حكايتا ليام نيسون الذي لا يشيخ والقبطان اللبناني الماهر

العربي المذنب والبريء في أفلام الطائرات

ليام نيسون يواجه عدوا مجهولا في «بلا توقف»  -  جودي فوستر كما في «خطة طيران»
ليام نيسون يواجه عدوا مجهولا في «بلا توقف» - جودي فوستر كما في «خطة طيران»
TT

حكايتا ليام نيسون الذي لا يشيخ والقبطان اللبناني الماهر

ليام نيسون يواجه عدوا مجهولا في «بلا توقف»  -  جودي فوستر كما في «خطة طيران»
ليام نيسون يواجه عدوا مجهولا في «بلا توقف» - جودي فوستر كما في «خطة طيران»

«والدي كان واحدا من ثلاثة آلاف ضحية ماتوا في ذلك اليوم. أردت معرفة الجبناء الذين قاموا بها، لا شيء تغيـر. الأمن كذبة كبيرة على الأرض وفي الجو. لا شيء آمن. وأنا ما زلت لا أفهم شيئا».
هكذا يبرر الإرهابي في فيلم جوام كوليت - سيرا «بلا توقف» عمليـته الإرهابية عندما زرع قنبلة في الطائرة ليفجـرها بمن فيها من ركـاب.
المشهد الذي يتولـى فيه شرح مبرراته تلك يقع في الطرف النهائي من الفيلم - الطرف الأضعف، لكنه يكشف عن جملة من المعطيات العملية على أكثر من صعيد في فيلم ينتمي إلى تيار من الأفلام التي دارت أحداثها في طائرات مخطوفة، بعضها مرتبط بدخان إرهاب 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وبعضها، مثل هذا الفيلم، مستوحى منها.

* حاميها حراميها؟
الفيلم حلـق فوق باقي الأفلام التي انطلقت في نهاية الأسبوع الماضي بإيراد مرتفع بمسافة تزيد على ثلاثين مليون دولار. على متنه ممثل في الحادية والستين من العمر اسمه ليام نيسون، ينجز في السنوات الأخيرة نجاحات متلاحقة، يتمنـاها لأنفسهم ممثلو أفلام أكشن أصغر سنـا من بينها: «مخطوفة» (إخراج بيير موريل - 2008)، و«الفريق A» (جو كارناهان - 2010)، و«الرمادي» (كارناهان - 2011)، و«مخطوفة 2» (أوليفر ميغاهون - 2012)، و«غير معروف» الذي مثـله، عام 2011، تحت إدارة المخرج الحالي كوليت - سيرا.
في كل هذه الأفلام، باستثناء «الفريق A»، رجل وحيد في مواجهة الخطر. في «الرمادي»، الخطر كامن في ذئاب ألاسكا، أما في باقي الأفلام فهو موجود في هيئة ذئاب بشرية. والعائلة هي في وسط معظمها: في «مخطوفة» ينبري لاستعادة ابنته من خاطفين ألبان يريدون تحويلها إلى رق أبيض، وفي الجزء الثاني منه نجده يدافع عن زوجته التي خطفتها العصابة ذاتها في عملية انتقامية. في «الرمادي»، يعاني قرار زوجته (نراها في فلاشباك) تركه وهو لا يزال يحبـها. أما في «غير معروف»، فإن العملية التي يتعرض لها مختلفة: زوجته تنكر أنها زوجته، مكتشفا أن هناك من يود انتحال شخصيـته تمهيدا لقتل علماء ولصق العملية، التي ستأخذ شكلا إرهابيا، بعرب.
«بلا توقف» يـعيده إلى كل تلك الجوانب: فيلم أكشن، هو بطله الوحيد. يعاني فقدان ابنته الصغيرة التي أصيبت بالسرطان وماتت، وزوجته التي تركته، مما دفعه إلى الإدمان. ضع هذه التوابل في حكاية تشويقية، تقع أحداثها في طائرة تحمل 150 راكبا وعلى متنها إرهابي أو اثنان ومتفجرة وقوتة تحصل على فيلم شائق، لا بأس بمهاراته، يزيـنه تمثيل نيسون القابل للتصديق حتى بوجود هفوات كبيرة في السيناريو.
حين يبدأ بل ماركس (ليام نيسون) تسلم رسائل هاتفية مباشرة بعد إقلاع الطائرة، يكتشف أن هناك عملية إرهابية دائرة. الرسائل تهدده: فدية قدرها 150 مليون دولار يجري تحويلها إلى رصيده الخاص خلال 20 دقيقة وإلا فسيتم قتل أحد الركاب، ثم قتل آخر بعد عشرين دقيقة أخرى. إنه مارشال جو (نحو 4000 آلاف مثله جرى تعيينهم على الخطوط الأميركية محليا وعبر البحار منذ أحداث 2001) يقوم بما اعتقده مهمـة عادية أخرى ليكتشف أن المهمـة تفوق العادة، خصوصا أن أصحابها أوهموا السلطات أنه هو الخاطف (على طريقة حاميها حراميها)، وهذه أخذت تناديه بالإرهابي. تاريخه النفسي والعاطفي الداكن يقفز إلى الواجهة، وبعد قليل هو من يقتل أولا ولو من دون قصد. ومن قبل أن تحط الطائرة في النهاية سالمة (أو لا تحط) يسقط قتلى آخرون، بينهم الكابتن نفسه.

* البديل اللبناني
هناك عربي بين الركـاب (يقوم به الممثل المصري الأصل أحمد متولـي)، لكن شكوك بيل ماركس تشمل الجميع كما تشمله. كما في فيلم نيسون- كوليت - سيرا السابق «غير معروف»، العربي بريء، بل هو طبيب سيساعد بيل الذي بات يثق به وهو أهل للثقة. لكن وجوده مستخدم للنيل من أصحاب الأحكام الجائرة الذين يعتقدون أنهم يصيبون الهدف حين يرتابون في عربي مسافر على الطائرة ذاتها.
هذا حدث مع فيلم «خطة طيران» (Flightplan) الذي حققه عام 2005 الألماني روبرت شوينتكي، من بطولة جودي فوستر. هناك ركاب، وهناك طائرة أميركية متوجـهة إلى الولايات المتحدة وعلى متنها امرأة وابنتها وركاب كثيرون بينهم عربيان (مايكل إربي وعساف كوهن). المرأة تنام وحين تستيقظ لا تجد ابنتها الصغيرة. كل من على متن الطائرة يجمع على أنه شاهدها وحدها من دون فتاتها. لكنها واثقة، وشكوكها تتوجـه إلى العربيين الجالسين على مقربة. كيف تلومها في أحداث ما بعد سبتمبر 2001؟ أليس إرهابيون عرب هم من ينادون بقلب العالم رأسا على عقب؟
لكن الفيلم يستنتج في النهاية أن العربيين بريئان تماما (ولو أنه يفشل في تسجيل نقطة نقد حيال التهمة الجاهزة)، والجاني، خاطف الفتاة ومدبر المكيدة ليس سوى مارشال الجو كارسون (بيتر سكارسغارد).
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حظرت السلطات الفيدرالية التصوير في المطارات الأميركية كافـة. وحول العالم الغربي، بات من الصعوبة بمكان كبير الحصول على تراخيص تصوير في المطارات خوفا من العواقب. قبل ذلك بعام، قام لبناني من مدينة طرابلس، اسمه طلعت قبطان، بشراء استديو في منطقة تقع شمال مدينة لوس أنجليس بسعر رخيص. الاستديو كان صغيرا ولا يعمل، والكثيرون نصحوه بألا يقدم على هذه الخطوة. لكن طلعت صمـم عليها، ورهن بعض ممتلكاته وأودع أمواله واستدان فوقها ليشتري ذلك الاستديو. أبقاه استديو تصوير كما كان، لكنه حولـه إلى موقع متخصص بالمطارات والطائرات.
تدخل الاستديو فتجد رواقا يمثـل المسافة التي تجتازها وصولا إلى الطائرة. وردهة لا بأس بمساحتها تمثـل تلك التي تواجه مكاتب السفر. وأبواب لحمامات وهمية وأخرى لمداخل خاصـة بالموظفين و... النصف الأمامي لطائرة بمقاعدها الوثيرة.
السينمائي منذ الشباب طلعت قبطان، الذي كان هاجر إلى الولايات المتحدة بحثا عن مستقبل له في هوليوود، لم يكن يعلم بما سيحدث في نيويورك في ذلك اليوم المشؤوم عندما جهــز الاستديو، وفي باله أن كل من يريد التصوير في المطارات يستطيع التصوير في هذا «الموديل» البديل. حين أصدر الـ«إف بي آي» قراره بعدم السماح بالتصوير في المطارات خوفا من فوضى يستغلـها الإرهابيون، تدفـقت الأفلام التي تريد استغلال الاستديو لتصوير أحداث تقع في مطار أو في طائرة. لم يسدد طلعت قبطان ديونه فقط، بل أخذ رصيد حسابه الخاص في البنك يوالي الارتفاع لمستوى لم يكن يتوقـعه.

* سوابق
ما حدث في الجو كان أكثر إثارة لرواد السينما مما حدث مع اللبناني الذي لا يزال يعيش ويعمل هناك. سرب من الأفلام الطائرة حط على شاشات السينما تواكب شعور المشاهد بأن الطائرة قد لا تكون ملاذا آمنا بعد اليوم. وكثير منها يدور حول الشخصية التي يؤديها ليام نيسون في «بلا توقف». شخصية «مارشال الجو» كما يسمـونه، وهو شخص منتدب من الـ«إف بي آي» للقيام برحلات جوية يجلس فيها بين الركاب تحسـبا لأي طارئ.
قد لا يقع ذلك الحادث الرهيب، وقد لا يتطلـب الأمر البحث عن دافع إرهابي للاستيلاء على طائرة مدنية، بل يكفي أن يكون هناك راكب فقد رجاحة عقله، كما الحال مع أدام ساندلر في الفيلم الكوميدي «إدارة الغضب» (2003) حين يتصدى له مارشال الجو (إيزاك سينغلتون) ويجبره على البقاء في مقعده بعدما ارتاب في أنه بات يشكل خطرا على باقي الركـاب.
في العام نفسه، ظهر فيلم بعنوان «مارشال الجو» (Air Marshal)، أخرجه ألان جاكوبفيتز، وفيه إرهابيون عرب يدبـرون عملية خطف للطائرة التي تقلـهم. الفيلم لم يقدر له عرض تجاري في صالات السينما، بل توجـه إلى الفيديو وأسطوانات الديجيتال مباشرة في الولايات المتحدة وألمانيا وعرض في بعض المحطات التلفزيونية الفرنسية. لا أحد بات يذكره.
الفيلم المسحوب مباشرة من عملية 2001 هو «يونايتد 93»، فيلم بول غرينغراس (2006) الذي أريد له أن يكون بحثا في الحقائق التي أدت إلى محنة تلك الطائرة التي سقطت في بعض غابات ولاية بنسلفانيا في يوم الكارثة ذاته. المؤمنون بنظريات المؤامرة ينفون أن يكون لتلك الطائرة وجود (أين الركام؟)، لكن هذا لم يمنع السينما من تقديمها كحقيقة وكرحلة تراجيدية المصير خطفتها مجموعة من الإرهابيين العرب.

* أبو الطائرات
* بعيدا عن الأفلام المستوحاة، فعلا أو خيالا، من عمليات إرهابية ذات طابع سياسي، يبقى فيلم «مطار» الذي أخرجه الراحل جورج سيتون عام 1970 أبا لكل الأفلام اللاحقة. أميركي (فان هفلن) بلا أجندة سياسية ينقل قنبلة على متن الطائرة، وعلى بيرت لانكاستر كشفها. إنتاج كبير حينها (عشرة ملايين دولار)، أنجز 100 مليون دولار آنذاك (أي ما يقارب مع تعديل سعر الدولار) إلى نحو 700 مليون حاليا.



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.