عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها

الشاعر العماني يلوذ بالطفولة هرباً من فظاعة الواقع الإنساني

عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها
TT

عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها

عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها

رغم أنه ليس غزير الإنتاج، ولا يتكالب على الأضواء، فإن الشاعر عوض اللويهي نجح في وضع بصمة قوية على خريطة الشِّعر المعاصر في سلطنة عمان.

صدر ديوانه الأول «كائنات الظهيرة» في 2006 ليعلن عن ملامح موهبة مختلفة تتميز بخفوت النبرة، ثم جاءت أعماله اللاحقة «بصيرة وحصى»، و«العتمة تفر من ظلالها»، و«المياه تخون البرك» لتكشف عن اشتباك مرهف مع العالم والطبيعة، مع توظيف بارع لمفردات البيئة المحلية.

هنا... حوار معه حول تجربته وهموم الكتابة، واستحضاره اللافت لمناخات الطفولة في شعره.

* تقول في قصيدتك «حركة أخيرة»: «متى تهدئين أيتها العاصفة؟ / متى تهدئين لأدرك أن الآدميّ في داخلي / قد عادت إليه سكينةُ النبع»... هل قدر الشعراء البحث دون جدوى عن الطمأنينة؟

- يبدو الأمر كذلك، ومن المفارقات أن مَن يتأمل الكتابة الشِّعرية بشكل أكثر عمقاً يجد أنها أتون ملتهب من الأسئلة والجمر والفخاخ. فالشِّعر ليس مبعث طمأنينة وراحة، بل مصهر متواصل. هذا التصور عن الشِّعر نجده بالطبع عند مَن ينظر إليه على أنّه وسيط جمالي لطرح وعي آخر مغاير للعالم الذي يعيش فيه وليس عالماً معطراً ومفروشاً بالورد والحرير.

* في قصيدة أخرى تحمل عنوان «يبرُد الشاي» تقول: «لا تلتحفيني حين يبرُدُ شايُكِ على مقهى الرصيف / أنا الذي لا يجرؤ على العبور إلى داخل مخاوفه / فماذا سأفعل حين تزيحين الزبَدَ عن رُكبةِ البحر؟»... أيهما يبدو مخيفاً أكثر بالنسبة لك: المجهول المتواري داخل الذات أم المجهول المتواري في الطبيعة؟

- المجهول فعلاً طبقات كما وصفته، ليس بالضرورة أن يكون متوارياً فقط، بل إنه مراوغ ومخادع فما يبدو لنا أننا نعرفه الآن أو أننا نستطيع تكوين صورة لمعرفتنا به، يتحول ويتبدل لاحقاً ليصبح وهماً يتفلت سريعاً من بين أصابعنا. هذا الأمر يجبر الشاعر على اليقظة والتبصر والمراجعة المستمرة وعدم الاطمئنان إلى الراحة التي تمنحنا إياها السكينة التي تشتهيها النفس في خضم المسيرة الشِّعرية.

* لماذا يظل الحنين إلى الطفولة بقوة في قصائدك كما في قولك: «صغاراً كنا ونحن نبحث عن نافذة لم تطمثها الشمس / موسعين رئة النار بالعراجين القديمة»، هل هي صرخة احتجاج ضد فظاظة العالم بحثا عن زمن البراءة؟

- يوجد في الطفولة ما لا يوجد في غيرها من المراحل العمرية، في تلك السنوات الأولى لا توجد الحدود ولا القيود وليس هناك تكرار أو رتابة، وكل مرة هناك اكتشاف واندهاش وتفاعل مرِح مع العالم. هذه وغيرها من مميزات الطفولة نفقدها مع تقدمنا في العمر وتدجين فكرنا في أطر وبراويز مختلفة ومتنوعة مما يفقدنا الثراء والتنوع وحرية الحركة والتنقل والعبور الخفيف من الصورة إلى الظل.

الاستئناس بالطفولة في الشِّعر هو استحضار لتلك الروح الحرة التي لم تُقيد، الروح الوثابة التي تستكشف العالم دون أن يكون هناك وعي قبلي يؤطر ويكبح رغبتنا في تأسيس وعي آخر، وخلق عالم موازٍ متخفف من ضغوط العالم الحقيقي.

* يُشكِّل الماء وتجلياته من ينابيع وعيون وأنهار «ثيمة» رئيسية في عالمك الشِّعري... ما السر وراء ذلك؟

- نحن أبناء القرى العمانية يتوزع الماء في تكويننا إلى شقين رئيسيين، هما الفلج والوادي، فالفلج هو الماء الجاري في القنوات، والوادي هو الذي يجري فيها السيل المتكون من مياه الأمطار التي تأتي من رؤوس الجبال. بالطبع هناك آبار في القرى ولكن وجود الأفلاج وجريان الأودية بعد نزول المطر يُشكِّلان مظهرَين من مظاهر الاحتفال والغبطة، والماء في بلد يعاني من قسوة الحرارة.

الفلج هو الأكثر قرباً إلى النفس لكون الفلج هو مصدر الماء على مدار اليوم، فمنه نستحم ونغسل ملابسنا ومنه نسقي الحيوانات، وأيضاً منه يغسَّل الأموات، وهو مصدر لسقي المزروعات. سابقاً لم تكن البيوت القديمة تضم في داخلها حمامات ومسابح بسبب عدم وجود مياه تصل عبر الأنابيب، ولغياب الكهرباء، فالفلج هو المكان الذي يلبي الحاجات اليومية للجميع، لكن للفلج معنى آخر في حياة الطفل القروي فهو المصدر الأول للعلب والمتعة، فالسواقي، والظلال الكثيفة للأشجار، والبساتين المزروعة بالنخيل وغيره من المحاصيل، والدروب الضيقة هي التي صنعت جزءاً كبيراً من ذاكرة الطفولة في وعينا.

* صدر لك في 2018 ديوانان هما «العتمة تفر من ظلالها»، و«حصى وبصيرة» دفعة واحدة، ما جعل كثيرين يتوقعون انطلاقة كبرى منك على مستوى الإنتاج، لكنك منذ ذلك الحين توقفت عن إطلاق إصدارات جديدة... ما سر صمتك طوال 7 سنوات؟

- هناك نصوص كثيرة جداً تراكمت خلال السنوات الماضية سواء السنوات التي سبقت صدور الديوانين أو التي بعدها. والديوان الشِّعري بالنسبة لي ليس أن أكتب مجموعةً من النصوص ثم تُجمع كيفما اتفق وتخرج بين غلافين. ربما حدث هذا في المجموعة الشِّعرية الأولى «كائنات الظهيرة» التي صدرت في 2006، وذلك فقط لكونها الإصدار الأول.

هناك فرق بين الكتابة التي نحتاج إلى ممارستها من حين إلى آخر، وهي أشبه بالتمارين التي تجعلنا على صلة دائمة ومستمرة حتى لا نبتعد عن الممارسة الإبداعية، وهناك كتابة تأتي ثمرةً ونتاجاً نهائياً لمشروع شعري وجمالي متأسس على رؤية فنية وطرح شعري، وهذا النتاج بطبيعة الحال أيضاً يغامر ويتجاوز ما أُنجز سابقاً.

أزعم أنني في «المياه تخون البرك»، و«العتمة تفر من ظلالها»، و«بصيرة وحصى» قد اشتغلت على مشاريع وقراءه وتأمل ومراجعة وتقديم وعي ورؤى فنية جديدة، هذا طبعاً ما أظنه وأعتقد فيما تم في أمر تلك المجموعات.

الخلاصة أنني لا ألهث وراء النشر، ولا يجب أن يكون معيار الحكم على تجربة الشاعر بكم الأعمال التي أنتجها، وإنما بالكيف والقيمة الفنية، كما أن كل ما يكتبه الشاعر لا يجب أن يُنشر بالضرورة.

* لكن التأخر الشديد في النشر والابتعاد عن الساحة الإبداعية لفترة طويلة للغاية يطرح أيضاً علامات استفهام؟

- بعد 2018 كانت هناك فكرة العمل على مشروع شعري جديد، وبدأت بكتابة نصوص تحمل مناخات هذا المشروع. خلال تلك الفترة كان والدي، رحمه الله، تحت تأثير الجلطة التي أُصيب بها في 2015. كان الأمر مزعجاً جداً لي وأنا أرى جسد أبي يذوي يوماً بعد آخر رغم محاولاتنا لعلاجه في عمان وخارجها... كسرني رحيله من الداخل، لم يكن أبي يقرأ ويكتب ولكنني كنت أشعر بالسعادة بوجودنا في العالم نفسه، حالة اليتم التي انتقلتُ إليها أفقدتني لفترة رغبتي واهتمامي بالشِّعر، ولكنني تجاوزتها الآن، وهناك عودة واستئناف لمشروع شعري جديد.

* بشكل عام، ألا يمكن الجمع بين غزارة الإنتاج وجماليات القصيدة في آن واحد؟

- النتاج الشِّعري لأي شاعر لا يمكن بطبيعة الحال أن يُقاس بالكم، قصائد الشاعر هي علامات انتقاله من وعي جمالي إلى آخر وإن كانت تعد بعدد الأصابع. الشِّعر إن لم يحمل روح التجدد والنماء والتطور فلا فائدة للإنسان أن يضيع وقته به. الكتابة الشِّعرية في نظري لا تقتصر على قراءة الشِّعر، بل القراءة الموسوعية وهضمها وتقطير المعرفة المتأتية من ذلك، وصياغة ذلك النتاج بروح مستضيئة بشعلة الشِّعر الخالدة.

* كيف ترى المشهد الشِّعري في سلطنة عمان... وهل أنجز نجاحات مماثلة لما حققته الرواية؟

- التجربة الشِّعرية العمانية الحديثة متعددة ومتنوعة المشارب والمرجعيات الجمالية والشِّعرية، هناك أسماء لها حضور كبير على المستويين العربي والعالمي، بل إنه من غير الممكن اليوم دراسة التجربة الحداثية في الجزيرة العربية مثلاً دون أن نلتفت إلى تجارب شعرية عمانية لها بصمتها، ليس فقط في سلطنة عمان، بل على مستويات أبعد من حدود العالم العربي.

ما يمكن ملاحظته على المشهد الشِّعري العماني هو ظهور أصوات شعرية من الجنسين، ثم لا تلبث أن تختفي، كذلك يلاحظ المتابع وجود الأشكال الفنية (القصيدة الكلاسيكية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر) وهناك تجارب شعرية عمانية تتنقل من قالب إلى آخر أو تكتب في القوالب الثلاثة، وهناك تجارب هجرت القصيدة الكلاسيكية والتفعيلة لتستقر وتستمر في كتابة قصيدة النثر.

أما ظاهرة بروز الرواية، فهي ظاهرة عالمية وليست عربية أو عمانية، ما فعلته الرواية العمانية هو أنها قدَّمت الوجه الأدبي العماني في جانبه السردي مثلما قدمت التجارب الشِّعرية العمانية الحداثية سابقاً الوجه الأدبي والحضاري لعمان.

* ما مواصفات القصيدة التي تستهويك على الساحة العربية حالياً... ومَن شعراؤك المفضلون؟

- أصدقك القول إنني لا أحب أن أضع مواصفات مسبقة، فعلاقتي مع النصوص، أدبية كانت أو غير أدبية، مبنية على التعالق والاشتباك مع النص فهماً واستقصاءً وغوصاً وتماساً مع المكونات العميقة للنص المقروء. قد نجد أن الشهرة قد رفعت على سبيل المثال فلاناً من الشعراء ولكن نصوصه قد لا تعكس أو لا تتوازى مع حجم الزخم المثار حوله، خصوصاً أن بعض الشعراء العرب حازوا شهرةً لا يستحقونها. وفي هذه الحالة عليّ أن أقرأ نصوص هذا الشاعر أو ذاك بصورة فاحصة وحذرة مخافة الانسياق وراء ما يحبه الجمهور.

من الصعب القول إن هذا هو شاعري المفضل على الإطلاق، المعرفة الشِّعرية متغيرة مع تقدم الوعي واستمرار الإلمام والوقوف على تجارب شعرية من مختلف العصور والتجارب والثقافات.

* أخيراً، هل استرد الشِّعر سيفه ودرعه مرة أخرى من توغل الرواية في الثقافة العربية؟

- يُشكِّل الشِّعر القاعدة الصلبة في البنيان الجمالي والفني للوعي البشري. الرواية وسيط آخر من عائلة السرد جاء لينتقم من الشِّعر الذي تربع على عرش الجمال لقرون طويلة. وهذا الصراع بين الأجناس الأدبية ليس بسبب الأجناس ذاتها، ولكن بسبب المزاج البشري والتفضيلات الجمالية التي تتغير من زمن إلى آخر. ومع ذلك الشِّعر فن باقٍ ولا تستغني عنه شعوب وثقافات العالم أجمع حتى تلك التي لا تعرف الكتابة.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.