حكايتا ليام نيسون الذي لا يشيخ والقبطان اللبناني الماهر

العربي المذنب والبريء في أفلام الطائرات

ليام نيسون يواجه عدوا مجهولا في «بلا توقف»  -  جودي فوستر كما في «خطة طيران»
ليام نيسون يواجه عدوا مجهولا في «بلا توقف» - جودي فوستر كما في «خطة طيران»
TT

حكايتا ليام نيسون الذي لا يشيخ والقبطان اللبناني الماهر

ليام نيسون يواجه عدوا مجهولا في «بلا توقف»  -  جودي فوستر كما في «خطة طيران»
ليام نيسون يواجه عدوا مجهولا في «بلا توقف» - جودي فوستر كما في «خطة طيران»

«والدي كان واحدا من ثلاثة آلاف ضحية ماتوا في ذلك اليوم. أردت معرفة الجبناء الذين قاموا بها، لا شيء تغيـر. الأمن كذبة كبيرة على الأرض وفي الجو. لا شيء آمن. وأنا ما زلت لا أفهم شيئا».
هكذا يبرر الإرهابي في فيلم جوام كوليت - سيرا «بلا توقف» عمليـته الإرهابية عندما زرع قنبلة في الطائرة ليفجـرها بمن فيها من ركـاب.
المشهد الذي يتولـى فيه شرح مبرراته تلك يقع في الطرف النهائي من الفيلم - الطرف الأضعف، لكنه يكشف عن جملة من المعطيات العملية على أكثر من صعيد في فيلم ينتمي إلى تيار من الأفلام التي دارت أحداثها في طائرات مخطوفة، بعضها مرتبط بدخان إرهاب 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وبعضها، مثل هذا الفيلم، مستوحى منها.

* حاميها حراميها؟
الفيلم حلـق فوق باقي الأفلام التي انطلقت في نهاية الأسبوع الماضي بإيراد مرتفع بمسافة تزيد على ثلاثين مليون دولار. على متنه ممثل في الحادية والستين من العمر اسمه ليام نيسون، ينجز في السنوات الأخيرة نجاحات متلاحقة، يتمنـاها لأنفسهم ممثلو أفلام أكشن أصغر سنـا من بينها: «مخطوفة» (إخراج بيير موريل - 2008)، و«الفريق A» (جو كارناهان - 2010)، و«الرمادي» (كارناهان - 2011)، و«مخطوفة 2» (أوليفر ميغاهون - 2012)، و«غير معروف» الذي مثـله، عام 2011، تحت إدارة المخرج الحالي كوليت - سيرا.
في كل هذه الأفلام، باستثناء «الفريق A»، رجل وحيد في مواجهة الخطر. في «الرمادي»، الخطر كامن في ذئاب ألاسكا، أما في باقي الأفلام فهو موجود في هيئة ذئاب بشرية. والعائلة هي في وسط معظمها: في «مخطوفة» ينبري لاستعادة ابنته من خاطفين ألبان يريدون تحويلها إلى رق أبيض، وفي الجزء الثاني منه نجده يدافع عن زوجته التي خطفتها العصابة ذاتها في عملية انتقامية. في «الرمادي»، يعاني قرار زوجته (نراها في فلاشباك) تركه وهو لا يزال يحبـها. أما في «غير معروف»، فإن العملية التي يتعرض لها مختلفة: زوجته تنكر أنها زوجته، مكتشفا أن هناك من يود انتحال شخصيـته تمهيدا لقتل علماء ولصق العملية، التي ستأخذ شكلا إرهابيا، بعرب.
«بلا توقف» يـعيده إلى كل تلك الجوانب: فيلم أكشن، هو بطله الوحيد. يعاني فقدان ابنته الصغيرة التي أصيبت بالسرطان وماتت، وزوجته التي تركته، مما دفعه إلى الإدمان. ضع هذه التوابل في حكاية تشويقية، تقع أحداثها في طائرة تحمل 150 راكبا وعلى متنها إرهابي أو اثنان ومتفجرة وقوتة تحصل على فيلم شائق، لا بأس بمهاراته، يزيـنه تمثيل نيسون القابل للتصديق حتى بوجود هفوات كبيرة في السيناريو.
حين يبدأ بل ماركس (ليام نيسون) تسلم رسائل هاتفية مباشرة بعد إقلاع الطائرة، يكتشف أن هناك عملية إرهابية دائرة. الرسائل تهدده: فدية قدرها 150 مليون دولار يجري تحويلها إلى رصيده الخاص خلال 20 دقيقة وإلا فسيتم قتل أحد الركاب، ثم قتل آخر بعد عشرين دقيقة أخرى. إنه مارشال جو (نحو 4000 آلاف مثله جرى تعيينهم على الخطوط الأميركية محليا وعبر البحار منذ أحداث 2001) يقوم بما اعتقده مهمـة عادية أخرى ليكتشف أن المهمـة تفوق العادة، خصوصا أن أصحابها أوهموا السلطات أنه هو الخاطف (على طريقة حاميها حراميها)، وهذه أخذت تناديه بالإرهابي. تاريخه النفسي والعاطفي الداكن يقفز إلى الواجهة، وبعد قليل هو من يقتل أولا ولو من دون قصد. ومن قبل أن تحط الطائرة في النهاية سالمة (أو لا تحط) يسقط قتلى آخرون، بينهم الكابتن نفسه.

* البديل اللبناني
هناك عربي بين الركـاب (يقوم به الممثل المصري الأصل أحمد متولـي)، لكن شكوك بيل ماركس تشمل الجميع كما تشمله. كما في فيلم نيسون- كوليت - سيرا السابق «غير معروف»، العربي بريء، بل هو طبيب سيساعد بيل الذي بات يثق به وهو أهل للثقة. لكن وجوده مستخدم للنيل من أصحاب الأحكام الجائرة الذين يعتقدون أنهم يصيبون الهدف حين يرتابون في عربي مسافر على الطائرة ذاتها.
هذا حدث مع فيلم «خطة طيران» (Flightplan) الذي حققه عام 2005 الألماني روبرت شوينتكي، من بطولة جودي فوستر. هناك ركاب، وهناك طائرة أميركية متوجـهة إلى الولايات المتحدة وعلى متنها امرأة وابنتها وركاب كثيرون بينهم عربيان (مايكل إربي وعساف كوهن). المرأة تنام وحين تستيقظ لا تجد ابنتها الصغيرة. كل من على متن الطائرة يجمع على أنه شاهدها وحدها من دون فتاتها. لكنها واثقة، وشكوكها تتوجـه إلى العربيين الجالسين على مقربة. كيف تلومها في أحداث ما بعد سبتمبر 2001؟ أليس إرهابيون عرب هم من ينادون بقلب العالم رأسا على عقب؟
لكن الفيلم يستنتج في النهاية أن العربيين بريئان تماما (ولو أنه يفشل في تسجيل نقطة نقد حيال التهمة الجاهزة)، والجاني، خاطف الفتاة ومدبر المكيدة ليس سوى مارشال الجو كارسون (بيتر سكارسغارد).
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حظرت السلطات الفيدرالية التصوير في المطارات الأميركية كافـة. وحول العالم الغربي، بات من الصعوبة بمكان كبير الحصول على تراخيص تصوير في المطارات خوفا من العواقب. قبل ذلك بعام، قام لبناني من مدينة طرابلس، اسمه طلعت قبطان، بشراء استديو في منطقة تقع شمال مدينة لوس أنجليس بسعر رخيص. الاستديو كان صغيرا ولا يعمل، والكثيرون نصحوه بألا يقدم على هذه الخطوة. لكن طلعت صمـم عليها، ورهن بعض ممتلكاته وأودع أمواله واستدان فوقها ليشتري ذلك الاستديو. أبقاه استديو تصوير كما كان، لكنه حولـه إلى موقع متخصص بالمطارات والطائرات.
تدخل الاستديو فتجد رواقا يمثـل المسافة التي تجتازها وصولا إلى الطائرة. وردهة لا بأس بمساحتها تمثـل تلك التي تواجه مكاتب السفر. وأبواب لحمامات وهمية وأخرى لمداخل خاصـة بالموظفين و... النصف الأمامي لطائرة بمقاعدها الوثيرة.
السينمائي منذ الشباب طلعت قبطان، الذي كان هاجر إلى الولايات المتحدة بحثا عن مستقبل له في هوليوود، لم يكن يعلم بما سيحدث في نيويورك في ذلك اليوم المشؤوم عندما جهــز الاستديو، وفي باله أن كل من يريد التصوير في المطارات يستطيع التصوير في هذا «الموديل» البديل. حين أصدر الـ«إف بي آي» قراره بعدم السماح بالتصوير في المطارات خوفا من فوضى يستغلـها الإرهابيون، تدفـقت الأفلام التي تريد استغلال الاستديو لتصوير أحداث تقع في مطار أو في طائرة. لم يسدد طلعت قبطان ديونه فقط، بل أخذ رصيد حسابه الخاص في البنك يوالي الارتفاع لمستوى لم يكن يتوقـعه.

* سوابق
ما حدث في الجو كان أكثر إثارة لرواد السينما مما حدث مع اللبناني الذي لا يزال يعيش ويعمل هناك. سرب من الأفلام الطائرة حط على شاشات السينما تواكب شعور المشاهد بأن الطائرة قد لا تكون ملاذا آمنا بعد اليوم. وكثير منها يدور حول الشخصية التي يؤديها ليام نيسون في «بلا توقف». شخصية «مارشال الجو» كما يسمـونه، وهو شخص منتدب من الـ«إف بي آي» للقيام برحلات جوية يجلس فيها بين الركاب تحسـبا لأي طارئ.
قد لا يقع ذلك الحادث الرهيب، وقد لا يتطلـب الأمر البحث عن دافع إرهابي للاستيلاء على طائرة مدنية، بل يكفي أن يكون هناك راكب فقد رجاحة عقله، كما الحال مع أدام ساندلر في الفيلم الكوميدي «إدارة الغضب» (2003) حين يتصدى له مارشال الجو (إيزاك سينغلتون) ويجبره على البقاء في مقعده بعدما ارتاب في أنه بات يشكل خطرا على باقي الركـاب.
في العام نفسه، ظهر فيلم بعنوان «مارشال الجو» (Air Marshal)، أخرجه ألان جاكوبفيتز، وفيه إرهابيون عرب يدبـرون عملية خطف للطائرة التي تقلـهم. الفيلم لم يقدر له عرض تجاري في صالات السينما، بل توجـه إلى الفيديو وأسطوانات الديجيتال مباشرة في الولايات المتحدة وألمانيا وعرض في بعض المحطات التلفزيونية الفرنسية. لا أحد بات يذكره.
الفيلم المسحوب مباشرة من عملية 2001 هو «يونايتد 93»، فيلم بول غرينغراس (2006) الذي أريد له أن يكون بحثا في الحقائق التي أدت إلى محنة تلك الطائرة التي سقطت في بعض غابات ولاية بنسلفانيا في يوم الكارثة ذاته. المؤمنون بنظريات المؤامرة ينفون أن يكون لتلك الطائرة وجود (أين الركام؟)، لكن هذا لم يمنع السينما من تقديمها كحقيقة وكرحلة تراجيدية المصير خطفتها مجموعة من الإرهابيين العرب.

* أبو الطائرات
* بعيدا عن الأفلام المستوحاة، فعلا أو خيالا، من عمليات إرهابية ذات طابع سياسي، يبقى فيلم «مطار» الذي أخرجه الراحل جورج سيتون عام 1970 أبا لكل الأفلام اللاحقة. أميركي (فان هفلن) بلا أجندة سياسية ينقل قنبلة على متن الطائرة، وعلى بيرت لانكاستر كشفها. إنتاج كبير حينها (عشرة ملايين دولار)، أنجز 100 مليون دولار آنذاك (أي ما يقارب مع تعديل سعر الدولار) إلى نحو 700 مليون حاليا.



5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
TT

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

في غضون 3 أيام هذا الأسبوع، بلغت الإيرادات الإجمالية لـ5 أفلام معروضة تجارياً على نطاق واسع أكثر من 158 مليون دولار في السوقين الأميركية والكندية فقط.

هذه الأفلام، وفق ترتيبها على سلم الإيرادات خلال الأيام المذكورة، هي: «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، «مايكل» (Michael)، «مجرة سوبر ماريو» (The Super Mario Galaxy)، «مشروع هايل ماري» (Project Hail Mary)، و«هُراء» (Hokum).

ترتيبها حسب إجمالي الإيرادات حتى الآن يختلف عن ترتيبها الأولي، ويأتي كما يلي:

1. «ذا سوبر ماريو غالاكسي» - 403 ملايين دولار.

2. «مشروع هايل ماري» - 319 مليون دولار.

3. «مايكل» - 189 مليون دولار.

4. «الشيطان يرتدي برادا 2» - 82 مليون دولار.

5. «هُراء» - 7 ملايين دولار.

«هامنت» (فوكاس فيتشرز)

فجوة كبيرة

4 من هذه الأفلام مستمرة في عروضها العالمية بإيرادات مرتفعة، وهي: «ذا سوبر ماريو غالاكسي» (888 مليون دولار)، «مشروع هايل ماري» (639 مليون دولار)، «مايكل» (433 مليون دولار)، و«الشيطان يرتدي برادا 2» (239 مليون دولار).

مثل هذه الإيرادات تكاد تكون مستحيلة على الأفلام الفنية والمستقلة، التي تستقبلها المهرجانات بكل استحقاق وترحاب. أنجحها تجارياً في الوقت الحالي هو فيلم «هامنت»، الذي حظي بإعجاب غالبية النقاد خلال الأشهر القليلة الماضية، ويحتل المركز الـ19 بإيراد كلي لا يتجاوز 108 ملايين دولار.

في المقابل، جمع فيلم «صِراط» للمخرج الإسباني أوليڤر لاكس، وهو فيلم نال استحساناً نقدياً منذ عرضه في مهرجان «كان» في مثل هذا الشهر من العام الماضي وحتى فبراير (شباط) من العام الحالي، 13 مليون دولار عالمياً، علماً بأن كلفته جاورت 32 مليون دولار.

هذا لا يجب أن يكون مفاجئاً؛ فالأرقام المذكورة تبرز الفجوة الكبيرة بين الأفلام التي تجذب الجمهور السائد حول العالم وتلك التي تمثل الفن النقي وتُعرض في المهرجانات ويثمنها النقاد.

«مشروع هايل ماري» (أمازون-ج.م.ج)

التحولات النقدية

النظرة النقدية للأفلام من حيث التقييم ومعايير الجودة تغيَّرت على نحو شبه جذري خلال العقود الثلاثين الأخيرة. لقد ازداد عدد النقاد المعجبين بالأفلام الجماهيرية في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2»، الذي يضم مجموعة من الممثلين الذين ظهروا في الجزء الأول عام 2006 ومنهم ميريل ستريب، آن هاثاواي، إميلي بلنت وستانلي توشي، حظي بقبول جيد بين النقاد الأميركيين 62 في المائة إيجابي، و35 في المائة تقييم مختلط وفق موقع (Metacritic).

أحد النقاد في «ذا نيويورك بوست» وصف مشاهدته بأنه «ملزم لكل من يعرف الفرق بين البغل والمضخّة»، بينما أُعجب به آخر في «بوسطن غلوب» بوصفه «ترفيهي للغاية»، وكتب آخر: «متعة بلا إجهاد».

صورة معكوسة

ما يتبدَّى، وليس بالنسبة لهذا الفيلم فقط، بل بشكل متكرر، هو أن النقد الحديث الممارس على المنصات أو في الصحف الكبرى، أوروبياً وأميركياً، بات يميل إلى تأييد الأفلام التي لا تحتاج إلى تشجيع، على أساس أن نسبة قراء النقد في الغرب أقل بكثير من نسبة المتجهين إلى صالات السينما بلا اكتراث بالكتابات النقدية.

في بعض الحالات، يبدو هذا الميل رغبة في تعزيز مكانة الناقد لدى قرائه وصحيفته، بعيداً عن التعرّض للعناصر التي يقوم عليها النقد الجيد، ما يجعل عمله أحياناً وظيفياً أكثر مما هو نقدياً.

في العالم العربي، الصورة معكوسة لكنها ليست بالضرورة أفضل. معظم الكتابات النقدية تركز على البحث في معاني وطروحات الأفلام وليس على تقييمها فنياً. نادراً ما يُذكر اختيار المخرج أو أسلوبه، أو الحديث عن التصوير والموسيقى والمونتاج، أو دراسة الشخصيات وأداء الممثلين.

الغالب هو التركيز على الموضوعات الاجتماعية والسياسية المطروحة، وليس على كيفية تحقيق تلك الطروحات فنياً. وساعد الإنترنت وسهولة الوصول إليه قيام عدد كبير من «النقاد» (إن صح التعبير) باقتباس النصوص الأجنبية أو استلهامها، خصوصاً بالنسبة للأفلام الأميركية.

نلاحظ أن القلة فقط يكتبون عن أفلام وسترن أو رعب أو كوميديا إذا لم تجذب اهتمام النقاد الغربيين، وفي الوقت نفسه، تتبع الآراء النقدية العربية عن كثب تقييمات النقاد الأجانب. فيلم «هامنت» نال إعجاباً في المنشورات العربية، وكذلك «مشروع هايل ماري»، و«مارتي سوبريم»، و«معركة بعد معركة»، و«كان مجرد حادثة»، و«أحلام قطار»، وهي ليست جميعها ذات جودة واحدة، مما يجعل هذه الكتابات أقرب لأن تكون صدى أكثر منها قرارات نقدية مستقلة.

تجاذب النقد والجمهور

أحد الاختلافات الكبيرة بين النقد السينمائي سابقاً واليوم، خصوصاً في الغرب، هو إدماج القارئ عبر مخاطبته مباشرة. كثيراً ما نقرأ عبارات مثل: «ستعجبك ميريل ستريب في هذا الدور»، أو «حين تخرج من هذا الفيلم ستتطلع إلى السماء خوفاً من غزاة فضاء»، أو «ستضحك خلال المشاهدة وبعدها».

على الرغم من أن هذا نوع من التواصل المباشر والساذج الذي يسعى إليه كثير من النقاد، فهو مثال على تحوُّل النقد من تحليل العمل إلى توجيه المشاهد. سابقاً، كان الناقد يتجنَّب الحديث بصفته المتكلم، وكان الهدف تعزيز فهم القارئ للعمل فنياً وموضوعياً، ثم تركه ليختار موقفه بنفسه.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)
«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)
«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)

THE DEVIL

2 WEARS PRADA ★★

إخراج:‫ ديڤيد فرانكل‬

الولايات المتحدة | كوميديا

عروض تجارية (2026)

ما يبقى عالقاً في الذهن من الجزء الأول من هذا الفيلم هو أنه ترفيه يشبه حديث الصالونات، مع الكثير من الأضواء وتصاميم الشعر والأزياء، وقليل من الصدق. كانت رحلة مع الماكياج المناسب لحياة ناشرة مجلة أزياء ناجحة ونجمة بين أترابها.

يبقى عالقاً في الذهن أيضاً أنه، وبسبب هذه العناصر، أصبح عملاً نموذجياً لجمهور ميريل ستريب ودفعة للأمام بالنسبة للممثلتين الجديدتين آنذاك: إميلي بْلنت آن هاثاواي

بعد 20 سنة، يذكّر هذا الجزء الثاني بمستوى الفيلم الأول مستخدماً اللمعة البراقة نفسها. حين تظهر ستريب في أي لقطة من الفيلم، فإن حسابات المخرج فرانكل الأولى هي تأطيرها على نحو صحيح: حجم اللقطة وإضاءتها وما ترتديه ستريب وكيف تبدو بنظارات وبدونها. لا يتدخل في أداء ستريب، التي لا تخطئ للحظة في تجسيد دور رئيسة التحرير ميراندا، ذات التأثير والسطوة، والتي تحاول في هذا الفيلم إنقاذ مجلتها من الأزمة المالية بسبب غزو وسائل التواصل الاجتماعي والنهاية الوخيمة التي تهدد مستقبل مجلتها «رنأواي». تسعى لذلك بالاشتراك مع آندي (هاثاواي)، التي كانت في نهاية الفيلم السابق قد وجدت طريقها للاستقلال بنفسها عن ميراندا.

تتكلم الشخصيات أكثر مما تنفعل. في الواقع، لا يوجد انفعال قد يؤدي إلى خلل في الشخصية. الفيلم حريص على تفادي أي أزمة فعلية من أي نوع لأي شخصية. صحيح أنه يتحدث عن مستقبل داكن للصحافة ومحاولة تلافيه، غير أن ذلك يمر بلا نتوء، وينتهي الفيلم والجميع سعيد بما حققه. المستقبل قد لا يكون داكناً كما نعتقد.

يرقص السيناريو على وقع ربط الشخصيات بأدوارها السابقة. النصف الأول منه يشبه تأسيس أثاث البيت، وهنا يكون الدخول في الحكاية مختصراً لهذا الجزء. إذا ما كانت هناك أزمة نشر تطال مجلات الأزياء (كما سواها)، فإن ذلك يُشار إليه بالأصبع وليس بالتفصيل. حين تضطر ميراندا للسفر بدرجة سياحية (بكامل بهرجتها طبعاً)، يضطرب الفيلم كما لو تعرّض لانخفاض جوي، في حين أن هذه الدرجة السياحية مريحة تماماً مثل درجة البزنس على الأقل، مع خدمة ممتازة ومتواصلة وعناية كاملة، ومسافة مريحة بين المقاعد.

وفي الوقت الذي تبدو فيه الموسيقى (كتابة ثيودور شابيرو) كما لو سمعناها في أكثر من فيلم آخر، لا يبقى أمام مدير التصوير فلوريان بولهاوس سوى الالتزام بالمطلوب، منجزًا ما يشبه صور البطاقات السياحية.

MICHAEL ★★★

إخراج:‫ أنطوان فوكوا‬

الولايات المتحدة | ميوزيكال (2026)

عروض تجارية (2026)

لا يدَّعي «مايكل» بأنه فيلم سيرة حياة شاملة، لذلك لا يهم إذا تطرّق لحياة مايكل جاكسون الخاصة أو لم يستطع أو لم يرغب. هو في الأساس، ومن بعد التمهيد لنشأة المغني في عام 1966، فيلم موسيقي، كما كان حال «ألڤيس» لباز لورمان (2022)، الذي مزج بين الحياتين الخاصة والعامة. كون «مايكل» لا يقدم على هذا المزج، تجنّباً للوقوع في خانة التشهير أو الاستغلال، شأن خاص لا يمكن انتقاده إلا تجاوزاً.

«مايكل» (ليونزغايت)

في الواقع، لم يكن لدى المخرج أنطوان فوكوا وكاتبه جون لوغان (كاتب «سكايفول» و«غلادياتور») خيار في هذا الأمر. حسب تصريح المخرج، كانت هناك مشاهد مكتوبة عن اتهام مايكل جاكسون بالتحرُّش بالأولاد (برأته المحكمة لاحقاً)، لكن العائلة التي تملك الحقوق القانونية والموسيقية منعت، فأُلغي هذا الجانب من السيناريو.

يبدأ الفيلم بمايكل جاكسون لتأكيد فرادته الفنية (رقص وغناء) منذ كان ولداً صغيراً، ويؤديه هنا جوليان كرو ڤالدي. بعد ذلك يتدرّج الفيلم متابعاً ولادة المغني الفنية ثم ولادة شهرته ونجوميّته، ويسير بمنهج مقبول من التتابع الزمني: حدثًا وأثراً بعد آخر.

يقوم جعفر جاكسون، ابن عم مايكل، بالدور. يرتديه كبذلة ويؤديه كاقتباس جيد في حركاته، وأقل من ذلك في التمثيل. لا يُغنِّي ما نسمعه (الغناء يبقى بصوت مايكل)، لكنه يجسد الرقصات والحركات والتصاميم العامة كما لو كان مايكل جديداً. ما نتابعه هو شبح الراحل وحضور المقلّد.

لا يجب أن يعني هذا أننا لن نجد حكاية حياة بالتحديد. هناك النشأة، وقسوة الأب، وشخصية مايكل، وهوسه بأفلام ديزني الأولى، وشخصية بيتر بان (لها دلالة خاصة)، وهناك بعض النقد لقراراته مثل تغيير لون بشرته لتحاكي الطلاء الأبيض.

هذه تجربة أنطوان فوكوا الأولى في هذا النوع من الدراميات. قبل ذلك، أنجز أفلاماً ذات حبكات تشويقية («Training Day» و«The Magnificent Seven»). الميوزيكال ليس ميدانه، وربما كان سينجز عملاً أفضل، لكن تصوير دايون بيب يمنح الفيلم دفئاً ولغة بصرية دقيقة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended