الذكاء الاصطناعي «يتألق» عند العمل مع البشر لا عند استبدالهم

5 أمور يخطئ فيها كبار المسؤولين التنفيذيين بشأنه

الذكاء الاصطناعي «يتألق» عند العمل مع البشر لا عند استبدالهم
TT

الذكاء الاصطناعي «يتألق» عند العمل مع البشر لا عند استبدالهم

الذكاء الاصطناعي «يتألق» عند العمل مع البشر لا عند استبدالهم

قد يكون الذكاء الاصطناعي دافعاً لانعطافة كبرى، لكن المديرين التنفيذيين يغفلون عن عدد من الحقائق الرئيسية، كما كتبت الدكتورة كيلي موناهان (*) الخبيرة في مستقبل العمل.

إعادة تشكيل المؤسسات والأعمال

الذكاء الاصطناعي على وشك إعادة تشكيل الشركات، لكن الكثير من المديرين التنفيذيين يُبالغون في تبسيط إمكاناته، مُركزين على الأتمتة بدلاً من التعاون.

وبصفتي واحدة من الذين قضوا حياتهم المهنية في دراسة مستقبل العمل، فإنني متحمسة لإمكانات الذكاء الاصطناعي الواعدة - لكنني حذرة عندما يتم تسليط الضوء على الروايات المُتسرعة حوله.

تعزيز النشاطات أم أتمتة العمل؟

راجعتُ دراسة من شركة أنثروبيك أخيراً بعنوان: «ما المهام الاقتصادية التي تُنفذ باستخدام الذكاء الاصطناعي؟» أدلة من ملايين محادثات النظام الذكي «كلود»، ووجدتُ أن التأثير الحقيقي للذكاء الاصطناعي ليس واضحاً تماماً كما يعتقد الكثيرون. ففي حين يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً في الأعمال، يتجاهل القادة حقائق رئيسية حول تأثيره وتطبيقاته في العالم الحقيقي.

تصورات خاطئة

إليكم بعض الجوانب التي لا يزال الكثيرون يُخطئون حول الذكاء الاصطناعي:

1. الذكاء الاصطناعي يتعلق بـ«التعزيز» أكثر من الأتمتة

وفقاً لنتائج «أنثروبيك»، لا يتوافق الذكاء الاصطناعي تماماً مع مفهوم المحرك الأمثل للأتمتة. وتشير البيانات باستمرار إلى وضع أكثر توازناً بين تعزيز النشاطات (57 في المائة) والأتمتة الخاصة بها (43 في المائة).

ومع ذلك، وفي بحث أجريناه مطلع العام الماضي، وجدنا أن 58 في المائة من القادة العالميين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي كأداة أتمتة بالأساس – أي أداة يمكنها تقليل عدد الموظفين وخفض التكاليف - بينما اعتبره 42 في المائة فقط وسيلةً لتعزيز القدرات البشرية.

الذكاء الاصطناعي يتألق في التعامل مع الإنسان

تتجاهل هذه النظرة فكرةً جوهرية: غالباً ما يتألق الذكاء الاصطناعي عند العمل مع البشر، لا عند استبدالهم. في الواقع، وجدت دراسة أنثروبيك أن ما يقرب من ربع (23.3 في المائة) المهام في تفاعلات الذكاء الاصطناعي هذه هي مهام تعلم أو اكتساب معرفة - ما يعني أن البشر يستفيدون من الذكاء الاصطناعي لجمع الرؤى، وصقل الاستراتيجيات، واتخاذ قرارات أكثر استنارة.

دور إداري وإشراف محدودان

2. الدور الإداري للذكاء الاصطناعي محدود

يتجلى هذا التحيز نحو الأتمتة أيضاً في كيفية تصور الإدارة العليا للإمكانات الإدارية للذكاء الاصطناعي. إذ يفترض أن الذكاء الاصطناعي قادر على التدخل الفوري لتنسيق المشاريع، والإشراف على الفرق، أو حتى اتخاذ قرارات رفيعة المستوى. ومع ذلك، تشير بيانات «أنثروبيك» إلى أن القدرات الإدارية لا تُظهر سوى استخدام محدود للذكاء الاصطناعي - وهو تذكير مهم بالقيود العملية لأدوات الذكاء الاصطناعي الحالية.

إن الإدارة الفعالة ليست مجرد مسألة إشراف وكفاءة، بل تتعلق بالتعاطف، والتواصل الدقيق، والقدرة على إلهام وتوجيه الأفراد خلال ظروف التحديات التنظيمية المعقدة. يستطيع الذكاء الاصطناعي اليوم غربلة البيانات، وإعداد توصيات مكتوبة، وحتى المساعدة في تقييمات الأداء، ولكنه لا يستطيع محاكاة الجوانب البشرية المتأصلة في القيادة التي تُثير التحفيز وتحافظ على الثقة.

بعبارة أخرى، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة المديرين على أن يكونوا مديرين أفضل - على سبيل المثال، من خلال تحديد الاتجاهات المهمة أو تقديم آليات التغذية الراجعة الفورية - إلا أنه لن يحل محلهم في أي وقت قريب.

أدوات للمهمات لا لاحتلال المناصب الوظيفية

3. تأثير الذكاء الاصطناعي على العمل يتعلق بالمهام لا بالألقاب الوظيفية

يُقيّم عدد كبير جداً من المديرين التنفيذيين تأثير الذكاء الاصطناعي كما لو كان بديلاً مباشراً لأدوار كاملة، بينما في الواقع، يتسلل الذكاء الاصطناعي إلى سير عملنا على مستوى المهام. لهذا السبب، يُقلل بعض القادة من شأن كيفية إعادة تعريف الذكاء الاصطناعي لمحتويات «الوظيفة»، إذ إن المنصب في جوهره عبارة عن مجموعة من المهام - بعضها روتيني وبعضها إبداعي.

يُعد تحليل الأدوار لعزل المهام الأكثر نضجاً لدعم الذكاء الاصطناعي أمراً بالغ الأهمية. تشير إحصائية مُذهلة من تقرير «أنثروبيك» إلى أن ٣٦ في المائة من الوظائف تُظهر استخداماً للذكاء الاصطناعي في ٢٥ في المائة على الأقل من مهامها، وفي كثير من الحالات، تتضمن هذه المهام مهارات معرفية مُتطلبة، مثل التفكير النقدي وتحليل النظم.

ويُستخدم الذكاء الاصطناعي أيضاً للاستماع النشط، وفهم القراءة، ودعم الكتابة، ولكنه لم يُسيطر على النطاق الكامل لأي «وظيفة» واحدة كما نُعرّفها تقليدياً.

والقادة الذين يفشلون في فصل المهام عن المسميات الوظيفية يُخاطرون بتجاهل القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي، ويُقلّلون من شأن مؤسساتهم وموظفيهم.

فجوات في تبني الذكاء الاصطناعي

4. معدلات تبني الذكاء الاصطناعي ليست مرتفعة كما يوحي به التهويل الإعلامي، الذي يشير إلى أن جميع القطاعات تقريباً تتجه نحو انتشار الذكاء الاصطناعي، حيث توقعت أبحاث سابقة أن 80 في المائة أو أكثر من الوظائف ستدمج الذكاء الاصطناعي بسرعة في 10 في المائة على الأقل من مهامها.

ومع ذلك، تشير بيانات المحادثات الواقعية لشركة «أنثروبيك» إلى أن هذه النسبة تبلغ 57 في المائة، وليس 80 في المائة. وهذه فجوة يجب على القادة أخذها على محمل الجد.

المؤسسات ليست جاهزة للأدوات الذكية

ليس الأمر أن الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي موضع شك، بل إن جاهزية المؤسسات - وعوائق دخول هذه التقنيات - أكبر مما يدركه الكثيرون... من القيود التنظيمية إلى البنى التحتية القديمة لتكنولوجيا المعلومات إلى نقص التدريب، هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تعوق زخم الذكاء الاصطناعي بمجرد تجاوز المرحلة التجريبية.

وكما أُذكّر قادة الأعمال دائماً، فإن النشر الناجح للذكاء الاصطناعي يتطلب أكثر من مجرد التكنولوجيا نفسها؛ بل يتطلب تغييراً في الثقافة، وبناءً للمهارات، وخطة استراتيجية تُشرك الموظفين على جميع المستويات.

التثقيف على مختلف المستويات

5. التوعية والتثقيف. لأننا نحتاج إلى معرفة أكبر بالذكاء الاصطناعي على جميع المستويات. تشير دراسة «أنثروبيك» إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس مرتفعاً بين الحاصلين على تدريب متخصص مكثف، وهو أمر قد يبدو غير بديهي. لماذا لا يكون حاملو الشهادات العليا في الطليعة؟ لأنهم غالباً ما يعملون في مجالات ذات لوائح صارمة أو أطر فكرية معقدة لم يُجهّز الذكاء الاصطناعي بعد للتعامل معها دون إشراف بشري كبير.

وبينما نُهيئ الجيل القادم من حاملي الشهادات لبيئة عمل مُشبعة بالذكاء الاصطناعي، يجب أن نُعلّمهم كيفية دمج هذه الأدوات بفاعلية في خبراتهم، وليس فقط كيفية برمجة أو تحفيز نظام الذكاء الاصطناعي.

إن «الإلمام بالذكاء الاصطناعي» يعني فهم حدوده وإمكاناته - إدراك متى يكون متعاوناً ذكياً ومتى يكون بديلاً غير كافٍ للحكم البشري الأعمق.

تحويل عقليات المديرين التنفيذيين

وعلينا تحويل العقليات من «الذكاء الاصطناعي مقابل البشر» إلى «الذكاء الاصطناعي مع البشر». وإذا كان هناك درس واحد للمديرين التنفيذيين، فهو هذا: لا تتسرعوا في الاعتقاد بأن مستقبل مؤسستكم يتمحور فقط حول استبدال البشر واستخدام الذكاء الاصطناعي. بدلاً من ذلك، ركّزوا على كيفية تعزيز الإبداع البشري.

إن عليهم تقبّل حقيقة أن ثورة الذكاء الاصطناعي تحدث على مستوى المهام الدقيقة، وليس على مستوى المسمى الوظيفي. وتذكروا أن أفضل المديرين سيكونون دائماً أولئك الذين يمتلكون التعاطف والرؤية الاستراتيجية والتواصل الدقيق - وهي سمات لا يدعمها الذكاء الاصطناعي، في الوقت الحالي، إلا بشكل طفيف. إن التحول من عقلية «الذكاء الاصطناعي مقابل الناس» إلى «الذكاء الاصطناعي مع الناس» ليس مجرد اختلاف دلالي؛ بل هو مفتاح إطلاق العنان لكامل إمكانات الذكاء الاصطناعي لتحقيق نمو وابتكار مستدامين في المؤسسات الحديثة.

إن كانت علّمتنا العقود القليلة الماضية شيئاً، فهو أن التكنولوجيا وحدها لا تُعرّف النجاح؛ بل إن كيفية تكيّفنا معها هي التي يُميّزنا. وهذا مسعى إنساني بامتياز.

* المديرة العامة في منصة Upwork وتقود برنامج أبحاث مستقبل العمل وشغلت سابقاً منصب مديرة مستقبل العمل في شركة «ميتا». مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
تكنولوجيا شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

ينصح الخبراء بعدم وجود أي طفل دون سن الخامسة بالقرب من لعبة ذكاء اصطناعي، وأن على الآباء توخي الحذر فيما يتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.