عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها

الشاعر العماني يلوذ بالطفولة هرباً من فظاعة الواقع الإنساني

عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها
TT

عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها

عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها

رغم أنه ليس غزير الإنتاج، ولا يتكالب على الأضواء، فإن الشاعر عوض اللويهي نجح في وضع بصمة قوية على خريطة الشِّعر المعاصر في سلطنة عمان.

صدر ديوانه الأول «كائنات الظهيرة» في 2006 ليعلن عن ملامح موهبة مختلفة تتميز بخفوت النبرة، ثم جاءت أعماله اللاحقة «بصيرة وحصى»، و«العتمة تفر من ظلالها»، و«المياه تخون البرك» لتكشف عن اشتباك مرهف مع العالم والطبيعة، مع توظيف بارع لمفردات البيئة المحلية.

هنا... حوار معه حول تجربته وهموم الكتابة، واستحضاره اللافت لمناخات الطفولة في شعره.

* تقول في قصيدتك «حركة أخيرة»: «متى تهدئين أيتها العاصفة؟ / متى تهدئين لأدرك أن الآدميّ في داخلي / قد عادت إليه سكينةُ النبع»... هل قدر الشعراء البحث دون جدوى عن الطمأنينة؟

- يبدو الأمر كذلك، ومن المفارقات أن مَن يتأمل الكتابة الشِّعرية بشكل أكثر عمقاً يجد أنها أتون ملتهب من الأسئلة والجمر والفخاخ. فالشِّعر ليس مبعث طمأنينة وراحة، بل مصهر متواصل. هذا التصور عن الشِّعر نجده بالطبع عند مَن ينظر إليه على أنّه وسيط جمالي لطرح وعي آخر مغاير للعالم الذي يعيش فيه وليس عالماً معطراً ومفروشاً بالورد والحرير.

* في قصيدة أخرى تحمل عنوان «يبرُد الشاي» تقول: «لا تلتحفيني حين يبرُدُ شايُكِ على مقهى الرصيف / أنا الذي لا يجرؤ على العبور إلى داخل مخاوفه / فماذا سأفعل حين تزيحين الزبَدَ عن رُكبةِ البحر؟»... أيهما يبدو مخيفاً أكثر بالنسبة لك: المجهول المتواري داخل الذات أم المجهول المتواري في الطبيعة؟

- المجهول فعلاً طبقات كما وصفته، ليس بالضرورة أن يكون متوارياً فقط، بل إنه مراوغ ومخادع فما يبدو لنا أننا نعرفه الآن أو أننا نستطيع تكوين صورة لمعرفتنا به، يتحول ويتبدل لاحقاً ليصبح وهماً يتفلت سريعاً من بين أصابعنا. هذا الأمر يجبر الشاعر على اليقظة والتبصر والمراجعة المستمرة وعدم الاطمئنان إلى الراحة التي تمنحنا إياها السكينة التي تشتهيها النفس في خضم المسيرة الشِّعرية.

* لماذا يظل الحنين إلى الطفولة بقوة في قصائدك كما في قولك: «صغاراً كنا ونحن نبحث عن نافذة لم تطمثها الشمس / موسعين رئة النار بالعراجين القديمة»، هل هي صرخة احتجاج ضد فظاظة العالم بحثا عن زمن البراءة؟

- يوجد في الطفولة ما لا يوجد في غيرها من المراحل العمرية، في تلك السنوات الأولى لا توجد الحدود ولا القيود وليس هناك تكرار أو رتابة، وكل مرة هناك اكتشاف واندهاش وتفاعل مرِح مع العالم. هذه وغيرها من مميزات الطفولة نفقدها مع تقدمنا في العمر وتدجين فكرنا في أطر وبراويز مختلفة ومتنوعة مما يفقدنا الثراء والتنوع وحرية الحركة والتنقل والعبور الخفيف من الصورة إلى الظل.

الاستئناس بالطفولة في الشِّعر هو استحضار لتلك الروح الحرة التي لم تُقيد، الروح الوثابة التي تستكشف العالم دون أن يكون هناك وعي قبلي يؤطر ويكبح رغبتنا في تأسيس وعي آخر، وخلق عالم موازٍ متخفف من ضغوط العالم الحقيقي.

* يُشكِّل الماء وتجلياته من ينابيع وعيون وأنهار «ثيمة» رئيسية في عالمك الشِّعري... ما السر وراء ذلك؟

- نحن أبناء القرى العمانية يتوزع الماء في تكويننا إلى شقين رئيسيين، هما الفلج والوادي، فالفلج هو الماء الجاري في القنوات، والوادي هو الذي يجري فيها السيل المتكون من مياه الأمطار التي تأتي من رؤوس الجبال. بالطبع هناك آبار في القرى ولكن وجود الأفلاج وجريان الأودية بعد نزول المطر يُشكِّلان مظهرَين من مظاهر الاحتفال والغبطة، والماء في بلد يعاني من قسوة الحرارة.

الفلج هو الأكثر قرباً إلى النفس لكون الفلج هو مصدر الماء على مدار اليوم، فمنه نستحم ونغسل ملابسنا ومنه نسقي الحيوانات، وأيضاً منه يغسَّل الأموات، وهو مصدر لسقي المزروعات. سابقاً لم تكن البيوت القديمة تضم في داخلها حمامات ومسابح بسبب عدم وجود مياه تصل عبر الأنابيب، ولغياب الكهرباء، فالفلج هو المكان الذي يلبي الحاجات اليومية للجميع، لكن للفلج معنى آخر في حياة الطفل القروي فهو المصدر الأول للعلب والمتعة، فالسواقي، والظلال الكثيفة للأشجار، والبساتين المزروعة بالنخيل وغيره من المحاصيل، والدروب الضيقة هي التي صنعت جزءاً كبيراً من ذاكرة الطفولة في وعينا.

* صدر لك في 2018 ديوانان هما «العتمة تفر من ظلالها»، و«حصى وبصيرة» دفعة واحدة، ما جعل كثيرين يتوقعون انطلاقة كبرى منك على مستوى الإنتاج، لكنك منذ ذلك الحين توقفت عن إطلاق إصدارات جديدة... ما سر صمتك طوال 7 سنوات؟

- هناك نصوص كثيرة جداً تراكمت خلال السنوات الماضية سواء السنوات التي سبقت صدور الديوانين أو التي بعدها. والديوان الشِّعري بالنسبة لي ليس أن أكتب مجموعةً من النصوص ثم تُجمع كيفما اتفق وتخرج بين غلافين. ربما حدث هذا في المجموعة الشِّعرية الأولى «كائنات الظهيرة» التي صدرت في 2006، وذلك فقط لكونها الإصدار الأول.

هناك فرق بين الكتابة التي نحتاج إلى ممارستها من حين إلى آخر، وهي أشبه بالتمارين التي تجعلنا على صلة دائمة ومستمرة حتى لا نبتعد عن الممارسة الإبداعية، وهناك كتابة تأتي ثمرةً ونتاجاً نهائياً لمشروع شعري وجمالي متأسس على رؤية فنية وطرح شعري، وهذا النتاج بطبيعة الحال أيضاً يغامر ويتجاوز ما أُنجز سابقاً.

أزعم أنني في «المياه تخون البرك»، و«العتمة تفر من ظلالها»، و«بصيرة وحصى» قد اشتغلت على مشاريع وقراءه وتأمل ومراجعة وتقديم وعي ورؤى فنية جديدة، هذا طبعاً ما أظنه وأعتقد فيما تم في أمر تلك المجموعات.

الخلاصة أنني لا ألهث وراء النشر، ولا يجب أن يكون معيار الحكم على تجربة الشاعر بكم الأعمال التي أنتجها، وإنما بالكيف والقيمة الفنية، كما أن كل ما يكتبه الشاعر لا يجب أن يُنشر بالضرورة.

* لكن التأخر الشديد في النشر والابتعاد عن الساحة الإبداعية لفترة طويلة للغاية يطرح أيضاً علامات استفهام؟

- بعد 2018 كانت هناك فكرة العمل على مشروع شعري جديد، وبدأت بكتابة نصوص تحمل مناخات هذا المشروع. خلال تلك الفترة كان والدي، رحمه الله، تحت تأثير الجلطة التي أُصيب بها في 2015. كان الأمر مزعجاً جداً لي وأنا أرى جسد أبي يذوي يوماً بعد آخر رغم محاولاتنا لعلاجه في عمان وخارجها... كسرني رحيله من الداخل، لم يكن أبي يقرأ ويكتب ولكنني كنت أشعر بالسعادة بوجودنا في العالم نفسه، حالة اليتم التي انتقلتُ إليها أفقدتني لفترة رغبتي واهتمامي بالشِّعر، ولكنني تجاوزتها الآن، وهناك عودة واستئناف لمشروع شعري جديد.

* بشكل عام، ألا يمكن الجمع بين غزارة الإنتاج وجماليات القصيدة في آن واحد؟

- النتاج الشِّعري لأي شاعر لا يمكن بطبيعة الحال أن يُقاس بالكم، قصائد الشاعر هي علامات انتقاله من وعي جمالي إلى آخر وإن كانت تعد بعدد الأصابع. الشِّعر إن لم يحمل روح التجدد والنماء والتطور فلا فائدة للإنسان أن يضيع وقته به. الكتابة الشِّعرية في نظري لا تقتصر على قراءة الشِّعر، بل القراءة الموسوعية وهضمها وتقطير المعرفة المتأتية من ذلك، وصياغة ذلك النتاج بروح مستضيئة بشعلة الشِّعر الخالدة.

* كيف ترى المشهد الشِّعري في سلطنة عمان... وهل أنجز نجاحات مماثلة لما حققته الرواية؟

- التجربة الشِّعرية العمانية الحديثة متعددة ومتنوعة المشارب والمرجعيات الجمالية والشِّعرية، هناك أسماء لها حضور كبير على المستويين العربي والعالمي، بل إنه من غير الممكن اليوم دراسة التجربة الحداثية في الجزيرة العربية مثلاً دون أن نلتفت إلى تجارب شعرية عمانية لها بصمتها، ليس فقط في سلطنة عمان، بل على مستويات أبعد من حدود العالم العربي.

ما يمكن ملاحظته على المشهد الشِّعري العماني هو ظهور أصوات شعرية من الجنسين، ثم لا تلبث أن تختفي، كذلك يلاحظ المتابع وجود الأشكال الفنية (القصيدة الكلاسيكية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر) وهناك تجارب شعرية عمانية تتنقل من قالب إلى آخر أو تكتب في القوالب الثلاثة، وهناك تجارب هجرت القصيدة الكلاسيكية والتفعيلة لتستقر وتستمر في كتابة قصيدة النثر.

أما ظاهرة بروز الرواية، فهي ظاهرة عالمية وليست عربية أو عمانية، ما فعلته الرواية العمانية هو أنها قدَّمت الوجه الأدبي العماني في جانبه السردي مثلما قدمت التجارب الشِّعرية العمانية الحداثية سابقاً الوجه الأدبي والحضاري لعمان.

* ما مواصفات القصيدة التي تستهويك على الساحة العربية حالياً... ومَن شعراؤك المفضلون؟

- أصدقك القول إنني لا أحب أن أضع مواصفات مسبقة، فعلاقتي مع النصوص، أدبية كانت أو غير أدبية، مبنية على التعالق والاشتباك مع النص فهماً واستقصاءً وغوصاً وتماساً مع المكونات العميقة للنص المقروء. قد نجد أن الشهرة قد رفعت على سبيل المثال فلاناً من الشعراء ولكن نصوصه قد لا تعكس أو لا تتوازى مع حجم الزخم المثار حوله، خصوصاً أن بعض الشعراء العرب حازوا شهرةً لا يستحقونها. وفي هذه الحالة عليّ أن أقرأ نصوص هذا الشاعر أو ذاك بصورة فاحصة وحذرة مخافة الانسياق وراء ما يحبه الجمهور.

من الصعب القول إن هذا هو شاعري المفضل على الإطلاق، المعرفة الشِّعرية متغيرة مع تقدم الوعي واستمرار الإلمام والوقوف على تجارب شعرية من مختلف العصور والتجارب والثقافات.

* أخيراً، هل استرد الشِّعر سيفه ودرعه مرة أخرى من توغل الرواية في الثقافة العربية؟

- يُشكِّل الشِّعر القاعدة الصلبة في البنيان الجمالي والفني للوعي البشري. الرواية وسيط آخر من عائلة السرد جاء لينتقم من الشِّعر الذي تربع على عرش الجمال لقرون طويلة. وهذا الصراع بين الأجناس الأدبية ليس بسبب الأجناس ذاتها، ولكن بسبب المزاج البشري والتفضيلات الجمالية التي تتغير من زمن إلى آخر. ومع ذلك الشِّعر فن باقٍ ولا تستغني عنه شعوب وثقافات العالم أجمع حتى تلك التي لا تعرف الكتابة.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!