزاف مواردهم، وقد انعكس هذا الازدهار الاقتصادي على المجتمع بشكل إيجابي، إذ ساعد في تحسين مستوى المعيشة، وتقليل النزاعات على الموارد، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين القبائل وسكان الدرعية. كما أسهم في ترسيخ السلطة السياسية، حيث أتاح للإمام محمد بن سعود إدارة الدولة بكفاءة، وتوسيع نفوذها تدريجياً، دون الاعتماد الكامل على القوة العسكرية. وبذلك، أصبح الاقتصاد أداة استراتيجية في بناء الدولة وتعزيز استقرارها السياسيّ والاجتماعيّ.

ورأت أن تجربة الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها بشكل وثيق. فكلّما ازدهرت الزراعة وتوسّعت الأسواق، تحسّن مستوى المعيشة، وازدادت الروابط الاجتماعية قوةً، مما عزّز الولاء للدولة، وساعد على تحقيق الاستقرار الداخلي. وقد مكّن هذا الترابط بين الاقتصاد والسياسة الإمام محمد بن سعود من التركيز على بناء مؤسّسات الدولة وتوسيع نفوذها، مع الحفاظ على تماسك المجتمع وقوة اقتصاده، كما تُبرِز هذه التجربة أهمية الموقع الجغرافي للدرعية، على وادي حنيفة، حيث استُخدم هذا الموقع الاستراتيجي لدعْم النشاطَين الزراعيّ والتجاريّ، وربْط الأسواق الداخلية بالقوافل التجارية الإقليمية. وقد أسهم ذلك في تدفّق السلع ورؤوس الأموال، وزيادة فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، فتعزّزت مكانة الدرعية بصفتها مركزاً اقتصاديّاً حيويّاً في شبه الجزيرة العربية.

الثقة بين الدولة والمجتمع

تقول الدكتورة هالة المطيري، إن دراسة النواحي الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ الاقتصاد كان عنصراً أساسياً في بناء الدولة واستقرارها، فقد أسهم تحقيق الأمن، وتنشيط الزراعة، وازدهار الأسواق، وتنظيم الموارد المالية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وجعل الدولة السعودية الأولى نموذجاً مبكراً لإدارة الموارد الاقتصادية بوعْي وحِكمة. وتُعدّ هذه التجربة مصدراً مهماً للدراسة والبحث، لما تحمله من دروس في كيفية توظيف الاقتصاد لدعم قيام الدول وتحقيق التنمية المستدامة، حتى في البيئات التي تتسم بالصعوبات والتحدّيات، كما ساعدت السياسة الاقتصادية المتوازنة التي انتهجها الإمام محمد بن سعود -طيّب الله ثراه- على خلْق حالة من الاستقرار طويل المدى، إذ لم تقتصر جهوده على معالجة المشكلات الاقتصادية الآنية، بل سعى إلى وضْع أسس تضمن استدامة النشاط الاقتصاديّ. فقد شجّع ترسيخ قِيَم العمل والإنتاج، وربَط الاستقرار الاقتصادي بالعاملَيْن الدينيّ والأخلاقيّ، فانضبطت المعاملات التجارية، وقلّ الغش والاحتكار، و بُنِيت ثقةٌ متبادلة بين التجار والمجتمع والدولة. كما أدّى انتظام جباية الزكاة وتوزيعها العادل إلى تحقيق نوْع من التكافل الاجتماعيّ، فقد دعَمت الفئاتُ القادرةُ الفقراءَ والمحتاجين، فقلّت الفوارق الاجتماعية والتوترات داخل المجتمع. وأسهم هذا التكافل في تعزيز الشعور بالانتماء للدولة، وجعل السكان أكثر استعداداً لدعمها والمحافظة على استقرارها. بالإضافة إلى ذلك، فإن وضوح النظام الاقتصادي وبساطته شجّعا السكان على الانخراط في الأنشطة الإنتاجية المختلفة دون خوف من التعسّف أو الظلم، فتوسّعت القاعدة الاقتصادية للدولة.

وشددت على أنه يمكن القول إنّ هذه السياسات الاقتصادية لم تكن مجرّد وسائل لزيادة الموارد، بل أدوات فعّالة لبناء مجتمع متماسك واقتصاد قادر على الاستمرار، وهو ما شكّل دعامة أساسية في نجاح الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود.


التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
TT

التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

يضع الدكتور عبد الرحمن الشقير، الباحث وعالم الاجتماع، تجربة تأسيس الدولة السعودية داخل إطار تفسيري غير مسبوق، إذ يتعامل مع التاريخ بوصفه نظاماً تحكمه علاقات معقدة قابلة للقياس بين السكان والموارد والنخب، بعد أن كان يدرس بوصفه سلسلة وقائع معزولة، موضحاً أن هذا المنظور يعتمد على مقاربات علم التعقيد ونظرية الكليو-دايناميكس (قوانين التاريخ)، لفهم كيف تتولّد الدول وتنمو ثم تدخل مراحل الضغط بسبب تضخم النخب، ما يولد الأزمة فالذروة، ثم تبرز شخصية قيادية تُعيد إنتاج الاستقرار.

وأوضح الشقير لـ«الشرق الأوسط»، أنه من خلال هذا الإطار نفهم أن الدرعية قبل الإمام محمد بن سعود كانت نظاماً محلياً بلغ حد التشبع النخبوي والاضطراب البنيوي، فتُفسر لحظة صعود الإمام محمد بن سعود بوصفها لحظة إعادة ضبط تاريخية، أعادت تشكيل مركز الحكم، وأطلقت دورة سياسية جديدة.

علم التعقيد

وذكر الشقير أن علم التعقيد، وهو دراسة الأنظمة التي تتكون من أجزاء كثيرة مترابطة، مثل المجتمعات أو الاقتصاد؛ حيث يؤثر كل جزء صغير في الآخر، وتنتج من كثافة التفاعل أنماط وسلوكيات جديدة لا يمكن فهمها بمجرد دراسة كل جزء وحده، ومن ثم فهو يهتم بكيفية نشوء الاستقرار أو الفوضى أو التغير الكبير نتيجة تراكم تفاعلات صغيرة عبر الزمن.

الدورة الخماسية لتحول الدول

وعرج الشقير إلى الحديث عن الدورة الخماسية لتحول الدول، موضحاً أن تحولات الدول تخضع لديناميات يمكن قياسها وتوقع اتجاهاتها العامة؛ إذ تتحرك المجتمعات في هذا الإطار عبر دورة خماسية تتشكل كما يلي:

  • مرحلة النمو، وهي طور تتسع فيه الموارد وترتفع قدرة الدولة على الضبط، ويتزامن ذلك مع زيادة سكانية وتكاثر في النخب، وتقاس هذه المرحلة بمعرفة تقريبية للسكان والموارد الاقتصادية والتنبؤ بها وفق مؤشرات، دون الحاجة إلى نصوص مؤرخين.
  • مرحلة الضغط حين تتراجع وفرة الموارد نسبياً، ويزداد عدد الطامحين إلى المناصب وتمسك النخب القديمة بمناصبها، بما يفوق قدرة الدولة على استيعاب الجميع؛ وذلك لأن زيادة السكان تزيد من ظهور النخب السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية، فيكون عدد النخب أكثر من المناصب المتاحة.
  • مرحلة الأزمة التي تتصدع فيها وحدة النخب، وتبدأ فيها الصراعات الكامنة بالتحول إلى مواجهات مفتوحة.
  • مرحلة الذروة، وهي قمة الأزمة واللااستقرار التي تتفكك عندها التحالفات، وتتسارع فيها الإقصاءات والانشقاقات.
  • مرحلة الاستقرار، حيث تتمكن قيادة جديدة أو منظومة حكم معدّلة من إعادة ضبط العلاقة بين السكان والموارد والنخب بما يتلاءم مع روح المجتمع الجديد؛ حيث تبدأ دورة جديدة أشد تماسكاً من سابقتها.

تنافس غير قابل للاحتواء

ذكر الشقير أن مرحلة الذروة ظهرت في السنوات القريبة من 1139هـ، عندما بلغ التنافس بين الفروع الحاكمة مستوى غير قابل للاحتواء، وتسارعت وتيرة الانشقاقات داخل النخب حالات إمارة لمدد قصيرة لبعض الشخصيات، وتقلّبت الولاءات بصورة كشفت عن انهيار القدرة على إدارة التوازن الداخلي. وفي هذا الوضع بلغ النظام السياسي حدَّه الأقصى؛ إذ أصبح عدد الطامحين يفوق قدرة الإمارة على تنظيم السلطة، ما جعل الذروة لحظة تفكك بنيوي كامل مهّد لظهور قيادة قادرة على إعادة التأسيس.

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

جاء صعود محمد بن سعود بوصفه نتيجة لاكتمال شروط الاستقرار داخل الدرعية، عقب بلوغ تضخم النخب حدّاً أعجز منظومة الحكم القديمة عن الاستمرار، فبرزت لحظة تاريخية تطلبت قائداً يقرأ ما تعجز عنه النخب المتصارعة، فجسّد انتقال السلطة إليه إعادة ضبط لتوازن القوى داخل الدرعية، واستعاد عبرها النظام المحلي قدرته على الاستقرار البنيوي.

بناء مركز الحكم

تمكن الإمام محمد بن سعود من تأسيس حي الطريف في الدرعية لبداية نمو جديد، وجعلها مقر الحكم، بعد أن كان أمراء الدرعية يقيمون في غصيبة أو المليبيد، وأعاد بناء مركز الحكم عبر توزيع النخب السياسية والدينية والعسكرية على مؤسسات الدولة الجديدة، وتنظيم هياكل السلطة داخل الدرعية، وتقليص فائض النخب، وضبط العلاقات بين الفروع المتنافسة. وأسفر هذا الضبط البنيوي عن استعادة قدرة الإمارة على إدارة السكان والموارد والنخب ضمن إطار موحد، الأمر الذي مهّد لانطلاق دورة تأسيس جديدة أصبحت نواة الدولة السعودية الأولى.

وعدّ الشقير بأن هذه القراءة الجديدة تفتح أفقاً بحثياً يفسر نشأة الدول في جزيرة العرب عبر دورات بنيوية تحكمها علاقة السكان والموارد والنخب، مع تباين آليات الضبط تبعاً لاختلاف البيئات المحلية، ويجعل بناء إحصاءات سكانية ومالية تقريبية مدخلاً لازماً لتحويل التاريخ إلى مادة قابلة للاختبار والمقارنة، ما يتطلب ضرورة تجميع البيانات وتوليد فرضيات قابلة للفحص عن تاريخ المنطقة، بما يدعم بناء نموذج تفسيري عربي طويل المدى أعلى دقة وأشد استقلالاً عن السرديات الجزئية.

وتظهر الكتابة عن الإمام محمد بن سعود محدودة في بُعدها السردي التحليلي؛ حيث لا سيرة تاريخية تشرح منطق الفعل التأسيسي، ولا تمدنا المدونات التاريخية بما يُسهم في معرفة ما حدث قبل وأثناء التأسيس؛ لذا تفرض هذه الفجوة مساراً بحثياً يعيد تركيب حياة الإمام من داخل بنية الأحداث عبر قراءة القرارات والتحالفات والصراعات بوصفها نظاماً دلالياً يكشف تصور الحكم وشروط الدولة، فتتشكل سيرة تاريخية مستخرجة من حركة الواقع، وتنتج تفسيراً لمسار المشروع السياسي.


باحثة: دور النساء بالمعارك التاريخية السعودية واقعي وليس تقليديا

جانب من مدينة الدرعية التي شهدت العديد من الأحداث التاريخية خلال الدولتين الأولى والثانية (موقع الدرعية)
جانب من مدينة الدرعية التي شهدت العديد من الأحداث التاريخية خلال الدولتين الأولى والثانية (موقع الدرعية)
TT

باحثة: دور النساء بالمعارك التاريخية السعودية واقعي وليس تقليديا

جانب من مدينة الدرعية التي شهدت العديد من الأحداث التاريخية خلال الدولتين الأولى والثانية (موقع الدرعية)
جانب من مدينة الدرعية التي شهدت العديد من الأحداث التاريخية خلال الدولتين الأولى والثانية (موقع الدرعية)

شكّلت مقاومة الحملات العثمانية في الدرعية وغيرها من مناطق الدولة السعودية الأولى، ثم لاحقاً في الدولة السعودية الثانية، اختباراً قاسياً لقدرة المجتمع على الصمود. وفي مثل هذه السياقات، لم تكن المواجهة حِكراً على الميدان العسكري وحده، بل امتدت إلى الفضاء الاجتماعي بأكمله، حيث لعبت المرأة دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك المجتمع واستمراره في ظل الحصار والدمار.

قالت الدكتورة فاطمة بنت حسين آل فردان القحطاني، أستاذة التاريخ بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحديث عن الحضور النسائي في المقاومة لا يعني بالضرورة إقحام المرأة في صور قتالية نمطية، بقدر ما يعني الاعتراف بأدوار واقعية فرضتها طبيعة المجتمع والظرف التاريخي، فقد تجلّت هذه الأدوار في عدة جوانب رئيسة.

الصمود اليومي

أوضحت أستاذة التاريخ أن الدرعية لم تكن، خلال حصارها في مواجهة الحملة العثمانية، ساحة قتال عسكري فحسب، بل فضاء لمقاومة مجتمعية شاملة كانت النساء في قلبها. فقد شاركت نساء الدرعية في الصمود اليومي للحياة تحت الحصار، من خلال إدارة شؤون الأسرة في غياب الرجال، وحماية الأطفال والممتلكات، ورعاية الجرحى، وتأمين ما أمكن من الغذاء، والحفاظ على تماسك المجتمع في لحظة وجودية فارقة. وتشير التقارير العثمانية نفسها إلى أن المدينة لم تُحاصَر بوصفها قوة عسكرية منفصلة، بل بوصفها مجتمعاً كاملاً، وهو ما يفسّر شمول إجراءات الأُسر والترحيل للنساء والأطفال بعد سقوطها، في اعتراف غير مباشر بأن المقاومة لم تكن فعل السلاح وحده، بل فعل مجتمع آمَن بفكرته ودافع عنها حتى النهاية.

وتكشف بعض الشهادات الأجنبية عن ملامح أخرى من المقاومة النسائية المنسية، لا بوصفها دعماً خلفيّاً فحسب، بل بوصفها حضوراً جسوراً في قلب المواجهة. فقد نقل هارفرد بريدجز، المكلّف من قِبل الإمبراطورية البريطانية في المنطقة، عن المؤرخ الفرنسي فيليكس منجان، المقيم آنذاك في بلاط محمد علي باشا والمُطّلع على مراسلات الجنود وحملة إبراهيم باشا، وصفاً دقيقاً لإحدى لحظات القتال، حين علم الإمام عبد الله بن سعود بغياب إبراهيم باشا عن المعسكر، أصدر أوامره بضرب خطوط الأتراك كافة. ويشير الوصف إلى أن المعركة دارت بعنف وصلابة، واستمرت نيران البنادق ساعات طويلة في ظروف مُناخية قاسية وحرارة مرتفعة. وفي خِضم ذلك المشهد، شُوهدت نساء الدولة السعودية وهُنّ يحملن جرار الماء ويمررن أمام طلقات البنادق بكل شجاعة، لإسقاء المدافعين من الجنود. وتُقدّم هذه الشهادة صورة نادرة عن مشاركة المرأة في زمن الحرب، لا كرمز معنوي فحسب، بل كعنصر حاضر في ميدان الخطر، يجسّد روح التضحية والتكاتف التي وسمت المجتمع السعودي المبكر في دفاعه عن دولته وكيانه.

من التحصين إلى اليقظة الأمنية

في سياق المشاركة النسائية التي تجاوزت حدود الدعم التقليدي، أبرزت القحطاني أحداث بلدة شقراء سنة 1233هـ/1818م مثالاً واضحاً على انخراط النساء في الجهد الدفاعي العملي زمن حملة إبراهيم باشا، أثناء مروره بالبلدة تمهيداً للتوجه نحو الدرعية. فقد كانت شقراء محاطة بخندق بدأ العمل فيه منذ أيام طوسون باشا ثم توقف. ومع تصاعد التهديد أمر أمير البلدة باستكماله على وجه السرعة تحسباً لحصار طويل. وفي هذه اللحظة الحرجة، هبَّ السكان جميعاً رجالاً ونساءً، في مشهد يعكس طبيعة المقاومة بوصفها فعلاً جماعياً، حيث شاركت النساء في أعمال الحفر وتقديم العون، متحملات مشاقّ العمل في ظروف قاسية، في تضحيةٍ تؤكد أن حضور المرأة في زمن الحرب لم يقتصر على الدعم المعنوي أو الخلفي، بل امتد إلى المشاركة المباشرة في تحصين المدن وحماية المجتمع.

وزادت الدكتورة فاطمة القحطاني بالقول: «يُضاف إلى أدوار الصمود والدعم أن نساء الدرعية ومناطق المقاومة كُنّ حاضرات الذهن، مشاركات في الوعي الأمني العام للحرب، لا يتوانين عن التدخل متى أدركن خطراً يهدد المجتمع. وتُورد الروايات المحلية، في سياق حصار الرَّس، أن القوات العثمانية حاولت حفر نفق أسفل سور المدينة للتسلل إليها ليلاً، غير أن امرأة كانت تطحن، في ساعات متأخرة من الليل، انتبهت إلى الأصوات غير المألوفة قُرب منزلها، فأدركت خطورة ما يجري. ولم تتردد في التوجه إلى الشيخ قرناس بن عبد الرحمن بن قرناس، أمير الرَّس، وإبلاغه بما سمعت، الأمر الذي أسهم في تنبُّه المدافعين إلى الخطر، فبادر الشيخ إلى اتخاذ إجراء مضاد عبر حفر حفرة اعتراضية لإفشال المحاولة. وتكشف هذه الواقعة أن مشاركة النساء في المقاومة لم تكن عاطفية أو رمزية فحسب، بل اتسمت باليقظة والمسؤولية، وأسهمت عملياً في حماية المدينة وإفشال خطط العدو، بما يعكس طبيعة المقاومة بوصفها جهداً جماعياً شارك فيه المجتمع بكل فئاته».

الحضور العسكري

لم يقتصر حضور النساء في مقاومة الحملات العثمانية على أدوار الدعم والصمود فحسب، بل تشير القراءة السياقية للمصادر النجدية والعثمانية إلى وجود مشاركة نسائية عسكرية ظرفية في لحظات الخطر القصوى، ولا سيما أثناء حصار بعض البلدات. تقول القحطاني: «في مجتمعات الحصار، حيث يصبح البقاء نفسه معركة، لم يكن حمل السلاح حِكراً مطلقاً على الرجال، بل جرى أحياناً بوصفه فعل دفاع مباشر عن النفس والمكان. ورغم أن المصادر لم تُفرد أسماء نسائية محددة في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في طبيعة التدوين التقليدي، فإن الإشارات العامة إلى القتال داخل المدينة، وإلى اشتراك (أهالي الدرعية) في الدفاع، تفتح المجال لفهم أوسع لدور النساء بوصفهن جزءاً من الجبهة الداخلية المسلَّحة عند الضرورة. إن هذا الحضور العسكري النسائي، وإن كان محدوداً وظرفياً، يعكس طبيعة الصراع بوصفه صراع وجود، ويؤكد أن مقاومة الدرعية لم تكن فعل رجالٍ وحدهم، بل فعل مجتمع قاتلَ دفاعاً عن كيانه وسيادته».

وذكرت أن غالية البقمية تُعدّ من أبرز النماذج التاريخية التي تُجسّد الحضور النسائي العسكري المباشر في مقاومة الحملات العثمانية على الدولة السعودية الأولى، بوصفها فاعلاً قيادياً لا مجرد رمز معنوي، فقد أشار القنصل الفرنسي في القاهرة فيليكس مانجان إلى الأوضاع التي رافقت الحملات العثمانية في تلك المرحلة، ومنها وصول القوات العثمانية إلى تربة ومحاصَرتها ثلاثة أيام متتالية؛ في محاولةٍ لإخضاعها وكسر مقاومتها. غير أن البلدة صمدت صموداً لافتاً، وكان لغالية البقمية دور محوري في ذلك، إذ عملت على رفع معنويات المدافعين من رجال قبيلتها البقوم. وتشير بعض المصادر إلى أنها خرجت على رأس فريق من رجالها لمواجهة الغزاة، في مشهدٍ يعكس طبيعة الصراع بوصفه صراع وجود لا تمايز فيه بين القيادة العسكرية والقيادة المجتمعية. وتزامن هذا الصمود مع وصول المدد السعودي، لتنتهي المواجهة بمعركة وادي السليم، التي دارت فيها معركة شرسة انتهت بهزيمة القوات العثمانية وانسحابها باتجاه الطائف، مُخلفة وراءها قتلى وغنائم كثيرة، في واحدة من أقسى الهزائم التي تعرّضت لها تلك الحملات. ويكشف هذا المثال أن مشاركة المرأة في المقاومة لم تكن حاضرة في الهامش فحسب، بل تجلّت، في حالات مفصلية، وفي أدوار قيادية عسكرية أسهمت مباشرة في تغيير مسار المواجهة، ورسّخت حضور المرأة بوصفها جزءاً أصيلاً من تاريخ الدفاع عن الدولة والمجتمع.

مقاومة لم يذكرها التاريخ كثيراً

أدّت النساء، إلى جانب السلاح والصمود، دوراً تحفيزياً بالغ الأثر في زمن المواجهة - والحديث لأستاذة التاريخ - عبر الكلمة والموقف وشحذ الهمم، وهو دورٌ قلّما توقّف عنده التدوين التاريخي التقليدي. ففي مجتمعات الجزيرة العربية، كان للصوت النسائي، ولا سيما عبر الشعر، أثره العميق في ترسيخ قيم الشجاعة والثبات، وتحفيز الرجال على الدفاع عن الأرض والمجتمع.

وتذكر بعض الروايات النجدية حضور شاعرات وجّهْن قصائدهن في سياق التحريض على الصمود والمقاومة. وتبرز موضي بنت سعد الدهلوي بوصفها نموذجاً لصوت النساء في زمن الحرب والدفاع، حين تحوّلت الكلمة إلى أداة تعبئة وطنية لا تقل أثراً عن السلاح. ففي أثناء حصار إبراهيم باشا بلدة الرَّس سنة 1232هـ/1817م، والذي استمر أكثر من ثلاثة أشهر دون أن تنكسر المدينة، أطلقت موضي قصيدتها الحماسية التي استهلّت بقولها: «يا راكب من فوق حمر ضهيرة / تزعج الكور نابت سناها»، موجّهة خطابها إلى الدرعية لحثّ جيش الإمام عبد الله بن سعود على المؤازرة ومواصلة المواجهة. وقد عُدّت هذه القصيدة من أشهر العرضات الحربية في زمن الدولة السعودية الأولى، واستمر حضورها في الذاكرة القتالية حتى عهد الملك عبد العزيز، بما يعكس عمق الأثر الذي تركته الكلمة النسائية في شحذ الهمم وترسيخ معنى الدفاع عن الأرض والكيان.

واختتمت القحطاني قراءتها عن حضور النساء في مقاومة المحتل العثماني، بالقول: «تمثّل الكتابة عن الحضور النسائي في مقاومة المحتل العثماني مدخلاً مهماً لتعميق الوعي بتاريخ الدولة السعودية المبكر، وترسيخ فهم أكثر توازناً للهوية الوطنية يقوم على الاعتزاز بالماضي دون تبسيطه، وعلى الاحتفاء بالرموز دون تجريدها من سياقها التاريخي. ويظل يوم التأسيس، في النهاية، مناسبة للتذكير بأن قوة الدولة السعودية منذ نشأتها لم تكن في السلاح وحده، بل في مجتمع متماسك آمَن بفكرته ودافع عنها، شاركت فيه النساء كما الرجال، كلٌّ وفق موقعه ودوره، في واحدة من أكثر اللحظات حسماً في تاريخ الجزيرة العربية».