حنين الصايغ: لم أكتب دفاعاً عن طائفة إنما عن بشر لهم حيواتهم

صاحبة «ميثاق النساء» تقول لـ«الشرق الأوسط» إن النسوية أصبحت كلمة مشوّهة

 الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ
الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ
TT

حنين الصايغ: لم أكتب دفاعاً عن طائفة إنما عن بشر لهم حيواتهم

 الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ
الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ

استطاعت الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ أن تحقق حضوراً لافتاً في المشهد الأدبي من خلال روايتها الأولى «ميثاق النساء» (دار الآداب)، التي أثارت تفاعلاً واسعاً بين القرّاء والنقّاد، وبلغت مراحل متقدّمة بوصولها إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» العالمية للرواية العربية. في «ميثاق النساء»، تمنح الصايغ أولوية لصوت النساء، وترى أنه يتجاوز الإطار الضيق للعالم الدرزي الذي تدور فيه أحداث الرواية، ليعبّر عن هواجس إنسانية أبعد وأكثر تشعباً. هنا حوار معها... حول الرواية وهموم الكتابة.

> كتابة رواية عن جماعة مغلقة كالطائفة الدرزية يفرض تحديات خاصة، ماذا تعني لكِ الكتابة عنها؟ وهل شعرتِ أنك تكتبين «ميثاق النساء» من منطقة «أدب الأقلية»؟

- حين بدأت كتابة «ميثاق النساء»، لم أكن أفكر من أي منطقة أكتب، ولا لأي فئة سأوجّه الرواية. لم أضع جمهوراً بعينه في ذهني، ولم تكن هناك نية واعية للحديث عن جماعة أو طائفة. كل ما كان يحركني في البداية هو مجموعة من الأسئلة تؤرقني، عن المرأة، عن الذاكرة، عن التديّن والسلطة والخوف. ومع تقدّم السرد وجدتني أكتب عن المجتمع الذي أعرفه، لا كموضوع جاهز بل كنسيج حيّ من التفاصيل: عاداته، توجسه من الآخر، صراعاته الخفية، وأساطيره التي تشكل وعي أفراده من حيث لا يدرون.

لم يكن في نيتي أن أكتب «أدب أقلية»، لكن بعد صدور الرواية، بدأ بعض القراء والنقّاد يضعون العمل ضمن هذا التصنيف، أو يرونه في خانة «الأدب النسوي». لا أعترض على هذه الأسماء، ولكنني أرى أن مثل هذه التصنيفات باتت قاصرة عن الإحاطة بتجارب الكتابة الصادقة. ما كتبته لم يكن دفاعاً عن طائفة ولا هجوماً عليها، بل غوص في التجربة الإنسانية بكل هشاشتها وتعقيدها، بعيداً عن الحدود التي تضعها الهويات الصلبة.

وعندما تُرجمت الرواية إلى الألمانية، لفتني أن أغلب القراء الألمان لم يلتفتوا إلى الاختلاف الثقافي، بل تعاطوا مع الشخصيات من مدخلها النفسي والإنساني. شعروا بالقرب منها، رغم المسافات الجغرافية والدينية. وهذا، بالنسبة لي هو المعنى الأعمق للكتابة: أن نعبر من ضيق الخصوصية إلى اتساع الإنسانية.

> في عالمنا العربي، كثيراً ما تُقابل الكتابة النسوية بشيء من الحذر وربما الرفض. من واقع تجربتك في «ميثاق النساء» هل كان هناك تخوّف من التلقي؟

- ما ساعدني على كتابة «ميثاق النساء» بهذه الصراحة والشفافية هو أنني كتبت دون أن أفكر في أحد. لم يكن القارئ حاضراً في ذهني، ولا الناشر، ولا الرقيب. كنت أكتب فقط لأنني أشعر بأن لديّ شيئاً لا يحتمل التأجيل. ربما لهذا السبب لمس كثير من القراء صدق السرد، لأن النص لم يكن مقيّداً بالخوف من الأحكام، ولا مزيناً لإرضاء ذائقة بعينها. لم أكتب الرواية بدافع تبنّي خطاب نسوي محدد، وفي الوقت نفسه لا أحتاج أن أنفي عن نفسي «تهمة» النسوية. لكن المشكلة اليوم أن كلمة «نسوية» أصبحت مشوّهة ومثقلة بالإسقاطات.

هناك من يتحدث عن النسوية المتطرفة التي تشهر العداء للرجل، وهناك من يطالب بأن تكون لطيفة، وهناك من لا يعارضها ما دامت لا تطالب بتغيير فعلي. وبين هذه التصنيفات، تضيع الفكرة الأساسية: إن النسوية، ببساطة تعني أن يكون للمرأة الحق في أن تختار، أن تقرر، أن تُعامل ككائن كامل، ليس تابعاً ولا ناقصاً.

وعودة لسؤالك، لم أخف من التلقي، لأنني كنت صادقة مع نفسي، ولم أكتب شيئاً لا أومن به. والانتشار الواسع للرواية، خاصة بين النساء من خلفيات وثقافات مختلفة، أكّد لي أن ما كُتب كان ينتظر أن يُقال، بلا مواربة، وبلا تجميل للوجع الذي تعيشه كثير من النساء في عالمنا العربي.

> كيف يتقاطع مفهوم «الميثاق» مع الحكاية النسائية في الرواية بمنظورها الأوسع عن كتاب طائفة الموحدين؟

- «ميثاق النساء» ليس مجرد عنوان، بل مفتاحٌ لعالمٍ هشٍّ ومُحاطٍ بالمحرّمات، وعنواني، إذ يستعير عبارته من عنوان إحدى رسائل كتاب الحكمة المقدّس في الطائفة الدرزية، بدا لبعضهم وكأنه إعلان صريح للدخول في منطقة محرمة على الغرباء، بل حتى على أبناء الطائفة أحياناً. لكن هذا القلق لم يكن باعثاً على التراجع، بل كان جزءاً من الشجاعة التي استدعتها الكتابة نفسها.

فالميثاق الديني، كما ورد في المتن المقدّس، كُتب بقلم رجل، يُقدّم فيه تعاليم وإرشادات مُوجهة للنساء، ويضبط من خلاله علاقاتهن بالرجال، بل حتى بأنفسهن. أما «الميثاق» الذي تنسجه الرواية فليس قانوناً ولا وصيّة. إنه أقرب إلى وشوشة بين النساء، شهادة حية تُكتب بين السطور، وتُسرّ من امرأة إلى أخرى، لا لتُطاع، بل لتُفهم. هو ميثاق غير مكتوب، غير مُعلن، لكنه أقوى من النصوص الجاهزة، لأنه ينبع من الحياة، من الهزائم المتكررة، من لحظات الخذلان والانتصارات الصغيرة التي لا تُروى في المجالس العامة. ذلك هو الميثاق الحقيقي، لا تعاليم تُلقى من علٍ، بل عناق خفيّ بين المجروحات، ورغبة خافتة في النجاة دون ضجيج.

> تبدو هناك صورتان واضحتان للمجتمع الدرزي: صورة يرسمها أفراده عن أنفسهم من الداخل، وأخرى يراهم بها الآخرون من الخارج. هل الكتابة من داخله كانت محاولة لكسر الصور النمطية المحيطة به؟

- لكل أقلية صورتان: واحدة تصنعها لنفسها في الداخل، مليئة بالفخر والقلق والحذر، وأخرى تُسقِطها عليها عيون الخارج، غالباً بعين الريبة أو الشيطنة. وقد لاحظت، كما لاحظ غيري، أن المجتمع الدرزي كثيراً ما يُختزل من الخارج، في صورة «مجتمع باطني مغلق»، وكأن الغموض قدر لا فكاك منه. في حين تميل بعض الخطابات الأخرى إلى تصويره نموذجاً نقياً ومثالياً، أشبه بكائن مهدّد بالانقراض، يُغدق عليه المراقبون كلمات الإعجاب الفولكلوري. أما أنا، فلم أرد أن أُساهم في تغذية أيٍّ من هاتين الصورتين. لم أكتب لأقدّم دروزاً استثنائيين، ولا لأُفكك طائفة مغلقة. كتبت عن بشرٍ لهم حيواتهم المعقدة، لم أرد فتح النوافذ عليهم، بل فتحت النوافذ معهم، من الداخل. ولذلك كانت سعادتي كبيرة حين بدأت تصل إليّ رسائل من قراء لا ينتمون للمجتمع الدرزي، رجالًا ونساءً، قالوا لي إنهم وجدوا أنفسهم في شخصيات الرواية. وهذا، برأيي، جوهر الأدب الحقيقي: أن يُذيب المسافات، أن يحرّر الإنسان من علب التصنيف والانتماء.

> تشغل فلسفة تناسخ الأرواح موقعاً جوهرياً في العقيدة الدرزية، كيف فكرتِ في توظيفها داخل النص، وربما علاقتها بتحوّلات النساء عبر الأجيال؟

- فلسفة تناسخ الأرواح، كما تحضر في العقيدة الدرزية، تُغري الكثيرين بجرّها نحو عجائب السرد أو كوميديا العبث. لكنني، حين اقتربت منها، لم أقترب بروحٍ ساخرة ولا بعين واقعية سحرية، بل بقلبٍ مثقل بالتعاطف. كنت أفكّر في الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن فجأة، في عمر الورد، ووجدن في هذه الفلسفة عزاءً يقيهن الجنون. من جهة أخرى، شغلتني في هذه العقيدة تلك الومضة الفلسفية المتعلقة بالعدالة الكونية: أن يعود الإنسان بعد الموت ليُجرب الحياة مجدداً، من موقعٍ مختلف، في جسدٍ آخر، وبين مصائر جديدة. أحببت أن أرى في التناسخ تعويضاً عن الخسارة والخذلان، استدراكاً لما لم يكتمل؟ لكن الرواية لا تتبنى موقفاً واضحاً من هذه الفكرة. فهي لا تروّج لها ولا تدحضها، بل تفتح لها المجال كي تُختبر داخل النفس البشرية المتقلبة. إحدى الشخصيات تُدافع عن التناسخ بحرقة، كمن ضاقت به سُبل الحياة ويبحث عن معنى آخر، عن فرصة أخرى. في حين ترى شخصية أخرى أن التناسخ مجرد وهم، يولد من عجز الإنسان عن تقبّل الفقد، ومن حاجته المستميتة لتسكين ألمه بقصةٍ مريحة للقلب حتى لو رفضها العقل.

> يحضر الشعور بالذنب كظل ثقيل في الرواية، وقد بدأتِها بإهداء لابنتك يتراوح بين «اعذريني وسامحيني» بما يحمل صدى واضحاً من هذا الشعور، هل الكتابة كانت وسيلة لتحريرك من هذا العبء؟

- الشعور بالذنب ليس شعوراً فردياً أو عابراً، بل يكاد يكون ميراثاً تتناقله النساء، جيلاً بعد جيل، بين الخوف من التقصير، والرغبة في نيل رضا الآخرين. من هنا كان الإهداء لابنتي، بين «اعذريني» و«سامحيني»، لا بوصفه تبريراً، بل هو سؤال مفتوح، تركته لها وربما لكل امرأة أخرى، تبحث عن معنى التوازن في معادلة لا عدل فيها. ثنائية الأمومة والشعور بالذنب تأخذ حيزاً كبيراً في الرواية، لا لأنها حاضرة فقط في بيئتنا الشرقية، بل لأنها ظاهرة عالمية كما اكتشفت من خلال حواراتي مع نساء من ثقافات وخلفيات متعددة تُصوَّر الأم في المخيال الجمعي ككائن لا يُخطئ، لا يتعب، لا يشكو، لا يتراجع. وهذا التصوير، وبسبب مثاليته المنافية للواقع، يجعل من كل لحظة ضعف أو تقصير جرحاً في ضمير المرأة. في «ميثاق النساء»، حاولت أن أقدّم الأمومة كما هي: تجربة إنسانية تحتمل الصواب والخطأ، العطاء والتقصير، الحضور والغياب. والكتابة لم تكن وسيلة للهروب من الشعور بالذنب، بل كانت طريقاً لمواجهته.

> كون «ميثاق النساء» الرواية الأولى لك، وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، هل يشكّل هذا الأمر نوعاً من الضغط عليكِ؟ أم ترينه دفعة نحو مزيد من الثقة في مشروعك الأدبي؟

- لحسن الحظ، أنهيت روايتي الثانية قبل أن تُعلَن القوائم الطويلة والقصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية. وكأنني أغلقت الباب على نفسي بهدوء، لأكتب دون أن يتسلل إليّ صدى التوقعات أو ثقل المنافسة. لكن لا أنكر أن وصول «ميثاق النساء» إلى القائمة القصيرة منحني دفعة مضاعفة: من جهةٍ فتح أمام الرواية أبواباً كانت مغلقة، وقرّبها إلى قرّاء لم أكن أحلم أن أصل إليهم بهذه السرعة، ومن جهة أخرى، جعلني أعي أن خطواتي التالية ستكون أكثر مراقبة، وأكثر انتظاراً للحُكم. لكنني أُذكّر نفسي دائماً بأن الجوائز ليست الغاية، بل إحدى الثمار التي قد تتدلى من شجرة إذا كانت جذورها عميقة بما يكفي. الكتابة، كما أفهمها، ليست سباقاً نحو التتويج، بل رحلة لاكتشاف صوتي الداخلي، ذلك الصوت الذي لا يشبه أحداً، والذي لن يصدقني الناس فيه ما لم أصدّقه أنا أولاً. أتمنى أن أحتفظ بالبراءة الأولى، بتلك التلقائية التي كتبت بها روايتي الأولى والثانية، أن أظل أكتب لنفسي أولاً، ثم لهؤلاء الذين يجدون في كلماتي مرآةً لما لم يستطيعوا التعبير عنه. المشروع الأدبي، كما أراه، لا يُبنى على خوارزميات الجوائز ولا على استرضاء الذائقة السائدة، بل يبدأ حين يجد الكاتب صوته، وحين يؤمن بأن هذا الصوت، مهما كان خافتاً يستحق أن يُنصت إليه. وحين تأتي الجائزة، إن أتت، فلتكن صدىً طبيعياً لهذا الصدق، لا غايةً تُشوّه المسار.


مقالات ذات صلة

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

كتب اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

كتب تولستوي في «اعتراف» أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون الأمير متربّعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق منزل أحمد رامي (فيسبوك)

منزل رفيق رحلة كوكب الشرق أحمد رامي تحت رحمة معاول الهدم

يبدو أن منزل الشاعر المصري الكبير أحمد رامي المُلقب بـ«شاعر الشباب» سيكون على موعد قريب للهدم.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.