بعد اجتماع في الفاتيكان أعاد ضبط العلاقات المتوترة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فلاديمير زيلينسكي، وتوقيع البلدين اتفاقية المعادن، تدرس واشنطن إرسال دفعة جديدة من أنظمة الدفاع الجوي باتريوت إلى كييف في خطوة تعد واحداً من أكبر التعزيزات التي تقدمها الولايات المتحدة للجيش الأوكراني، وتغييراً في الموقف الأميركي الذي كان يميل لصالح روسيا خلال الفترة الماضية مع شكوك أميركية زائدة حول رغبة موسكو في الاستمرار في القتال وعدم الاستجابة لجهود وقف إطلاق النار.
وتتزامن هذه الخطوة الأميركية مع إعلان دول أوروبية إرسال أنظمة باتريوت للدفاع الجوي من ألمانيا واليونان إلى كييف قبل اجتماعات قمة حلف شمال الأطلسي في شهر يونيو (حزيران). وسيصل مجموع أنظمة باتريوت التي ستحصل عليها أوكرانيا إلى عشرة أنظمة، كما يأمل زيلينسكي في موافقة الحلفاء الأوروبيين على حصول بلاده أيضاً على 3 ملايين قذيفة مدفعية. وأشار مسؤولون بالاتحاد الأوروبي إلى إمكانية زيادة الدعم العسكري لأوكرانيا إذا توصلت الإدارة الأميركية أنه ليس من الممكن التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع، وأقدمت على الانسحاب من الجهود الدبلوماسية.

بين التفاؤل والتشاؤم
وكشف ترمب، في تصريحات أدلى بها لبرنامج «واجه الصحافة» على شبكة «إن بي سي» الأحد أن إدارته انخرطت في «بعض المناقشات الجيدة للغاية» في الأيام الأخيرة بشأن روسيا وأوكرانيا، وقال: «أعتقد أننا أقرب إلى أحد الطرفين، وربما لسنا أقرب إلى الطرف الآخر، لكن علينا أن نرى». وأضاف مبدياً اهتماماً بحقن الدماء ووقف سقوط آلاف الجنود: «يموت خمسة آلاف جندي أسبوعياً من الجانبين. إنهم ليسوا جنوداً أميركيين لكني أريد حل المشكلة».
وتبنى ترمب موقفاً متشككاً بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية للحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، مشيراً إلى كراهية كبيرة بين الجانبين. وحينما سألته المذيعة كريستين ويلكر عما يتعين على روسيا التخلي عنه لإبرام اتفاق السلام مع أوكرانيا قال ترمب إن «روسيا تريد كل أوكرانيا». وأشار إلى أنه لا يملك أي فكرة عما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيوافق في نهاية المطاف على اتفاق سلام مع أوكرانيا.
وقال ترمب خلال المقابلة: «أستطيع أن أخبركم بهذا، لقد توقف طموحه (بوتين) إلى حد كبير عندما رأى أنني أنا من يقود الجهود الآن». وأضاف: «روسيا لا تريد فقط المناطق التي تسيطر عليها الآن، إنها تريد كامل أوكرانيا ولولا جهودي لاستمروا في ذلك». وحينما سألت المذيعة ما إذا كان قد أخطأ في فهم فلاديمير بوتين وأهدافه قال ترمب: «سأخبركِ بذلك بعد شهر أو بعد أسبوعين من الآن». وأضاف: «ليس لدي أي فكرة». ولوّح ترمب بأن بلاده قد تتخلى عن محادثات السلام إذا لم تتمكن الدولتان من تحقيق تقدم نحو إنهاء الصراع.
وحينما سئل ما إذا كان سيقدم على فرض عقوبات ضد روسيا وهو التوجه الذي يرعاه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام قال ترمب: «الأمر يعتمد على ما إذا كانت روسيا تتجه نحو السلام أم لا. إننا نريد أن تتوصل روسيا وأوكرانيا إلى اتفاق».

بدوره، أبدى الرئيس الروسي إصراراً على تحقيق كل أهداف روسيا في الحرب، وقال في تصريحات لقناة تلفزيونية رسمية الأحد إن «روسيا لديها القوة والوسائل لجلب الحرب في أوكرانيا إلى النهاية المنطقية والنتيجة التي تريدها روسيا». ولوّح مجدداً بإمكانية استخدام الأسلحة النووية.
وأشار تقرير لمعهد دراسة الحرب في واشنطن إلى أن روسيا لا تزال تعتقد أنها قادرة على تحقيق أهدافها من حربها ضد أوكرانيا، التي تشمل نزع السلاح في أوكرانيا، وإقامة حكومة موالية لروسيا في أوكرانيا، ومنعها من الانضمام إلى حلف «الناتو»، أو أي كتلة أمنية أخرى، وإجبار أوكرانيا على التنازل عن أجزاء كبيرة سواء تحتلها روسيا حالياً أو تطمع فيها ولا تحتلها حالياً.
ما العقوبات؟
ومع إحباط الرئيس ترمب من الفشل في تحقيق تقدم ملموس في التوصل إلى تسوية لوقف الحرب، تبدو إدارته ماضية إلى وضع خريطة لمجموعة من الإجراءات العقابية ضد روسيا. وأشار ثلاثة مسؤولين أميركيين إلى أن الإدارة وضعت بالفعل اللمسات الأخيرة على عقوبات اقتصادية تشمل إجراءات مصرفية وإجراءات في مجال الطاقة بهدف تكثيف الضغط على موسكو لقبول رؤية الرئيس ترمب لإنهاء الحرب. وتستهدف العقوبات المحتملة شركة الطاقة الروسية «غاز بروم» وكيانات في قطاعي الموارد الطبيعية والخدمات المصرفية. وليس من الواضح ما إذا كان ترمب سيقدم على تمرير هذه العقوبات وتغيير موقفه المساند لموسكو. وأصر المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض على موقف الرئيس ترمب الصارم، وهو التوصل إلى وقف الحرب، وحقن الدماء بين الجانبين الروسي والأوكراني، وقال: «الرئيس كان واضحاً منذ البداية بشأن التزامه بتحقيق وقف إطلاق نار كامل وشامل بين البلدين».
وقال كورت فولكر، المبعوث الأميركي السابق لدى حلف شمال الأطلسي، والذي كان الممثل الخاص للولايات المتحدة في مفاوضات أوكرانيا خلال ولاية ترمب الأولى، إن ترمب «يبذل قصارى جهده لمنح بوتين كل فرصة ليقول: حسناً، سنحصل على وقف لإطلاق النار ونهاية للحرب، لكن بوتين يستمر في رفضه، ونشهد الآن مرحلة من ممارسة بعض الضغوط على روسيا». وأضاف أن «بوتين يواصل التصعيد العسكري، وقد نجح ترمب في جعل الولايات المتحدة وأوكرانيا متوافقتين في الدعوة إلى وقف إطلاق النار الفوري والكامل، والآن أصبح بوتين هو الذي يناور ولا يريد التوصل إلى وقف لإطلاق النار».
وأوضح فولكر أن روسيا تحصل على العملة الصعبة التي تموّل جيشها من خلال مبيعات النفط والغاز إلى دول مثل الهند والصين، وسيكون هناك ضغط مهم للغاية، إذا فرض ترمب عقوبات ثانوية على مثل هذه الصفقات. والعقوبات الثانوية هي تلك التي تسعى فيها دولة واحدة إلى معاقبة دولة ثانية على التجارة مع دولة ثالثة من خلال منع الوصول إلى سوقها، وهي أداة قوية بشكل خاص بالنسبة للولايات المتحدة بسبب حجم اقتصادها.


