الجزائر: وزير داخلية فرنسا هو المسؤول عن تجدد الأزمة بين البلدين

مراقبون يتوقعون قطع العلاقات «إذا لم يبادر أحد الطرفين بالتهدئة»

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «مجموعة الـ7» بإيطاليا قبل اندلاع الأزمة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «مجموعة الـ7» بإيطاليا قبل اندلاع الأزمة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر: وزير داخلية فرنسا هو المسؤول عن تجدد الأزمة بين البلدين

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «مجموعة الـ7» بإيطاليا قبل اندلاع الأزمة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «مجموعة الـ7» بإيطاليا قبل اندلاع الأزمة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

«الفعل» و«ردّ الفعل»... هذا هو النسق الذي يسير عليه تجدد التوترات بين الجزائر وفرنسا، التي تفاقمت في اليومين الأخيرين بتبادل طرد 12 دبلوماسياً من كل جهة. وبالنظر إلى ما آلت إليه الأزمة شديدة الحدة بين البلدين، يتوقع مراقبون قطع العلاقات بينهما إذا لم يبادر أحد الطرفين بالتهدئة.

كاتب الدولة مكلف الجالية الجزائرية في الخارج (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ردّت الجزائر، اليوم الأربعاء، عن طريق كاتب الدولة المكلف جاليتها في الخارج، سفيان شايب، على قرار فرنسا استدعاء سفيرها لدى الجزائر، وطرد 12موظفاً قنصلياً جزائرياً من أراضيها، باتهام وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، بأنه «وراء تجدد الأزمة» بين البلدين.

وقال عضو حكومة الرئيس عبد المجيد تبون، في مقابلة مع الإذاعة العمومية، إن بلاده «أخذت علماً وسجلت» قرار باريس باستدعاء سفيرها لدى الجزائر، ستيفان روماتيه، للتشاور، وبطلبها من 12 موظفاً قنصلياً ودبلوماسياً مغادرة الأراضي الفرنسية، مضيفاً أن الجزائر «تأسف لهذا القرار الصادر عن السلطات الفرنسية».

وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو (رويترز)

واتّهم شايب، بشكل مباشر، برونو ريتايو بـ«تدبير هذه القضية من أجل إفشال مسار التقارب الدبلوماسي بين البلدين»، الذي بدأه الرئيسان عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون في نهاية مارس (آذار) الماضي، باتصال هاتفي أفضى إلى زيارة قادت وزير الخارجية، نويل بارو، إلى الجزائر في 6 أبريل (نيسان) الحالي، حيث أعلن عن طيّ الخلاف رسمياً وبحث المسائل الخلافية بينهما، خصوصاً مشكلة المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، الذين قررت فرنسا إبعادهم من أراضيها، والذين رفضت الجزائر دخولهم.

* قضية بوخرص تعيد الأزمة إلى نقطة البداية

غير أن علاقات البلدين انتكست من جديد، بسبب اعتقال دبلوماسي جزائري في باريس، برفقة شخصين آخرين، بتهمة «خطف واحتجاز» لاجئ جزائري معارض في فرنسا، يُدعى أمير بوخرص. وأعطى القضاء الفرنسي للقضية بعداً متصلاً بـ«الإرهاب»، وقد احتجت الجزائر بشدة على سجن الدبلوماسي، وطردت الاثنين الماضي 12 موظفاً من سفارة فرنسا ينتمون إلى جهاز الأمن الفرنسي. وفي اليوم الموالي أعلنت باريس أنها قررت إبعاد العدد نفسه من الدبلوماسيين الجزائريين لديها، مؤكدة أن جهازها القضائي «تعامل باستقلالية» عن الحكومة في تحقيقاته بشأن حادثة خطف بوخرص، التي تعود إلى أبريل (نيسان) 2024.

وحمّلت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان الثلاثاء، وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، شخصياً مسؤولية سجن الدبلوماسي.

أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ومنذ أن بدأت الأزمة تتصاعد في نهاية العام الماضي، أشارت الجزائر إلى أن «مشكلتها معه وليست مع الرئيس ماكرون»، وذلك بسبب الحرص الشديد الذي أظهره على ترحيل مئات الجزائريين «غير المرغوب فيهم»، وإصراره على إلغاء «اتفاق الهجرة» الذي وقعه البلدان عام 1968، بحجة أنه «يعوق سياسة فرنسا للحد من موجات الهجرة غير الشرعية».

وبرونو ريتايو شخصية بارزة من اليمين الفرنسي، ويقود حملة انتخابية لتولي قيادة حزب «الجمهوريون»، وقد أصبح في الأشهر الأخيرة يجسد النهج المتشدد حيال الجزائر، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالهجرة، بحثاً عن أصوات لكسب الاستحقاق المنتظر.

وأكد سفيان شايب، في المقابلة الصحافية، أن «الأزمة والتوتر الحاليين هما نتيجة لهذه المؤامرة وللحبكة المسرحية، ولقضية مُفبركة بالكامل من قبل وزير داخلية لم يكتفِ بتصميمها، بل أعاد إحياء قضية تعود إلى أكثر من 8 أشهر، تتعلق بما قيل إنه اختطاف لشخص تم للأسف استغلاله لضرب علاقاتنا الثنائية والديناميكية الإيجابية، التي أرادها رئيسا الدولتين»، مشدداً على أنه جرى «استنكار دوره، وتحديد مسؤوليته في هذه الأزمة الجديدة ضمن بياننا الرسمي».

الكاتب بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

المعروف أن بوخرص (41 سنة)، المشهور على منصات التواصل الاجتماعي بـ«أمير دي زاد»، محل 9 طلبات تسليم بلّغتها الجزائر لفرنسا. غير أن صفته «لاجئ سياسي» منحته حصانة حالت دون ترحيله، وقد أعلن العام الماضي أنه حصل على حكم من محكمة باريس يقضي بعدم تسليمه للجزائر.

والمعروف أيضاً أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا ساءت بشكل مفاجئ في نهاية يوليو (تموز) 2024، عندما عبرت الجزائر عن سخط شديد من قرار فرنسا دعم مخطط الحكم الذاتي المغربي لـ«الصحراء». وتوالت بعد ذلك مشكلات كثيرة، من أبرزها استياء الفرنسيين من سجن الكاتب مزدوج الجنسية بوعلام صنصال، ولامست العلاقات الثنائية القطيعة في مناسبات عدة سابقة قبل التهدئة. لكن بعد التطورات الأخيرة، يعتقد مراقبون أن العلاقات تتجه مجدداً نحو القطيعة، في ظل هذه الأزمة غير المسبوقة.

والأربعاء، عاد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، للتأكيد على أنه حتى لو ردت باريس بـ«حزم» على القرارات الجزائرية، فإنه سيكون من الضروري «على المدى الطويل» استئناف الحوار «لمصلحة الفرنسيين».

تصعيد تحت سقف المصالح المشتركة

يقول عدلان محمدي، أستاذ العلوم الجيوسياسية، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن ريتايو «استهدف الجزائر بطريقة مباشرة منذ أصبح وزيراً؛ مما تسبب في مواجهة وتحدٍّ بينها وبينه»، مضيفاً أن النظام الجزائري «استغل القضية بدوره ليجعله هدفاً لردوده».

ورأى محمدي أن الجزائر «تتفادى بذلك استهداف الدولة الفرنسية عموماً في هذه الأزمة، وتسعى للحفاظ على نوع من هامش المناورة لتقول: نريد الحفاظ على قناة للحوار مع الإليزيه (الرئاسة الفرنسية)، ومع وزارة الخارجية، لكن كل ما يتعلق بوزارة الداخلية يسبب لنا مشكلة».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 أبريل الحالي (الرئاسة الجزائرية)

يذكر أن استهداف الموظفين الفرنسيين الـ12 بطردهم من الجزائر، جرى على أساس أنهم ينتمون إلى وزارة الداخلية، التي يقودها ريتايو الذي رفع من حدّته تجاه الجزائر منذ وقوع جريمة قتل في فرنسا يوم 22 فبراير (شباط) الماضي، حينما ظهر أن القاتل جزائري رفضت بلاده تَسلّمه، وفق وزير الداخلية.

من جهته، ذكر إسماعيل معراف، أستاذ القانون والعلوم السياسية في جامعة الجزائر، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «المصالح الاستراتيجية العليا بين البلدين، وحساسية الملفات التي لا تظهر للعلن، تجعلاننا لا نستبعد أن تعود العلاقات إلى طبيعتها قريباً»، مؤكداً أنه غير مؤمن بتاتاً بفرضية «القطيعة» بين البلدين.



«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.


«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
TT

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

قال الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، الدكتور جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات، مشيراً إلى تضرر عدد كبير من المستشفيات، أو خروجها عن الخدمة بالكامل، في ظل تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا، والحصبة، وهو ما يفرض ضغطاً هائلاً على منظومة صحية هشة أصلاً.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت في وقت سابق إلى أن ما بين 70 و80 في المائة من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة جراء الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023.

مرضى يتلقون العلاج في مستشفى بمدينة القضارف بشرق السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح عبد المنعم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المدنيين يواجهون احتياجات ملحّة في مجالات رعاية الأمومة، والطفولة، وعلاج الإصابات، والرضوض، والأمراض المعدية، وسوء التغذية، إضافة إلى الحاجة إلى مياه شرب آمنة، وخدمات الصرف الصحي، والدعم النفسي، ومساعدة الناجين من العنف الجنسي. وأفاد بأن الوصول إلى تقديم الخدمات الصحية لا يزال مقيّداً بشدة بسبب انعدام الأمن، والعقبات البيروقراطية.

وأضاف أنه رغم أن «أطباء بلا حدود» لا تتأثر مباشرة بهذه القيود، فإن منظمات إنسانية أخرى تواجه عائقاً إضافياً يتمثل في محدودية التمويل، وتقليص المساعدات.

كردفان والفاشر

وأشار إلى أن الاستجابة الدولية للنزاع في السودان تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وتراجعاً في الأولويات، وجموداً ناتجاً عن غياب الإرادة السياسية، مؤكداً الحاجة الماسة إلى تمويل عاجل، وضمان وصول آمن إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما في ذلك السكان في بؤر النزاع الحالية بولايات كردفان. ونوّه إلى أن العمل الإنساني مقيّد بإجراءات إدارية معقدة، وغير شفافة من أطراف النزاع، ما يبطئ إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، ويترك المجتمعات من دون الرعاية العاجلة التي تحتاجها.

مستشفى بشائر بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمَّة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

وحول الأوضاع في مدينة الفاشر، أفاد المسؤول الدولي بأن بعض الأشخاص الذين نجوا من حصار «قوات الدعم السريع» للمدينة لمدة 500 يوم، ثم سيطرتها عليها لاحقاً، ووصلوا إلى منطقة طويلة على بُعد نحو 60 كيلومتراً، تلقوا الرعاية من فرق «أطباء بلا حدود»، وكانوا في حالة إنهاك شديد، ويعانون من سوء التغذية، والجفاف، فيما أصيب كثيرون بجروح خطيرة، من بينها طلقات نارية متقيّحة. وأضاف أن الناجين أفادوا بأنه خلال رحلات فرارهم شاهدوا جثثاً، وتعرضوا للتعذيب، وعمليات خطف مقابل فدية، والعنف الجنسي، والإهانات، وسُرقت جميع ممتلكاتهم. أما الذين بقوا داخل الفاشر حتى ما قبل 26 أكتوبر (تشرين الأول)، ولم يتمكنوا من الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً، فقد واجهوا عنفاً مفرطاً شمل مجازر، وعمليات تطهير عرقي داخل المدينة، وعلى طرق الفرار منها.

100 حادثة عنف

وأشار عبد المنعم إلى القصف الذي تعرضت له المرافق الصحية، ومقتل مدنيين داخلها، مؤكداً أن أي هجوم، أو عرقلة تستهدف العاملين الصحيين، أو المنشآت الطبية، أو المساعدات الإنسانية تعرّض الأرواح للخطر، وتحرم المجتمعات من الرعاية التي تعتمد عليها. وأوضح أنه منذ أبريل 2023 وثّقت «أطباء بلا حدود» 100 حادثة عنف استهدفت كوادرها ومنشآتها ومركباتها وإمداداتها، شملت نهب وتدمير عيادات، وسرقة أدوية، واعتداءات، وتهديدات للعاملين الصحيين. كما أن تأخير منح التأشيرات، وطول إجراءات التصاريح أو منعها، والتغيّر المستمر في المتطلبات، كلها عوامل تعرقل إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، وتقوّض الاستجابة الطبية في الوقت المناسب. وقال: «نحن لا نرصد خسائر المقاتلين، لكن منذ اندلاع النزاع وثّقت منظمة الصحة العالمية 198 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل أكثر من 170 من العاملين الصحيين، والمرضى، وإصابة أكثر من 400 آخرين». وكان وزير الصحة السوداني، هيثم محمد، قد أشار إلى أن خسائر القطاع الصحي بلغت نحو 11 مليار دولار، مؤكداً أنه مع عودة المواطنين إلى الخرطوم بعد النزوح بسبب الاشتباكات العنيفة، بدأ القطاع الصحي يتعافى تدريجياً من آثار الحرب.


«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
TT

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

أعادت جريمة العثور على «مقبرة جماعية» تضم جثامين 21 مهاجراً من جنسيات أفريقية، إلى أذهان الليبيين ملف الانتهاكات الجسيمة التي طالت «مهاجرين غير نظاميين»، خلال السنوات الماضية.

وتمكّن جهاز الأمن الداخلي، بالتعاون مع أجهزة أمنية أخرى في بنغازي بشرق ليبيا، من اكتشاف «مقبرة جماعية»، الثلاثاء الماضي، والعمل على انتشال الجثث التي تبيَّن أنها «قُتلت بعد تعرضها للاحتجاز والتعذيب داخل مزرعة يستخدمها مهرِّبو البشر سجناً غير شرعي».

ليبيتان تنتحبان بجوار حفرة يقول «اللواء 444 قتال» إنها تضم «مقبرة جماعية» في مقر مملوك للككلي مايو 2025 (من مقطع فيديو بثّه «اللواء»)

وعرفت ليبيا ظاهرة «المقابر الجماعية» على مستويات مختلفة تتعلق أحياناً بالمعارضين على خلفيات سياسية، أو المهاجرين غير النظاميين.

وحفل العام الماضي بالكشف عن عدد من «المقابر الجماعية» التي كانت تضم رفات مهاجرين غير نظاميين. فقد صُدم الليبيون بإعلان العثور على 19 جثة في فبراير (شباط) 2025، كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر.

وكشفت مديرية أمن الواحات بجنوب شرقي ليبيا، حينها، عن العملية التي وصفتها بأنها «شديدة القسوة وتخلو من الإنسانية»، بحضور عناصر من النيابة العامة.

وعقب مقتل عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، داخل معسكر التكبالي في مايو (أيار) 2025، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» المؤقتة بـ«الأمنية المعقدة»، أعلنت الحكومة العثور على «مقبرة جماعية» داخل مقر تابع لنجل الككلي في منطقة أبو سليم بطرابلس، استخرجت منها 10 جثث لرجال ونساء.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن «هذه الجريمة الخطيرة التي ارتُكبت في أجدابيا شرق ليبيا ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية، وتندرج ضمن القضايا ذات الاهتمام لدى المحكمة الجنائية الدولية»، مستغرباً «عدم صدور أي بيان رسمي أو تعليق من حكومة شرق ليبيا أو وزارة داخليتها».

كان جهاز الأمن الداخلي في بنغازي قد قال إنه بعد جمع المعلومات والتأكد من تورط أحد الأشخاص من ذوي السوابق الجنائية، والذي يأوي مهاجرين غير قانونيين، داهمت قوات الأمن المزرعة الخاصة به وقبضت عليه.

وأشار إلى أنه جرى «العثور على عدد من المحتجَزين لديه، وقد تعرضوا لإطلاق نار وهم في حالة صحية سيئة، وجرى نقلهم إلى مستشفى الشهيد أمحمد المقريف المركزي التعليمي في أجدابيا».

وكانت سلطات شرق ليبيا قد تمكنت من القبض على تشكيل عصابي بتهمة «الاتجار بالبشر»، وقالت إنها نجحت في إنقاذ 47 مهاجراً مصرياً كانوا مخطوفين ويتعرضون للتعذيب والابتزاز المادي؛ في حين كشفت تقارير محلية ودولية عن «تدفق واسع» لأعداد المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر ليبيا.

وعمليات خطف المهاجرين غير النظاميين والاتجار بهم متكررة في ليبيا؛ ومن وقت إلى آخر تعلن الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها ضبط تشكيلات عصابية و«تحرير» عشرات الضحايا من براثنها.

سوريون عائدون من طرابلس إلى بلادهم (وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة» المؤقتة)

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس، مساء الأربعاء، ترحيل مجموعة من اللاجئين السوريين إلى بلادهم من خلال رحلة عبر مطار معيتيقة الدولي، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية المعمول بها.

غير أن الحقوقي الليبي لملوم قال إن «رحلة السوريين الذين عادوا طوعاً إلى ديارهم شملت أكثر من 100 شخص، جُلّهم كانوا مقيمين في ليبيا منذ سنوات ومسجّلين لدى مفوضية اللاجئين، التي تكفلت بنفقات وتنظيم الرحلة».

وأشارت الوزارة إلى أنها تُواصل تنفيذ برنامجها الوطني بوتيرة منتظمة، كما ستستمر في هذه الرحلات الطوعية للسوريين خلال هذه السنة، بما يضمن معالجة هذا الملف بصورة منهجية وفعّالة، ووفقاً للإطار القانوني والإنساني المعتمد.