أكرم زعتري... نحتٌ ينتشلُ الحكاية من زوالها

الفنان اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: أحمال الأرض أيضاً تستحق أن تُروى

محاولة لانتشال حكاية مسرحُها الماضي من قسوة الطمس (الشرق الأوسط)
محاولة لانتشال حكاية مسرحُها الماضي من قسوة الطمس (الشرق الأوسط)
TT

أكرم زعتري... نحتٌ ينتشلُ الحكاية من زوالها

محاولة لانتشال حكاية مسرحُها الماضي من قسوة الطمس (الشرق الأوسط)
محاولة لانتشال حكاية مسرحُها الماضي من قسوة الطمس (الشرق الأوسط)

ينتصرُ الفنان اللبناني أكرم زعتري لما فُقِد أو أُزيح من مكانه. تنتصب منحوتته «كلّ ما يأبى الزوال: حجر تبنيت» في باحةٍ خارجية بإمارة الشارقة، مُشاركةً في البينالي المستمرّ حتى يونيو (حزيران) المقبل. فالعمل المُنجَز عام 2022، إعادة إنتاج لحجر عُثر عليه في المدافن الملكية بمدينة صيدا جنوب لبنان، لكنه تعرَّض للتفريط به بُعيد إيجاده. تجسُّد المنحوتة المُعلَّقة بحبال، كأنها تُشكِّل لها نجاة من الجاذبية، إمكانَ استعادة حكاية مسرحُها الماضي لانتشالها من قسوة الطمس.

بدا الشكل غريباً، حمَّال أوجه، مفتوحاً على التأويل. يقف بين الحبال مثل مَن يحمل همَّ البقاء على قيد الحياة، متصدّياً لمباغتة الإنسان والعوامل. يُريده الفنان تجربة عنيدة، تختزنُ من الثقل المُمثَّل بالحجر، رمز الحِمْل والذاكرة، ما تختزنه من خفَّة يمثّلها ارتفاعه عن الأرض وخروجه إلى العلن من الطمس العميق. العناد مردّه إصراره على الوقوف بوجه مصيره الزائل وإعادة كتابته بما يُبدِّد الزوال المؤلم.

ينتصرُ الفنان اللبناني أكرم زعتري لما فُقِد أو أُزيح من مكانه (الشرق الأوسط)

هذه مشاركته الثالثة في بينالي الشارقة بعمل نحتي غير تقليدي. فمنحوتته إعادة إنتاج حجر دُمِّر عام 1887 في صيدا، مدينته. يعود بالحكاية إلى مايو (أيار) من ذلك العام، عندما بدأ الفنان العثماني عثمان حمدي بك، التنقيب، فصادف بئراً تؤدّي إلى غرفتين على عمق 12 متراً تحت الأرض. كانت إحداهما فارغة إلا من بلاطٍ حجري متراصٍّ، كشف عند إزالته عن حجر مُربَّع نُحتت في جوانبه 8 قنوات نصف دائرية، في إشارة إلى استخدام الحبال لإنزاله. كان على حمدي بك أن يُفتّت الحجر للوصول إلى تابوت الملك تبنيت المُخبّأ تحته. وعام 1892، شارك الفنان العثماني في تأليف كتاب حول نتائج التنقيب في مدافن صيدا، تضمَّن رسماً تفصيلياً لذلك الحجر، استُخدِم مرجعاً لإعادة إنتاجه بمقياس أصغر. يقترح «كل ما يأبى الزوال: حجر تبنيت» إمكان حَمْله بحبل واحد من خلال هذه القنوات.

ما افتتح به حديثه مع «الشرق الأوسط» يورده شرحٌ مقتضب للمنحوتة على مسافة أمتار منها. بعضٌ يحاول تبديد الاستغراب بقراءة الأسطر القليلة لفكّ المعاني خلف العمل. عنه يقول: «هو تجربة تعليق. ثيمة البينالي هذه السنة تُحاكي أشكال الأحمال الإنسانية. لذا اختير. ليست للخيار علاقة بعِلمَي الآثار والتاريخ. ولا أيضاً بمدينة صيدا. إنه الحِمْل الذي يؤرقنا فنجد استراحة بتشاركه».

إصرار على الوقوف بوجه المصير الزائل وإعادة كتابته (الشرق الأوسط)

لطالما شغل تاريخُ صيدا أكرم زعتري وحرّضه على نبشه: «عملي ميّال إلى التاريخ. في بيروت، أنشأتُ (المؤسّسة العربية للصورة) لاهتمامي بالتصوير الفوتوغرافي ودرستُ تاريخه. العثور على ناموس الملك تبنيت في الحفرية بمدافن صيدا حرّك فضولي. أردتُ تبسيط الحكاية للآخرين. تعنيني مسألة جَمْع الشمل. كما تفترق عائلات ويتشتّتُ أفرادها، ثمة في الأرض روايات عن الفراق. أحمال الأعماق أسوةً بأحمال السطح، تستحق أن تُروى».

ولأنه حجر لقي التكسُّر، ولم يملكه أحد نتيجة ذلك، فقد أتاح للفنان حرّية إعادة إنتاجه، من دون استئذان، في حين أنّ إعادة الإنتاج تلك لو تناولت عملاً معروضاً في متحف، لوَجَب الاتصال بالقيّمين عليه واستئذانهم لتصويره والتصرّف به.

الموضوعات التي يعمل عليها تتحوّل فوتوغرافاً أو نحتاً أو سينما أو تجهيز غرف تحتوي صوراً ثلاثية البُعد. وعمله هذا تجريب لكيفية الحَمْل باستخدام تفاصيل فكَّر بها الفينيقيون، والتمهُّل أمام تحلّيهم بالعِلم وبُعد النظر. هذا التجسُّد النحتي يتيح إعادة الاتصال بالتقنيات البدائية المفقودة اليوم. ففي زمن لم تبلغه الكهرباء ولا الأدوات المتطوّرة، استطاعوا إنزال الحجر 12 متراً تحت الأرض عبر قناة تُشبه البئر من دون التسبُّب بضرره. يقول الفنان: «التقنيات الحديثة شاركت في عملية السلب. فالهاتف مثلاً سلب شيئاً من الذاكرة، إذ كنا نحفظ الأرقام، ولم نعد نحتاج إلى ذلك. لم أقدّم أعمالاً من صنف الخيال العلمي ولم يؤرقني المستقبل. الماضي فعل. لا أهدأ قبل معرفة الحكاية».

منحوتة «كلّ ما يأبى الزوال: حجر تبنيت» في بينالي الشارقة (الشرق الأوسط)

بدأ أكرم زعتري من الهندسة المعمارية وامتهن صناعة الأفلام بعد دراسة السينما. ولاحقاً توسَّع: «لا أؤمن بالحواجز بين الوسائط في الفنون. ما دام الفنان قادراً على التفكير سينمائياً، فبإمكانه أن يُنجز فيلماً. وما دام قادراً على التفكير فوتوغرافياً، فيستطيع إقامة معرض للصور. يستميلني تجريب كل جديد. لم يمرَّ وقتٌ طويل على بداية علاقتي بإنجاز الأشياء الحجرية. أحاول إنتاج ما أُصيب بالاختفاء وربط أطراف الحكاية المفقودة. أفعل ذلك لرغبتي في إتمام المصالحة بين كلّ شيء. برأيي، هذا هو دور الفنّ».

والحجر خزان معلومات، يُحرّك أسئلة حول تركيبته الجيولوجية في البيئة المحيطة به المتراكمة عبر السنوات: «لا نملك تقنية فَهْمه، لكنّ الاكتشافات تحاول ذلك. حين نشاهد الأحفوريات، نعلم أنها ليست مجرّد مادة حجرية، وإنما مُجسّم لسمكة أو حيوان. أحبّ الحضور المُكوَّن من انتماءين أو وجهين. جميع الأحجار كانت شيئاً آخر غيره واقعها الحالي».

يرى أكرم زعتري أنّ هدف «الفنان الجيّد» تعليم المتلقّي ما تعلَّمه، فيُشاهد من عينيه: «همومٌ تؤرقني فأُجسّدها. أشاء أن تصل إلى الآخرين فتُطوّر حسَّهم. تنمية الحسّ غايتي. في جميعنا ملايين الأحاسيس لم ننمِّها».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق عمل لأبها حسن من اليمن (الشرق الأوسط)

«حتى الآن»... رحلة تعليمية تتحول إلى خطاب بصري مكتمل

في  حي الزمالك بالقاهرة يحتضن «كايرو غاليري» معرضاً بعنوان «حتى الآن»، الذي يأتي بوصفه حصيلة تجربة تعليمية مكثف.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

في حي مشيرب؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية.

عبير مشخص (الدوحة)
يوميات الشرق رانيا ستيفان تقف متسائلة عن أهمية الوقت ين الأمس واليوم (الشرق الأوسط)

معرض «ألم يحن الوقت؟» يعبر بنا الخيال العلمي

هل خطرت لك يوماً أفكار عن نهاية العالم؟ وهل تحوّلت تلك التصوّرات إلى أسئلة ملحَّة؟ عن هذه الهواجس تنطلق رانيا ستيفان في معرضها «ألم يحن الوقت؟».

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الرسم على الماء تقنية فنية قديمة يستعيدها محمد عبلة (الشرق الأوسط)

«الرسم على الماء»... لوحات تُلاعب الطبيعة والحكايات الشعبية

تحت عنوان «الرسم على الماء»، يستعيد الفنان محمد عبلة فناً مصرياً من عصر الورّاقين والكتبة الذين ظهروا في فترة تاريخية قديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.