«مايكروسوفت» تبتكر «حالة جديدة من المادة» لتشغيل الكمبيوتر الكمومي

تسهل تصميمه خلال سنوات بدلاً من عقود

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
TT

«مايكروسوفت» تبتكر «حالة جديدة من المادة» لتشغيل الكمبيوتر الكمومي

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»
الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»

إن أي شخص حضر فصل العلوم في الصف الثالث يعرف أن هناك ثلاث حالات أساسية للمادة: الصلبة والسائلة والغازية.

الشرائح الإلكترونية الحاوية على «كيوبتات طوبولوجية»

أساسيات صنع الكومبيوتر الكمومي

غير أن شركة مايكروسوفت تقول الآن إنها خلقت حالة جديدة للمادة في سعيها لصنع الكمبيوتر الكمومي، آلة الحوسبة العملاقة، التي يمكن أن تسرع من تطوير كل شيء من البطاريات إلى الأدوية إلى الذكاء الاصطناعي.

وأعلن علماء «مايكروسوفت» يوم امس الأربعاء، إنهم بنوا ما يعرف باسم «كيوبت طوبولوجي» (topological qubit) الذي يمكن تسخيره لحل المشاكل الرياضية والعلمية والتكنولوجية.

ومع هذا التطور، ترفع «مايكروسوفت» الرهان في المجال الذي يعتقد أنه سيكون السباق التكنولوجي الأكبر القادم، إلى ما هو أبعد من سباق اليوم على الذكاء الاصطناعي.أذ طارد العلماء حلم تصميم الكومبيوتر الكمومي - وهو الجهاز الذي يمكنه استغلال السلوك الغريب والقوي للغاية للجسيمات دون الذرية الدقيقة أو الأجسام الباردة للغاية - منذ ثمانينيات القرن العشرين.

التنافس مع «غوغل»

وقد اشتدت الضغوط في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عندما كشفت «غوغل» عن كمبيوتر كمومي تجريبي يحتاج إلى خمس دقائق فقط لإكمال حساب لا تستطيع معظم أجهزة الكمبيوتر العملاقة إنهاؤه في عشرة سبتلييون (10 أس 24) سنة - أي فترة أطول من عمر الكون المعروف.

وقد تتفوق تكنولوجيا الكم من «مايكروسوفت» على الأساليب قيد التطوير في «غوغل». وكجزء من بحثها، قامت الشركة ببناء كيوبتات طوبولوجية متعددة داخل نوع جديد من شرائح الكمبيوتر التي تجمع بين نقاط قوة أشباه الموصلات التي تعمل على تشغيل أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية مع الموصلات الفائقة التي تستخدم عادة لبناء كمبيوتر كمومي.

«الكيُوبِت أو بِت كمومي (qubit أو qbit) في الحوسبة الكمومية - وحدة المعلومات الكمومية، وهي المقابل الكمومي للبِت التقليدي في تقنية المعلومات».

عندما يتم تبريد مثل هذه الشريحة إلى درجات حرارة منخفضة للغاية، فإنها تتصرف بطرق غير عادية وقوية تعتقد «مايكروسوفت» أنها ستسمح لها بحل المشكلات التكنولوجية والرياضية والعلمية التي لم تتمكن الآلات الكلاسيكية من حلها أبداً. وقالت الشركة إن التكنولوجيا ليست متقلبة مثل التقنيات الكمومية الأخرى، ما يجعل من السهل استغلال قوتها.

تشكيك وتفاؤل

يتساءل البعض عما إذا كانت «مايكروسوفت» قد حققت هذا الإنجاز، وقال العديد من الأكاديميين البارزين إن أجهزة الكمبيوتر الكمومية لن تتحقق بالكامل لعقود من الزمان. لكن علماء «مايكروسوفت» قالوا إن أساليبهم ستساعدهم في الوصول إلى خط النهاية في وقت أقرب.

تشيتان ناياك قرب أجهزة تبريد مكونات الكمبيوتر الكمومي

وقال تشيتان ناياك، الباحث التقني في «مايكروسوفت»، الذي قاد الفريق الذي بنى التكنولوجيا: «ننظر إلى هذا على أنه أمر بعيد لسنوات، وليس عقوداً».

تضيف تكنولوجيا «مايكروسوفت»، التي تم تفصيلها في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نتشر» أمس الأربعاء، زخماً جديداً لسباق يمكن أن يعيد تشكيل المشهد التكنولوجي. وبالإضافة إلى تسريع التقدم عبر العديد من المجالات التكنولوجية والعلمية، يمكن أن يكون الكمبيوتر الكمومي قوياً بما يكفي لكسر التشفير الذي يحمي الأسرار الوطنية.

تنافس أميركي صيني أوروبي

ومن المقرر أن يكون لأي تقدم آثار جيوسياسية. إذ في حين تستكشف الولايات المتحدة الحوسبة الكمومية في المقام الأول من خلال شركات مثل «مايكروسوفت» وموجة من الشركات الناشئة، قالت الحكومة الصينية إنها تستثمر 15.2 مليار دولار في التكنولوجيا. وقد التزم الاتحاد الأوروبي بمبلغ 7.2 مليار دولار.

وتبنى الحوسبة الكمومية على عقود من الأبحاث في فرع من الفيزياء يسمى ميكانيكا الكم، ولا تزال تقنية تجريبية. وبعد الخطوات الأخيرة التي اتخذتها «مايكروسوفت» و«غوغل» وغيرهما، يبدو العلماء واثقين من أن التكنولوجيا سوف تفي في نهاية المطاف بوعدها. وقال فرانك ويلكزيك، عالم الفيزياء النظرية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «الحوسبة الكمومية هي احتمال مثير للفيزياء، وللعالم».

عمل الكمبيوتر التقليدي

لفهم الحوسبة الكمومية، من المفيد معرفة كيفية عمل الكمبيوتر التقليدي.

يعتمد الهاتف الذكي أو الكمبيوتر المحمول أو الكمبيوتر المكتبي على شرائح صغيرة مصنوعة من أشباه الموصلات، وهي مواد توصل الكهرباء في بعض المواقف ولكن ليس كلها. وتخزن هذه الشرائح الأرقام وتعالجها، وتضيفها، وتضربها، وما إلى ذلك. وتقوم هذه الرقائق بإجراء هذه الحسابات من خلال التلاعب بـ«بتّات» من المعلومات. كل بت يحمل إما 1 أو 0.

عمل الكمبيوتر الكمومي

ويعمل الكمبيوتر الكمومي بشكل مختلف، إذ يعتمد البِت الكمومي، أو الكيوبت، على السلوك الغريب للجسيمات دون الذرية أو المواد الغريبة المبردة إلى درجات حرارة منخفضة للغاية.

عندما يكون الجسيم صغيراً للغاية أو شديد البرودة، يمكنه أن يتصرف مثل جسمين منفصلين في نفس الوقت. ومن خلال تسخير هذا السلوك، يمكن للعلماء بناء كيوبت يحمل مزيجاً من 1 و 0. وهذا يعني أن كيوبتين يمكنهما حمل أربع قيم في وقت واحد. ومع نمو عدد الكيوبتات، يصبح الكمبيوتر الكمومي أقوى بشكل كبير.

تستخدم الشركات مجموعة متنوعة من التقنيات لبناء هذه الآلات. ففي الولايات المتحدة، تقوم معظم الشركات، بما في ذلك «غوغل»، ببناء كيوبتات باستخدام المواد فائقة التوصيل، وهي مواد توصل الكهرباء دون فقدان الطاقة التي تنقلها. وتصنع هذه الموصلات الفائقة عن طريق تبريد المعادن إلى درجات حرارة منخفضة للغاية.

مدير «القاعة النقّية» في مختبرات «مايكروسوفت» في ريدموند

راهنت «مايكروسوفت» على نهج لا يتبعه سوى عدد قليل من الشركات الأخرى: الجمع بين أشباه الموصلات والموصلات الفائقة. وقد تم اقتراح المبدأ الأساسي - إلى جانب اسم البت الكمومي الطوبولوجي - لأول مرة في عام 1997 من قبل أليكسي كيتاييف، وهو فيزيائي أميركي روسي الأصل.

بدأت الشركة العمل على هذا المشروع غير المعتاد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما لم يعتقد العديد من الباحثين أن مثل هذه التكنولوجيا ممكنة. إنه أطول مشروع بحثي لشركة مايكروسوفت.

جهاز تجريبي

لقد أنشأت الشركة الآن جهازاً واحداً يتكون من جزء من زرنيخيد الإنديوم indium arsenide (نوع من أشباه الموصلات) وجزء من الألمنيوم (موصل فائق في درجات حرارة منخفضة). عندما يتم تبريده إلى نحو 400 درجة تحت الصفر، فإنه يُظهر نوعاً من السلوك الآخر الذي قد يجعل أجهزة الكمبيوتر الكمومية ممكنة.

آراء متباينة للخبراء

وقال فيليب كيم، أستاذ الفيزياء بجامعة هارفارد، إن ابتكار «مايكروسوفت» الجديد كان مهماً لأن البتات الكمومية الطوبولوجية يمكن أن تسرع من تطوير أجهزة الكمبيوتر الكمومية. وأضاف: «إذا نجح كل شيء، فقد يكون بحث (مايكروسوفت) ثورياً».

لكن جيسون أليسيا، أستاذ الفيزياء النظرية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، تساءل عما إذا كانت الشركة قد بنت بالفعل بتاً كمومياً طوبولوجياً، قائلاً إن سلوك الأنظمة الكمومية غالباً ما يكون من الصعب إثباته.

وأضاف أليسيا: «إن البت الكمومي الطوبولوجي ممكن من حيث المبدأ، ويتفق الناس على أنه هدف يستحق العناء. لكن علينا التحقق، مع ذلك، من أن الجهاز يتصرف بكل الطرق السحرية التي تتوقعها النظرية؛ وإلا، فقد يتبين أن الواقع أقل تفاؤلاً لنجاح الحوسبة الكمومية. ولحسن الحظ، أصبحت (مايكروسوفت) الآن مستعدة للمحاولة».

قالت «مايكروسوفت» إنها قامت ببناء ثمانية كيوبتات طوبولوجية فقط، وأنها لم تتمكن بعد من إجراء حسابات من شأنها تغيير طبيعة الحوسبة. لكن باحثي الشركة يرون ذلك كخطوة نحو بناء شيء أقوى بكثير.

أخطاء وانهيارات

وفي الوقت الحالي، لا تزال التكنولوجيا ترتكب الكثير من الأخطاء بحيث لا تكون مفيدة حقاً، على الرغم من أن العلماء يطورون طرقاً للحد من تلك الأخطاء.

في العام الماضي، أظهرت «غوغل» أنه مع زيادة عدد الكيوبتات، يمكنها تقليل عدد الأخطاء بشكل كبير من خلال تقنيات رياضية معقدة. وقال العديد من العلماء إن تصحيح الأخطاء سيكون أقل تعقيداً وأكثر كفاءة إذا تمكنت «مايكروسوفت» من إتقان كيوبتاتها الطوبولوجية.

ورغم أن الكيوبت يمكن أن يحمل قيماً متعددة في نفس الوقت، فإنه مثقل بمشكلة متأصلة. إذ عندما يحاول الباحثون قراءة المعلومات المخزنة في كيوبت، فإنه «يفقد تماسكه» وينهار متحولاً إلى بت كلاسيكي يحمل قيمة واحدة فقط: 1 أو 0.

وهذا يعني أنه إذا حاول شخص ما قراءة كيوبت، فإنه يفقد قوته الأساسية. لذا يحتاج العلماء إلى التغلب على مشكلة أساسية: كيف يمكن صنع جهاز كمبيوتر إذا تعطل كلما استخدمته؟

إن طرق تصحيح الأخطاء التي تتبعها «غوغل» هي وسيلة للتعامل مع هذه المشكلة. إلا أن «مايكروسوفت» تعتقد أنها يمكن أن تحل المشكلة بشكل أسرع لأن كيوبتات الطوبولوجيا تتصرف بشكل مختلف ومن الناحية النظرية أقل عرضة للانهيار عندما يقرأ شخص ما المعلومات التي تخزنها. وقال ناياك: «إنه يشكل كيوبتاً جيداً حقاً».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

علوم شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها

كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

تتغذى، وتنمو، وتتكاثر، وتحمل معظم سمات الحياة، وقادرة على أداء أغلب الوظائف

كارل زيمر (نيويورك)
تكنولوجيا تصميم أنيق ومريح لجميع أحجام وأشكال الأذن

«سوني لينكبدز كليب أوبين» تُعيد تعريف الصوتيات الشخصية

تتحدى عزل الضوضاء التقليدي بدعم لتقنيات الذكاء الاصطناعي

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا 4 حالات (ثنائية الأبعاد في الأعلى وثلاثية في الأسفل) بتصوير الموجات فوق الصوتية تُظهر كيساً وزرعة ثدي ونسيجاً ليفياً كثيفاً وكتلة صلبة (الجامعة)

جهاز محمول بالموجات فوق الصوتية يدعم الكشف المبكر عن سرطان الثدي

يطور باحثو «إم آي تي» نظاماً محمولاً بالموجات فوق الصوتية لتسهيل تصوير الثدي ومتابعة النساء الأكثر عرضة للخطر بانتظام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تستعد «ميتا» لإدخال رقاقة ذكاء اصطناعي مطورة داخلياً إلى الإنتاج في سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«ميتا» تستعد لإنتاج رقاقة ذكاء اصطناعي خاصة لمضاعفة قدرتها الحاسوبية

تستعد «ميتا» لإنتاج رقاقة ذكاء اصطناعي خاصة، ضمن خطة لمضاعفة قدرتها الحاسوبية وتقليل اعتمادها على المورِّدين الخارجيين خلال العام المقبل.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تتحول الطباعة في السعودية من وظيفة مكتبية إلى جزء من منظومة أمن المعلومات والحوكمة المؤسسية (أدوبي)

خاص «فوجي فيلم» لـ«الشرق الأوسط»: الطباعة في السعودية تدخل منظومة حوكمة المعلومات

تتحول الطباعة في السعودية إلى منظومة آمنة لإدارة المعلومات تربط الورق بالأنظمة الرقمية وتدعم الحوكمة والتتبع والامتثال المؤسسي بكفاءة متزايدة.

نسيم رمضان (لندن)

كيف أعاد «المنطق الضبابي» رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي؟

المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري
المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري
TT

كيف أعاد «المنطق الضبابي» رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي؟

المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري
المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري

عندما يدخل مريض إلى العيادة وهو يشكو من ألم في الصدر، نادراً ما تكون الإجابة الطبية فورية أو قاطعة. فالطبيب لا يفكر عادة بمنطق «مريض» أو «سليم»، بل يتحرك داخل مساحة واسعة من الاحتمالات: خطر منخفض أو متوسط أو مرتفع، وأعراض قد تشير إلى أكثر من مرض، وتشخيصات تتغير مع كل معلومة جديدة.

هذه المنطقة الرمادية هي جوهر الممارسة الطبية اليومية، فالجسد البشري لا يتحدث بلغة الأرقام الحاسمة، بل بلغة الاحتمالات وعدم اليقين. ولهذا ظل الطب، لعقود طويلة، أكثر تعقيداً من أن يُختزل في معادلات بسيطة أو قرارات ثنائية جامدة.

ومن هنا برز أحد أكثر المفاهيم إثارة للاهتمام في الذكاء الاصطناعي الحديث: «المنطق الضبابي» (Fuzzy Logic)، وهو نموذج رياضي يسمح للآلة بالتعامل مع درجات الاحتمال والتدرج، بدل الاكتفاء بأحكام صارمة من نوع «نعم» أو «لا». وقد طوّر هذا المفهوم البروفيسور لطفي زادة، عالم الرياضيات الأميركي من أصل أذربيجاني وأستاذ جامعة كاليفورنيا في بيركلي، في ستينات القرن الماضي، قبل أن يعود اليوم إلى قلب النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي بوصفه من الأدوات الواعدة لجعل الذكاء الاصطناعي أقرب إلى الطريقة التي يفكر بها الأطباء في العالم الحقيقي.

كيف يفكر المنطق الضبابي؟

«المنطق الضبابي»

• عودة علمية قوية. لم يكن المنطق الضبابي مجرد فكرة رياضية قديمة عادت إلى الحياة فجأة، بل جاء رجوعه استجابةً لمشكلة بدأت تزداد وضوحاً مع انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة في الطب. ففي مراجعة علمية موسعة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «أنظمة الخبراء مع التطبيقات» (Expert Systems With Applications)، قادها الباحث الإيطالي ماسيمو سالفي من جامعة البوليتكنيك في تورينو، حلّل الباحثون 88 دراسة منشورة بين عامي 2017 و2025 تناولت استخدام المنطق الضبابي في التطبيقات الصحية. وكشفت النتائج عن عودة ملحوظة للاهتمام بهذا المجال منذ عام 2023، بعد سنوات من هيمنة نماذج التعلم العميق التي بدت لفترة طويلة الخيار الأكثر تطوراً في الذكاء الاصطناعي الطبي.

لكن مع اتساع استخدام هذه النماذج، ظهرت مشكلة جوهرية. فأنظمة كثيرة كانت قادرة على الوصول إلى نتائج دقيقة، لكنها لم تكن قادرة دائماً على تفسير الكيفية التي وصلت بها إلى تلك النتائج. وهكذا برز ما يعرف في الأوساط العلمية بـ«مشكلة الصندوق الأسود»، حيث تقدم الخوارزمية الإجابة، لكنها لا تكشف بوضوح مسار التفكير الذي قاد إليها.

وفي الطب، لا تكفي الدقة وحدها. فالأطباء لا يريدون معرفة التشخيص فقط، بل يريدون فهم المنطق الذي يقف وراءه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات قد تؤثر في حياة المرضى. وهنا عاد المنطق الضبابي إلى الواجهة، ليس بوصفه منافساً للذكاء الاصطناعي الحديث، بل أداةً قد تساعد على جعل قراراته أكثر شفافية وقابلية للفهم.

• كيف يفكّر المنطق الضبابي؟ تكمن الفكرة الأساسية في المنطق الضبابي في أنه لا يجبر الآلة على الاختيار بين «نعم» و«لا» فقط، بل يسمح لها بالتعامل مع درجات متعددة من الاحتمال وعدم اليقين. فبدل أن تصنّف الحالة على أنها مرض أو لا مرض، تستطيع الخوارزمية أن تقدّر أن خطر الإصابة مرتفع أو متوسط أو منخفض، وأن بعض المؤشرات تميل إلى تشخيص معين أكثر من غيره.

وهذا ما يجعل المنطق الضبابي أقرب إلى طريقة التفكير السريري التي يعتمدها الأطباء في حياتهم اليومية. فالقرار الطبي لا يُبنى غالباً على معلومة واحدة حاسمة، بل على مجموعة من المؤشرات التي تختلف قوتها وأهميتها من مريض إلى آخر.

ووفقاً للمراجعة العلمية، دخل المنطق الضبابي اليوم إلى عدد كبير من التطبيقات الطبية، شملت تحليل صور الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية، واكتشاف أورام الدماغ، وتشخيص الأمراض العصبية المرتبطة بتدهور وظائف الدماغ مثل ألزهايمر وباركنسون، فضلاً عن تحليل إشارات الدماغ والقلب ودعم القرار السريري داخل المستشفيات.

واللافت أن بعض الأنظمة التي جمعت بين المنطق الضبابي وتقنيات التعلم العميق حققت مستويات دقة تجاوزت 95 في المائة ببعض تطبيقات التصوير الطبي وتحليل الإشارات الحيوية، ما يشير إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي قد لا يعتمد على قوة الخوارزميات وحدها، بل على قدرتها على التعامل مع التعقيد وعدم اليقين اللذين يميزان الطب الحقيقي.

المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري

تحديات الجيل الحديث للذكاء الاصطناعي

يرى الباحثون أن عودة المنطق الضبابي لا تعكس حنيناً إلى فكرة قديمة، بل استجابة لتحديات جديدة فرضها الجيل الحديث من أنظمة الذكاء الاصطناعي. فمع ازدياد قوة الخوارزميات وقدرتها على تحليل كميات هائلة من البيانات، برزت في المقابل مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن الدقة نفسها: قابلية التفسير.

فالطب بطبيعته لا يقوم على حقائق مطلقة دائماً. فالأعراض قد تتشابه بين أمراض مختلفة، وصور الأشعة قد تحتمل أكثر من قراءة، والبيانات السريرية قد تكون ناقصة أو غير مكتملة. وفي مثل هذه البيئات المليئة بالغموض وعدم اليقين، تبدو الأنظمة القادرة على التعامل مع التدرج والاحتمالات أكثر قرباً من التفكير السريري الحقيقي.

ولهذا يكتسب المنطق الضبابي أهمية متجددة، لأنه لا يكتفي بتقديم إجابة نهائية، بل يستطيع التعبير عن درجة الثقة ومستوى عدم اليقين المرتبطين بالقرار الطبي نفسه. وبذلك لا يحصل الطبيب على النتيجة فقط، بل على صورة أوضح لكيفية الوصول إليها وحدود الثقة بها.

ومن هنا يرى عدد كبير من الباحثين أن الجيل المقبل من الذكاء الاصطناعي الطبي قد لا يُقاس فقط بسرعة المعالجة أو حجم البيانات التي يحللها، بل بقدرته على تفسير قراراته بطريقة يفهمها الطبيب ويستطيع الدفاع عنها أمام المريض.

الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي الطبي

«الذكاء المرن»

• من «الآلة الدقيقة» إلى «الذكاء المرن». وربما تكمن أكثر النتائج إثارة في هذه المراجعة العلمية في التحول الفكري الذي بدأ يتشكل داخل أبحاث الذكاء الاصطناعي الطبي نفسها. فبعد سنوات من التركيز على بناء أنظمة تعتمد على البيانات الضخمة والقدرات الحسابية الهائلة، بدأ الباحثون يدركون أن التفكير الطبي البشري لا يقوم على الأرقام وحدها.

فالطبيب الخبير لا يتخذ قراره اعتماداً على نتيجة مخبرية أو صورة شعاعية فقط، بل يدمج بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والتقدير التدريجي للمخاطر والاحتمالات. وبعبارة أخرى، فإن جزءاً مهماً من التفكير الطبي يعيش داخل المنطقة الرمادية التي يصعب اختزالها في معادلات رقمية صارمة.

ولهذا بدأت تظهر أنظمة هجينة تجمع بين تقنيات التعلم العميق والمنطق الضبابي، في محاولة للاستفادة من قوة الحوسبة الحديثة دون التخلي عن المرونة التي تميز التفكير السريري البشري. ويصف بعض الباحثين هذا التوجه بأنه انتقال من «الآلة الدقيقة» إلى «الذكاء المرن»؛ أي ذكاء لا يسعى فقط إلى العثور على الإجابة الصحيحة، بل إلى فهم درجة عدم اليقين الكامنة داخل السؤال نفسه.

وفي عالم الطب، قد يكون هذا الفارق بالغ الأهمية، لأن القرار الأفضل ليس دائماً ذلك الذي يبدو الأكثر يقيناً، بل ذلك الذي يدرك حدود يقينه أيضاً.

• هل يقترب الذكاء الاصطناعي من طريقة تفكير الطبيب؟ ربما لا تكمن أهمية المنطق الضبابي في كونه أداة رياضية جديدة، بل في أنه يعكس تحولاً أعمق في الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى الذكاء الاصطناعي نفسه. فبعد عقود من السعي إلى بناء أنظمة أكثر سرعة ودقة، بدأ الاهتمام يتجه نحو بناء أنظمة أكثر قدرة على التعامل مع الغموض وعدم اليقين، وهما عنصران يلازمان الممارسة الطبية منذ نشأتها.

إن الطبيب لا يواجه يومياً حقائق مطلقة، بل يتعامل مع أعراض غير مكتملة، وبيانات ناقصة، واحتمالات تتغير مع كل معلومة جديدة. ولهذا لا تقوم الخبرة السريرية على اليقين الكامل، بل على القدرة على اتخاذ القرار في ظل قدر من الشك المحسوب.

ومن هنا تكتسب عودة المنطق الضبابي دلالة تتجاوز الجانب التقني. فهي تشير إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي قد لا يكون في بناء أنظمة تفكر بطريقة أكثر صرامة من الإنسان، بل في تطوير أنظمة تفهم أن العالم الحقيقي ليس أبيض أو أسود دائماً. فكلما اقتربت الخوارزميات من فهم المنطقة الرمادية التي يعيش فيها الطب، ربما اقتربت خطوة إضافية من فهم الطريقة التي يفكر بها الأطباء أنفسهم.


«الذكاء الاصطناعي المصغر» لرصد الأدوية المزيفة والآفات الزراعية

باحث برازيلي  يختبر نظام الذكاء الاصطناعي  المصغر لرسم تخطيط القلب
باحث برازيلي يختبر نظام الذكاء الاصطناعي المصغر لرسم تخطيط القلب
TT

«الذكاء الاصطناعي المصغر» لرصد الأدوية المزيفة والآفات الزراعية

باحث برازيلي  يختبر نظام الذكاء الاصطناعي  المصغر لرسم تخطيط القلب
باحث برازيلي يختبر نظام الذكاء الاصطناعي المصغر لرسم تخطيط القلب

في صباح أحد أيام عام 2019، كان أديبايو ألونغ يستعد لدخول غرفة فندق بمدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا؛ لعرض حل شركته الناشئة القائم على الذكاء الاصطناعي، لمشكلة خطيرة في الرعاية الصحية الأفريقية: رصد الأدوية المقلََدة، التي تودي بحياة آلاف الأشخاص في جميع أنحاء القارة كل عام.

جهاز "آر اكس سكانر" لرصد الادوية المزيفة

جهاز رصد الأدوية المزيفة بالذكاء الاصطناعي

جهاز «آر إكس سكانر» RxScanner هو مطياف (جهاز للتحليل الطيفي) محمول باليد يفحص حبة الدواء بالأشعة تحت الحمراء، ثم يرسل الملف الجزيئي (تركيبة الجزيئات) للدواء إلى نموذج ذكاء اصطناعي مزود بقاعدة بيانات صيدلانية. وفي غضون ثوانٍ، يحدد الذكاء الاصطناعي الدواء من خلال ملفه الجزيئي، أو يُبلغ بأنه مزيف.

كانت الصيدليات تستخدم النظام في أكثر من اثنتي عشرة دولة، بما في ذلك غانا، وكينيا، وميانمار ونيجيريا، موطن ألونغ. لكن في ذلك الصباح في جنوب أفريقيا، لم يعمل النظام. يقول ألونغ: «لقد صُدمت». تم توصيل جهاز قياس الطيف بنموذج الذكاء الاصطناعي، لكن مركز البيانات كان يبعد 14000 كيلومتر، وكانت سرعة الإنترنت محدودة. ونقل موقع «سييكتروم» لجمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية عن ألونغ قوله: «كان خادمنا (الكومبيوتري) في الولايات المتحدة، وكان الحصول على نتيجة مسح واحد يستغرق مني أكثر من 5 دقائق».

لذا؛ طلب ألونغ على الفور من مهندسيه تصغير نموذج الذكاء الاصطناعي إلى نسخة أقل حجماً، منخفضة الطاقة، وغير متصلة بالإنترنت، بحيث يمكن تشغيلها بالكامل على هاتفه الذي يعمل بنظام أندرويد. وقد أنجزوا ذلك بعد ساعتين؛ ما أنقذ العرض التوضيحي. والأهم من ذلك، أن هذا العمل أثمر عن نسخة جديدة من جهازه، قادرة على التحقق من صحة حبة دواء في أماكن تفتقر إلى الإنترنت عالي السرعة، وأجهزة الكمبيوتر، أو حتى الكهرباء الموثوقة. كما حوّل ألونغ داعماً لهذا النوع من «الذكاء الاصطناعي المصغر».

الذكاء الاصطناعي المصغر للرعاية الصحية عالمياًيختلف الذكاء الاصطناعي المصغر اختلافاً كبيراً عن نماذج اللغة الضخمة (LLMs) ومراكز البيانات فائقة التوسع والاستثمارات التي تبلغ مليارات الدولارات، وهو بعيد عن النقاشات الدائرة 3حول وعي الذكاء الاصطناعي في الدول الغنية. لكن بالنسبة لملايين الأشخاص حول العالم، فإن الذكاء الاصطناعي الوحيد المهم، وغالباً ما يكون النوع الوحيد المتاح، هو «الذكاء الاصطناعي المصغر».

ووفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني)، فلم يستخدم برنامج «تشات جي بي تي» سوى 0.7 في المائة من مستخدمي الإنترنت في أفقر دول العالم، مقارنةً بربع مستخدمي الإنترنت في الدول الأكثر تقدماً.

قال أجاي بانغا، رئيس البنك الدولي، في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي: «يناقش معظم الناس الذكاء الاصطناعي من منظور التعلم الآلي/التوليدي. لكن هذا يتطلب قدرة حاسوبية هائلة، وكهرباء، وبيانات ضخمة، وكوادر مؤهلة لإدارته. وخارج العالم المتقدم، باستثناء ربما الهند والصين، لا تمتلك سوى قلة قليلة من الدول هذه المكونات».

في المقابل، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة أن تقدم خدمات مفيدة، بل ومنقذة للحياة، لسكان المناطق التي تفتقر إلى كل هذه الموارد، كما أوضح بانغا.

رصد الآفات الزراعية واعتلال القلب

وفي الهند، حيث تدعو خطط الحكومة للذكاء الاصطناعي إلى تطوير المزيد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة، تعمل الكثير من هذه الأنظمة لصالح المزارعين.

على سبيل المثال، يقوم نظام يعتمد على الطائرات المسيّرة، طوّره بالا موروجان وزملاؤه في معهد فيلور للتكنولوجيا بالهند، بالتقاط صور لنباتات الكاجو وتحديد تلك التي تظهر عليها بقع تدل على المرض بسرعة. وتُجرى جميع عمليات المعالجة على الطائرة المسيّرة نفسها، لذا لا حاجة إلى حاسوب في الموقع، ولا إلى اتصال بخادم مركزي.

باستخدام نماذج لغوية صغيرة مُدرَّبة على حلّ مشكلة مُحدَّدة، وأحياناً تعمل على أجهزة رخيصة ومنخفضة الطاقة، طُوِّرت تطبيقات أخرى للذكاء الاصطناعي الصغير لتحديد انتشار النمل في مزارع العنب في أوروغواي، والكشف عن وجود البعوض الناقل للملاريا في عدد من الدول، وإجراء تخطيط كهربائية القلب من جهاز أردوينو في مناطق من البرازيل تفتقر إلى المعدات الأكثر تعقيداً.

يقول مارسيلو خوسيه روفاي، الأستاذ في معهد الهندسة ونظم المعلومات بالجامعة الفيدرالية في إيتاجوبا بالبرازيل، والذي شارك في المشاريع الثلاثة: «هذا هو أهم مجال في الذكاء الاصطناعي اليوم. إنه ينمو بسرعة كبيرة».

نماذج صغيرة منخفضة الطاقة

بالنسبة لألونغ وروفاي وغيرهما من المؤيدين لهذه التوجهات، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي الصغير مجرد «اتجاه واعد»، كما وصفه تقرير البنك الدولي، بل قد يكون، على المدى البعيد، الشكل الأمثل للذكاء الاصطناعي الذي سيؤثر في حياة أكبر عدد من الناس ويظل مستداماً بعد أن أصبحت بعض النماذج الضخمة باهظة الثمن بالنسبة لمعظم المستخدمين.

يقول ألونغ: «أعتقد أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يكمن في نموذج ضخم واحد في مركز النظام، بل في ملايين النماذج الصغيرة والدقيقة المنتشرة على نطاق واسع، حيث يحلّ كل نموذج منها مشكلة محددة في سياق معين». ويعود ذلك جزئياً إلى أن شريحة كبيرة من البشرية - بما في ذلك سكان بعض الدول الغنية والنامية - لا تستطيع الوصول إلى أحدث النماذج المتطورة. ولكنه يضيف أن السبب أيضاً هو أن هذه النماذج غير مستدامة.

لا يوجد تعريف دقيق لمصطلح «الذكاء الاصطناعي المصغر»، لكن يُستخدم هذا المصطلح عادةً لوصف نماذج اللغة التي لا تتجاوز بضعة مليارات من المعاملات. (قارن ذلك بالنماذج المتطورة التي قد تحتوي على أكثر من تريليون معامل). هذا الحجم الصغير كافٍ لتشغيلها مباشرةً على الهاتف أو جهاز كمبيوتر «راسبري باي» Raspberry Pi. وهذا ما يسمح لهذه التطبيقات بالعمل على الأجهزة دون الحاجة إلى اتصال بمركز بيانات، وباستهلاك بضعة وحدات واط فقط من الطاقة، التي غالباً ما تُستمد من بطارية أو لوحة شمسية.

يقول روفاي إنه على الرغم من صغر حجمها، فإن هذه النماذج لا تختلف جوهرياً عن نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة. فقد تم إنشاء الكثير من نماذج اللغة المصغرة عن طريق «تقليم» النماذج الكبيرة، أو إزالة المعاملات غير الضرورية للمهمة. والنتيجة هي نظام أقل كفاءة بشكل عام، ولكنه لا يزال ممتازاً في المهمة المحددة التي تم تقليمه من أجلها، كما يقول روفاي.

أما النماذج المصغرة الأخرى، فتُنشأ عن طريق «التقطير». يقول روفاي إن هذه الأنظمة تُدرَّب على محاكاة نموذج كبير، حتى يقترب أداؤها من أداء «المعلم». وفي حالات أخرى، تُخفَّض دقة النموذج الأكبر، على سبيل المثال، بحيث يمكن تشغيل نموذج يعمل على بنية 32 بت على تصميمات 8 بت. أما في الحالات التي يُستخدم فيها تطبيق التعلّم الآلي لتصنيف البيانات أو التنبؤ بالأنماط (مثل غزو النمل)، فيُدرَّب منذ البداية على جهاز صغير، وليس مُستمداً من نموذج أكبر على الإطلاق.

تشغيل على الهاتف

ويضيف روفاي، أن تشغيل كل هذه الأنظمة الصغيرة والمتخصصة أصبح أسهل لسببين: أولهما، كما يقول، هو أن الأجهزة تتحسن وتصبح أكثر كفاءة مع استهلاك طاقة أقل. وهذا يعني أن المزيد من الهواتف يمكنها تشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي صغيرة، لا سيما تلك المُجهزة بوحدات معالجة عصبية، وهي رقائق متخصصة تتولى مهام الذكاء الاصطناعي مثل التعرّف على الوجوه وتغيير السطوع والظلال والتباين في الصور.

في عام 2025، كان ما يزيد قليلاً على ثلث الهواتف الذكية المُشحونة عالمياً قادرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 45 في المائة بنهاية هذا العام، وفقاً لشركة الأبحاث التقنية Counterpoint. وبحلول نهاية العام المقبل، سيتمكن ما يزيد قليلاً على نصف الهواتف الذكية من تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي صغير.

السبب الآخر الذي ذكره روفاي هو تقلص حجم نماذج اللغة. يقول روفاي إن كلاً من Gemma 4 من Google DeepMind (الذي صدر في أبريل/نيسان) وQwen 3.5 من Alibaba «رائعان» للذكاء الاصطناعي الصغير. وكلا النموذجين «مفتوح»؛ ما يعني أن المستخدمين يمكنهم تعديل العلاقات بين المعلمات لتناسب احتياجاتهم. وهذا يُسهّل، على سبيل المثال، «أخذ كمية كبيرة من البيانات، مثلاً من قطاع الألبان، وإعادة تدريب النموذج خصيصاً عليها»، كما يقول روفاي.

وأوضح روفاي هذه الأسباب مستخدماً إحدى أحدث تجاربه. يرفع الجهاز ويقول: «هذا هو أردوينو أونو كيو الجديد، وهو جهاز سعره 50 دولاراً أميركياً مزود بشريحة كوالكوم. أقوم بتشغيل نموذج لغوي هنا، يجمع البيانات من أجهزة الاستشعار ويحللها لاكتشاف برك المياه الصغيرة التي قد تتكاثر فيها البعوض. يستهلك 3 واط فقط لتشغيله».

ومع ذلك، لا أحد يدّعي أن نماذج اللغة الكبيرة ستختفي تماماً. يقول روفاي إن إنشاء ذكاء اصطناعي توليدي يعمل على الهاتف أو أي جهاز صغير آخر يتطلب رؤى معمارية ومعالجة بيانات ونتائج نموذج أكبر. ويضيف: «نحن في حاجة إلى النماذج الكبيرة لإنشاء هذه النماذج الأصغر».

وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي المصغر يُمكن أن يُفيد الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي الكبير، فإن هذه التقنية لا تستطيع حل المشكلات الأكبر المتمثلة في التنمية وعدم المساواة الرقمية، كما يقول ألونغ. إن تطبيق الذكاء الاصطناعي المصغر لن يُعفي الدول من تحدي إنشاء بيئة داعمة للذكاء الاصطناعي، تشمل: طاقة موثوقة، وسلسلة إمداد فعّالة، ونظام تعليمي يُنمّي المواهب اللازمة لإنشاء أدوات الذكاء الاصطناعي.


لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟
TT

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

رغم أن أمراض القلب تُعد السبب الأول للوفاة بين النساء حول العالم، فإن فهم كيفية تطورها لدى النساء ما زال متأخراً مقارنة بالرجال. لكن دراسة أميركية جديدة قد تساهم في سد جزء من هذه الفجوة بعدما كشفت عن دور جين يبدو أنه يؤثر في تكوّن نوع من الترسبات الشريانية التي تظهر لدى النساء أكثر من الرجال.

الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ونُشرت في مجلة «Circulation Research» في 15 أبريل (نيسان) 2026 سلطت الضوء على جين يُعرف باسم MYH9 قد يساعد في تفسير الاختلافات البيولوجية بين الجنسين في تطور أمراض الشرايين التاجية.

لغز قديم في طب القلب

تنشأ معظم أمراض القلب نتيجة تصلب الشرايين وهي عملية تتراكم خلالها الدهون والخلايا والمواد الالتهابية داخل جدران الأوعية الدموية مكوّنة ما يُعرف باللويحات أو الترسبات الشريانية. ولسنوات طويلة ركز الباحثون على اللويحات غير المستقرة التي قد تتمزق فجأة وتسبب جلطات قلبية حادة. لكن هناك نوعاً آخر يُعرف باللويحات الليفية fibrous plaques يتميز بوجود غطاء سميك من الأنسجة الندبية ويُعتقد أنه أكثر استقراراً.

ورغم أن هذا النوع أقل عرضة للتمزق فإنه لا يخلو من الخطورة؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى نوبات قلبية ومضاعفات خطيرة من خلال تآكل سطح اللويحة أو أن تضيق الشرايين بمرور الوقت. وكانت الدراسات السابقة قد أظهرت أن النساء خصوصاً قبل سن الخمسين أكثر ميلاً لتكوين هذه اللويحات الليفية مقارنة بالرجال إلا أن الأسباب البيولوجية وراء ذلك ظلت غير واضحة.

وللوصول إلى تفسير محتمل قام فريق البحث بقيادة ميتي سيفليك، الأستاذة وخبيرة علم الوراثة البشرية في كلية ديفيد جيفن للطب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس والمؤلفة الرئيسية للمقال، بتحليل النشاط الجيني في خلايا العضلات الملساء الوعائية. وهي الخلايا المسؤولة عن الحفاظ على بنية الأوعية الدموية وتلعب دوراً أساسياً في تكوين اللويحات الشريانية.

وشملت الدراسة أكثر من 150 متبرعاً بشرياً 119 منهم ذكور و32 من الإناث. حيث فحص العلماء الخلايا المأخوذة من شرايين القلوب المتبرع بها للزراعة. كما استعانوا ببيانات إضافية من دراسات سكانية واسعة في هولندا والسويد تضم عينات فعلية من اللويحات الشريانية.

وباستخدام أدوات تحليل جيني وحوسبة متقدمة قارن الباحثون أنماط عمل الجينات بين الرجال والنساء، ليس فقط على مستوى الجينات الفردية بل من خلال دراسة الشبكات الجينية التي تعمل معاً داخل الخلايا.

جين يتصدر المشهد

أظهرت النتائج وجود شبكتين جينيتين أكثر نشاطاً لدى النساء، وكانت إحداهما مرتبطة بشكل واضح بجين MYH9. ووجد الباحثون أن ارتفاع نشاط هذا الجين ارتبط بوجود لويحات تحتوي على عدد أكبر من خلايا العضلات الملساء ونسبة أقل من الدهون، وهي السمات المميزة للويحات الليفية الأكثر شيوعاً لدى النساء. كما تبين أن نشاط الجين يتركز في المناطق المسؤولة عن تكوين الغطاء الليفي الذي يغطي اللويحة الشريانية ويحافظ على استقرارها.

ويرجّح العلماء أن MYH9 يؤثر في الطريقة التي تستجيب بها الخلايا الوعائية للضغوط الميكانيكية والإشارات البيولوجية المختلفة، بما في ذلك الهرمونات؛ ما قد يساهم في تشكيل اللويحات بصورة مختلفة لدى النساء والرجال. وتكمن أهمية الدراسة في أنها تقدم تفسيراً بيولوجياً محتملاً لاختلاف أنماط أمراض القلب بين الجنسين، وهي قضية طالما شغلت الباحثين والأطباء. فأعراض أمراض القلب لدى النساء قد تختلف عن الأعراض التقليدية المعروفة لدى الرجال، كما أن بعض الفحوصات التشخيصية قد لا تكشف المرض بالوضوح نفسه. ولهذا السبب تتعرض العديد من النساء للتشخيص المتأخر أو الخاطئ.

ويأمل الباحثون أن يساعد فهم هذه الاختلافات الجينية مستقبلاً على تطوير أساليب أكثر دقة لتقييم خطر الإصابة بأمراض القلب بحيث تراعي الفروق البيولوجية بين النساء والرجال بدلاً من الاعتماد على نموذج واحد للجميع.

ورغم أن النتائج لن تغيّر الممارسات الطبية الحالية بشكل فوري فإنها تمثل خطوة مهمة نحو ما يُعرف بالطب الشخصي أو الدقيق الذي يعتمد على الخصائص الجينية والبيولوجية لكل فرد لتحديد أفضل وسائل الوقاية والعلاج.

ويعمل الباحثون حالياً على دراسة كيفية تأثير الهرمونات الجنسية والكروموسومات الجنسية في نشاط جين MYH9، إضافة إلى محاولة فهم الآليات الدقيقة التي تجعله مؤثراً في تكوين اللويحات الشريانية.

ومع استمرار هذه الأبحاث، قد يصبح بالإمكان في المستقبل تطوير علاجات تستهدف هذا المسار البيولوجي تحديداً؛ ما يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة للوقاية من أمراض القلب وعلاجها، خاصة لدى النساء اللواتي ظللن لفترة طويلة أقل تمثيلاً في الدراسات القلبية.

وتؤكد هذه النتائج حقيقة باتت أكثر وضوحاً في الطب الحديث؛ هي أن أمراض القلب ليست متشابهة لدى الجميع. وقد يكون فهم الاختلافات البيولوجية بين النساء والرجال مفتاحاً لإنقاذ المزيد من الأرواح.