الشركات الأجنبية في الصين تواجه ضربة مزدوجة بسبب الحرب التجارية

بكين صاغت سياسات استرداد ضريبة للسائحين الأجانب لتعزيز الاستهلاك المحلي

أشخاص يمرون أمام متجر «أبل» في شنغهاي (أرشيفية - رويترز)
أشخاص يمرون أمام متجر «أبل» في شنغهاي (أرشيفية - رويترز)
TT

الشركات الأجنبية في الصين تواجه ضربة مزدوجة بسبب الحرب التجارية

أشخاص يمرون أمام متجر «أبل» في شنغهاي (أرشيفية - رويترز)
أشخاص يمرون أمام متجر «أبل» في شنغهاي (أرشيفية - رويترز)

تمثل الشركات الأجنبية والمشاريع المشتركة نحو ثلث إجمالي تجارة الصين، وفقاً لبيانات رسمية توضح مدى تأثر الشركات الدولية في الصين بالحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

فقد أظهرت بيانات من الإدارة العامة للجمارك الصينية وحسابات صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن الشركات المملوكة للأجانب كلياً أو جزئياً في البلاد شكلت 980 مليار دولار من صادرات الصين، العام الماضي، أو أكثر من الربع، و820 مليار دولار من الواردات، أو أكثر من الثلث. وسجلت الصين فائضاً تجارياً قياسياً بلغ نحو تريليون دولار، العام الماضي.

وتعتمد الشركات الأميركية الكبرى مثل «أبل» و«تسلا» والعديد من المنتجين الأصغر، على الصين كقاعدة تصنيع. وتستورد العديد من هذه الشركات المواد الخام أو المكونات للتجميع في المنتجات التي يتم تصديرها بعد ذلك. وقال خبراء اقتصاديون إن هذا يجعلها عرضة لإمكانية دفع الرسوم الجمركية الأميركية والصينية، على السلع نفسها، بعد أن صعّد ترمب بشكل حاد الرسوم على جميع الصادرات الصينية إلى 145 في المائة، مما دفع بكين إلى الرد برسوم جمركية بنسبة 125 في المائة.

ونقلت «فاينانشال تايمز» عن هيواي تانغ، مدير معهد آسيا العالمي بجامعة هونغ كونغ قوله إن «الشركات الأجنبية تتعرض لضغوط حقيقية في السوق الصينية. إذا استوردت، تدفع الرسوم الجمركية الصينية. وعندما تصل إلى الولايات المتحدة، يدفعون الرسوم الجمركية الأميركية».

العلمان الصيني والأميركي يرفرفان خارج مبنى شركة أميركية في بكين (رويترز)

«ضربة مزدوجة»

بُنيت آلة التصدير الصينية على يد شركات مملوكة بالكامل أو جزئياً للأجانب، بما في ذلك شركات من هونغ كونغ وماكاو، التي سعت إلى الاستفادة من سوق العمل الضخمة ومنخفضة التكلفة في البلاد لتصنيع السلع. وشكّلت الشركات ذات الاستثمار الأجنبي، كما تُسمى في الصين، 55 في المائة من إجمالي تجارة البلاد في عام 2008. وانخفضت هذه النسبة على مر السنين مع تطوير الصين سياسة أكثر صرامة للاعتماد على الذات صناعياً. لكن الشركات ذات الاستثمار الأجنبي لا تزال تُمثّل 29.6 في المائة من التجارة بالقيمة الدولارية، العام الماضي، وفقاً لأرقام الحكومة.

ومع ذلك، لم تُمثّل هذه الشركات سوى 16 في المائة من فائض التجارة الصينية، العام الماضي؛ حيث قوبلت كمية صادرات الشركات الأجنبية بحصتها الأكبر من إجمالي الواردات.

قال رئيس غرفة التجارة الأميركية مايكل هارت: «هناك عدد من الشركات الأجنبية العاملة في الصين، وهي ليست أميركية، ولكنها تعتمد على المدخلات الأميركية، وبالتالي فهي تتأثر أيضاً». وأضاف هارت أن وزارة التجارة الصينية تدرس إعفاءات من الرسوم الجمركية لبعض القطاعات.

تمنح الصين بعض الإعفاءات من رسومها الجمركية للشركات التي تستورد المكونات والمواد الخام للسلع التي يُعاد تصديرها، وهو ما يُعرف باسم «تجارة المعالجة». كما حصلت بعض الشركات المصنعة الأميركية الكبرى، بما في ذلك شركات تصنيع الهواتف الذكية وبعض منتجي الإلكترونيات، على إعفاءات مؤقتة من ترمب. ولكن مع الحرب التجارية، قد لا تزال العديد من الشركات الأجنبية تجد صعوبة في التصدير من الصين، خصوصاً الشركات الصغيرة.

وقال جاكوب روثمان، الرئيس التنفيذي لشركة «فيلونغ إنتربرايزز» الصينية، التي تُصنّع أدوات المطبخ والمنتجات المنزلية في الصين، التي تبيعها شركات التجزئة الأميركية، بما في ذلك «وول مارت»، إن الشركة تستورد مادة «تريتان»، وهي نوع من البلاستيك، من شركة «إيستمان» الأميركية. وأضاف: «نتعرض لرسوم جمركية مضاعفة على المنتجات التي تحتوي على هذه المادة. مرة عند استيراد المواد، ومرة ​​أخرى عند تصدير السلع النهائية».

وأوضح أن الصين منحت إعفاءً من الرسوم الجمركية، إذا تم تصدير المنتج النهائي إلى الولايات المتحدة خلال فترة زمنية محددة. لكن الصين لم تمنح الإعفاء إذا تم تصدير المنتج إلى دول أخرى غير الولايات المتحدة.

وحذّر خبراء اقتصاديون من أن الحرب التجارية قد تتسبب في مزيد من الانخفاضات في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر للصين، التي انخفضت بنسبة 27.1 في المائة في عام 2024 مقارنة بالعام السابق من حيث قيمة اليوان، وفقاً لأرقام وزارة التجارة.

وقال تشيو دونغشياو، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة لينغنان في هونغ كونغ: «بالنسبة لأولئك الذين يدخلون الصين لخدمة السوق الصينية، فقد يأتون. ولكن إذا كان هدفك هو خدمة أسواق أخرى، وخاصة الولايات المتحدة، فستتضرر كثيراً. لذا فأنت بحاجة إلى إعادة النظر في استراتيجيتك العالمية».

رافعات جسرية تقف بالقرب من حاويات شحن في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)

أرباح الشركات الصناعية الصينية

إلى ذلك، أظهرت بيانات رسمية أن أرباح الشركات الصناعية الصينية عادت إلى النمو في الربع الأول، لكن من المرجح أن تتعرض لمزيد من الضغوط في ظل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة؛ إذ ارتفعت الأرباح التراكمية للشركات الصناعية الصينية بنسبة 0.8 في المائة، لتصل إلى 1.5 تريليون يوان (205.86 مليار دولار) في الربع الأول مقارنة بالعام السابق، وذلك بعد انخفاض بنسبة 0.3 في المائة في الشهرين الأولين. وفي مارس (آذار) وحده، ارتفعت الأرباح بنسبة 2.6 في المائة على أساس سنوي.

وقال يو وينينغ، الإحصائي في «المكتب الوطني للإحصاء»، في بيان منفصل رافق نشر البيانات، إن ارتفاع الأرباح في الربع الأول جاء عقب انخفاض بنسبة 3.3 في المائة، في عام 2024، مما عكس اتجاه الانخفاضات المستمرة في الأرباح التراكمية للشركات منذ الربع الثالث من العام الماضي، وفق «رويترز».

وأعلنت الصين عن نمو اقتصادي أقوى من المتوقَّع، في الربع الأول؛ حيث عززت الحوافز الحكومية الاستهلاك ودعمت الاستثمار، إلا أن الضغوط الانكماشية استمرت، مما أثر سلباً على أرباح الشركات ودخل العمال؛ حيث حاولت الشركات مواجهة الاضطرابات التجارية المتزايدة.

وقال يو: «في المرحلة الحالية، أصبحت البيئة الخارجية أكثر تعقيداً وشدة، وتتزايد العوامل غير المستقرة وغير المؤكدة»، مضيفاً أن الحكومة ستعزز تنفيذ السياسات بشكل أكبر، وستشجع على التحسين المستمر لربحية الشركات.

ودعت بكين المصدّرين بشكل متزايد إلى البحث عن مشترين محليين بديلاً للسوق الأميركية، التي تجمدت فعلياً بعد أن رفعت واشنطن الرسوم الجمركية على السلع الصينية بنسبة 145 في المائة، إلا أن العديد من المصانع المعتمدة على التصدير انتقدت ضعف الطلب المحلي، وحروب الأسعار، وانخفاض الأرباح، وتأخير السداد في السوق الصينية.

وتعهَّد المكتب السياسي للحزب الشيوعي الحاكم، يوم الجمعة، بدعم الشركات والعمال الأكثر تضرراً من تأثير الرسوم الجمركية الأميركية، مؤكداً أيضاً أنه سيتم وضع أدوات نقدية جديدة وأدوات تمويل سياسات لتعزيز الابتكار والاستهلاك والتجارة الخارجية.

وانخفضت أرباح الشركات المملوكة للدولة بنسبة 1.4 في المائة في الربع الأول. وشهدت شركات القطاع الخاص انخفاضاً بنسبة 0.3 في المائة، بينما سجلت الشركات الأجنبية زيادة بنسبة 2.8 في المائة، وفقاً لتحليل بيانات «المكتب الوطني للإحصاء».

أشخاص يزورون جناحاً لشركة تصنيع معدات المطبخ خلال معرض الصين للاستيراد والتصدير (رويترز)

جهود لدعم الاقتصاد

وأعلنت الصين، يوم الأحد، أنها ستُحسّن سياسات استرداد الضرائب للسياح الأجانب لتعزيز الاستهلاك الداخلي، في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز الاقتصاد في ظل ضعف الطلب المحلي. وذكر بيان مشترك صادر عن وزارة التجارة وهيئات أخرى أن الصين ستشجع توسيع منافذ استرداد الضرائب في مناطق التسوق والوجهات السياحية والمطارات والفنادق. وأضاف البيان أن الحد الأدنى لاسترداد الضرائب لمسافر أجنبي واحد في نفس منفذ استرداد الضرائب في نفس اليوم سينخفض ​​إلى 200 يوان (27.45 دولار) من 500 يوان سابقاً.


مقالات ذات صلة

تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) p-circle

تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

أصدر الرئيس الأميركي تهديدا صريحا بوقف افتتاح جسر جوردي هاو الدولي، الذي يربط بين أونتاريو الكندية وميشيغان الأميركية، متهما كندا بـ«معاملة غير عادلة» لأميركا.

هبة القدسي (واشنطن)
أميركا اللاتينية رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم تتحدث خلال مؤتمرها الصحافي الصباحي اليومي في القصر الوطني في مكسيكو سيتي 5 يناير 2026 (أ.ف.ب)

رئيسة المكسيك: الرسوم الأميركية «الجائرة» قد تخنق اقتصاد كوبا

انتقدت رئيسة المكسيك، كلوديا شينباوم، الاثنين، بشدة، تهديدات الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على الدول المصدرة للنفط إلى كوبا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
الاقتصاد البرلمان الكوري الجنوبي يصوّت على تشكيل لجنة لتسريع تشريعات الاستثمار في أميركا خلال جلسة عامة في الجمعية الوطنية (إ.ب.أ)

كوريا الجنوبية تُسرّع تشريعات الاستثمار الأميركية بعد تهديد ترمب بالرسوم

صوَّت البرلمان الكوري الجنوبي يوم الاثنين على تشكيل لجنة خاصة لتسريع التشريعات المتعلقة بالتزامات سيول الاستثمارية في الولايات المتحدة بقيمة 350 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شرائح أشباه الموصلات على لوحة دوائر كمبيوتر في صورة توضيحية (رويترز)

تايوان تحسم الجدل: نقل 40 % من إنتاج الرقائق إلى أميركا «مستحيل»

أكدت كبيرة مفاوضي تايوان بشأن الرسوم الجمركية أن نقل 40 % من طاقتها الإنتاجية لأشباه الموصلات إلى الولايات المتحدة «مستحيل».

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
الاقتصاد رجل يمشي بالقرب من شاشة خارج بورصة مومباي (رويترز)

الأسواق الهندية تبدأ الأسبوع على مكاسب بدعم التفاؤل التجاري مع أميركا

سجَّلت الأسواق الهندية أداءً إيجابياً في مستهل تعاملات يوم الاثنين، مدعومة بتفاؤل المستثمرين حيال الإطار المؤقت للاتفاقية التجارية بين الهند والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (مومباي )

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.