حبكة روائية سعودية تجمع «سيمون دي بوفوار» و«ديستويفسكي»، و«جورج أورويل» وغازي القصيبي

الغسلان لـ«الشرق الأوسط»: «نمزكان» تستكشف شخصيات الأدب العالمي لو جُرّت إلى مختبر الذكاء الاصطناعي

رواية «نمزكان» للسعودي ياسر الغسلان..
رواية «نمزكان» للسعودي ياسر الغسلان..
TT

حبكة روائية سعودية تجمع «سيمون دي بوفوار» و«ديستويفسكي»، و«جورج أورويل» وغازي القصيبي

رواية «نمزكان» للسعودي ياسر الغسلان..
رواية «نمزكان» للسعودي ياسر الغسلان..

ماذا تفعل الكاتبة والمفكرة والناشطة السياسية الفرنسية، «سيمون دي بوفوار» في رواية «نمزكان» للسعودي ياسر الغسلان؟ وما الحفلة الباذخة داخل الرواية التي جمعت «فيودور ديستويفسكي»، و«ليو تولستوي»، و«أنطون تشيخوف»، و«مكسيم غوركي»؟

لا يقتصر الأمر على رموز الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، ولا حتى الشخصيات الأدبية الأوروبية، أمثال: جورج أورويل، وروايته «1984»... وألبير كامو وروايته «الغريب»، وروايات أخرى من القرن التاسع عشر: «دم وخمر»، و«آنا كارنينا»، و«أقاصيص سيفاستوبول» و«القوازق»... يحضر كذلك الروائيون العرب يحملون أهمّ أعمالهم الروائية: نجيب محفوظ، والطيب الصالح، وحنا مينا، وجمال الغيطاني.

من الوهلة الأولى تبدو رواية «نمزكان» للكاتب السعودي ياسر الغسلان، الصادرة عام 2025 عن دار مقام للنشر، وكأنها تُقدم تجربة سردية فريدة تمزج بين الخيال العلمي والفلسفة والأدب الكلاسيكي. تدور أحداث الرواية في عالم يتداخل فيه الواقع بالخيال، حيث يواجه البطل تحديات تتعلق بالهوية والوجود والمعرفة، ومن خلال سرد متعدد الطبقات، يستعرض المؤلف لقاءات البطل مع شخصيات أدبية وتاريخية، حيث ينتقل البطل إلى العالم الأدبي المنتعش في روسيا 1870 ورموز القرن التاسع عشر ليتعرف على ديستويفسكي ويجري معه محاورة تلقي بظلالها على مسار الرواية، كما تنتقل الرواية لتشرك شخصيات من الأدب العالمي من روسيا وأوروبا، مما يُثري النص بتأملات حول الأدب والفكر الإنساني.

لا تقف الراوية عند هذا الحدّ، فهي تفتح نافذة تطلّ من خلالها على الشخصيات الأدبية السعودية، وإن كان حضورها جاء بشكل تقريري وأقل تفاعلاً من الشخصيات العالمية: نقرأ على سبيل المثال في (ص 48 - 49): «مرحباً بك سيدة عبير. إليك أسماء أهم الروائيين السعوديين الذين كان لهم أثر واضح على الساحة الأدبية من الناحية النقدية والجماهيرية، وتحديداً خلال العقود الماضية، سأبدأ أولاً بفهد العتيق. ومن بين أهم أعماله: رواية (كائن مؤجل)، و(مسافات للمطر الآتي)، ثانياً، لدينا بدرية البشر، التي من أبرز أعمالها رواية (غراميات شارع الأعشى)، و(تزوَّج سعودية)، و(هند والعسكر).

أما ثالثاً فهو عبده خال الذي من أشهر روايته (ترمي بشرر)، و(مدن تأكل العشب)، ورواية (الطين)، كما يجب أن نذكر الروائي يوسف المحيميد الذي كتب روايَتي (لغط موتى)، و(القارورة)، وتُعدَّان من أهم أعماله، ولا يمكن الحديث عن الروائيين السعوديين دون أن نشير بإجلال للدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي الروائي والشاعر والدبلوماسي والوزير الذي ألف العديد من الأعمال الناجحة. نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر رواية (شَقَّة الحرية)، ورواية (العصفورية).

هل تودين أن أكمل سيدة عبير؟ سألت العجلة النابضة والملتهبة بألوانها المتراقصة. «نعم، أكمل يا (ناجي الوليد)»، «حسناً سيدتي، لدينا بالإضافة للأسماء التي ذُكِرت كلّ من عبد الحفيظ الشمري وروايته (فيضة الرعد)، ورواية (جرف الخفايا) ورواية (شام... يام)، بالإضافة إلى الروائية رجاء عالم مؤلفة رواية (ستر)، ورواية (خاتم)، ورواية (طوق الحمام)، وكما أنه من المعيب أن ننسى غازي القصيبي فمن العار ألا نذكر عبد الرحمن منيف رغم أن بعض العرب من العراق وسوريا يا سيدتي قد يقولون إنه ابن بلادهم. ولكن على أي حال فإن من أشهر أعمال المنيف خماسية (مدن الملح) ورواية (شرق المتوسط)، وأخيراً نذكر أميمة الخميس التي تمثل روايتي (الوارفة) و(زيارة سجى) أهم أعمالها الروائية، هل تودين أن أكمل وأذكر أسماء أخرى سيدة عبير؟!». سألت العجلة الملتهبة. «شكرًا لك يا (ناجي الوليد). يكفي هذا القدر».

خارج حدود الزمن والمكان

تبرز رواية «نمزكان» بوصفها عملاً أدبياً يجمع بين الإبداع والابتكار، تنقل القارئ في رحلة من واقع ملموس إلى عوالم تتجاوز حدود الزمن والمكان، تطرح أسئلة تغوص في بحر من الأفكار والتساؤلات عن الوجود والهوية، ويحاول الكاتب توظيف الأسماء الأدبية التي رسخت في التراث الأدبي الإنساني لكي يتحول الإبداع إلى لغة عالمية توحد بين الماضي والمستقبل، وتمنح القارئ تجربة فريدة تُثري الروح وتُلهم العقل لاستكشاف عوالم الرواية والأدب.

ومع الحشد الهائل للشخصيات العالمية التي تطلّ في عوالم الرواية وأجوائها وتتقاطع مع الشخصيات الرئيسية في الرواية ليصنعوا جميعاً حدثاً مشتركاً وحواراً ممتداً من الماضي للحاضر، يتحول الزمان إلى مشهدٍ متقلبٍ تتداخل فيه الحقائق مع الأحلام، وتشكل لغة النص جسراً بين عصور مضت وأحلام لم تتوقف من تكرار ولادتها، مما يجعل كل قراءة رحلة اكتشاف جديدة.

وعلى الرغم من أن الرواية تنتمي للواقعية، فإن فيها شيئاً من الخيال والمستقبلية، تأخذ القارئ من عالم إلى عالم آخر غير حسي وغير ملموس.

سبق لياسر الغسلان أن أصدر روايتين، الأولى: «الأمارجي»، والثانية: «تزه شا»، كما أصدر عدداً من الكتب في مجال الإعلام.

استدعاء لا اقتحام

وبسؤالنا للكاتب ياسر الغسلان عن الهدف من إقحام كل هذه الأسماء الأدبية الحقيقية في الرواية؟ قال الروائي السعودي المقيم في الولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»: الرواية لم تُقحم هذه الشخصيات، بل استدعتها بوصفها جزءاً من آلية السرد ومختبر التجربة الذي يعيشه البطل. الأسماء الأدبية – من ديستويفسكي إلى أورويل – هي شخصيات حقيقية ولكنها ليست شخصيات واقعية ضمن حبكة واقعية، بل إسقاطات رمزية يُعيد من خلالها (آدم/ البطل الرئيسي) بناء أسئلته عن الأدب، الإبداع، المصير.

لكن ما الهدف من كل هذا الحشد للأسماء؟ يقول: الهدف لم يكن استنساخها أو تمجيدها رغم أنها الأسماء التي نفهم من أحداث الرواية أنها تركت في (آدم) أثراً كبيراً بصفته كاتباً وإنساناً يحاول أن يلامس الحدود الخارجية للصندوق، بل كان الهدف هو استخدام تلك الشخصيات مرايا تعكس أفكاراً أكثر تعقيداً حول الرواية العظيمة، وحدود الكاتب، وزمن الكتابة.

لكن، ألا يخشى المؤلف عندئذٍ أن تغوص روايته في الواقعية وتخسر الرمزية والخيال؟ يقول الغسلان: الخيال في «نمزكان» ليس خيالاً هارباً من الواقع، بل خيال يستحضر الرموز ليعيد تأمل الواقع عبرها.

الروائي السعودي ياسر الغسلان وروايته «نمزكان»

الذكاء الاصطناعي «الأدبي»

وسألنا المؤلف: ألا تخشى أن يتحول كل هذا السرد للأسماء والأحداث الحقيقية داخل الرواية إلى حالة تقريرية؟ ليجيب: لا أخفيك القول إن هذه النقطة تحديداً كانت من أبرز التحديات التي فكرت فيها خلال الكتابة. الرواية تقوم على أرضية «جلسات الذكاء الاصطناعي الأدبي»، وهي بطبيعتها تحفّز الأسلوب الحواري الجدلي، وقد يسهل الانزلاق نحو التقريرية، لكنني حاولت أن أوازن ذلك عبر تفعيل الدراما الداخلية للشخصيات وصراعات المصالح المتشابكة والمتضادة فيما بينها، خصوصاً (آدم) و(غالية) و(عبير) و(أبو خالد).

ويضيف: «كل حوار أدبي في الرواية ليس مجرد عرض أفكار، بل صراع بين معتقدات وشكوك وأهداف، بين ما يُراد للكاتب أن يصدقه، وما يكتشفه بنفسه. السرد يتقدم بالمجابهة، لا بالشرح، وهذا ما أظنه قد أبعد الرواية إلى حد مقبول بالنسبة لي على أقل تقدير عن التقريرية السطحية».

كاتب مأزوم

وحين تحضر شخصيات من الأدب العالمي في فضاء الرواية، فهي تحضر بالصورة والرمزية التي يرسمها المؤلف، وليس بالضرورة صورتها الواقعية، وهنا نسأل الكاتب عن هذه التجربة التي قد تجعل القارئ يشاهد شخصيتين لأديب واحد، شخصية يعرفها، وأخرى تخيّلها المؤلف، وجعلها تعبر عن نفسها بأسلوب جديد... فكان جوابه: نعم أتفق معك في ذلك، لكنني أحب أن أراها بعدّها مغامرة واعية فيها شيء من تحدي الذات وربما أيضاً تحدي القارئ وتحفيزه على التأمل والتفكير في أعمال تلك الأسماء العملاقة، أنا أقبل أن القارئ سيضع أمامه صورتين لأي من هؤلاء: الأديب الذي يعرفه من كُتبه، ونسخته التي تظهر في «نمزكان».

ويضيف: لكن الرواية لم تدّع أنها تقدم النسخة «الحقيقية» لهؤلاء، بل تنسج تصوّراً احتمالياً نابعاً من خيال (آدم)، ومن سياق التجربة الذهنية التي يخوضها مع نظام (ناجي) الواعي. بمعنى آخر، الرواية لا تزيف الأديب، بل تُعيد تأمله عبر عيون كاتب مأزوم يبحث عن خلاص. لهذا قد يقول «ديستويفسكي» ما لم يقله، ولكن السؤال الأهم هو: ما كان من الممكن أن يقوله السيد ديستويفسكي لو جُرّ إلى مختبر الأدب المعاصر والذكاء الاصطناعي. هذه المفارقة هي لبّ الرواية.

لكن، ما الهامش الذي تتحرك فيه الشخصيات الحقيقية للرواية في ظلّ وجود شخصيات كثيرة وذات حضور طاغٍ؛ ألا يساهم وجود هذه الشخصيات العالمية في تحجيم دور، أو (تقزيم) شخصيات الرواية؟ يقول الغسلان: بالعكس تماماً، هذه الشخصيات العالمية خُلقت لتُواجه شخصيات الرواية الأصلية، لا لتطغى عليها. (آدم) لا ينصهر فيها، بل يواجهها ويتعلم من تموجاتها. شخصية (غالية)، ابنته، تُقدّم بُعداً نقياً ومعاصراً في مقابل هذا الثقل التاريخي، وهي تمثل المستقبل الذي ربما لا يهمه ماضي الأدب بل يخلق مساحته الخاصة. (عبير) تمثل المألوف، الاجتماعي، الواقعي، الانتهازي. في حين أن (ناجي الباطن) يمثل اللاوعي الجمعي والتاريخي، أو فلنقل: الحُلم/ الكابوس الذي يتسلل من تحت جلد الرواية.

يضيف: التفاعل بين هذه الشخصيات والأسماء الأدبية لم يُقزّم الأولى، بل كشف عن طبقات أعمق فيهم، وجعل القارئ ينظر إليها ليست بصفتها أدوات روائية بل كائنات تواجه أسئلة وجودية موازية لما واجهه الأدباء الكبار.

ويقول الغسلان، في رواية «نمزكان»: «حاولت ألا أجعل الشخصيات مجرد كائنات واقعية تتحرك داخل النص، بل حاولت أن أخلقها لتكون أدوات لكسر الجدار بين الزمن والخيال، بين الواقع وما يجب أن يُقال. لم أسعَ إلى تقديم شخصيات (كاملة) أو نماذج جاهزة، بل شخصيات في حالة بحث، انكسار، طموح، غرور، حلم، انتهاز، مقاومة».

ويضيف: «تحوّل كل شخصية من شخصيات الرواية سواء كانت من لحم الرواية أو من لحم الذاكرة الأدبية، هو في ذاته سؤال في هيئة إنسان. لهذا السبب أعتقد أن الرواية لا تُصنّف أو تقولب شخوصها، بل تضعهم في مرآة واحدة، ربما تُربك القارئ أحياناً، لكنها تمنحه في الوقت نفسه فرصة ليصغي إلى ما لم يُكتب بعد».

«نمزكان» ليست عن الشخصيات، بل عما تكشفه الشخصيات حين تُجبر على أن تواجه ذاتها، لا كما هي، بل كما يمكن أن تكون.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.