«الذكاء العلمي الفائق» ينجح في توليد أجسام مضادة للأمراض والتقاط الكربون الجوي

نُظم مطورة لدفع عجلة الاكتشافات وحلّ أكبر التحديات التي تواجه البشرية

كاتي رامنارين مساعِدة باحثة في مختبر ليلا ساينسز حيث يُسرّع الذكاء الاصطناعي العمليات العلمية
كاتي رامنارين مساعِدة باحثة في مختبر ليلا ساينسز حيث يُسرّع الذكاء الاصطناعي العمليات العلمية
TT

«الذكاء العلمي الفائق» ينجح في توليد أجسام مضادة للأمراض والتقاط الكربون الجوي

كاتي رامنارين مساعِدة باحثة في مختبر ليلا ساينسز حيث يُسرّع الذكاء الاصطناعي العمليات العلمية
كاتي رامنارين مساعِدة باحثة في مختبر ليلا ساينسز حيث يُسرّع الذكاء الاصطناعي العمليات العلمية

بين مجموعة واسعة من استخدامات الذكاء الاصطناعي، يَبرز استخدام متميز واحد، إذ يتفق الخبراء على أن فرص تطوير نظم الذكاء الاصطناعي الكبيرة والملهمة التي تلوح في الأفق، تكمن في تسريع وتطوير الاكتشاف والتطوير العلمي.

الذكاء الاصطناعي في العلوم والطب

بفضل الكمّ الهائل من البيانات العلمية، يَعِدُ الذكاء الاصطناعي بإنتاج أدوية جديدة لمكافحة الأمراض، وتطوير زراعة جديدة لإطعام سكان العالم، ومواد جديدة لإطلاق العنان للطاقة الخضراء، وإجراء كل ذلك في جزء ضئيل من الوقت الذي تستغرقه الأبحاث التقليدية.

تُصنِّع شركات التكنولوجيا مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» أدوات ذكاء اصطناعي للعلوم، وتتعاون مع شركاء في مجالات مثل اكتشاف الأدوية. وقد حاز جائزة نوبل في الكيمياء، العام الماضي، علماء يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالبروتينات وإنتاجها.

أنتج الذكاء الاصطناعي الخاص بشركة ليلا أجساماً مضادة وطوّر مواد جديدة لاحتجاز الكربون

ذكاء علمي للاستكشاف والبحث

وفي هذا الشهر، أعلنت شركة ليلا ساينسز Lila Sciences طموحاتها لإحداث ثورة علمية، من خلال الذكاء الاصطناعي. وقد عملت الشركة الناشئة، التي تتخذ من كمبردج، بماساتشوستس، مقراً لها، سراً لمدة عامين «لبناء ذكاء علمي خارق لحل أكبر التحديات التي تواجه البشرية».

واعتماداً على فريق من العلماء ذوي الخبرة وتمويل أوليّ بقيمة 200 مليون دولار، تعمل «ليلا» على تطوير برنامج ذكاء اصطناعي مُدرَّب على البيانات المنشورة والتجريبية، بالإضافة إلى تدريبه على العمليات العلمية والتفكير المنطقي. ثم تتيح الشركة الناشئة لبرنامج الذكاء الاصطناعي هذا، إجراء تجارب في مختبرات فيزيائية آلية، بمساعدة عدد من العلماء.

اتّبعت «ليلا» نهجاً علمياً لتدريب الذكاء الاصطناعي التوليدي الخاص بها، مزوِّدةً إياه بأوراق بحثية وتجارب موثَّقة وبيانات من مختبريْ علوم الحياة وعلوم المواد المتقدمين. ويعتقد فريق «Lila» أن هذا سيمنح التقنية عمقاً علمياً وقدرات واسعة النطاق، ما يحاكي الطريقة التي تكتب بها روبوتات الدردشة الشعر وبرمجة الكمبيوتر.

توليد أجسام مضادة للأمراض

بالفعل، وفي المشاريع التي طبّقت فيها هذه التقنية، نجح الذكاء الاصطناعي الخاص بـ«ليلا» في توليد أجسام مضادة جديدة لمكافحة الأمراض، وتطوير مواد جديدة لالتقاط الكربون من الغلاف الجوي. وقد حوّلت «ليلا» هذه التجارب إلى نتائج مادية، في مختبرها في غضون أشهر، وهي عملية من المرجح أن تستغرق سنوات في الأبحاث التقليدية.

أقنعت تجاربُ مثل تجربة «ليلا» كثيراً من العلماء بأن الذكاء الاصطناعي سيُسرِّع قريباً دورة الفرضيات والتجارب والاختبارات بشكلٍ غير مسبوق. وفي بعض الحالات، قد يتجاوز الذكاءُ الاصطناعي الخيال البشري باختراعاته، مُعززاً بذلك مسيرة التقدم.

تعزيز المنهج العلمي

صرّح جيفري فون مالتزان، الرئيس التنفيذي لشركة ليلا، والحاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الطبية الحيوية والفيزياء الطبية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «سيُحرك الذكاء الاصطناعي الثورة المقبلة في هذا الجانب الأكثر قيمةً الذي اكتشفه البشر على الإطلاق - المنهج العلمي».

ويعتمد السعي لإعادة ابتكار عملية الاكتشاف العلمي على قوة الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي انتشر في أذهان العامة مع طرح شركة أوبن إيه آي تقنية ChatGPT قبل أكثر من عامين، إذ تُدرّب هذه التقنية الجديدة على البيانات عبر الإنترنت، ويمكنها الإجابة عن الأسئلة وكتابة التقارير وكتابة رسائل البريد الإلكتروني بسلاسةٍ تُضاهي طلاقة البشر.

تحديات كبيرة

ومع ذلك يقول العلماء إن «ليلا» وأي شركة تعمل على التوصل إلى اختراق في «الذكاء العلمي الفائق» ستواجه تحديات كبيرة. ففي حين أن الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في مجالات معينة، بما في ذلك اكتشاف الأدوية، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه التقنية مجرد أداة قوية أم أنها - هي نفسها - في طريقها لمضاهاة جميع القدرات البشرية أو تجاوزها.

بما أن مشروع «ليلا» يعمل سراً، لم يتمكن العلماء الخارجيون من تقييم عمله، ويضيفون أن التقدم العلمي المبكر لا يضمن النجاح، إذ غالباً ما تظهر عقبات غير متوقعة لاحقاً.

وقال ديفيد بيكر، عالم الكيمياء الحيوية ومدير معهد تصميم البروتينات بجامعة واشنطن: «أتمنى لهم مزيداً من القوة، إن استطاعوا». وأضاف: «يبدو الأمر متجاوزاً لأي شيء أعرفه في مجال الاكتشاف العلمي».

وتابع الدكتور بيكر، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء مناصفةً، العام الماضي، إنه ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة.

الدكتور جورج تشرش رئيس علماء شركة ليلا

ميلاد «ليلا»

وُلدت «ليلا» داخل شركة فلاغشيب بايونيرينغ، وهي شركة استثمارية رائدة في شركات التكنولوجيا الحيوية، بما في ذلك شركة موديرنا، الشركة المُصنِّعة للقاح «كوفيد-19». وصرح نوبار أفييان، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«فلاغشيب»، بأن الشركة تُجري أبحاثاً علمية، مُركزةً على المجالات التي يُحتمل تحقيق اختراقات فيها خلال بضع سنوات، والتي قد تُثبت قيمتها التجارية، «لذا فإننا لا نهتم بالفكرة فحسب، بل نهتم أيضاً بمدى ملاءمتها للوقت».

وقد أدمج في «ليلا» مشروعان مُبكران لشركة الذكاء الاصطناعي في «فلاغشيب»؛ أحدهما يُركز على المواد الجديدة، والآخر على علم الأحياء. وقالت مولي جيبسون، عالِمة الأحياء الحاسوبية والشريكة في تأسيس «ليلا»، إن المجموعتين كانتا تُحاولان حل مشكلات مُتشابهة وتوظيف الأشخاص أنفسهم، لذا جمعتا جهودهما.

مشاريع لإثبات قدرات الذكاء

أنجز فريق «ليلا» خمسة مشاريع لإثبات قدرات ذكائه الاصطناعي، وهو نسخة قوية من أحد المساعدين المتطورين المتنامية المعروفة باسم «الوكلاء». في كل حالة، قام علماء - لم يكن لديهم عادةً أي تخصص في هذا الموضوع - بكتابة طلب بما يريدون من برنامج الذكاء الاصطناعي إنجازه.

وبعد تحسين الطلب، أجرى العلماء، بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي بصفته شريكاً، تجارب واختبروا النتائج - مراراً، محققين الهدف المنشود بثبات.

وقد وجد أحد هذه المشاريع محفزاً جديداً لإنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يتضمن استخدام الكهرباء لفصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين. وقد طُلب من الذكاء الاصطناعي أن يكون المحفز وفيراً أو سهل الإنتاج، على عكس الإيريديوم، المعيار التجاري الحالي.

وبمساعدة الذكاء الاصطناعي، وجد العالمان محفزاً جديداً في أربعة أشهر - وهي عملية قد تستغرق عادةً سنوات. وساعد هذا النجاح جون غريغوار، الباحث البارز في مجال المواد الجديدة للطاقة النظيفة، على مغادرة معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، العام الماضي، للانضمام إلى «ليلا» رئيساً لأبحاث العلوم الفيزيائية.

الذكاء الاصطناعي العلمي أقل هلوسة

كما انضم جورج تشرش، عالم الوراثة في جامعة هارفارد والمعروف بأبحاثه الرائدة في تسلسل الجينوم وتركيب الحمض النووي، الذي شارك في تأسيس عشرات الشركات، أخيراً رئيساً لعلماء «ليلا».

وقال الدكتور تشرش: «أعتقد أن العلم مجالٌ واعدٌ جداً للذكاء الاصطناعي». وأكد أن العلم يركز على مجالات معرفية محددة، حيث يمكن اختبار وقياس الحقيقة والدقة. وهذا يجعل الذكاء الاصطناعي في العلوم أقل عرضة للإجابات الخاطئة، المعروفة بالهلوسة، والتي تُنتجها أحياناً برامج الدردشة الآلية.

لا تزال المشاريع المبكرة بعيدة كل البعد عن المنتجات الجاهزة للتسويق. وستعمل «ليلا»، الآن، مع شركائها لتسويق الأفكار الناشئة عن مختبرها. وتعمل الشركة على توسيع مساحة مختبرها في مبنى رئيسي من ستة طوابق في كمبردج، على ضفاف نهر تشارلز. وتخطط، على مدار العامين المقبلين، للانتقال إلى مبنى منفصل، وإضافة عشرات الآلاف من الأمتار المربعة من مساحة المختبر، وافتتاح مكاتب في سان فرنسيسكو ولندن.

علماء ونُظم آلية في الاختبارات التجريبية

وفي تجربة أُجريت في الأيام الأخيرة، سارت صوانٍ تحمل 96 من عينات الحمض النووي «دي إن إيه» على مسارات مغناطيسية، مغيِّرة اتجاهاتها بسرعة لكي تصل إلى محطات مختبر مختلفة، اعتماداً جزئياً على ما يقترحه الذكاء الاصطناعي. وبدا أن التقنية تتخذ خطوات ارتجالية، أثناء تنفيذها خطوات تجريبية سعياً وراء بروتينات جديدة، أو محررات جينية، أو مسارات أيضية.

وفي جزء آخر من المختبر، راقب العلماء آلات عالية التقنية تُستخدم لإنشاء وقياس وتحليل جسيمات نانوية مخصصة من مواد جديدة.

ويجري النشاط في المختبر بتعاون علماء يرتدون معاطف بيضاء، ومُعدات آلية، وبرامج خفية. وجرى تسجيل كل قياس، وكل تجربة، وكل نجاح أو فشل تدريجياً رقمياً وإدخاله في الذكاء الاصطناعي لشركة ليلا. وهكذا، فإنه يتعلم باستمرار، ويزداد ذكاءً، وينجز المزيد بمفرده.

وقالت الدكتورة جيبسون: «هدفنا الحقيقي هو منح الذكاء الاصطناعي القدرة على إدارة المنهج العلمي؛ للتوصل إلى أفكار جديدة، والذهاب إلى المختبر واختبار تلك الأفكار».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد النصار خلال مشاركته في جلسة ضمن جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (دافوس)

«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

كشف الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو السعودية»، أمين الناصر، عن تحول جذري في كفاءة الشركة بفضل التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (دافوس - الرياض)
الولايات المتحدة​ صورة تخيلية نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهره وهو يغرس العلم الأميركي في أرض كتب عليها «غرينلاند أرض أميركية 2026» وبجانبه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو

من غزة إلى غرينلاند... ترمب يوجه رسائل بصور الذكاء الاصطناعي

ينشر الرئيس دونالد ترمب باستمرار، سواء عبر حسابه في تروث سوشال أو حساب البيت الأبيض، صوراً مولّدة عبر الذكاء الاصطناعي. هذه جولة عليها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

كيف تضع السعودية نفسها في قلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟

قبل أن تحسم رهانات الذكاء الاصطناعي بوادي السيليكون والعواصم الصناعية الكبرى كانت السعودية تتحرك على مسار موازٍ مدفوعة بمزيج نادر من رأس المال، والطاقة، والطموح

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تعتزم إطلاق أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها هذا العام

أعلن كريس ليهان كبير مسؤولي الشؤون العالمية في شركة «أوبن إيه آي» يوم الاثنين أن الشركة تعتزم الكشف عن أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها في 2026

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك (الشرق الأوسط)

لاري فينك من دافوس: في عصر الذكاء الاصطناعي «الثقة» هي العملة الأصعب

قال الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك، إن قدرة المنتدى الاقتصادي العالمي على الاستمرار والتأثير مرهونة بإعادة بناء الثقة وتوسيع دائرة المشاركة والحوار.

«الشرق الأوسط» (دافوس)

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»