مصر تدعو إلى عودة سفن الشحن لعبور قناة السويس

عبور السفن بقناة السويس المصرية (مجلس الوزراء المصري)
عبور السفن بقناة السويس المصرية (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تدعو إلى عودة سفن الشحن لعبور قناة السويس

عبور السفن بقناة السويس المصرية (مجلس الوزراء المصري)
عبور السفن بقناة السويس المصرية (مجلس الوزراء المصري)

دعت الحكومة المصرية إلى «ضرورة عودة سفن الشحن العالمية للمرور عبر قناة السويس» مرة أخرى، في ضوء أعمال التطوير التي تنفذها بالمجرى الملاحي للقناة.

وأكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال لقائه مع عدد من السفراء الأجانب، الأربعاء، أن «التطورات الإقليمية، وانعكاسها على أمن الملاحة في البحر الأحمر، تعكس أهمية قناة السويس للعالم، وتأثيرها على حركة التجارة الدولية».

وتشكو مصر من تأثير التوترات في البحر الأحمر، على إيرادات قناة السويس، وقدّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، خسائر بلاده بسبب تهديدات حركة الملاحة والتجارة الدولية بنحو «7 مليارات دولار العام الماضي». (الدولار الأميركي يساوي 51 جنيهاً في البنوك المصرية).

وصعّدت «جماعة الحوثيين» في اليمن من هجماتها على السفن المارة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، منذ نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023، بدعوى التضامن مع الفلسطينيين في غزة.

وحسب «مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، شدّد مدبولي على أهمية قناة السويس عالمياً، وقال إن «التطورات الإقليمية أكدت تأثيرها على حركة التجارة الدولية»، منوهاً بأن «الأشهر الماضية شهدت تحسناً في أمن الملاحة بالبحر الأحمر، مع توقف الهجمات على السفن المارة، منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي».

يُشار أنه بعد فترة هدوء مطلع العام الحالي، أعاد «الحوثيون» تهديد السفن الإسرائيلية المارة بالبحر الأحمر، في مارس (آذار) الماضي، ما دفع الولايات المتحدة لشنّ هجمات جوية على الحوثيين، للحدّ من تصعيد الجماعة اليمنية.

وذكرت هيئة قناة السويس المصرية، في مارس الماضي، أن «نحو 166 سفينة، قامت بتعديل مسار رحلاتها للعبور بالقناة، بدلاً من طريق رأس الرجاء الصالح، منذ بداية فبراير (شباط) الماضي»، وقالت إن ذلك «يعكس مدى تأثير الأوضاع في منطقة البحر الأحمر، على معدلات عبور السفن».

ودعا رئيس الوزراء المصري، السفراء الأجانب، إلى «نقل حجم التطوير في القناة، وتحسن حركة الملاحة، إلى دولهم»، بالإضافة إلى «جهود دعم وتحسين خدمات الملاحة البحرية»، كما أكد ضرورة «العمل على عودة سفن الشحن العالمية، عبر قناة السويس».

وطالب مدبولي، السفراء الأجانب بـ«حث شركاتهم الوطنية، على الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في ضوء ما توفره من مزايا وحوافز للمستثمرين»، وفق «مجلس الوزراء».

رئيس الوزراء المصري خلال لقائه مع عدد من السفراء الأجانب في مقر هيئة قناة السويس (مجلس الوزراء المصري)

و«سيستفيد الاقتصاد العالمي كثيراً من عودة الملاحة بحرية في قناة السويس والبحر الأحمر، وليس الاقتصاد المصري فقط»، بحسب الأمين العام المساعد الأسبق لـ«منظمة الوحدة الأفريقية»، السفير أحمد حجاج، بقوله إن «حركة التجارة عبر قناة السويس تفيد الاقتصاد العالمي»، بعدّه القناة أرخص ممر بحري لنقل السلع في العالم.

وهناك دول ما زالت مترددة بشأن أمان مرور الشاحنات والسفن عبر البحر الأحمر، على وقع التوترات الإقليمية، وفق حجاج، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة تكثف جهودها الدبلوماسية واتصالاتها لتشجيع تلك الدول، على استئناف حركة عبور السفن بقناة السويس مرة أخرى، والتأكيد على سلامتها، وتطور الخدمات المقدمة».

ودفعت هجمات «الحوثيين» على السفن المارة بالبحر الأحمر، شركات الشحن العالمية الكبرى لإيقاف عملياتها في قناة السويس، كما اضطرت إلى تحويل مسار السفن إلى طرق بديلة منها مجرى رأس الرجاء الصالح.

وعدّ حجاج أن «دول أوروبا، وأميركا اللاتينية، ستكون أكثر الدول استفادة من عودة حركة الملاحة البحرية لقناة السويس لطبيعتها، لانعكاسها المباشر على اقتصاد تلك الدول، وانخفاض الأسعار بها»، مشيراً إلى أن «استمرار هجمات (الحوثيين) سيضر بمستقبل الدول المشاطئة للبحر الأحمر، ومن بينها مصر».

جانب من مرور السفن في قناة السويس المصرية (مجلس الوزراء المصري)

اقتصادياً، تُشكل قناة السويس مصدراً رئيساً للعملة الصعبة، ودعم الموارد الاقتصادية، وفق الخبير الاقتصادي المصري، وليد جاب الله، الذي قال إن دعوة الحكومة المصرية لاستعادة حركة مرور السفن بالقناة مرة أخرى «أمر طبيعي» لتنمية عوائدها، وعلى اعتبار أن القاهرة ليس لها يد في التوترات الإقليمية، وتتحمل أعباء اقتصادية بسبب استمرارها.

ويتوقف جاب الله مع جهود الحكومة المصرية لتطوير الملاحة في قناة السويس والخدمات البحرية بها، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة المصرية ضخت استثمارات كبيرة لتعزيز إيرادات القناة، بتنفيذ مشروع ازدواج المجرى الملاحي، لزيادة نسبة استيعاب السفن المارة»، إلى جانب «تقديم خدمات ملاحية متنوعة لتعزيز تنافسية المجرى الملاحي».

وخلال لقائه السفراء الأجانب، أشار رئيس الوزراء المصري، الأربعاء، إلى «مشروعات تطوير قناة السويس، ومنها تنفيذ أعمال ازدواج المجرى الملاحي، خلال السنوات الماضية».

ويرى جاب الله أن عودة معدلات الملاحة البحرية لطبيعتها «سيترتب عليها انخفاض في تكلفة تداول السلع عالمياً، وبالتالي سيعود ذلك بالنفع على حركة التجارة الدولية»، مشيرا إلى أن «القاهرة تبذل جهوداً دبلوماسية، لتأمين حركة الملاحة مرة أخرى».

وقبل الحرب على قطاع غزة، سجلت قناة السويس أرقاماً قياسية في 2023 بـ«تحقيق أعلى معدل عبور سنوي للسفن العابرة بنحو 26434 سفينة»، وفق إحصاءات هيئة قناة السويس.


مقالات ذات صلة

تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

العالم العربي السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)

تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن «حق إسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط» استهجاناً عربياً وإسلامياً، وإدانات في مصر والأردن وفلسطين.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

مسلسل «رأس الأفعى» المصري يسلط الضوء على «تنظيم 65»... فما هو؟

يعود تشكيل «تنظيم 65» إلى عام 1965 حين اتهمت مجموعة يقودها منظر الجماعة سيد قطب بـ«إحياء تنظيم مسلح»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مخاوف من تصاعد العنف الأسري في مصر (الشرق الأوسط)

مخاوف في مصر من تصاعد حدة «الجرائم الأسرية»

فاقمت الأزمات المجتمعية في مصر جرائم العنف الأسري بشكل ملحوظ خلال الشهور الماضية، ولم تتوقف حتى خلال شهر رمضان.

رحاب عليوة (القاهرة)
تحليل إخباري صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)

تحليل إخباري لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

جاء الإعلان عن الدول المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة خلال الاجتماع الأول «لمجلس السلام» دون أن يتضمن مصر ليطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أحد أفراد الشرطة المصرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

انتقادات في مصر عقب تداول فيديو لإطلاق نار على أب ونجله

أثار مقطع فيديو متداول أظهر إطلاق نار على أب ونجله الصغير انتقادات واسعة في مصر، الجمعة، بينما تمكنت السلطات الأمنية من ضبط المتهمين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

حميدتي يبحث مع موسيفيني وقف الحرب في السودان

لقاء الرئيسي يوري موسيفيني وقائد «الدعم السريع» حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)
لقاء الرئيسي يوري موسيفيني وقائد «الدعم السريع» حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)
TT

حميدتي يبحث مع موسيفيني وقف الحرب في السودان

لقاء الرئيسي يوري موسيفيني وقائد «الدعم السريع» حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)
لقاء الرئيسي يوري موسيفيني وقائد «الدعم السريع» حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)

بحث قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، سبل وقف الحرب الدائرة في السودان، وذلك خلال لقاء جمعهما يوم الجمعة بقصر الرئاسة الأوغندية بمدينة عنتيبي، في إطار تحركات إقليمية جديدة تهدف إلى الدفع باتجاه تسوية سياسية للأزمة السودانية.

ويُعدّ هذا اللقاء أول ظهور إقليمي بارز لحميدتي منذ عدة أشهر، حيث تناول الجانبان ما وصفه دقلو بـ«رؤية أوغندية» لوقف الحرب، وقال إنها جاءت استجابة لطلب رسمي من الخرطوم، عبر مبادرة تسعى أوغندا من خلالها إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية المتحاربة.

وفي أعقاب اللقاء، أوضح حميدتي، خلال مخاطبة جماهيرية للجالية السودانية بمدينة عنتيبي مساء الجمعة، أن زيارته إلى أوغندا جاءت بدعوة مباشرة من الرئيس موسيفيني. وأضاف أن الرئيس الأوغندي أبلغه بأن الحكومة السودانية طلبت منه التدخل للمساهمة في إنهاء الحرب، عبر طرح مبادرة أوغندية تستند إلى الحوار السياسي ووقف العمليات العسكرية.

من جانبه، أعلن الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، في تغريدة نشرها على منصة «إكس»، أنه استقبل بمقر رئاسته في عنتيبي، قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، حيث استمع إلى عرض مفصل حول تطورات الأوضاع في السودان. وأكد موسيفيني، وفق ما جاء في تغريدته، أن الحوار والتسوية السياسية السلمية يمثلان الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار في السودان، ولضمان أمن المنطقة ككل.

وتأتي زيارة حميدتي إلى أوغندا بعد نحو أسبوع واحد فقط من استقبال الرئيس موسيفيني لنائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، في خطوة قيل حينها إنها تهدف إلى تكثيف الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل إلى وقف إطلاق النار، وتهيئة المناخ لحل سياسي شامل ينهي الصراع المستمر في السودان.

وأعلن حميدتي عدم رفضه أي مبادرة سلام، بيد أنه استبعد القبول باتفاقيات مشابهة لاتفاق سلام جوبا واتفاقية السلام الشامل في نيفاشا الكينية، التي تمت بين نظام الرئيس المخلوع عمر البشير وقائد «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، جون قرنق. وقال أيضاً إنه «لا يريد أن يصبح رئيساً للبلاد، وإن هدفه هو (اقتلاع الحركة الإسلامية)».

وجدد انفتاحه على المبادرات كافة، بما في ذلك مبادرة الآلية الرباعية، معلناً تأييده غير المشروط لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لوقف الحرب في السودان، وكشف عن تلقيه مقترح سلام من الجانب الأميركي، وقال: «الهدف هو الوصول إلى سلام ينهي الحرب»، وتابع: «نحن مستعدون لوقف إطلاق النار فوراً، إذا استجاب الطرف الآخر لشروط السلام العادل».

حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)

وقال حميدتي إنهم في السابق كانوا يتحدثون عن دمج «قوات الدعم السريع» في الجيش، من أجل بناء جيش وطني مهني واحد، لكن الآن تطورت الأمور؛ ليصبح «تأسيس جيش جديد» لا تهيمن عليه «الحركة الإسلامية»، وتأسيس دولة مدنية ديمقراطية، هما مطلب الشعب، مشدداً على عدم تنازله عما سمّاه دولة مدنية علمانية تقف على مسافة واحدة من الجميع.

وتحدث حميدتي عن زيادة عديد قواته، بقوله إن «عدد القوات حين بدأت الحرب كان في حدود 123 ألف مقاتل، لكننا الآن لدينا أكثر من نصف مليون مقاتل». ونفى مشاركة «مرتزقة» في القتال إلى جانب قواته، لكنه اعترف بالاستعانة بنحو 10 خبراء مسيّرات من كولومبيا، واتهم في المقابل، الجيش بالاستعانة بمرتزقة من أوكرانيا والصومال.

يذكر أن الجيش كان استعاد من «قوات الدعم السريع»، مناطق ومدن الخرطوم والجزيرة ووسط البلاد، لكنها بالمقابل أحكمت سيطرتها على معظم إقليم دارفور، وأجزاء من إقليم كردفان، حيث تخوض معارك ضارية في كردفان والنيل الأزرق.

من جهة أخرى، أثارت الزيارة ردود فعل متباينة، وأبدى حاكم إقليم دارفور الذي تقاتل قواته إلى جانب الجيش، مني أركو مناوي، رفضه الزيارة، وعدّها قبولاً أوغندياً ضمنياً لـ«انتهاكات وجرائم الدعم السريع بحق المدنيين».

وقال مناوي بحسب صفحته على «فيسبوك»، إن «الصمت الدولي والأفريقي يمكن أن يعدّ قبولاً ضمنياً بدوامة العنف وغياب العدالة»، وتابع: «أين الموقف الأفريقي الموحد تجاه الجرائم ضد المدنيين».


مع حلول رمضان... التضخم يخنق الليبيين ويستنزف جيوبهم

مع حلول شهر رمضان بات جل الليبيين يشتكون من ارتفاع جنوني للأسعار (أ.ف.ب)
مع حلول شهر رمضان بات جل الليبيين يشتكون من ارتفاع جنوني للأسعار (أ.ف.ب)
TT

مع حلول رمضان... التضخم يخنق الليبيين ويستنزف جيوبهم

مع حلول شهر رمضان بات جل الليبيين يشتكون من ارتفاع جنوني للأسعار (أ.ف.ب)
مع حلول شهر رمضان بات جل الليبيين يشتكون من ارتفاع جنوني للأسعار (أ.ف.ب)

رغم حلول شهر رمضان وإطلاق الألعاب النارية، لا تبدو الأجواء احتفالية تماماً في ليبيا، التي تعاني من انعدام الاستقرار وارتفاع جنوني للأسعار، ناهيك بتضخّم يخنق الليبيين في شرق البلاد وغربها. وبعد 15 عاماً على سقوط الزعيم معمر القذافي، ما زالت البلاد منقسمة بين سلطتين متنافستين في الشرق والغرب. وعلى الرغم من أن بلادهم تزخر بالموارد النفطية والطاقات المتجددة، يعاني جل الليبيين من نقص حاد في العديد من المواد الأساسية، لا سيما الغاز والوقود. وفي الأسابيع الأخيرة، نفدت مادة البنزين من محطات وقود عدة في طرابلس، مع شح في السيولة في أجهزة الصراف الآلي، وعمد كثير من المتاجر إلى تقنين بيع بعض المنتجات.

رغم حلول شهر رمضان وإطلاق الألعاب النارية لا تبدو الأجواء احتفالية تماماً في ليبيا (أ.ف.ب)

يقرّ فراس زريق، البالغ 37 عاماً، لدى تجوّله بين أروقة متجر مكتظ خلال شهر رمضان بوجود «تحسّن طفيف في الأمن خلال السنوات الثلاث الماضية»، لكنّه يعرب عن أسفه لتدهور الوضع الاقتصادي، عازياً ذلك إلى ارتفاع سعر صرف الدولار، و«المضاربة الواسعة النطاق»، التي وصفها في تصريحه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأنها ذات عواقب وخيمة «على الحياة اليومية للمواطنين». وعلى مدى أسابيع، اشتكى كثير من الليبيين من الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية. وعلى سبيل المثال، فقد تضاعفت أسعار زيوت الطهي، وارتفعت أسعار اللحوم والدواجن بنسبة 50 بالمائة. أما تعبئة أسطوانات الغاز، البالغة تكلفتها 1.5 دينار (20 سنتاً من الدولار) من جهات التوزيع الرسمية العاجزة عن تلبية الطلب، فتكلفتها في السوق السوداء باتت 75 ديناراً (9 دولارات).

أعباء بالجملة على المواطنين

في 18 يناير (كانون الثاني)، خفّض البنك المركزي قيمة العملة (الدينار) للمرة الثانية خلال تسعة أشهر، بنسبة 14.7 بالمائة، وذلك بهدف «الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي وضمان استدامة الموارد العامة». وبرّر «المركزي» قراره بـ«الغياب المستمر لميزانية دولة موحدة، والنمو غير المستدام للإنفاق العام»، واستمرار ازدواجية الإنفاق خارج «الأطر المالية الصارمة».

خفّض البنك المركزي قيمة الدينار للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي وضمان استدامة الموارد العامة (رويترز)

وتواجه ليبيا صعوبات في وضع حد لانعدام الاستقرار والانقسام منذ سقوط معمر القذافي ومقتله في عام 2011. وتتنافس حكومتان على السلطة: الأولى في غرب البلاد، تحظى باعتراف من الأمم المتحدة، ويترأسها عبد الحميد الدبيبة، والثانية في بنغازي (شرقاً) مدعومة من المشير خليفة حفتر والبرلمان.

وحذّرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، من «تزايد الفقر والضغط على المجتمع». وقالت في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، إن «هذا الوضع، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني، يدعو للقلق؛ إذ يمكن أن تؤدي هذه الظروف إلى تحديات سياسية وأمنية غير متوقعة»، مشيرة إلى «غياب ميزانية وطنية موحدة». وحول أوجه القصور التي تواجه ليبيا، لخّصت المبعوثة الأممية الواقع بتواصل «تشتت آليات الرقابة، واستمرار المضاربة، والإيرادات غير المشروعة التي تستنزف الموارد السيادية».

لخّصت المبعوثة الأممية الواقع الليبي بتواصل استمرار المضاربة والإيرادات غير المشروعة التي تستنزف الموارد السيادية (غيتي)

وفي خطاب ألقاه هذا الأسبوع، أقر رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة بأن خفض قيمة العملة «ألقى العبء مجدداً على المواطن». وتُنتج ليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا (48.4 مليار برميل)، حالياً نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وتتطلع إلى رفع هذا الرقم إلى مليونَي برميل يومياً. لكن بالرغم من تحقيق ليبيا عائدات لامست 22 مليار دولار من بيع النفط خلال عام 2025، بزيادة تخطت 15 بالمائة عن العام السابق، وفقاً لمؤسسة النفط، فإنها تعاني من عجز في العملات الأجنبية، بلغ تسعة مليارات دولار، بحسب البنك المركزي الليبي. ويطالب البنك المركزي باستمرار السلطة التشريعية في إقرار موازنة «موحدة»، وتوحيد الإنفاق بين الحكومتين في طرابلس وبنغازي، للتقليل من التداعيات الاقتصادية المتفاقمة، وارتفاع حدة التضخم وتدهور قيمة الدينار.


مسلسل «رأس الأفعى» المصري يسلط الضوء على «تنظيم 65»... فما هو؟

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)
مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)
TT

مسلسل «رأس الأفعى» المصري يسلط الضوء على «تنظيم 65»... فما هو؟

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)
مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

عقب تسليط المسلسل المصري «رأس الأفعى» الذي يتناول شخصية القائم بأعمال المرشد العام لـ«الإخوان»، محمود عزت، الضوء على القضية المعروفة إعلامياً بـ«تنظيم 65»، إحدى أبرز القضايا المرتبطة بجماعة «الإخوان»، أثيرت تساؤلات حول هذا «التنظيم»، وتشكيله، ومهامه.

ويعود تشكيل «تنظيم 65» إلى عام 1965، حين اتهمت مجموعة يقودها منظر الجماعة سيد قطب بـ«إحياء تنظيم مسلح لاستهداف مؤسسات الدولة، ونسف بعض الكباري، والمنشآت، والقناطر الخيرية، والتخطيط لاغتيال الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر».

وقال الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، لـ«الشرق الأوسط» إن «تنظيم 65» أظهر دموية الجماعة، وتخطيطها للقيام بأعمال تخريبية، مثل تفجيرات أبراج الضغط العالي للكهرباء، وكذا تنفيذ اغتيالات لشخصيات سياسية، وغير سياسية، فضلاً عن استهداف مؤسسات الدولة، لذا كانت خطة (تنظيم 65) هي تنفيذ عمليات معقدة جداً، وفق شبكة ضخمة من المجموعات، للسيطرة على الدولة المصرية».

ويشرح أن «قطاعاً كبيراً من شباب الإخوان كان موجوداً بعد حبسه عام 1954 خارج السجون، من بينهم أحمد عبد المجيد (المسؤول عن المعلومات)، وعلي عشماوي (المسؤول عن التسليح)، وعبد الفتاح إسماعيل (مسؤول التمويل)، وكانت الجماعة تحاول أن تبني نفسها مجدداً، وفوجئت بأن هناك تنظيماً أطلق عليه (65) نسبة إلى عام 1965، فتم تكليف سيد قطب حينها بقيادته».

ويتابع: «بدأ قطب يجتمع بهؤلاء الشباب ويقدم لهم محاضرات تربوية، وتكوينية». ويشير إلى أن «بعض المقربين من (منظر الإخوان) تحدثوا عن أن قطب كان حينها قلقاً من هؤلاء الشباب، وولائهم لقيادات الجماعة التي في السجون».

لكنه استمر في تكليفه، وتم التفكير في ضرورة القيام بعملية إرباك للدولة بنفس الطريقة التي اتبعها محمد كمال ومحمود عزت فيما بعد، وهي نظرية «الإنهاك والإرباك ».

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وبحسب فرغلي، بدأ «قطب تقسيم (تنظيم 65) إلى مجموعات، للتخطيط لاستهداف القناطر الخيرية، واغتيال عبد الناصر، وعدد من الفنانين، من بينهم أم كلثوم، وشادية».

وتناولت الحلقة الأولى من مسلسل «رأس الأفعى» تقديم محمود عزت فروض الولاء والطاعة لسيد قطب، عن طريق تقديم مقترحات للتخريب، والتدمير عند انضمامه للجماعة عام 1965. وأوضحت المشاهد تفاصيل أول لقاء جمع عزت وقطب، حيث عرض محمود عزت على سيد قطب فكرة اغتيال عبد الناصر، وتفجير محطات الكهرباء، وتدمير أكبر عدد من كباري القاهرة، إلى جانب اقتراح قطب تدمير القناطر الخيرية لإغراق الدلتا.

وقال فرغلي إن «تنظيم 65» كان منظماً جداً، وتم تكليف عناصر داخله تكون مسؤولة عن السلاح، وأخرى عن التربية، وثالثة عن إدارة المجموعات، لكن كان أبرز عنصر وقتها، الذي أطلق عليه (الرجل الثاني)، هو أحمد عبد المجيد».

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أدينوا بــ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)

ويضيف: «تم القبض على التنظيم واعترفت المجموعات وكذا سيد قطب بالمخططات التخريبية، وحكم على قطب وعبد الفتاح إسماعيل وآخرين وقتها بالإعدام، فيما حصل البعض على أحكام بالسجن المؤبد (25 عاماً)، وجزء منهم مثل محمد بديع (المرشد العام... محبوس في مصر)، ومحمود عزت بالسجن 10 سنوات».

ويلفت إلى أنه «عقب خروج بديع وعزت وآخرين من السجن في السبعينات من القرن الماضي، كان عمر التلمساني (المرشد الثالث للإخوان) خائفاً منهم، وقال إنهم سوف يسيطرون على الجماعة، وسوف يتسببون في ضياع (الإخوان)، لذا قرر إرسالهم خارج مصر، وكان معهم أيضاً مصطفى مشهور (المرشد الخامس للجماعة)».

القائم بأعمال مرشد «الإخوان» محمود عزت أمام المحكمة الجنائية عام 2021 (أ.ف.ب)

واستعرض «رأس الأفعى» جانباً من مشاركة محمود عزت مع قطب في قضية «تنظيم 65»، وكان عزت وقتها طالباً في الفرقة الرابعة بكلية الطب، وفي التحقيقات التي جرت معه في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965، انتقد عزت أمام قاضي التحقيق «نظام الحكم حينها». وتحدث عن «صدام عنيف كان متوقعاً مع الحكومة».

وتداول متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الساعات الماضية، لقطات من المسلسل حول خطط «تنظيم 65»، واستهداف الممتلكات، والقيام بأعمال اغتيالات، فيما رفضت صفحات أخرى موالية لجماعة «الإخوان» ما جاء بشأن هذا «التنظيم».

حول موقف جماعة «الإخوان» من «تنظيم 65». قال الباحث في شؤون الحركات الإسلامية إن «الجماعة الأم كانت مؤيدة لـ(التنظيم)، وكان حسن الهضيبي (المرشد الثاني للجماعة) وقتها في السجن، ومعه مجموعات كبيرة من الإخوان».

ودلل على ذلك بأن «أحمد عبد المجيد تحدث عن أن الهضيبي كان موافقاً على كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، وتم توزيعه عليهم في السجون، وقال حينها إن أفكار قطب هي أفكار الجماعة».

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان» «جماعة إرهابية» منذ عام 2013، ويقبع معظم قيادات «الإخوان» داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الجماعة عن السلطة في العام نفسه. وهناك آخرون من أعضاء الجماعة هاربون في الخارج، ومطلوبون للقضاء المصري.

ويشار إلى أن محمود عزت طلب خلال حلقات مسلسل «رأس الأفعى» من محمد كمال «تنفيذ بعض الأعمال التخريبية، من خلال شباب الجماعة، منها تفجير أبراج الاتصالات، وتعطيل المرور، لإحداث خلل في البلاد، وشل حركتها».

وهنا يرى مراقبون أن «(تنظيم 65) مثل تنظيم (الفنية العسكرية) للجماعة، وحركة (حسم)، وغيرها من الأذرع المسلحة، حيث توجه الجماعة العناصر لارتكاب أعمال، شريطة عدم اكتشاف أمرهم من قبل السلطات، وحال اكتشافهم وفشلهم في تنفيذ المخططات التخريبية تتبرأ الجماعة منهم، وتنفي صلتها بهم».