موجة التغيير في لبنان تتمدّد إلى منهجية معالجة أزمة الودائع العالقة

بعد تخلي الحكومة الجديدة عن خياري «الشطب» والإفلات من المسؤولية

الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة في القصر الجمهوري (رويترز)
الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة في القصر الجمهوري (رويترز)
TT

موجة التغيير في لبنان تتمدّد إلى منهجية معالجة أزمة الودائع العالقة

الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة في القصر الجمهوري (رويترز)
الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة في القصر الجمهوري (رويترز)

انضمَّت أزمة المودعين الشائكة في البنوك اللبنانية إلى لائحة الأولويات المرشحة للمعالجة، وفق منهجية رسمية «مختلفة» بالعهد الجديد رئاسياً وحكومياً، وتستند إلى ركيزة «شطب» اقتراحات «الشطب» من حسابات المدخرات التي أشهرها رئيس الحكومة نواف سلاف، المتبوعة بتأكيدات الالتزام بوعود وتعهُّدات تقضي بتسريع إعداد خطة إنقاذ معدّلة للتعافي وإعادة هيكلة القطاع المالي، تشمل تحديد آليات متنوعة لسداد متدرج للحقوق العالقة.

ورغم الارتياح النسبي الذي عكسه التغيير الجوهري في المقاربات الحكومية بأوساط المودعين، فإن أرقام الفجوة الواقعية بين الأصول والخصوم (الموجودات والمطلوبات) البالغة نحو 70 مليار دولار (من دون احتساب قيمة احتياط الذهب التي ارتفعت إلى نحو 29 مليار دولار)، لا تشي بقدرة السلطات المعنية على إنتاج حلول «سحرية» تضمن التحسين الفوري للتصرُّف بالحسابات بما يفوق الحصص الشهرية المتاحة حالياً من قبل البنك المركزي.

 

رئيس الحكومة مستقبلاً وفداً من رابطة المودعين (رئاسة الحكومة)

وينبغي، حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»، إطلاق قاطرة المعالجة المتدرجة لهذه الأزمة المعقّدة من محطة مركزية تكفل مصارحة شفّافة في مخاطبة المودعين المقيمين وغير المقيمين، ومعزّزة بوقائع رقمية مدقّقة، وبحيث تقرّ بحقيقة ضآلة الموفورات النقدية حالياً، إنما هذا العجز الآني لا يحول دون الإقرار بحقوق الأموال المشروعة، وبالتزام تمكين أصحابها من إدارة سيولتها بالتقسيط المتوافق مع توفر الإمكانات ووفق برنامج زمني محدّد.

ومن دون تريُّث يتيح الانغماس في صياغة الخطة البديلة حكومياً وبالتنسيق مع البنك المركزي، بادر وزير المال ياسين جابر إلى الجزم بأنه «من غير الوارد شطب أموال المودعين، ولا مصلحة للبنان بذلك». لكن هذا لا يعني أن الودائع ستُردّ «غداً»، مشيراً إلى أن «الأولوية لصغار المودعين؛ إذ سيتم وضع مبلغ (فريش) دولار في حساباتهم، ليس لسحبه إنما لاستخدامه تباعاً بسبب الظروف المعيشيّة، ثم إيجاد حل لباقي المودعين من خلال صندوق استرداد الودائع».

وبدوره، أكد رئيس جمعية المصارف سليم صفير، وخلال زيارة مجلس إدارة الجمعية لرئيس الجمهورية جوزيف عون، الترحيب بتعهده بحماية أموال المودعين، مبيّناً أنه «لا حلَّ لملف المودعين، ولا إصلاح للقطاع المصرفي، إلّا من خلال عمل مشترك ينتج رؤية إصلاحية موحَّدة، وتضع الحلول الواقعيّة التي تؤمّن عودة المصارف إلى لعب دورها الأساسي في تمويل الاقتصاد المنتج، وتحفظ حقوق المودعين».

وفي حين التزمت الحكومة فعلياً، في بيان الثقة، بإيلاء أولوية للاهتمام لقضية الودائع ضمن خطة متكاملة بمعايير دولية والحفاظ على الحقوق، برز في السياق عينه تأكيد رئيس الحكومة أن الدولة تكون قوية بمقدار استعادة ثقة المواطنين. واستطراداً، فإنه «من دون إعادة العافية إلى القطاع المصرفي، لن تكون هناك استثمارات، وبالتالي لن تتوفر الودائع».

رأي المصارف

وتتلاقى هذه الرؤية، وفق الأمين العام لجمعية المصارف فادي خلف، مع موقف المصارف التي تؤمن بأن إعادة هيكلة القطاع وتعزيز الثقة به، هما ركيزتان للنمو الاقتصادي المنشود، لا سيما مع دخول لبنان مرحلة جديدة من التغيير السياسي والاقتصادي، حيث تبرز مسألة معالجة الفجوة المالية، كأحد أهم التحديات التي تواجه الحكومة. علماً بأن هذه الفجوة نتجت عن تراكم سنوات من السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية غير المستدامة وسوء إدارة الموارد من قبل الدولة ومصرف لبنان.

 

رئيس الحكومة خلال لقائه حاكم البنك المركزي بالإنابة وسيم منصوري (رئاسة الحكومة)

وتبعاً لضرورة إرساء أي حل مستقبلي على قاعدة أنه لا تعافٍ اقتصادياً من دون قطاع مصرفي قوي، ولا نظام مصرفياً دون حفظ حقوق المودعين، يجد خلف أن «الفرصة لا تزال قائمة لإيجاد حلول عادلة تعيد ثقة المودعين وتحافظ على القطاع المصرفي. والمسار الواضح يقوم على إصلاحات جذرية، وتوزيع عادل للمسؤوليات ضمن الأزمة النظامية، وإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي كركيزة أساسية لنمو الاقتصاد الوطني».

وزير المالية ملتقياً حاكم مصرف لبنان بالإنابة (وزارة المالية)

ومع تقدُّم القناعة الرسمية بالتخلي نهائياً عن نظريات شطب الودائع، فإنه من المفترض، حسب خلف، أن تشمل الحلول المطروحة تحميل الدولة ومصرف لبنان الجزء الأكبر من المسؤولية، واستثمار أصولهما، وإعادة جدولة الديون السيادية بأسلوب عادل يحافظ على الاستقرار المالي، وهيكلة القطاع المالي والمصرفي بطريقة تحفظ أموال المودعين وتحافظ على دور المصارف في تمويل الاقتصاد المنتج.

ووفق هذه المحدّدات الرئيسية المحدثة، المتقاطعة مع معلومات المسؤول المالي، يبرز الدور المحوري للبنك المركزي في تولي مهمة تحديد معالم خريطة الطريق الرقمية والتقنية للخطة الحكومية المتكاملة الموعودة بشأن الودائع، وبما يشكل أحد أهم المرتكزات الأساسية لتصحيح أوضاع الجهاز المصرفي، عبر عمليتي إعادة هيكلة متزامنة بين كفتي الكتلة الأثقل لالتزامات البنوك تجاه عملائها البالغة نحو 84 مليار (إجمالي الودائع الدفترية لودائع المقيمين وغير المقيمين)، وكتلة توظيفاتها التي تناهز 80 مليار دولار لدى مصرف لبنان.

مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

جمع البيانات

وبالفعل، يعكف حاكم البنك المركزي بالإنابة، الدكتور وسيم منصوري، على استكمال جمع البيانات والمعطيات ذات الصلة بالمهمة، وفي الأحدث منها الحصول استثنائياً على معلومات تفصيلية عن عمليات السداد الجزئي أو الكلي للقروض المحرَّرة بالعملات الصعبة، بدءاً من نهاية أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2019 (تاريخ انفجار الأزمة المالية)، بعدما تم سابقاً جمع بيانات إحصائية عن فئات المودعين وتوزيعهم وفق سقوف المبالغ العائدة لهم، وتحديد أعداد الأفراد الذين بلغوا سن التقاعد (64 سنة). فضلاً عن الطلب من البنوك الاستمرار بتطبيق قرار عدم توزيع أي أنصبة أرباح على حقوق حَمَلة الأسهم العادية.

تُضاف هذه المعطيات إلى جداول تفصيلية بالودائع والفوائد المقبوضة في سنوات سابقة (بدءاً من عام 2015) جمعها البنك المركزي من المصارف، تشمل الحسابات العالقة بعد الأزمة باستثناء المدخرات الجديدة (الفريش). وتتوزّع على شطور بدءاً من سقف 3 آلاف دولار، لتبلغ الودائع التي تفوق مائة مليون دولار. وهي تتضمن عدد الزبائن (وليس الأسماء) في كل شطر، وتصنيفهم بين مقيم في لبنان وغير مقيم.

كما جرى اعتماد 15 خانة للتصنيف تظهر توزيع المدخرات لصالح الأفراد والمؤسسات، وبما يشمل التحديد الوظيفي بين القطاعين العام والخاص، والأموال العائدة للنقابات المهنية والجمعيات، والشركات غير المالية، والمؤسسات التعليمية والطبية، مع تحديد لودائع صندوق الضمان الاجتماعي والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، وودائع السفارات الأجنبية والمنظمات العربية والإقليمية والدولية، وسوى ذلك من تصنيفات تثبت هوية وحجم المبالغ العائدة صاحب الحق الاقتصادي.

مقر «مصرف لبنان المركزي» في بيروت (أ.ب)

وتنضح هذه البيانات المجمعة، حسب المسؤول المالي، بجانب من التدابير التي سيتم اعتمادها من قبل البنك المركزي سواء لجهة تطوير آليات ضخ الحصص الشهرية لصالح المودعين، أو لجهة البرمجة اللاحقة لتحديد المبالغ والمهل الزمنية في الخطة المتكاملة التي يُفترض أن تتبناها الحكومة، وبما يشمل خصوصاً اعتماد آليات صرف خاصة واستثنائية لشرائح الودائع الصغيرة وكبار السن والودائع الناشئة عن تعويضات نهاية الخدمة الخاصة بالمتقاعدين من الأسلاك العسكرية والمدنية والضمان الاجتماعي. فضلاً عن مراعاة خصوصيات صناديق النقابات والتعاضد ومؤسسات التعليم والصحة والمنظمات الخارجية.

ويختلف هذا التوجه مع مضمون مسودة الخطة الأخيرة للحكومة السابقة التي اقترحت ضمان 100 ألف دولار من كل وديعة «مشروعة»، على أن يجري سدادها ضمن مهلة، وستتم تسويتها على مدة 11 سنة بدفعات شهرية مُناصَفة من قبل البنوك مباشرة ومن أرصدة حساباتها لدى البنك المركزي.

ومع ترجيح إضافة فئات جديدة وتعديلات على الحصص تبعاً لوفرة التدفقات وتحسُّن أرقام احتياطات العملات الصعبة، فقد قدرت الخطة السابقة مبلغ التسوية الإجمالي بنحو 11.8 مليار دولار.

اقتراحات للسداد

وعلى ضوء قرار الحاكم بالإنابة القاضي بزيادة المصرف المركزي للدفعات الشهرية بدءاً من شهر مارس (آذار) المقبل، فمن المنتظَر إعادة النظر تدريجياً بحجم عمليات صرف الحصص الشهرية التي لحظتها الخطة الحكومية السابقة، والتي كانت تقترح بأن يحصل المودع على 400 دولار شهرياً في السنة الأولى، وفي السنة الثانية حتى السنة الرابعة يحصل على مبلغ 500 دولار شهرياً، وفي السنة الخامسة حتى السنة السابعة يحصل على 600 دولار شهرياً، وفي السنة الثامنة حتى السنة العاشرة يحصل على 700 دولار شهرياً، وفي السنة الأخيرة يحصل على 800 دولار شهرياً.

أما بالنسبة للشرائح الأكبر بعد عزل مبالغ السداد المتدرج بحد أدنى يبلغ 100 ألف دولار، فإن الاقتراحات موزعة أيضاً على قنوات سداد متوسطة وبعيدة المدى تشمل التحويل إلى أسهم رأسمالية في البنوك وسندات دين مصنفة ضمن الأموال الخاصة المساندة، مما يساهم بضمان الحقوق وبإعادة رسملة البنوك ضمن مهمة إعادة هيكلة القطاع. فضلاً عن خيار إصدار سندات دولية صفرية الفائدة وذات تصنيف ائتماني مرتفع، تستحق مبالغها بعد 20 سنة.

ويزمع البنك المركزي، وفقاً للمعلومات، التدقيق في البيانات المجمعة لاستنباط مصادر الأموال في الحسابات الكبيرة، بدءاً من مليون دولار، وما راكمته من فوائد تتعدى المتوسطات السوقية في كل سنة، مما يسهّل التصنيف السريع للودائع «المشروعة»، وإخضاع المبالغ المشكوك في مصدرها للمساءلة عبر هيئة التحقيق الخاصة، وبالتعاون مع المصرف المعني لجمع ما يلزم من معلومات وردود على أسئلة محدّدة ضمن قاعدة «اعرف عميلك».

وبنتيجة التحقّق، يتم اعتماد التصنيف العادل جزئياً أو كلياً لقيود المبالغ في الحسابات. وبالتالي يجري تجميد ما يقع تحت الشبهات أو تعذّر التبرير إلى حين البتّ بها قضائياً. كما يندرج في نطاق الاستبيان أيضاً تحديد الحسابات «الجامدة»، وتوزعها بين مقيمين وغير مقيمين من أفراد ومؤسسات عامة في الداخل أو واردة من الخارج.

وثمة تقديرات، وفق حسب المسؤول المعني، بأن عزل هذه القيود عن كتلة الالتزامات لدى البنوك، وإيداعها ضمن حساب خاص لدى البنك المركزي سيؤدي، مع إضافة مبالغ الحسابات المصنَّفة «غير مشروعة»، إلى خفض ملموس في قيود الودائع الدفترية، يصعب تقدير أرقامه مسبقاً.

رئيس الوزراء نواف سلام يصل إلى الجلسة العامة للتصويت على الثقة بالحكومة 26 فبراير 2025 (رويترز)

إجراءات ضريبية؟

وبالتوازي، تجري بلورة إجراءات قانونية وضريبية تساهم في زيادة التدفقات النقدية المخصّصة لإنصاف المودعين. وتندرج ضمنها ملاحقة الأرباح غير المشروعة التي تم تحصيلها من قِبَل مقترضين (أفراد وشركات) عبر الإطفاء الجزئي أو التام، بعد حصول التدهور النقدي، لعقود تمويل محرَّرة بالدولار لا تقع ضمن خانة قروض التجزئة والإسكان، بسعر الصرف الرسمي (1507 ليرات للدولار) أو عبر شراء شيكات بالدولار المحلي (من الودائع) الذي يوازي فعلياً بين 10 و15 في المائة من السعر الفعلي للدولار النقدي. علماً بأن محفظة القروض لدى المصارف تعدّت 50 مليار دولار قبل انفجار الأزمة لتنكمش بحدة إلى أقل من 5 مليارات دولار حالياً.

وبالمثل، تتوفر لدى البنك المركزي بيانات مكتملة لمبالغ الدعم للسلع الغذائية والاستهلاكية والأدوية والمحروقات المستندة إلى قرارات رئاسية وحكومية، بعيد إعلان تعثُّر لبنان عن إيفاء استحقاقات أصول وفوائد سندات الدين الدولية في ربيع عام 2020.

ويُفترَض، وفق المسؤول المالي، إجراء تدقيق محاسبي وجنائي في هذه المصروفات التي تعدَّت قيودها الموثقة من قبل شركة «ألفاريز أند مارسال»، حدود 7 مليارات دولار حتى نهاية عام 2021، علماً بأن هذا الرقم ارتفع لاحقاً ليتعدّى، حسب التقديرات، مستوى 11 مليار دولار، وعلماً بأن المصرف المركزي كان قد أرسل جميع تفاصيل هذه الملفات إلى الحكومة السابقة. ثم أرسلها مجدداً إلى الحكومة الحالية بغية إخضاعها للتدقيق، تنفيذاً للقانون 240 لعام 2021 القاضي بإجراء تدقيق جنائي بملفات الدعم.


مقالات ذات صلة

بنوك «وول ستريت» تقترب من مكسب تنظيمي مع تخفيف قواعد رأس المال

الاقتصاد أشخاص يسيرون على طول شارع «وول ستريت» بالقرب من بورصة نيويورك (رويترز)

بنوك «وول ستريت» تقترب من مكسب تنظيمي مع تخفيف قواعد رأس المال

من المتوقع أن تُحقق بنوك «وول ستريت» مكسباً مع إعلان الجهات التنظيمية تحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مسودات جديدة مخففة لقواعد رأس المال هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد رجل يدخل مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في أبوظبي (أرشيفية - رويترز)

أسهم بنوك الإمارات تقفز بعد حزمة دعم «المركزي» لتعزيز السيولة

غداة كشف المركزي الإماراتي عن حزمة دعم لتعزيز سيولة البنوك في ظل السعي لمواجهة تداعيات الأزمة الإيرانية، شهدت أسهم البنوك الإماراتية، ارتفاعاً ملحوظاً.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

بنك إنجلترا يطرح إطاراً جديداً لتعزيز سيولة البنوك في أوقات الأزمات

كشف بنك إنجلترا، يوم الثلاثاء، عن إطار عمل مقترح جديد لسيولة البنوك، يهدف إلى تعزيز قدرتها على تسييل الأصول السائلة خلال فترات الأزمات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أهمُّ 7 بنوك بالعالم في «كماشة هرمز»... فهل تفرض صدمة الطاقة تشدداً نقدياً؟

تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع إلى سبعة من أهم البنوك المركزية في العالم، والتي تجتمع في ظروف اقتصادية بالغة التعقيد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار بنك كومرتس بنك بفرنكفورت (رويترز)

«يونيكريديت» يطلق عرضاً لشراء أسهم «كومرتس بنك» ويسعى إلى إحياء مفاوضات الاستحواذ

أعلن بنك «يونيكريديت» الإيطالي الاثنين عن إطلاق عرض غير مُعلن لزيادة حصته في «كومرتس بنك» إلى أكثر من 30 %

«الشرق الأوسط» (ميلانو- فرنكفورت )

تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
TT

تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)

قالت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، خلال زيارتها للولايات المتحدة، إن طوكيو قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً في اليابان، في إطار سعيها لتنويع مصادر مشترياتها وتعزيز أمنها الطاقي.

وقبل أن تستخدم اليابان مخزوناتها النفطية الاستراتيجية هذا الأسبوع في عملية قياسية لتعويض تداعيات اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، كانت تحتفظ بنحو 470 مليون برميل، أي ما يكفي لاستهلاكها لمدة 254 يوماً، في خزاناتها.

ولم يتضح على الفور ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخصص الخام كجزء من المخزونات الاستراتيجية اليابانية، أو أنه سيكون متاحاً للاستخدام من قبل الولايات المتحدة عند الحاجة.

وقالت تاكايتشي، في تصريحات للصحافيين بالولايات المتحدة، إن البلدين اتفقا أيضاً على التعاون لتوسيع إنتاج الطاقة الأميركي. وتستورد اليابان نحو 4 في المائة من احتياجاتها النفطية، ونحو 6 في المائة من غازها الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. وقد زادت استثماراتها في قطاع الطاقة هناك.

وأضافت تاكايتشي: «أبلغتُ الرئيس دونالد ترمب بنيَّتي تنفيذ مشروع مشترك يتم بموجبه تخزين النفط الخام المُستورد من الولايات المتحدة في اليابان». ويستند هذا إلى فهم أن تنويع مصادر التوريد سيساهم في ضمان إمدادات طاقة مستقرة لليابان وآسيا ككل.

ولم تفصح تاكايتشي عن أي تفاصيل بشأن خطة تخزين النفط الأميركي في اليابان. وتحتفظ اليابان بمخزونات نفطية مشتركة مع السعودية والإمارات والكويت، يبلغ مجموعها نحو 13 مليون برميل، كجزء من احتياطياتها الاستراتيجية المحلية، ولها حق الأولوية في استخدام هذه المخزونات.

وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط في أكثر من 90 في المائة من إمداداتها النفطية، وقد بدأت قطاعاتها الصناعية - من مصانع الصلب وشركات البتروكيماويات إلى الحمامات العامة - تشعر بآثار نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار نتيجة لإغلاق مضيق هرمز.

وبلغت مساهمة اليابان في عملية إطلاق النفط القياسية التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية ما يقرب من 80 مليون برميل، تتكون أساساً من النفط الخام، وفقاً للأرقام التي نشرتها الوكالة يوم الخميس.

وجاءت حصة اليابان في المرتبة الثانية بعد مساهمة الولايات المتحدة البالغة 172 مليون برميل.

ولم تُستخدم المخزونات اليابانية المشتركة مع السعودية والإمارات والكويت في عملية الإطلاق التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية.

وخلال زيارة تاكايتشي، أعلنت اليابان والولايات المتحدة عن توسيع نطاق التعاون بينهما، بما في ذلك استثمار ياباني يصل إلى 73 مليار دولار في مشاريع الطاقة الأميركية، وخطة عمل لتطوير بدائل للصين في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وأعلنت الولايات المتحدة واليابان عن مشروع بقيمة 40 مليار دولار لبناء مفاعلات نووية في ولايتي تينيسي وألاباما، وذلك عقب اجتماع قادة البلدين في واشنطن، وبعد موافقة طوكيو العام الماضي على استثمار 550 مليار دولار حتى عام 2029 كجزء من اتفاقية تجارية جديدة مع واشنطن.

كما أعلن البيان المشترك الصادر يوم الخميس بشأن ما يُسمى بالمفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs) عن استثمار بقيمة 33 مليار دولار في محطات توليد الطاقة بالغاز الطبيعي في ولايتي بنسلفانيا وتكساس.

وأعلن البلدان، في فبراير (شباط)، عن الشريحة الأولى من المشاريع في إطار صندوق الاستثمار الجديد، بقيمة 36 مليار دولار مخصصة لثلاثة مشاريع بنية تحتية. وذكر بيان يوم الخميس أن هذه المشاريع ستضمن الأمن من خلال «تسريع النمو الاقتصادي للبلدين، مما يمهِّد الطريق لعصر ذهبي جديد للتحالف الياباني الأميركي المتنامي باستمرار».

وأشادت الولايات المتحدة بالمفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، التي بنتها شركة «جي إي فيرنوفا هيتاشي»، بوصفها «مصدراً هائلاً للطاقة المستقرة للجيل المقبل، مما يُسهم في استقرار أسعار الكهرباء للشعب الأميركي، ويعزز ريادة اليابان والولايات المتحدة في المنافسة التكنولوجية العالمية».

كما أصدر الجانبان خطة عمل لتطوير سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وسط مخاوف بشأن هيمنة الصين على هذا القطاع. وتشمل الخطة مناقشة سياسات وآليات تجارية منسقة، مثل تحديد حد أدنى للأسعار وفقاً للحدود، «مع التركيز مبدئياً على معادن حيوية مختارة».

وأعلن البيت الأبيض أن البلدين سيتعاونان أيضاً في تطوير المعادن الحيوية في أعماق البحار، «بما في ذلك رواسب الطين الغنية بالعناصر الأرضية النادرة بالقرب من جزيرة ميناميتوريشيما اليابانية».

وميناميتوريشيما جزيرة مرجانية يابانية معزولة تقع على بُعد نحو 1950 كيلومتراً (1200 ميل) جنوب شرقي طوكيو. وقد جُمعت رواسب تحتوي على عناصر أرضية نادرة بواسطة قارب حفر علمي ياباني متخصص في أعماق البحار أبحر، في يناير (كانون الثاني)، إلى الجزيرة التي يُعتقد أن مياهها المحيطة بها غنية بالمعادن الثمينة.


تحركات دولية عاجلة لاحتواء أزمة النفط من زيادة المعروض إلى إدارة الاستهلاك

جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية عاجلة لاحتواء أزمة النفط من زيادة المعروض إلى إدارة الاستهلاك

جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)

تسارعت التحركات الدولية لاحتواء تداعيات أزمة الطاقة العالمية مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث تقود الولايات المتحدة وحلفاؤها جهوداً مزدوجة لزيادة الإمدادات وضبط الأسعار، بالتوازي مع مبادرات من وكالة الطاقة الدولية لإدارة الطلب. وفي خضم هذه التحركات، دخلت الصين على خط الأزمة، داعيةً إلى ضمان استقرار تدفقات النفط، في مؤشر على اتساع دائرة القلق العالمي من تداعيات الصدمة الحالية. وفي صدارة المشهد، برزت التحركات الأميركية بوصفها عاملاً رئيسياً في محاولة تهدئة الأسواق؛ فقد أعلنت واشنطن أنها تدرس رفع العقوبات عن شحنات النفط الإيراني العالقة في البحر، إلى جانب إمكانية الإفراج عن كميات إضافية من الاحتياطي الاستراتيجي، في خطوة تهدف إلى تعزيز المعروض وكبح جماح الأسعار. كما أشارت بيانات حديثة إلى احتمال زيادة الإنتاج الأميركي، خصوصاً مع إعادة تشغيل آبار متوقفة في ولاية داكوتا الشمالية، ما يعزز الإمدادات على المدى القريب. وترافقت هذه الجهود مع تحرك دبلوماسي واسع؛ إذ أعلنت دول أوروبية كبرى إلى جانب اليابان استعدادها للمساهمة في تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

كما كشفت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مساعٍ لاحتواء التصعيد، حيث طلب من إسرائيل تجنُّب استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، في محاولة لتقليل مخاطر تفاقم الأزمة.

علاوة الحرب

هذه التحركات انعكست سريعاً على الأسواق، حيث تراجعت أسعار النفط في تعاملات الجمعة، مع انخفاض خام برنت إلى نحو 108.26 دولار للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط إلى 95.27 دولار، بعد أن فقدت الأسعار جزءاً من «علاوة الحرب»، مع تنامي الآمال بتهدئة التوترات. ومع ذلك، لا تزال الأسعار مرتفعة؛ إذ يتجه برنت لتحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 5 في المائة؛ ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين في السوق.

إجراءات غير مسبوقة

وفي موازاة ذلك، تقود وكالة الطاقة الدولية مساراً مكملاً يركز على جانب الطلب، في تحول لافت في إدارة أزمات الطاقة؛ فبعد قرارها ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، وهو الأكبر في تاريخها، طرحت الوكالة مجموعة إجراءات عملية لتخفيف الضغط على المستهلكين، تشمل العمل من المنزل، وتقليل السرعات على الطرق، وتجنب السفر الجوي عندما تتوفر بدائل. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على زيادة المعروض فقط، بل تتطلب أيضاً إدارة الاستهلاك بشكل مباشر.

وأكد المدير التنفيذي للوكالة، فاتح بيرول، أن هذه الإجراءات تمثل أدوات «فورية وملموسة» يمكن أن تحد من أثر ارتفاع الأسعار، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال صدمة الطاقة إلى معدلات التضخم العالمية.

غير أن فعالية هذه الإجراءات تبقى مرتبطة بتطورات الوضع الأمني، خصوصاً في مضيق هرمز. فحتى مع التوصل إلى ترتيبات لتأمين الملاحة، يشير محللون إلى أن استعادة سلاسل الإمداد بشكل كامل قد تستغرق وقتاً، ما يعني استمرار تقلب الأسعار في المدى القريب.

ناقلة نفطية صينية قرب ميناء في هونغ كونغ (رويترز)

وفي هذا السياق، برز الموقف الصيني بوصفه عنصراً مهماً في معادلة التوازن العالمي؛ فقد دعت بكين جميع الأطراف إلى ضمان استقرار إمدادات النفط وتدفقها دون عوائق، في رسالة تعكس قلقها من تأثيرات الأزمة على اقتصادها الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية إضافية، في ضوء بيانات حديثة، أظهرت أن واردات الصين من النفط الروسي سجلت مستوى قياسياً خلال أول شهرين من العام، إذ بلغت نحو 21.8 مليون طن، بما يعادل 2.7 مليون برميل يومياً، بزيادة 41 في المائة على أساس سنوي. ويشير ذلك إلى أن بكين تسعى إلى تنويع مصادرها وتعزيز شراكاتها مع موسكو لتأمين احتياجاتها في ظل التقلبات الجيوسياسية.

وفي المقابل، تراجعت واردات الصين من بعض المصادر الأخرى، مثل ماليزيا، ما يعكس إعادة تشكيل تدريجية لخريطة تدفقات الطاقة العالمية. كما أن غياب واردات معلنة من إيران في البيانات الرسمية يسلط الضوء على تعقيدات المشهد المرتبط بالعقوبات والتجارة غير المباشرة.

ومن زاوية الأعمال، تفرض هذه التطورات تحديات كبيرة على الشركات، خاصة في قطاعات النقل والصناعة. فارتفاع الأسعار وتذبذبها يزيدان من تكاليف التشغيل، بينما تخلق المخاطر الأمنية في الممرات البحرية حالة من عدم اليقين في سلاسل الإمداد.

وفي الوقت ذاته، قد تفتح الأزمة فرصاً في مجالات كفاءة الطاقة والتكنولوجيا، مع توجه الشركات إلى تقليل استهلاكها والاعتماد على حلول أكثر مرونة. وتكشف أزمة النفط الحالية عن تحولات عميقة في طريقة تعامل العالم مع صدمات الطاقة، حيث تتداخل الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية وإدارة الطلب في محاولة لاحتواء التداعيات. وبين تحركات الولايات المتحدة وحلفائها، ومبادرات وكالة الطاقة الدولية، ودعوات الصين للاستقرار، يبقى مستقبل السوق مرهوناً بسرعة تهدئة التوترات في الشرق الأوسط. وحتى ذلك الحين، ستظل الأسواق العالمية في حالة ترقب، فيما تسعى الحكومات إلى تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار واستمرار النمو الاقتصادي.


«غولدمان ساكس»: النفط قد يبقى فوق 100 دولار حتى 2027

صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)
صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)
TT

«غولدمان ساكس»: النفط قد يبقى فوق 100 دولار حتى 2027

صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)
صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)

قال بنك «غولدمان ساكس» إن أسعار النفط مرشحة للبقاء فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة مطولة قد تمتد حتى عام 2027.

وأوضح أن استمرار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وتضرر البنية التحتية للطاقة جراء الحرب الإيرانية، يضعان السوق أمام مخاطر صعودية حادة قد تدفع خام برنت لتجاوز مستواه القياسي التاريخي المسجل في عام 2008، إذا ما استمرت الانقطاعات في الضغط على مخزونات الطاقة العالمية.

يرى البنك أن «صدمة هرمز» الحالية وحالة عدم اليقين المحيطة بتوقيت إعادة فتح المضيق ستلقي بظلالها على الأسواق لسنوات. وبالاستناد إلى أكبر خمس صدمات عرض شهدها العالم في الـ50 عاماً الماضية، يقدر «غولدمان ساكس» أن تضرر البنية التحتية ونقص الاستثمارات قد يؤديان إلى انخفاض الإنتاج، مما يعني أن العجز في المعروض لن يكون عابراً بل سيستمر عامل ضغط أساسي على الأسعار حتى نهاية 2027.

من المتوقع أن تؤدي المخاطر الجيوسياسية المستمرة إلى تغيير استراتيجيات الطاقة العالمية؛ حيث يرجح التقرير أن تبدأ الدول في تسريع بناء مخزوناتها الاستراتيجية (SPR) بوتيرة أسرع بدءاً من عام 2027. هذا التوجه نحو التأمين الذاتي للطاقة سيزيد من مستويات الطلب في السوق، مما يضيف زخماً إضافياً لبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، تعويضاً عن الانخفاض المتوقع في الاحتياطات بنهاية عام 2026.