«الذكاء العلمي الفائق» ينجح في توليد أجسام مضادة للأمراض والتقاط الكربون الجوي

نُظم مطورة لدفع عجلة الاكتشافات وحلّ أكبر التحديات التي تواجه البشرية

كاتي رامنارين مساعِدة باحثة في مختبر ليلا ساينسز حيث يُسرّع الذكاء الاصطناعي العمليات العلمية
كاتي رامنارين مساعِدة باحثة في مختبر ليلا ساينسز حيث يُسرّع الذكاء الاصطناعي العمليات العلمية
TT

«الذكاء العلمي الفائق» ينجح في توليد أجسام مضادة للأمراض والتقاط الكربون الجوي

كاتي رامنارين مساعِدة باحثة في مختبر ليلا ساينسز حيث يُسرّع الذكاء الاصطناعي العمليات العلمية
كاتي رامنارين مساعِدة باحثة في مختبر ليلا ساينسز حيث يُسرّع الذكاء الاصطناعي العمليات العلمية

بين مجموعة واسعة من استخدامات الذكاء الاصطناعي، يَبرز استخدام متميز واحد، إذ يتفق الخبراء على أن فرص تطوير نظم الذكاء الاصطناعي الكبيرة والملهمة التي تلوح في الأفق، تكمن في تسريع وتطوير الاكتشاف والتطوير العلمي.

الذكاء الاصطناعي في العلوم والطب

بفضل الكمّ الهائل من البيانات العلمية، يَعِدُ الذكاء الاصطناعي بإنتاج أدوية جديدة لمكافحة الأمراض، وتطوير زراعة جديدة لإطعام سكان العالم، ومواد جديدة لإطلاق العنان للطاقة الخضراء، وإجراء كل ذلك في جزء ضئيل من الوقت الذي تستغرقه الأبحاث التقليدية.

تُصنِّع شركات التكنولوجيا مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» أدوات ذكاء اصطناعي للعلوم، وتتعاون مع شركاء في مجالات مثل اكتشاف الأدوية. وقد حاز جائزة نوبل في الكيمياء، العام الماضي، علماء يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالبروتينات وإنتاجها.

أنتج الذكاء الاصطناعي الخاص بشركة ليلا أجساماً مضادة وطوّر مواد جديدة لاحتجاز الكربون

ذكاء علمي للاستكشاف والبحث

وفي هذا الشهر، أعلنت شركة ليلا ساينسز Lila Sciences طموحاتها لإحداث ثورة علمية، من خلال الذكاء الاصطناعي. وقد عملت الشركة الناشئة، التي تتخذ من كمبردج، بماساتشوستس، مقراً لها، سراً لمدة عامين «لبناء ذكاء علمي خارق لحل أكبر التحديات التي تواجه البشرية».

واعتماداً على فريق من العلماء ذوي الخبرة وتمويل أوليّ بقيمة 200 مليون دولار، تعمل «ليلا» على تطوير برنامج ذكاء اصطناعي مُدرَّب على البيانات المنشورة والتجريبية، بالإضافة إلى تدريبه على العمليات العلمية والتفكير المنطقي. ثم تتيح الشركة الناشئة لبرنامج الذكاء الاصطناعي هذا، إجراء تجارب في مختبرات فيزيائية آلية، بمساعدة عدد من العلماء.

اتّبعت «ليلا» نهجاً علمياً لتدريب الذكاء الاصطناعي التوليدي الخاص بها، مزوِّدةً إياه بأوراق بحثية وتجارب موثَّقة وبيانات من مختبريْ علوم الحياة وعلوم المواد المتقدمين. ويعتقد فريق «Lila» أن هذا سيمنح التقنية عمقاً علمياً وقدرات واسعة النطاق، ما يحاكي الطريقة التي تكتب بها روبوتات الدردشة الشعر وبرمجة الكمبيوتر.

توليد أجسام مضادة للأمراض

بالفعل، وفي المشاريع التي طبّقت فيها هذه التقنية، نجح الذكاء الاصطناعي الخاص بـ«ليلا» في توليد أجسام مضادة جديدة لمكافحة الأمراض، وتطوير مواد جديدة لالتقاط الكربون من الغلاف الجوي. وقد حوّلت «ليلا» هذه التجارب إلى نتائج مادية، في مختبرها في غضون أشهر، وهي عملية من المرجح أن تستغرق سنوات في الأبحاث التقليدية.

أقنعت تجاربُ مثل تجربة «ليلا» كثيراً من العلماء بأن الذكاء الاصطناعي سيُسرِّع قريباً دورة الفرضيات والتجارب والاختبارات بشكلٍ غير مسبوق. وفي بعض الحالات، قد يتجاوز الذكاءُ الاصطناعي الخيال البشري باختراعاته، مُعززاً بذلك مسيرة التقدم.

تعزيز المنهج العلمي

صرّح جيفري فون مالتزان، الرئيس التنفيذي لشركة ليلا، والحاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الطبية الحيوية والفيزياء الطبية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «سيُحرك الذكاء الاصطناعي الثورة المقبلة في هذا الجانب الأكثر قيمةً الذي اكتشفه البشر على الإطلاق - المنهج العلمي».

ويعتمد السعي لإعادة ابتكار عملية الاكتشاف العلمي على قوة الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي انتشر في أذهان العامة مع طرح شركة أوبن إيه آي تقنية ChatGPT قبل أكثر من عامين، إذ تُدرّب هذه التقنية الجديدة على البيانات عبر الإنترنت، ويمكنها الإجابة عن الأسئلة وكتابة التقارير وكتابة رسائل البريد الإلكتروني بسلاسةٍ تُضاهي طلاقة البشر.

تحديات كبيرة

ومع ذلك يقول العلماء إن «ليلا» وأي شركة تعمل على التوصل إلى اختراق في «الذكاء العلمي الفائق» ستواجه تحديات كبيرة. ففي حين أن الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في مجالات معينة، بما في ذلك اكتشاف الأدوية، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه التقنية مجرد أداة قوية أم أنها - هي نفسها - في طريقها لمضاهاة جميع القدرات البشرية أو تجاوزها.

بما أن مشروع «ليلا» يعمل سراً، لم يتمكن العلماء الخارجيون من تقييم عمله، ويضيفون أن التقدم العلمي المبكر لا يضمن النجاح، إذ غالباً ما تظهر عقبات غير متوقعة لاحقاً.

وقال ديفيد بيكر، عالم الكيمياء الحيوية ومدير معهد تصميم البروتينات بجامعة واشنطن: «أتمنى لهم مزيداً من القوة، إن استطاعوا». وأضاف: «يبدو الأمر متجاوزاً لأي شيء أعرفه في مجال الاكتشاف العلمي».

وتابع الدكتور بيكر، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء مناصفةً، العام الماضي، إنه ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة.

الدكتور جورج تشرش رئيس علماء شركة ليلا

ميلاد «ليلا»

وُلدت «ليلا» داخل شركة فلاغشيب بايونيرينغ، وهي شركة استثمارية رائدة في شركات التكنولوجيا الحيوية، بما في ذلك شركة موديرنا، الشركة المُصنِّعة للقاح «كوفيد-19». وصرح نوبار أفييان، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«فلاغشيب»، بأن الشركة تُجري أبحاثاً علمية، مُركزةً على المجالات التي يُحتمل تحقيق اختراقات فيها خلال بضع سنوات، والتي قد تُثبت قيمتها التجارية، «لذا فإننا لا نهتم بالفكرة فحسب، بل نهتم أيضاً بمدى ملاءمتها للوقت».

وقد أدمج في «ليلا» مشروعان مُبكران لشركة الذكاء الاصطناعي في «فلاغشيب»؛ أحدهما يُركز على المواد الجديدة، والآخر على علم الأحياء. وقالت مولي جيبسون، عالِمة الأحياء الحاسوبية والشريكة في تأسيس «ليلا»، إن المجموعتين كانتا تُحاولان حل مشكلات مُتشابهة وتوظيف الأشخاص أنفسهم، لذا جمعتا جهودهما.

مشاريع لإثبات قدرات الذكاء

أنجز فريق «ليلا» خمسة مشاريع لإثبات قدرات ذكائه الاصطناعي، وهو نسخة قوية من أحد المساعدين المتطورين المتنامية المعروفة باسم «الوكلاء». في كل حالة، قام علماء - لم يكن لديهم عادةً أي تخصص في هذا الموضوع - بكتابة طلب بما يريدون من برنامج الذكاء الاصطناعي إنجازه.

وبعد تحسين الطلب، أجرى العلماء، بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي بصفته شريكاً، تجارب واختبروا النتائج - مراراً، محققين الهدف المنشود بثبات.

وقد وجد أحد هذه المشاريع محفزاً جديداً لإنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يتضمن استخدام الكهرباء لفصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين. وقد طُلب من الذكاء الاصطناعي أن يكون المحفز وفيراً أو سهل الإنتاج، على عكس الإيريديوم، المعيار التجاري الحالي.

وبمساعدة الذكاء الاصطناعي، وجد العالمان محفزاً جديداً في أربعة أشهر - وهي عملية قد تستغرق عادةً سنوات. وساعد هذا النجاح جون غريغوار، الباحث البارز في مجال المواد الجديدة للطاقة النظيفة، على مغادرة معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، العام الماضي، للانضمام إلى «ليلا» رئيساً لأبحاث العلوم الفيزيائية.

الذكاء الاصطناعي العلمي أقل هلوسة

كما انضم جورج تشرش، عالم الوراثة في جامعة هارفارد والمعروف بأبحاثه الرائدة في تسلسل الجينوم وتركيب الحمض النووي، الذي شارك في تأسيس عشرات الشركات، أخيراً رئيساً لعلماء «ليلا».

وقال الدكتور تشرش: «أعتقد أن العلم مجالٌ واعدٌ جداً للذكاء الاصطناعي». وأكد أن العلم يركز على مجالات معرفية محددة، حيث يمكن اختبار وقياس الحقيقة والدقة. وهذا يجعل الذكاء الاصطناعي في العلوم أقل عرضة للإجابات الخاطئة، المعروفة بالهلوسة، والتي تُنتجها أحياناً برامج الدردشة الآلية.

لا تزال المشاريع المبكرة بعيدة كل البعد عن المنتجات الجاهزة للتسويق. وستعمل «ليلا»، الآن، مع شركائها لتسويق الأفكار الناشئة عن مختبرها. وتعمل الشركة على توسيع مساحة مختبرها في مبنى رئيسي من ستة طوابق في كمبردج، على ضفاف نهر تشارلز. وتخطط، على مدار العامين المقبلين، للانتقال إلى مبنى منفصل، وإضافة عشرات الآلاف من الأمتار المربعة من مساحة المختبر، وافتتاح مكاتب في سان فرنسيسكو ولندن.

علماء ونُظم آلية في الاختبارات التجريبية

وفي تجربة أُجريت في الأيام الأخيرة، سارت صوانٍ تحمل 96 من عينات الحمض النووي «دي إن إيه» على مسارات مغناطيسية، مغيِّرة اتجاهاتها بسرعة لكي تصل إلى محطات مختبر مختلفة، اعتماداً جزئياً على ما يقترحه الذكاء الاصطناعي. وبدا أن التقنية تتخذ خطوات ارتجالية، أثناء تنفيذها خطوات تجريبية سعياً وراء بروتينات جديدة، أو محررات جينية، أو مسارات أيضية.

وفي جزء آخر من المختبر، راقب العلماء آلات عالية التقنية تُستخدم لإنشاء وقياس وتحليل جسيمات نانوية مخصصة من مواد جديدة.

ويجري النشاط في المختبر بتعاون علماء يرتدون معاطف بيضاء، ومُعدات آلية، وبرامج خفية. وجرى تسجيل كل قياس، وكل تجربة، وكل نجاح أو فشل تدريجياً رقمياً وإدخاله في الذكاء الاصطناعي لشركة ليلا. وهكذا، فإنه يتعلم باستمرار، ويزداد ذكاءً، وينجز المزيد بمفرده.

وقالت الدكتورة جيبسون: «هدفنا الحقيقي هو منح الذكاء الاصطناعي القدرة على إدارة المنهج العلمي؛ للتوصل إلى أفكار جديدة، والذهاب إلى المختبر واختبار تلك الأفكار».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
تكنولوجيا شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

ينصح الخبراء بعدم وجود أي طفل دون سن الخامسة بالقرب من لعبة ذكاء اصطناعي، وأن على الآباء توخي الحذر فيما يتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.