موجة التغيير في لبنان تتمدّد إلى منهجية معالجة أزمة الودائع العالقة

بعد تخلي الحكومة الجديدة عن خياري «الشطب» والإفلات من المسؤولية

الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة في القصر الجمهوري (رويترز)
الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة في القصر الجمهوري (رويترز)
TT

موجة التغيير في لبنان تتمدّد إلى منهجية معالجة أزمة الودائع العالقة

الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة في القصر الجمهوري (رويترز)
الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة في القصر الجمهوري (رويترز)

انضمَّت أزمة المودعين الشائكة في البنوك اللبنانية إلى لائحة الأولويات المرشحة للمعالجة، وفق منهجية رسمية «مختلفة» بالعهد الجديد رئاسياً وحكومياً، وتستند إلى ركيزة «شطب» اقتراحات «الشطب» من حسابات المدخرات التي أشهرها رئيس الحكومة نواف سلاف، المتبوعة بتأكيدات الالتزام بوعود وتعهُّدات تقضي بتسريع إعداد خطة إنقاذ معدّلة للتعافي وإعادة هيكلة القطاع المالي، تشمل تحديد آليات متنوعة لسداد متدرج للحقوق العالقة.

ورغم الارتياح النسبي الذي عكسه التغيير الجوهري في المقاربات الحكومية بأوساط المودعين، فإن أرقام الفجوة الواقعية بين الأصول والخصوم (الموجودات والمطلوبات) البالغة نحو 70 مليار دولار (من دون احتساب قيمة احتياط الذهب التي ارتفعت إلى نحو 29 مليار دولار)، لا تشي بقدرة السلطات المعنية على إنتاج حلول «سحرية» تضمن التحسين الفوري للتصرُّف بالحسابات بما يفوق الحصص الشهرية المتاحة حالياً من قبل البنك المركزي.

 

رئيس الحكومة مستقبلاً وفداً من رابطة المودعين (رئاسة الحكومة)

وينبغي، حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»، إطلاق قاطرة المعالجة المتدرجة لهذه الأزمة المعقّدة من محطة مركزية تكفل مصارحة شفّافة في مخاطبة المودعين المقيمين وغير المقيمين، ومعزّزة بوقائع رقمية مدقّقة، وبحيث تقرّ بحقيقة ضآلة الموفورات النقدية حالياً، إنما هذا العجز الآني لا يحول دون الإقرار بحقوق الأموال المشروعة، وبالتزام تمكين أصحابها من إدارة سيولتها بالتقسيط المتوافق مع توفر الإمكانات ووفق برنامج زمني محدّد.

ومن دون تريُّث يتيح الانغماس في صياغة الخطة البديلة حكومياً وبالتنسيق مع البنك المركزي، بادر وزير المال ياسين جابر إلى الجزم بأنه «من غير الوارد شطب أموال المودعين، ولا مصلحة للبنان بذلك». لكن هذا لا يعني أن الودائع ستُردّ «غداً»، مشيراً إلى أن «الأولوية لصغار المودعين؛ إذ سيتم وضع مبلغ (فريش) دولار في حساباتهم، ليس لسحبه إنما لاستخدامه تباعاً بسبب الظروف المعيشيّة، ثم إيجاد حل لباقي المودعين من خلال صندوق استرداد الودائع».

وبدوره، أكد رئيس جمعية المصارف سليم صفير، وخلال زيارة مجلس إدارة الجمعية لرئيس الجمهورية جوزيف عون، الترحيب بتعهده بحماية أموال المودعين، مبيّناً أنه «لا حلَّ لملف المودعين، ولا إصلاح للقطاع المصرفي، إلّا من خلال عمل مشترك ينتج رؤية إصلاحية موحَّدة، وتضع الحلول الواقعيّة التي تؤمّن عودة المصارف إلى لعب دورها الأساسي في تمويل الاقتصاد المنتج، وتحفظ حقوق المودعين».

وفي حين التزمت الحكومة فعلياً، في بيان الثقة، بإيلاء أولوية للاهتمام لقضية الودائع ضمن خطة متكاملة بمعايير دولية والحفاظ على الحقوق، برز في السياق عينه تأكيد رئيس الحكومة أن الدولة تكون قوية بمقدار استعادة ثقة المواطنين. واستطراداً، فإنه «من دون إعادة العافية إلى القطاع المصرفي، لن تكون هناك استثمارات، وبالتالي لن تتوفر الودائع».

رأي المصارف

وتتلاقى هذه الرؤية، وفق الأمين العام لجمعية المصارف فادي خلف، مع موقف المصارف التي تؤمن بأن إعادة هيكلة القطاع وتعزيز الثقة به، هما ركيزتان للنمو الاقتصادي المنشود، لا سيما مع دخول لبنان مرحلة جديدة من التغيير السياسي والاقتصادي، حيث تبرز مسألة معالجة الفجوة المالية، كأحد أهم التحديات التي تواجه الحكومة. علماً بأن هذه الفجوة نتجت عن تراكم سنوات من السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية غير المستدامة وسوء إدارة الموارد من قبل الدولة ومصرف لبنان.

 

رئيس الحكومة خلال لقائه حاكم البنك المركزي بالإنابة وسيم منصوري (رئاسة الحكومة)

وتبعاً لضرورة إرساء أي حل مستقبلي على قاعدة أنه لا تعافٍ اقتصادياً من دون قطاع مصرفي قوي، ولا نظام مصرفياً دون حفظ حقوق المودعين، يجد خلف أن «الفرصة لا تزال قائمة لإيجاد حلول عادلة تعيد ثقة المودعين وتحافظ على القطاع المصرفي. والمسار الواضح يقوم على إصلاحات جذرية، وتوزيع عادل للمسؤوليات ضمن الأزمة النظامية، وإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي كركيزة أساسية لنمو الاقتصاد الوطني».

وزير المالية ملتقياً حاكم مصرف لبنان بالإنابة (وزارة المالية)

ومع تقدُّم القناعة الرسمية بالتخلي نهائياً عن نظريات شطب الودائع، فإنه من المفترض، حسب خلف، أن تشمل الحلول المطروحة تحميل الدولة ومصرف لبنان الجزء الأكبر من المسؤولية، واستثمار أصولهما، وإعادة جدولة الديون السيادية بأسلوب عادل يحافظ على الاستقرار المالي، وهيكلة القطاع المالي والمصرفي بطريقة تحفظ أموال المودعين وتحافظ على دور المصارف في تمويل الاقتصاد المنتج.

ووفق هذه المحدّدات الرئيسية المحدثة، المتقاطعة مع معلومات المسؤول المالي، يبرز الدور المحوري للبنك المركزي في تولي مهمة تحديد معالم خريطة الطريق الرقمية والتقنية للخطة الحكومية المتكاملة الموعودة بشأن الودائع، وبما يشكل أحد أهم المرتكزات الأساسية لتصحيح أوضاع الجهاز المصرفي، عبر عمليتي إعادة هيكلة متزامنة بين كفتي الكتلة الأثقل لالتزامات البنوك تجاه عملائها البالغة نحو 84 مليار (إجمالي الودائع الدفترية لودائع المقيمين وغير المقيمين)، وكتلة توظيفاتها التي تناهز 80 مليار دولار لدى مصرف لبنان.

مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

جمع البيانات

وبالفعل، يعكف حاكم البنك المركزي بالإنابة، الدكتور وسيم منصوري، على استكمال جمع البيانات والمعطيات ذات الصلة بالمهمة، وفي الأحدث منها الحصول استثنائياً على معلومات تفصيلية عن عمليات السداد الجزئي أو الكلي للقروض المحرَّرة بالعملات الصعبة، بدءاً من نهاية أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2019 (تاريخ انفجار الأزمة المالية)، بعدما تم سابقاً جمع بيانات إحصائية عن فئات المودعين وتوزيعهم وفق سقوف المبالغ العائدة لهم، وتحديد أعداد الأفراد الذين بلغوا سن التقاعد (64 سنة). فضلاً عن الطلب من البنوك الاستمرار بتطبيق قرار عدم توزيع أي أنصبة أرباح على حقوق حَمَلة الأسهم العادية.

تُضاف هذه المعطيات إلى جداول تفصيلية بالودائع والفوائد المقبوضة في سنوات سابقة (بدءاً من عام 2015) جمعها البنك المركزي من المصارف، تشمل الحسابات العالقة بعد الأزمة باستثناء المدخرات الجديدة (الفريش). وتتوزّع على شطور بدءاً من سقف 3 آلاف دولار، لتبلغ الودائع التي تفوق مائة مليون دولار. وهي تتضمن عدد الزبائن (وليس الأسماء) في كل شطر، وتصنيفهم بين مقيم في لبنان وغير مقيم.

كما جرى اعتماد 15 خانة للتصنيف تظهر توزيع المدخرات لصالح الأفراد والمؤسسات، وبما يشمل التحديد الوظيفي بين القطاعين العام والخاص، والأموال العائدة للنقابات المهنية والجمعيات، والشركات غير المالية، والمؤسسات التعليمية والطبية، مع تحديد لودائع صندوق الضمان الاجتماعي والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، وودائع السفارات الأجنبية والمنظمات العربية والإقليمية والدولية، وسوى ذلك من تصنيفات تثبت هوية وحجم المبالغ العائدة صاحب الحق الاقتصادي.

مقر «مصرف لبنان المركزي» في بيروت (أ.ب)

وتنضح هذه البيانات المجمعة، حسب المسؤول المالي، بجانب من التدابير التي سيتم اعتمادها من قبل البنك المركزي سواء لجهة تطوير آليات ضخ الحصص الشهرية لصالح المودعين، أو لجهة البرمجة اللاحقة لتحديد المبالغ والمهل الزمنية في الخطة المتكاملة التي يُفترض أن تتبناها الحكومة، وبما يشمل خصوصاً اعتماد آليات صرف خاصة واستثنائية لشرائح الودائع الصغيرة وكبار السن والودائع الناشئة عن تعويضات نهاية الخدمة الخاصة بالمتقاعدين من الأسلاك العسكرية والمدنية والضمان الاجتماعي. فضلاً عن مراعاة خصوصيات صناديق النقابات والتعاضد ومؤسسات التعليم والصحة والمنظمات الخارجية.

ويختلف هذا التوجه مع مضمون مسودة الخطة الأخيرة للحكومة السابقة التي اقترحت ضمان 100 ألف دولار من كل وديعة «مشروعة»، على أن يجري سدادها ضمن مهلة، وستتم تسويتها على مدة 11 سنة بدفعات شهرية مُناصَفة من قبل البنوك مباشرة ومن أرصدة حساباتها لدى البنك المركزي.

ومع ترجيح إضافة فئات جديدة وتعديلات على الحصص تبعاً لوفرة التدفقات وتحسُّن أرقام احتياطات العملات الصعبة، فقد قدرت الخطة السابقة مبلغ التسوية الإجمالي بنحو 11.8 مليار دولار.

اقتراحات للسداد

وعلى ضوء قرار الحاكم بالإنابة القاضي بزيادة المصرف المركزي للدفعات الشهرية بدءاً من شهر مارس (آذار) المقبل، فمن المنتظَر إعادة النظر تدريجياً بحجم عمليات صرف الحصص الشهرية التي لحظتها الخطة الحكومية السابقة، والتي كانت تقترح بأن يحصل المودع على 400 دولار شهرياً في السنة الأولى، وفي السنة الثانية حتى السنة الرابعة يحصل على مبلغ 500 دولار شهرياً، وفي السنة الخامسة حتى السنة السابعة يحصل على 600 دولار شهرياً، وفي السنة الثامنة حتى السنة العاشرة يحصل على 700 دولار شهرياً، وفي السنة الأخيرة يحصل على 800 دولار شهرياً.

أما بالنسبة للشرائح الأكبر بعد عزل مبالغ السداد المتدرج بحد أدنى يبلغ 100 ألف دولار، فإن الاقتراحات موزعة أيضاً على قنوات سداد متوسطة وبعيدة المدى تشمل التحويل إلى أسهم رأسمالية في البنوك وسندات دين مصنفة ضمن الأموال الخاصة المساندة، مما يساهم بضمان الحقوق وبإعادة رسملة البنوك ضمن مهمة إعادة هيكلة القطاع. فضلاً عن خيار إصدار سندات دولية صفرية الفائدة وذات تصنيف ائتماني مرتفع، تستحق مبالغها بعد 20 سنة.

ويزمع البنك المركزي، وفقاً للمعلومات، التدقيق في البيانات المجمعة لاستنباط مصادر الأموال في الحسابات الكبيرة، بدءاً من مليون دولار، وما راكمته من فوائد تتعدى المتوسطات السوقية في كل سنة، مما يسهّل التصنيف السريع للودائع «المشروعة»، وإخضاع المبالغ المشكوك في مصدرها للمساءلة عبر هيئة التحقيق الخاصة، وبالتعاون مع المصرف المعني لجمع ما يلزم من معلومات وردود على أسئلة محدّدة ضمن قاعدة «اعرف عميلك».

وبنتيجة التحقّق، يتم اعتماد التصنيف العادل جزئياً أو كلياً لقيود المبالغ في الحسابات. وبالتالي يجري تجميد ما يقع تحت الشبهات أو تعذّر التبرير إلى حين البتّ بها قضائياً. كما يندرج في نطاق الاستبيان أيضاً تحديد الحسابات «الجامدة»، وتوزعها بين مقيمين وغير مقيمين من أفراد ومؤسسات عامة في الداخل أو واردة من الخارج.

وثمة تقديرات، وفق حسب المسؤول المعني، بأن عزل هذه القيود عن كتلة الالتزامات لدى البنوك، وإيداعها ضمن حساب خاص لدى البنك المركزي سيؤدي، مع إضافة مبالغ الحسابات المصنَّفة «غير مشروعة»، إلى خفض ملموس في قيود الودائع الدفترية، يصعب تقدير أرقامه مسبقاً.

رئيس الوزراء نواف سلام يصل إلى الجلسة العامة للتصويت على الثقة بالحكومة 26 فبراير 2025 (رويترز)

إجراءات ضريبية؟

وبالتوازي، تجري بلورة إجراءات قانونية وضريبية تساهم في زيادة التدفقات النقدية المخصّصة لإنصاف المودعين. وتندرج ضمنها ملاحقة الأرباح غير المشروعة التي تم تحصيلها من قِبَل مقترضين (أفراد وشركات) عبر الإطفاء الجزئي أو التام، بعد حصول التدهور النقدي، لعقود تمويل محرَّرة بالدولار لا تقع ضمن خانة قروض التجزئة والإسكان، بسعر الصرف الرسمي (1507 ليرات للدولار) أو عبر شراء شيكات بالدولار المحلي (من الودائع) الذي يوازي فعلياً بين 10 و15 في المائة من السعر الفعلي للدولار النقدي. علماً بأن محفظة القروض لدى المصارف تعدّت 50 مليار دولار قبل انفجار الأزمة لتنكمش بحدة إلى أقل من 5 مليارات دولار حالياً.

وبالمثل، تتوفر لدى البنك المركزي بيانات مكتملة لمبالغ الدعم للسلع الغذائية والاستهلاكية والأدوية والمحروقات المستندة إلى قرارات رئاسية وحكومية، بعيد إعلان تعثُّر لبنان عن إيفاء استحقاقات أصول وفوائد سندات الدين الدولية في ربيع عام 2020.

ويُفترَض، وفق المسؤول المالي، إجراء تدقيق محاسبي وجنائي في هذه المصروفات التي تعدَّت قيودها الموثقة من قبل شركة «ألفاريز أند مارسال»، حدود 7 مليارات دولار حتى نهاية عام 2021، علماً بأن هذا الرقم ارتفع لاحقاً ليتعدّى، حسب التقديرات، مستوى 11 مليار دولار، وعلماً بأن المصرف المركزي كان قد أرسل جميع تفاصيل هذه الملفات إلى الحكومة السابقة. ثم أرسلها مجدداً إلى الحكومة الحالية بغية إخضاعها للتدقيق، تنفيذاً للقانون 240 لعام 2021 القاضي بإجراء تدقيق جنائي بملفات الدعم.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يقترح عقوبات جديدة على روسيا تشمل الطاقة والتجارة والبنوك

أوروبا  رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (د.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يقترح عقوبات جديدة على روسيا تشمل الطاقة والتجارة والبنوك

اقترح الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على روسيا تستهدف قطاعي الطاقة والبنوك، وتشمل حظر تقديم خدمات بحرية لناقلات النفط الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مقر البنك السعودي الأول بالسعودية (البنك)

أرباح «السعودي الأول» ترتفع 4.7 % خلال 2025 مع نمو دخل العمولات

ارتفعت أرباح البنك السعودي الأول، رابع أكبر البنوك السعودية من حيث الموجودات، إلى 2.25 مليار دولار، بنهاية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد يظهر شعار بنك «يو بي إس» السويسري في زيوريخ (رويترز)

أرباح «يو بي إس» تتخطى التوقعات ويعلن خططاً لتوسيع إعادة شراء الأسهم

أعلن بنك «يو بي إس» السويسري، يوم الأربعاء، ارتفاع صافي أرباحه بنسبة 56 في المائة خلال الربع الرابع من عام 2025، متجاوزاً توقعات المحللين.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ )
الاقتصاد متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)

ارتفاع معظم الأسواق الخليجية قبيل إعلان النتائج المالية

أنهت معظم أسواق الأسهم الخليجية تعاملات يوم الثلاثاء على ارتفاع، مع تحول اهتمام المستثمرين إلى نتائج الشركات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد منظر عام للحي المالي في لندن (رويترز)

بعد قفزة إلى 4.9 تريليون دولار... توقعات باستمرار زخم صفقات الاندماج والاستحواذ في 2026

أفاد تقرير صادر عن «باين آند كومباني» الاستشارية، بأن نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ عالمياً مرشح للحفاظ على زخمه خلال عام 2026، بعد أن سجل انتعاشاً قوياً في 20

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».


ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير (شباط) الحالي، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية على الواردات.

ويُعزى التحسن الشهري الثالث على التوالي في ثقة المستهلك، الذي أعلنته جامعة ميشيغان في استطلاعاتها يوم الجمعة، في الغالب، إلى المستهلكين الذين يمتلكون أكبر مَحافظ استثمارية في الأسهم، مما يعكس ما يُعرَف بـ«اقتصاد على شكل حرف كيه»، حيث تستفيد الأُسر ذات الدخل المرتفع، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض صعوبات أكبر.

قال أورين كلاشكين، خبير اقتصادات الأسواق المالية بشركة «نيشن وايد»: «ربما شهدنا أدنى مستوى لثقة المستهلك، ومن المتوقع أن تدعم العوامل الأساسية الإيجابية التوجهات خلال عام 2026، ما دام الانخفاض الأخير في سوق الأسهم لا يستمر. ومع ذلك لا نتوقع انتعاشاً حاداً في ثقة المستهلكين».

وأعلنت جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلك ارتفع إلى 57.3، في هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) الماضي، مقارنةً بـ56.4 في يناير (كانون الثاني)، في حين كان الاقتصاديون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، يتوقعون انخفاض المؤشر إلى 55. ومع ذلك، لا يزال المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من مستواه في يناير 2025. وقد أُجري الاستطلاع قبل موجة بيع الأسهم، هذا الأسبوع، التي جاءت مدفوعة بحذر المستثمرين تجاه الإنفاق الكبير لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي. وارتدّت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، واستقر الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وقالت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين: «ارتفعت ثقة المستهلكين الذين يمتلكون أكبر محافظ أسهم، بينما ظلّت ثابتة عند مستويات منخفضة بالنسبة للمستهلكين الذين لا يملكون أسهماً». ولا تزال المخاوف من تدهور الوضع المالي الشخصي نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة خطر فقدان الوظائف منتشرة على نطاق واسع.

وتحسنت معنويات المستهلكين المنتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما تراجعت بين المستقلين. يأتي هذا التحسن في المعنويات على النقيض من مؤشر ثقة المستهلك، الصادر عن مجلس المؤتمرات، الذي انخفض في يناير إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014. ومع ذلك، أكّد كلا الاستطلاعين ازدياد حالة اللامبالاة تجاه سوق العمل.

وأفادت الحكومة، يوم الخميس، بأن فرص العمل المتاحة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة 0.87 وظيفة متاحة لكل عاطل عن العمل، مقارنة بـ0.89 في نوفمبر (تشرين الثاني).

وعلى الرغم من استمرار قلق المستهلكين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنهم توقعوا اعتدال التضخم، خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وانخفض مقياس الاستطلاع لتوقعات التضخم السنوي إلى 3.5 في المائة، من 4 في المائة خلال يناير، وهو أدنى مستوى له منذ 13 شهراً، مما يشير إلى اعتقاد بعض المستهلكين بأن أسوأ آثار الرسوم الجمركية على الأسعار قد ولّت. وفي المقابل، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.4 في المائة، من 3.3 في المائة الشهر الماضي.

وقال جون ريدينغ، كبير المستشارين الاقتصاديين في «بريان كابيتال»: «يركز ؛(الاحتياطي الفيدرالي) على التوقعات متوسطة الأجل، وقد ارتفعت هذه التوقعات، للشهر الثاني على التوالي. ومع ذلك، لن يغير ذلك أي قرار بشأن سعر الفائدة في مارس (آذار) المقبل، إذ سيتوقف مصير هذا الاجتماع على بيانات التوظيف لشهريْ يناير وفبراير».