ترمب والشرق الأوسط: «ريفييرا غزة» وعام حاسم مع إيران وتفاؤل حيال لبنان

أبرامز وألترمان وكاتوليس وفليش يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» عن الأيام الـ100 لعهده

فلسطينيون ينتظرون أمام نقطة توزيع طعام مجانية لتلقِّي حصتهم من وجبة ساخنة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتظرون أمام نقطة توزيع طعام مجانية لتلقِّي حصتهم من وجبة ساخنة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

ترمب والشرق الأوسط: «ريفييرا غزة» وعام حاسم مع إيران وتفاؤل حيال لبنان

فلسطينيون ينتظرون أمام نقطة توزيع طعام مجانية لتلقِّي حصتهم من وجبة ساخنة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتظرون أمام نقطة توزيع طعام مجانية لتلقِّي حصتهم من وجبة ساخنة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

خلافاً لتقليد كان مكرّساً، يبدو أن الأيام المائة الأولى من العهد الثاني للرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، لن تكون كافية للحكم على سياساته وقراراته، على الأقل بالنسبة إلى أليوت أبرامز، المسؤول الذي عمل في مناصب رفيعة لدى 3 رؤساء؛ هم رونالد ريغان وجورج بوش وترمب نفسه. سينتظر أبرامز مائة إضافية قبل أن يحكم على ما سيفعله ترمب عالمياً، وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصاً.

غير أن آخرين ممن يتابعون نشاط الرئيس ترمب، حتى قبل عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) الماضي، يعتقدون أن «المكتوب يقرأ من عنوانه».

أليوت أبرامز خلال جلسة سابقة لمجلس الأمن (موقع الأمم المتحدة)

أبرامز، وهو من المحسوبين على فريق المحافظين الجدد الذين أسّسوا نظرياً لنهج الرئيس ترمب وسياسة «أميركا أولاً»، كان واحداً من 4 خبراء أميركيين حاورتهم «الشرق الأوسط»، مع كل من نائب رئيس مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن، جون ألترمان، الذي عمل سابقاً في وزارة الخارجية، والزميل الأول لدى معهد الشرق الأوسط، براين كاتوليس، الذي عمل سابقاً لدى كل من مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع (البنتاغون)، والمحلل الأول لسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة «هاريتاج فاوندايشن»، دانيال فليش، في محاولة لإعادة قراءة ما فعله ترمب بعد مضي مائة يوم على عهده الثاني، والقرارات التنفيذية الـ125 التي وقعها حتى الآن.

براين كاتوليس الزميل الأول لدى معهد الشرق الأوسط (الشرق الأوسط)

يعتقد أبرامز أنه «من السابق لأوانه» التحدث بشكل حاسم عن قضايا الشرق الأوسط في العهد الثاني لترمب، لأننا «لا نعرف حقاً ما ستكون عليه» حيال كل من سوريا وإيران، على سبيل المثال لا الحصر. وقال: «سنعرف بشكل أفضل خلال الأيام الـ100 الثانية». غير أن ألترمان يرى التأثير «بوضوح» في المنطقة، حيث يبدو «جميع قادتها متفائلين بإمكان العمل معه، من الأصدقاء المقربين إلى الخصوم»، لافتاً إلى أن ترمب «يعطي الناس انطباعاً بأنهم لا يستطيعون العمل معه فحسب؛ بل سيستفيدون منه أيضاً».

كذلك، يرى كاتوليس منذ الآن أن ترمب وأعضاء فريقه كان لهم «دور فعال، حتى قبل توليه منصبه للمرة الثانية»، من أجل المساعدة في تحقيق وقف النار بغزة، علماً بأن تصريحات ترمب ومقترحاته فيما يتعلق بـ«ريفييرا غزة»، أدّت إلى «تشجيع المتطرفين اليمينيين الإسرائيليين على المضي في خططهم للاستيلاء على مزيد من الأراضي في غزة، والاستعداد لاحتمال طرد الفلسطينيين الراغبين في مغادرة غزة، والتحرك في اتجاه قد يؤدي إلى مزيد من الصراع».

جون ألترمان نائب رئيس مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن (الشرق الأوسط)

بدوره، يعتقد فليش أن ترمب تولّى منصبه «برؤية واضحة للشرق الأوسط والمنطقة»، حيث «نشهد بالفعل ثمار ذلك»، عازياً ذلك إلى قناعة ترمب بأن «السلام يتحقق بالقوة» بخلاف نهج إدارة جو بايدن. وربط وقف النار المؤقت لتبادل الرهائن في يناير (كانون الثاني) الماضي، خلال عهد بايدن، بـ«فوز ترمب في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، بالإضافة إلى انتصارات إسرائيل في ساحة المعركة». ورجَّح فليش أن يكون ترمب محقاً في أن هجوم «حماس» ضد إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ما كان ليحدث لو كان رئيساً.

الحسم مع إيران

وفي خضمّ المحادثات الأميركية - الإيرانية، يلفت أبرامز، الذي عمل خلال عهد ترمب الأول مبعوثاً أميركياً خاصاً لإيران، إلى أن طهران «ضعفت بشكل كبير» بعدما «فقدت وكيلها الرئيسي (حزب الله)» في لبنان، فيما «يتعرض الحوثيون الآن لهجمات أميركية يومية، و(بشار) الأسد رحل». وحدّد احتمالين؛ أحدهما أن «يكون هناك هجوم عسكري هذا العام، أو أن إيران ستتوصل إلى اتفاق ما مع الولايات المتحدة». ولكنه تساءل عن نوع الاتفاق الذي يمكن الوصول إليه، وما إذا كان شبيهاً بخطة العمل الشاملة المشتركة، التي وقعها الرئيس السابق باراك أوباما عام 2015، حيث «يقبلون التفتيش، لكن البرنامج يبقى قائماً». ويضيف: «سنعرف بشكل أفضل بعد 100 يوم».

تساؤلات كثيرة حول ما إذا كانت مسقط ستشهد مفاوضات مباشرة بين ويتكوف وعراقجي (أ.ب)

ويوافق ألترمان على أن «إسرائيل في وضع أقوى»، بيد أنه «من غير الواضح ما هو الطريق إلى أي نوع من النصر». وذكر أن «إيران لديها كثير من الأدوات، وقد تحملت جميع أنواع الضغوط لأكثر من 45 عاماً». وهذه بنظره «معضلة قد لا يكون لها حل». ويُنبّه إلى أن إحدى عواقب ضرب إيران يمكن أن تجعل الإيرانيين «أكثر التزاماً بتطوير رادع نووي. وبالتالي، فإن منع الإيرانيين من امتلاك سلاح نووي قد يدفعهم بقوة نحو امتلاك سلاح نووي»، مضيفاً أن «هذه مقامرة».

ومع ذلك، يعتقد ألترمان أن طريقة تعامل ترمب مع الإيرانيين «صحيحة»، وكذلك الاحتفاظ بقدرة عسكرية كبيرة احتياطاً. وعبّر عن قلقه لأن «الإيرانيين لديهم فريق يتفاوض بشأن القضايا النووية منذ 20 أو 30 عاماً»، بينما يُعدّ فريق التفاوض الأميركي «في معظم الحالات جديداً للغاية».

ويتطلع فليش من منظور مشابه، لأن «إسرائيل في وضع عسكري أقوى بكثير ضد إيران»، التي هاجمت إسرائيل بشكل فاشل مرتين بمزيج من المسيرات والصواريخ الباليستية، أولاً في أبريل (نيسان)، ثم في أكتوبر (تشرين الأول) 2024. وبعدها شنت إسرائيل هجوماً في أكتوبر، شهد تحليق سلاح الجو الإسرائيلي فوق إيران دون عوائق.

منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية اعترضت صواريخ باليستية عدة أطلقتها إيران في أكتوبر الماضي (رويترز)

وعبّر فليش عن اعتقاده أن ترمب «يتّبع نهجاً اتبعه في ولايته الأولى، وهو أنه عندما يخوض أي نوع من المفاوضات، يُفضّل البدء بجولة دبلوماسية أولاً». ولكنه «أظهر أيضاً في ولايته الثانية أنه سيلجأ إلى القوة العسكرية أو الضغط الاقتصادي، خصوصاً إذا باءت المساعي الدبلوماسية بالفشل».

ويعتبر كاتوليس أنه في ظل المحادثات التي يجريها المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، مع الجانب الإيراني بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي، «هناك فرصة 50 في المائة أن تقصف إسرائيل طهران، وفرصة 50 في المائة أن يتّجه (ترمب) إلى طهران، لمحاولة توقيع اتفاق بالطريقة التي اجتمع فيها مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، مرتين، في ولايته الأولى». ورجح أن يسعى ترمب للتوصل إلى اتفاق «حتى لو كان سيئاً لإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج العربي، لمجرد أنه يستطيع القول إنه حصل على صفقة».

ما العمل في غزة؟

ورغم نظرته السلبية لترمب عموماً، يُقرّ كاتوليس بأن ترمب حقق نجاحاً كبيراً في اتفاقات إبراهيم لعام 2020. ومع ذلك، نسب فضل التوصل إليها للمسؤولين الإماراتيين والإسرائيليين، عادّاً الأمر «لم يكن جزءاً من سياسة حكيمة لدونالد ترمب»، فيما «يشبه ما رأيته بين إيران والمملكة العربية السعودية عام 2023، عندما نسبت الصين الفضل إلى نفسها في التقارب بينهما»، علماً بأن ذلك حصل «بفضل مناقشات طويلة الأمد أجراها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيريه في العراق وعمان، ومع بعض الأشخاص في طهران عبر قنوات مختلفة».

ويأمل أبرامز في أن «تنتهي الحرب في غزة»، وفي «التوصل إلى حل مع إيران»، لأن إدارة ترمب «تحاول القيام بالخطوات الصحيحة»، منبّهاً إلى ما كتبه وزير الخارجية السابق جون كيري في صحيفة «وول ستريت جورنال» أخيراً، ليقول إن «أي اتفاق مع إيران يجب أن يشمل أكثر من مجرد البرنامج النووي. يجب أن يشمل ذلك إنهاء دعم إيران للجماعات الإرهابية الوكيلة لها مثل (الحوثيين) و(حزب الله)، وأن يشمل أيضاً فرض قيود على برنامجها الصاروخي»، لئلا تكون المفاوضات الجارية «مجرد فرصة ضائعة».

ورغم تقليل بعض الخبراء من شأن فكرة ترمب حول مغادرة الفلسطينيين المقيمين في غزة إلى أماكن أخرى، يعتقد فليش أن الفكرة «يجب أن تكون جوهرية»، مذكّراً بوجود «لاجئين في كل حرب، بما في ذلك حالياً الأوكرانيون الفارون من الحرب هناك، ومئات الآلاف من السوريين، إن لم يكن الملايين من الذي فرّوا خلال الحرب الأهلية السورية».

ويشرح أبرامز وجهة نظر إدارة ترمب في شأن «ما العمل في غزة؟»، مضيفاً أن «لدى ترمب إجابة، والتي يجب أن أقول إنها غير واقعية، لكنها إنسانية. وهي أنه بدلاً من إلقاء خطابات عن إسرائيل، قال ترمب إن الناس يعيشون في حال يرثى لها بغزة، والطريقة الوحيدة لعيش حياة طبيعية اليوم هي الخروج من هناك». ودعا إلى التفكير فيما حصل بالحرب الأهلية السورية وحروب العراق وأفغانستان وأوكرانيا. «ما يفعله المدنيون، بالملايين، هو الفرار إلى بر الأمان».

ويرى ألترمان أن ترمب «منفتح على نتائج مختلفة، لكنه غير ملتزم بأي نتيجة محددة» فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، عادّاً اقتراح ترمب في شأن غزة «يُشير إلى مدى كونه تكتيكاً تفاوضياً»، أكثر من أي شيء آخر. وعبّر عن اعتقاده أن أحد الأشياء التي يريدها (ترمب) هو جذب مزيد من الاستثمارات إلى الولايات المتحدة».

«تفاؤل» بلبنان

وفيما يتعلق بلبنان، يؤكد أبرامز أنه «متفائل بعض الشيء»، معتبراً أن سياسة ترمب حيال لبنان، كما شرحتها نائبة المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، «هي السياسة الصحيحة التي تُطالب الحكومة اللبنانية الجديدة بتنفيذ ما وعدت به الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 1701»، ملاحظاً أن «الجيش اللبناني يتقدم جنوب نهر الليطاني»، تنفيذاً لوعده بنشر 10 آلاف جندي هناك (...) أعتقد أنهم يسيرون في الاتجاه الصحيح».

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال محادثاته مع المسؤولة الأميركية مورغان أورتاغوس السبت الماضي في بيروت (أ.ب)

ويوافقه فليش في أن «هدف لبنان هو إضعاف القدرات العسكرية لـ(حزب الله) بشكل كبير»، مضيفاً أن ذلك «يُتيح فرصة جديدة للشعب اللبناني والحكومة اللبنانية لاستعادة السيطرة على بلدهم من (حزب الله)». ولكنه نبّه إلى أنه «بالنسبة لإدارة ترمب، هناك كثير من الأولويات العالمية والإقليمية، هناك قضايا أكثر إلحاحاً تجب معالجتها». غير أن ألترمان يعتقد أن «إدارة ترمب لا تُركز بشدة على لبنان»، على غرار ما كانت عليه الحال في عهد الرئيس جورج بوش الابن.

اتجاهات سوريا

وعن سوريا، عبّر أبرامز عن خشيته من أن «إسرائيل وتركيا تمارسان نفوذاً مزداداً في سوريا»، مُحذراً من أن سحب الرئيس ترمب للقوات الأميركية من هناك «سيكون خطوة مزعزعة للاستقرار». ومع أنه استبعد المواجهة العسكرية بين تركيا وإسرائيل في سوريا، عبّر عن اعتقاده بأنه «من المفيد جداً أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة، وأن تقف بينهما فعلاً».

لقاء الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية مع عضو الكونغرس كوري لي ميلز - 18 أبريل (سانا)

ويُحذّر كاتوليس من أن «هناك خطراً حقيقياً من أن ننسحب من سوريا بينما نخوض حرباً تجارية اقتصادية مع دول عدة حول العالم، ومن ثمّ لا تُعدّ الولايات المتحدة جهة فاعلة موثوقة ومستقرة في الشرق الأوسط».

وينعكس هذا القلق أيضاً لدى فليش، مع أنه «لا يرى ذلك نتيجة محتملة للغاية في الوقت الحالي»، عادّاً إسرائيل «لا تملك طموحات تتجاوز ضمان أمن حدودها في الجولان، والتأكد من أن سوريا لا تُشكّل تهديداً لها». ورأى أن لدى تركيا «ربما طموحات إقليمية في شمال سوريا. ولكن هناك، لا أعتقد أن الاثنين يجب أن يتعارضا».

ويعتقد ألترمان أن سوريا «يمكن أن تتجه في اتجاهات مختلفة»، وهي «بكل الأحوال، حجر الزاوية في الشرق الأوسط. ولهذا السبب، يرى كثير من الدول أن لها مصالح في سوريا».


مقالات ذات صلة

الانتخابات النصفية... معركة على مستقبل أميركا

الولايات المتحدة​ يستعد الديمقراطيون والجمهوريون لمعركة الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر 2026 (رويترز)

الانتخابات النصفية... معركة على مستقبل أميركا

يتأهب الديمقراطيون والجمهوريون للتنافس على مقاعد الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، في معارك حاسمة سترسم صورة المشهد الأميركي في العامين المتبقيين من رئاسة ترمب.

رنا أبتر (واشنطن)
رياضة عالمية المتزلج الأميركي هانتر هيس (د.ب.أ)

المتزلج الأميركي هيس: تعرضت لانتقادات حادة بعد تصريحات ترمب

قال المتزلج الأميركي هانتر هيس إن وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب له بالخاسر تسبب في جعل الأمور أكثر صعوبة في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية الحالية.

«الشرق الأوسط» (ليفنيو )
الولايات المتحدة​ المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

«مجلس السلام»... اختبار جديد لوعود ترمب

يستعرض «تقرير واشنطن»، ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، احتمالات نجاح ترمب في تحويل وعوده إلى خطواتٍ عملية تقود إلى السلام في غزة، والتحديات الداخلية.

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فتح الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الباب لأفكار عديدة اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس».

محمد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ صورة تظهر معدات عسكرية عند مدخل «المنطقة 51» التي يعتقد هواة الأجسام الطائرة المجهولة أنها تحتوي على أسرار حكومية تتعلق بكائنات فضائية في راشيل بنيفادا (رويترز)

«الكائنات الفضائية» تُلهب سجالاً رئاسياً وشعبياً في أميركا

وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنشر ملفات حكومية «سرية» حول وجود كائنات فضائية وأجسام طائرة مجهولة، بعد تصريحات متضاربة من سلفه باراك أوباما.

علي بردى (واشنطن)

الانتخابات النصفية... معركة على مستقبل أميركا

يستعد الديمقراطيون والجمهوريون لمعركة الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر 2026 (رويترز)
يستعد الديمقراطيون والجمهوريون لمعركة الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر 2026 (رويترز)
TT

الانتخابات النصفية... معركة على مستقبل أميركا

يستعد الديمقراطيون والجمهوريون لمعركة الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر 2026 (رويترز)
يستعد الديمقراطيون والجمهوريون لمعركة الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر 2026 (رويترز)

«إنه عام انتخابي!» عبارة تتردّد في أروقة العاصمة الأميركية واشنطن كلما طُرح ملف داخلي أو خارجي على طاولة النقاش. وليس في الأمر مبالغة؛ فالولايات المتحدة تدخل استحقاقاً انتخابياً مفصلياً، رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يخوض شخصياً انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني). فإن نتائجها قد تمنح البيت الأبيض دفعة إضافية لتسريع أجندته، أو تفرض عليه قيوداً تعلّق مسارها حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ويتنافس الديمقراطيون والجمهوريون على مقاعد الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، في معارك حاسمة سترسم ملامح المشهد السياسي في العامين المتبقيين من ولاية ترمب. فالرهان لا يقتصر على عدد المقاعد، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد ميزان القوى بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحدود القدرة على التشريع والمساءلة.

من جهتهم، يستعد الجمهوريون، بقيادة ترمب، للدفاع عن أغلبيتهم في المجلسين، وهي أغلبية وُصفت بالهشّة لكنها مكّنتهم من تمرير بنود أساسية من برنامجهم. في المقابل، يخوض الديمقراطيون معركة يعتبرونها مصيرية، بوصفها نافذتهم الوحيدة لكبح الأجندة الجمهورية قبل الاستحقاق الرئاسي. ويعمل الحزب على حشد موارده السياسية والمالية لانتزاع الأغلبية في مجلس واحد على الأقل.

وتبدو حظوظ الديمقراطيين أوفر في مجلس النواب مقارنة بمجلس الشيوخ، في معادلة تحكمها حسابات رقمية واضحة تتصل بدورية المقاعد المطروحة للتنافس، وتركيبة الدوائر الانتخابية، والخرائط الديموغرافية التي تميل تقليدياً إلى مصلحة هذا الحزب أو ذاك.

مجلس النواب

في الانتخابات النصفية، يخوض كل أعضاء مجلس النواب الـ435 السباق كل عامين للحفاظ على مقاعدهم. وفي تركيبة المجلس الحالية، يتمتع الجمهوريون بـ218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيين. مع العلم أن الأرقام تتغير بشكل بسيط نظراً لتقاعد البعض أو بسبب انتخابات خاصة.

زعيما الأقلية الديمقراطية في النواب والشيوخ حكيم جيفريز وتشاك شومر بالكونغرس يوم 4 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

لكن بشكل عام، على الديمقراطيين، حسب هذه المعادلة، الفوز بـ4 مقاعد إضافية لضمان 218 مقعداً الضرورية لانتزاع الأغلبية. وهي مهمة سهلة نسبياً مقارنة بسباق مجلس الشيوخ، إذ إن جُلّ ما يحتاجون إليه في مجلس النواب هو الفوز بمقاعد في مقاطعات معينة في بعض الولايات. ولهذا السّبب، يسعى الحزبان جاهدين للفوز بمعارك إعادة رسم الخرائط الانتخابية التي من شأنها أن تُحرّك الدفة لصالح حزب ضد آخر. وحتى الساعة، ستستعمل ولايات كاليفورنيا وميزوري وكارولاينا الشمالية وتكساس وأوهايو ويوتا خرائط انتخابية مختلفة عن عام 2024 بعد إعادة رسم الدوائر.

مجلس الشيوخ

في مجلس الشيوخ، تعد المعادلة أصعب بكثير، إذ يخوض ثُلث أعضاء المجلس الانتخابات النصفية كل عامين، نظراً لأن ولاية أعضاء المجلس هي 6 أعوام، مقارنة بعامين فقط للنواب. هذا العام، يدافع الجمهوريون عن 20 مقعداً مقابل 13 مقعداً للديمقراطيين. بالإضافة إلى مقعدين جمهوريين في ولايتي أوهايو وفلوريدا في انتخابات خاصة تعقد في التاريخ نفسه لشغر مقعدَي كل من جي دي فانس وماركو روبيو اللذين استقالا من الشيوخ لاستلام منصبي نائب الرئيس ووزير خارجيته.

زعيم الأغلبية الجمهورية في الشيوخ جون ثون يتحدث مع الصحافيين يوم 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

اليوم، وحسب المعادلة الحالية، يتمتّع الجمهوريون بـ53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين الذين يصوتون معهم، ما يعني أن على الديمقراطيين الفوز بـ4 مقاعد إضافية لانتزاع الأغلبية، وهي مهمة صعبة نسبياً نظراً لأن أكثرية المقاعد الجمهورية التي تخوض الانتخابات تُعدّ مقاعد «آمنة».

لكن قواعد مجلس الشيوخ مختلفة عن مجلس النواب، فالأغلبية البسيطة لا تعني نفوذاً ساحقاً في المجلس، حيث يمكن للأقلية تعطيل المشاريع إلا في حال حصدت الأغلبية 60 صوتاً، ما يضمن إقرار كل المشاريع من دون عراقيل. ويبدو شبه مستحيل لأي من الحزبين انتزاع رقم من هذا النوع في الانتخابات المقبلة.

عزل ترمب

لم يُخفِ ترمب خشيته من فوز الديمقراطيين بالأغلبية في الانتخابات النصفية، وحذّر الجمهوريين من أن سيناريو من هذا النوع سيعني عزله في مجلس النواب للمرة الثالثة. ومن غير المستبعد أن يباشر الديمقراطيون مساعي عزل ترمب في حال فوزهم، فمشروع العزل جاهز بانتظار «الأغلبية الديمقراطية». وقد حاول الديمقراطيون إقراره في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) 2025، لكنهم اصطدموا بحائط الأغلبية الجمهورية.

ومقابل هذه المساعي، لوّح ترمب مازحاً بإمكانية إلغاء الانتخابات، مصرّحاً: «لن أقول: ألغوا الانتخابات. لأن الأخبار الكاذبة ستقول عني إنني أريد إلغاء الانتخابات. وإنني ديكتاتور. هم دائماً يصفونني بالديكتاتور».

ترمب والسيدة الأولى يصلان إلى البيت الأبيض في 16 فبراير 2026 (رويترز)

وقد أثارت تصريحاته شكوكاً كثيرة؛ إذ إن الرئيس الأميركي معروف بتمريره رسائل مبطنة بشكل المزاح. وما هو مؤكد حتى الساعة، هو وجود مساعٍ جمهورية حثيثة لتغيير بعض القواعد الانتخابية، أبرزها مشروع قانون «أنقذوا أميركا» الذي تم إقراره في مجلس النواب. ويُلزم المشروع الناخبين الذين يسجّلون للتصويت بإثبات جنسيتهم الأميركية، مع شرط إبراز بطاقة هوية تحمل صورتهم على خلاف الوضع الراهن.

«أنقذوا أميركا»

وفيما لا يزال المشروع بانتظار تحرك مجلس الشيوخ، فإن إقراره، حتى ولو كان مستبعداً ببنوده الحالية، سيُحدث تغييراً جذرياً في الانتخابات المقبلة؛ إذ إنّه سيثير البلبلة ويؤثر على قدرة الأميركيين على التصويت عبر البريد إذا ما أُلزموا بإظهار هويتهم. وهذا أمر سيؤثر على حظوظ الديمقراطيين بالفوز؛ لأن التصويت عبر البريد عادة ما يعتمد عليه الناخبون الديمقراطيون أكثر من الجمهوريين. بالإضافة إلى ذلك، تظهر الأرقام أن قرابة 9 في المائة من الناخبين لا يملكون وثيقة تثبت جنسيتهم، حسب استطلاع لجامعة ماريلاند في عام 2023.

رئيس مجلس النواب مايك جونسون في مؤتمر صحافي بالكونغرس يوم 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وفي ظل توقعات بفشل إقرار مشروع قانون «أنقذوا أميركا» في مجلسي الكونغرس، نظراً للأغلبية الضئيلة للجمهوريين، تبقى النقطة الأبرز هنا هي أن فتح الباب أمام قضية إثبات الجنسية لدى التصويت سيؤدي إلى تعزيز نظريات ترمب بوجود غش في الانتخابات وتشكيكه بأي نتيجة لا تصب لصالحه.

وتفرض 4 ولايات فقط حالياً على الناخبين الجدد إثبات جنسيتهم، بينما تشترط 23 ولاية إبراز هوية مصوّرة للتصويت، فيما تطلب 13 ولاية نوعاً من إثبات الهوية مثل فواتير أو وثائق حكومية، مقابل 14 ولاية تحقق في الهوية عبر التواقيع أو سجلات الانتخابات.


المحكمة العليا توجّه ضربة لرسوم ترمب الجمركية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا توجّه ضربة لرسوم ترمب الجمركية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

خلصت المحكمة العليا الأميركية، الجمعة، إلى أن الرئيس دونالد ترمب تجاوز صلاحياته بفرضه مجموعة من الرسوم الجمركية التي تسببت في اضطراب التجارة العالمية، ما يعرقل أداة رئيسية استخدمها لفرض أجندته الاقتصادية.

وجعل ترمب من الرسوم الجمركية حجر الزاوية في سياسته الاقتصادية، وذهب إلى حد وصفها بأنها «كلمته المفضلة في القاموس»، رغم استمرار أزمة غلاء المعيشة وتضرّر الشركات الصغيرة والمتوسطة من ارتفاع كلفة الاستيراد. وتعهد سيّد البيت الأبيض بأن «تعود المصانع إلى الأراضي الأميركية» مصحوبة بعشرات الآلاف من الوظائف، محذّراً من أن فقدان أداة الرسوم قد يدفع الولايات المتحدة إلى ركود عميق.

غير أن حكم الجمعة يُرجَّح أن يمدّد حالة الاضطراب السياسي والاقتصادي المرتبط بالتجارة الدولية طوال عام انتخابات التجديد النصفي المرتقبة في نوفمبر (تشرين الثاني). ووصف ترمب القرار بأنه «مُخزٍ» عندما أُبلغ به خلال اجتماع خاص مع عدد من حكام الولايات، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس» عن شخص مطّلع على رد فعل الرئيس.
دولياً، توالت ردود الفعل على الحكم، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي أنه «يحلّله بدقة» ويتواصل مع الإدارة الأميركية، بينما رأت كندا أن القرار يؤكد أن رسوم ترمب «غير مبررة». أمّا المملكة المتحدة، فأشارت إلى أنها ستتعاون مع واشنطن لبحث تداعيات الحكم.

أغلبية واضحة

يُركّز القرار، الذي صدر بأغلبية ستة مقابل ثلاثة، على الرسوم المفروضة بموجب قانون صلاحيات الطوارئ، بما في ذلك الرسوم الشاملة التي فرضها ترمب على غالبية دول العالم.

تعرّضت سياسة الرسوم الجمركية التي يقودها ترمب لنكسة بعد قرار المحكمة العليا الأميركية (أ.ف.ب)

ورأت الأغلبية أن الدستور يمنح الكونغرس «بوضوح شديد» سلطة فرض الضرائب، التي تشمل الرسوم الجمركية، مؤكدة أن واضعي الدستور لم يمنحوا السلطة التنفيذية أي جزء من صلاحيات فرض الضرائب. في المقابل، جادلت إدارة ترمب بأن قانوناً صادراً عام 1977 يجيز للرئيس تنظيم الاستيراد خلال حالات الطوارئ يتيح له أيضاً فرض الرسوم الجمركية. وقد استخدم رؤساء سابقون هذا القانون عشرات المرات، غالباً لفرض عقوبات، لكن ترمب كان أول رئيس يستند إليه لفرض ضرائب على الواردات.

وتُظهر بيانات فيدرالية أن وزارة الخزانة جمعت أكثر من 133 مليار دولار من ضرائب الاستيراد التي فرضها الرئيس بموجب قانون صلاحيات الطوارئ حتى شهر ديسمبر (كانون الأول).

رأي المعارضة

وخالف ثلاثة قضاة في المحكمة العليا — هم صامويل أليتو وكلارنس توماس وبريت كافانو — رأي الأغلبية. وكتب كافانو: «قد تكون الرسوم المعنية هنا سياسة حكيمة أو لا. لكن من حيث النص والتاريخ والسوابق القضائية، فهي قانونية بوضوح».

جمعت وزارة الخزانة أكثر من 133 مليار دولار من ضرائب الاستيراد التي فرضها الرئيس ترمب (أ.ف.ب)

ولم تتطرّق الأغلبية إلى ما إذا كان يحقّ للشركات استرداد المليارات التي دفعتها كرسوم جمركية. وبادرت شركات عدة، بينها سلسلة متاجر الجملة الكبرى «كوستكو»، إلى رفع دعاوى أمام محاكم أدنى للمطالبة بردّ الرسوم التي دفعتها. وأشار كافانو إلى أن هذه العملية قد تكون معقّدة، قائلاً: «لا تقول المحكمة اليوم شيئاً بشأن ما إذا كان ينبغي للحكومة أن تعيد المليارات التي جمعتها من المستوردين، لكن من المرجّح أن تكون هذه العملية فوضوية، كما أُقرّ خلال المرافعات الشفوية».

ولا يمنع قرار المحكمة ترمب من فرض رسوم بموجب قوانين أخرى. ورغم أن تلك القوانين تفرض قيوداً أكبر على سرعة وحدّة الإجراءات، فإن مسؤولين كباراً في الإدارة قالوا إنهم يتوقعون الإبقاء على إطار الرسوم الجمركية استناداً إلى سلطات قانونية بديلة.

ويأتي الحكم بعد سلسلة من الانتصارات التي حققها ترمب على جدول الطوارئ لدى المحكمة، والتي سمحت له بالمضي قدماً في توسيع صلاحياته التنفيذية في قضايا تراوحت بين إقالات بارزة وخفض كبير في التمويل الفيدرالي.

وكان الرئيس الجمهوري قد وصف القضية بأنها من الأهم في تاريخ الولايات المتحدة، عادّاً أن صدور حكم ضده سيكون ضربة اقتصادية قاسية للبلاد.

غير أن المعارضة القانونية تجاوزت الانقسام الحزبي، وشملت جماعات ليبرتارية وأخرى مؤيدة للأعمال تصطف عادة إلى جانب الحزب الجمهوري. وأظهرت استطلاعات الرأي أن الرسوم الجمركية لا تحظى بشعبية واسعة لدى الجمهور، في ظل قلق متزايد بشأن غلاء تكاليف المعيشة.

«حالة طوارئ»

وكان ترمب قد فرض في أبريل (نيسان) 2025 رسوماً «على أساس المعاملة بالمثل» على معظم الدول، لمعالجة العجز التجاري الذي أعلنه حالة طوارئ وطنية. وجاء ذلك بعد أن فرض رسوماً على كندا والصين والمكسيك، بحجة معالجة حالة طوارئ أخرى تتعلق بتهريب المخدرات.

الرئيس ترمب يحمل أمراً تنفيذياً يوجّه بفرض رسوم جمركية على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

وأعقب ذلك سلسلة من الدعاوى القضائية، بينها قضية رفعتها نحو اثنتي عشرة ولاية تميل سلطاتها إلى الحزب الديمقراطي، إضافة إلى دعاوى من شركات صغيرة تبيع منتجات تتراوح بين مستلزمات السباكة والألعاب وملابس ركوب الدراجات النسائية.

وجادل الطاعنون بأن قانون صلاحيات الطوارئ لا يذكر الرسوم الجمركية أساساً، وأن استخدام ترمب له لا يستوفي عدداً من الاختبارات القانونية، من بينها اختبار سبق أن أطاح ببرنامج إعفاء قروض الطلاب بقيمة 500 مليار دولار الذي طرحه الرئيس آنذاك جو بايدن. وقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس الأثر الاقتصادي لرسوم ترمب بنحو ثلاثة تريليونات دولار خلال العقد المقبل.


«مجلس السلام»... اختبار جديد لوعود ترمب

المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

«مجلس السلام»... اختبار جديد لوعود ترمب

المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

شهدت واشنطن يوم الخميس، افتتاحاً رسمياً لمجلس السلام بواشنطن، في خطوة وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في صلب خطابه السياسي، مقدّماً نفسه رئيساً للسلام، وموجّهاً رسالته أولاً إلى الداخل الأميركي قبل الخارج؛ فالولايات المتحدة تدخل عاماً انتخابياً، حيث تتحوّل ملفات السياسة الخارجية إلى جزءٍ من المعركة الداخلية، ويصبح كل تحرّكٍ دبلوماسي اختباراً جديداً لصورة الدور الأميركي أمام الناخبين.

ويستعرض تقرير واشنطن؛ وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، احتمالات نجاح ترمب في تحويل وعوده إلى خطواتٍ عملية تقود إلى السلام في غزة والمنطقة، وما إذا كانت التحديات الداخلية ستفرض حدودها على هذا المسار.

ترحيب وتشكيك

المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

رحبت مارا رودمان، النائبة السابقة للمبعوث الأميركي في الشرق الأوسط، والمسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي، بطبيعة المشاركة في المجلس، الذي شهد حضور أكثر من 40 دولة بين مشارك ومراقب، مشيرة إلى أن بعض المشاركين وبعض أعضاء مجلس الإدارة، مؤهلون للغاية ويعرفون المنطقة جيداً، ووضعت في هذه الفئة المبعوث السابق للأمم المتحدة إلى المنطقة نيكولاي ملادينوف توني، وقادة دول الخليج «الذين يعرفون ويفهمون الديناميات على الأرض». لكنها استطردت قائلة: «أخشى أن هذا هو كل ما يمكنني قوله من إيجابيات استخلصتها من الاجتماع».

وقد تم الإعلان عن 7 مليارات دولار من التبرعات لغزة خلال الاجتماع الرسمي الأول، إضافة إلى مساهمات أميركية بقيمة 10 مليارات دولار، وعن هذا تقول سارة يركيس، كبيرة الباحثين في معهد كارنيغي والمسؤولة السابقة في وزارة الخارجية، إن الأموال المذكورة لا تزال في مرحلة التعهدات نظراً لغياب آلية واضحة في تخصيصها، وتشير إلى أنه ورغم أن المبالغ أقل من تلك اللازمة لإعادة إعمار غزة، فإن هذا يعدّ الاجتماع الأول للمجلس والخطوة الأولى في مسار طويل، مضيفة: «أشكك في كيفية إيفاء أميركا تحديداً بتعهداتها من دون موافقة الكونغرس على هذه الأموال».

ويستبعد جورج لوبيز، البروفسور في معهد كروك للدراسات الدولية للسلام والمستشار السابق في الأمم المتحدة، أن يتمكن ترمب من تخصيص 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى العجز التجاري الكبير في الولايات المتحدة، والتحديات في تخصيص مبلغ من هذا النوع خلال موسم انتخابي.

قوات غير أميركية بقيادة أميركية

قائد القوات الدولية بغزة جاسبر جيفيرز في اجتماع مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

من ناحية أخرى، رحب لوبيز بالإعلان عن مساهمة دول في قوات حفظ السلام بغزة، خاصاً بالذكر إندونيسيا التي «تتمتع بإمكانات كبيرة». وشدد على أهمية توفير التدريب والتحالف بين هذه القوات، لكنه أعرب عن استغرابه من وجود قائد أميركي يعطي الأوامر في غياب قوات أميركية مع وجود نائب إندونيسي له. ويضيف: «أعتقد أن الأمر معقد من حيث القيادة والسيطرة، ومن الذي يصدر الأوامر هنا».

وتعتبر رودمان أن التحدي يكمن في عدم وجود عملية تخطيط استراتيجي واضحة لتنسيق التدريبات والإجراءات على أرض الواقع، وتشيد بالجنرال الأميركي جاسبر جيفيرز الذي تم تعيينه مسؤولاً عن هذه العملية، والذي «يتمتع بخبرة مبهرة للغاية، خصوصاً في مجال مكافحة الإرهاب»، مضيفة: «أريد أن أكون واضحة، الأمر لا يتعلق بأهليته للمنصب؛ بل إن الحالة الموجودة غير اعتيادية، أن يكون هناك قائد أميركي مسؤول عن العملية برمتها من دون وجود قوات أميركية تحت قيادته. لن يكون من الممكن تنفيذ المهمة من دون خطة أوضح بكثير ونزع سلاح (حماس)».

من ناحيتها، تؤكد يركيس أن التزام مصر والأردن بتدريب القوات أمر إيجابي، مشيرة إلى خبرتهما الواسعة في هذا المجال، لكنها تعقب قائلة: «وجود قائد أميركي ونائب إندونيسي مع قوات إندونيسية ومغربية وغيرهما، أمر مربك، عادة تتم إدارة مهام من هذا النوع من قبل الأمم المتحدة». وتؤكد يركيس عدم وجود «أي رغبة من قبل ترمب أو الداخل الأميركي في إشراك قوات أميركية على الأرض»، متسائلة: «إذا لم تكن هذه مهمة تقودها الولايات المتحدة، وتشارك فيها قوات أميركية على الأرض، فلا معنى لقيادة قائد أميركي لها».

بين السلام والمواجهة مع إيران

تتصاعد التوترات في المنطقة مع الحشد العسكري الأميركي تحسباً لمواجهة مع إيران (أ.ف.ب)

وبالتزامن مع عقد مجلس السلام، وإعلان ترمب بسط السلام في الشرق الأوسط، يُذكّر لوبيز بالحشد العسكري الهائل بالمنطقة في ظل التصعيد مع إيران، ويتساءل: «من الصعب بعض الشيء أن نتخيل كيف يمكن أن تكون الخطط المتفائلة التي نوقشت بشأن غزة، واقعية، إذا ما وقع هجوم عسكري على إيران في غضون الأسبوعين المقبلين. هذا أمر سيؤثر بشدة على هذا التوجه ويطغى عليه، وسيثير بشكل خاص في أذهان أعضاء الكونغرس التساؤل عما إذا كان رئيس مجلس السلام شخصاً مهتماً بالسلام حقاً أم لا».

وتوافق يركيس مع هذا التساؤل، مشيرة إلى وجود «تناقض بين التأكيد على أن هناك سلاماً الآن في الشرق الأوسط خلال عقد مجلس السلام، وتموضع الأصول العسكرية الأميركية في المنطقة لاحتمال شن ضربة في بلد آخر بالشرق الأوسط». وتضيف: «هذا التناقض يظهر أن ترمب لا يفكر في استراتيجية طويلة المدى. التحدي أن ضربة في إيران ستضر بالتأكيد بمجلس السلام. سيكون من الصعب جداً على بعض أعضاء المجلس أن يساندوا ترمب إذا نفذ ذلك، ناهيك بالتداعيات التي ستلحق بإسرائيل، والتي من الواضح أنها منخرطة في مجلس السلام، وفي الإجراءات المتخذة ضد إيران أيضاً».

الكونغرس والتحديات الداخلية

زعيم الديمقراطيين في النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي - 18 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

تتزامن وعود ترمب مع عام انتخابي حام سيحسم الأغلبية في مجلس الشيوخ والنواب، وهذا سيؤثر على توجه أعضاء الكونغرس وتعاونهم مع الرئيس الأميركي في هذا الملف.

وتقول رودمان إنه ورغم «خضوع» الأغلبية الجمهورية في الكونغرس اليوم لترمب، فإن المشرعين المعنيين بالمخصصات المالية لن يرضخوا له في ملف تخصيص الأموال من دون العودة إلى الكونغرس، مرجحة أن تحسم المحاكم المسألة. وتضيف: «دستورنا واضح جداً في هذا الشأن، والمحاكم ستحكم لصالح الكونغرس المعني بتخصيص الأموال. بالإضافة إلى ذلك، هناك انتخابات في نوفمبر، ويمكننا بالفعل أن نرى أعضاء في الكونغرس أصبحوا فجأة قلقين من الخسارة في الانتخابات العامة أكثر من قلقهم من الانتخابات التمهيدية، ولا أعتقد أن الرئيس ترمب سيحظى هذا العام بالدعم نفسه في الكونغرس الذي كان يتمتع به سابقاً».

ورغم حاجة ترمب للكونغرس للموافقة على مبلغ الـ10 مليارات دولار لغزة من الناحية القانونية، تقول يركيس إن هذا «لم يمنع ترمب من قبل». وتتساءل: «السؤال هو: ماذا يمكن أن يفعل الكونغرس لمنعه؟ وهل يريد المشرعون منعه خصوصاً إذا بدا أن مجلس السلام يحقق تقدماً إيجابياً؟ فقد لا يكون من الجيد لهم أن يمنعوه عندما يترشحون لإعادة انتخابهم».

وتُذكر يركيس بالخطوات التي اتخذها ترمب في عهده الثاني، فتقول: «أعتقد أننا رأينا بشكل عام خلال العام الماضي، منذ أن تولى ترمب منصبه لولاية ثانية، تجاوز الكونغرس وسلطته التنفيذية مراراً وتكراراً، ولم يتم فعل الكثير لكبح جماحه. ولست متأكدة اليوم من أن الكونغرس سيكون قادراً على التصدي له، أم لا».