ملابس التزلج... خط «يفتح النفس» على هوايات شتوية ومنتجعات جديدة

الشركات وبيوت الأزياء تتنافس على اقتطاع نسبة من الأرباح

من اقتراحات شركة «بوس» الألمانية لموسم هذا العام (بوس)
من اقتراحات شركة «بوس» الألمانية لموسم هذا العام (بوس)
TT

ملابس التزلج... خط «يفتح النفس» على هوايات شتوية ومنتجعات جديدة

من اقتراحات شركة «بوس» الألمانية لموسم هذا العام (بوس)
من اقتراحات شركة «بوس» الألمانية لموسم هذا العام (بوس)

لا يُفوِّت صُنَّاع الموضة أي فرصة يمكن أن تعود عليهم بالربح. تبقى الأناقة وسيلتهم، وغايتهم الوصول إلى أكبر عدد من الزبائن. لهذا ليس غريباً أن يحظى خط التزلج في السنوات الأخيرة باهتمام كبير من قبل الشركات التقليدية التي لها باع طويل في هذا المجال، وبيوت الأزياء التي دخلت على هذا الخط حديثاً لمغازلة هؤلاء الزبائن. فشريحة كبيرة منها فُتحت شهيتها بعد أن فُتحت أمامها أبواب منتجعات فخمة كانت تثير الأحلام ولا تسمع عنها أو تراها سوى في الأفلام مثل «سانت موريتز»، و«غاشتاد» وغيرهما.

فهذه الهواية، أو الرياضة، التي كانت حتى عهد قريب نخبوية، خضعت مثل كثير من الأمور لتغيرات الزمن، وانفتاح أسواق بعيدة، وظهور جيل من الشباب تواق لاستكشاف نشاطات وأماكن جديدة.

من عرض «مونكلير» على خلفية جبال سانت موريتز (مونكلير)

أصبحت الموضة ترفع شعار «الديمقراطية». ما كان نخبوياً أصبح شعبياً، الأمر الذي أنعش هذا القطاع، الذي بلغ حجمه عالمياً في عام 2023 نحو 1.30 مليار دولار أميركي، مع توقعات بأن يصل إلى 1.56 مليار دولار بحلول عام 2032. «سترة التزلج» وحدها يُتوقَّع أن تصل مبيعاتها إلى 2.26 مليار دولار في السنة بحلول عام 2031 إذا ظلت الحال على ما هي عليه.

كل هذا يجعل المنافسة تحتدم بين صُنَّاع الموضة والشركات المتخصصة لتقديم كل ما هو أنيق وعملي.

واللافت أن العملية لم تعد تقتصر على أمثال «لورو بيانا»، أو «فندي»، أو «جيورجيو أرماني»، أو «مونكلير» و«ديور»، أو الشركات التقليدية المتخصصة مثل «ذي نورث فايس»، و«بورفيكت مومنت»، و«مونكلير»، و«روسينيول»، و«فوسالب»، فمحلات شعبية كثيرة منها «زارا»، و«أيتش آند إم»، و«بريمارك» بدأت بدورها تغذي حاجة ذوي الإمكانات المحدودة من هذه الأزياء.

من اقتراحات دار «فندي» (فندي)

خيارات متنوعة

بالنتيجة، أصبحت الخيارات سخيةً ومتنوعةً، تخاطب المبتدئين والمحترفين وكل الأذواق. كل واحد منها بألوانه ونقشاته الخاصة، لكن تبقى الخامات الدافئة والمرنة والتقنيات المتطورة السمة المشتركة بينها جميعاً. ويُحسب لبيوت أزياء حديثة العهد بهذا الخط، حرصها على التعاون مع الشركات المتخصصة لإنتاج قطع بجودة وحرفية عالية. فهذه الشراكات تخوّل لها دخول الأسواق العالمية بثقة؛ نظراً للمصداقية التي تكتسبها. دار «إميليو بوتشي» مثلاً عقدت شراكة مع «فوسالب» الفرنسية، بينما استعان كيم جونز، مصمم «ديور» القسم الرجالي سابقاً، في تشيكلته لعام 2024 بالفنان البريطاني بيتر دويغ، وأيضاً مع شركة «ديسانت» المتخصصة في ملابس التزلج المبطنة والمعروفة. فـ«ديور» لم تدخل غمار التزلج حتى عام 2020.

بين الأساسيات والكماليات

ولأن رياضة التزلج كانت تقتصر على الطبقات الأرستقراطية والثرية، فإن دخول ذوي الدخل المحدود والطبقات المتوسطة على الخط، يضع بعضها في حيرة من أمرها، بشأن ما هو أساسي وما هو غير ضروري.

فالأمر لا يتعلق بالمعاطف الشتوية والكنزات الصوفية السميكة، ولا القبعات والقفازات فحسب، هناك أيضاً حاجة إلى ألواح للتزلج، ونظارات شمسية بمواصفات عالية، ناهيك عن نوعية الأحذية.

من اقتراحات شركة «بوس» الألمانية للجنسين (بوس)

شركة «بوس» الألمانية مثلاً طرحت تشكيلة بعنوان «بوس سكي» بطابع عملي أنيق، كانت فيها الأقمشة التقنية هي الأساس، إذ صُنعت كلها من مواد مضادة للمياه، وزُوِّدت بتفاصيل تلائم ظروف التزلج، بدءاً من واقيات الثلج والدرزات المُحكمة، وصولاً إلى الأكمام القابلة للتعديل، والبطانات المصنوعة من الصوف القطني العازِل للحرارة.

من اقتراحات دار «إيف سولومون» (خاص)

دار «إيف سولومون» الباريسية، المعروفة بفروها الطبيعي، طرحت مجموعةً جمعت فيها تقاليد حرفية قديمة بتقنيات حديثة تخاطب الشباب التواقين للمغامرات. لترتقي بها أكثر، لوَّنتها بدرجات كلاسيكية مثل البني والأسود والأبيض والبيج. أما بيوت الأزياء الكبيرة، فحدِّث بلا حرج:

لورو بيانا

تعتمد «لورو بيانا» دائماً على ورقتها الرابحة ألا وهي صوفها الفخم (لورو بيانا)

«لورو بيانا» ومنذ أن دخلت على الخط وهي تنافس أكبر الشركات تخصصاً، لأنها تعمل على تطوير تقنياتها في غزل الصوف، وطرق مزجه بخامات بتقنيات عالية من دون توقف.

لخريف وشتاء 2024 - 2025 طرحت مجموعة متعدّدة الاستخدامات على شكل سترات مصنوعة من قماش «Pecora Nera®»، و«الكشمير»، ومعاطف من صوف «الشيرلينغ»، فضلاً عن سراويل مصنوعة من صوف «الألباكا» وبدلات من «الكشمير» المحبوك، وصوف «الموهير»، مزيّن بعضها بتطريزات ثلاثية الأبعاد. كلها بقصَّات واسعة تتماهى مع حركة الجسم وتضخه بالدفء.

«ديور»

رغم أن دخول «ديور» هذا المجال لا يتعدى سنوات فإنه أصبح تقليداً معتمداً (تصوير: ساشا مارو لديور)

قدَّمت مجموعة محدودة بعنوان «ديور آلبس»، قالت مصممتها ماريا غراتسيا كيوري، إنها تحاكي تقنيات «الكوتور» وتفاصيلها الدقيقة، مضيفة أنها استوحتها من تشكيلتها للأزياء الجاهزة لموسمَي خريف وشتاء 2024 - 2025. ولأنها تعرف أن مخاطبة شريحة تهتم بالماركات العالمية لا تقل أهمية عن مخاطبة النخبة، لم تبخل بنقشاتها الكلاسيكية، لأنها أكثر بلاغة من أي «لوغو».

نظارات تزلّج واقية برباط يحمل توقيع كريستيان ديور بوضوح (ديور)

زوَّدت نظارات تزلّج واقية مثلاً برباط يتخلّله توقيع «كريستيان ديور»، بنمط «ديور أوبليك» الأيقوني، وأعادت تفسير شعار نجمة الدار الجالبة للحظ «ديورستار» بألوان مرهفة على الملابس المحبوكة التي تغلّف الجسم، كما على الأوشحة، والقبعات، والقفازات. لكنها لم تنسَ عنصر السلامة والدفء، بدليل أن السراويل تأتي مع تدعيمات للرُّكبة؛ لضمان أقصى درجات الراحة في كافّة الظروف.

علاقة ممتدة لأكثر من قرن

ما تجدر الإشارة إليه أن علاقة الموضة والتزلج ليست وليدة الأمس والتغيرات الحديثة.

بدأت في عام 1924 عندما طرح الفرنسيون لوسيان لولونغ، وإجيديو سكايوني، ومادلين فيونيه بدلات ببنطلونات وأكسسوارات صوفية دافئة للمتزلجات، بمناسبة أول دورة ألعاب أولمبية شتوية على الإطلاق في فرنسا. أما أول بدلة تزلج مكونة من قطعة واحدة كما نعرفها اليوم، فيعود الفضل في إبداعها لإيميليو بوتشي، ومديره الفني آنذاك ماسيمو جيورجيتي في أواخر الأربعينات.

من عرض «مونكلير» الذي أُقيم على خلفية جبال سانت موريتز (مونكلير)

حتى التسعينات، سيطرت الطبقات المخملية والثرية على هذا القطاع. في الألفية فقط بدأ ينفتح هذا القطاع على طبقات حديثة، وشجَّع ذلك بيوت أزياء كثيرة على التوجه إليها، مثل «شانيل» في عام 1997، و«برادا» في 2000. جيورجيو أرماني أيضاً طرح خطاً خاصاً أطلق عليه اسم «نيفي» في تسعينات القرن الماضي. لوَّنه بدرجات ألوان هادئة شكَّلت مفاجأة لسوق تعوَّدت على ألوان النيون.

زبون «مونكلير» سيجد كل ما يحتاج إليه في المجموعة التي قدَّمتها الشركة على خلفية جبال سانت موريتز (مونكلير)

كانت تصاميمهم تتراوح بين الأناقة التي تتطلبها منتجعات فخمة، وتقنيات يستعينون لتنفيذها بمتخصصين حتى يحصلوا على المصداقية ويحققوا المعادلة بين الأناقة والعملية. في عام 2014، أطلق موقع «نيت أبورتيه (Net-a-Porter)» قسماً خاصاً بمعدات التزلج، وفي عام 2020، أطلقت «ديور» أول مجموعة لمعدات التزلج في تاريخها. وفي عام 2021، خاضت كل من المصممة الفرنسية إيزابيل مارون وبعدها الثنائي «دولتشي آند غابانا»، التجربة ذاتها بالتعاون مع موقع «ماي تيريزا». ثم مَن لا يذكر العرض الضخم الذي أقامته شركة «مونكلير» العام الماضي على خلفية جبال سانت موريتز، وشاركت فيه عارضات سوبر؟. كان مواجهة بين الدار وبين بيوت الأزياء حديثة العهد بهذا الجانب. فما دامت هذه الأخيرة اقتحمت ما تعدّه تخصصها، فمن حقها هي أيضاً أن تقتحم عروض الأزياء جامعة الأناقة بالحرفية والتقنيات العالية.


مقالات ذات صلة

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

المنصات الكبيرة قد توفر دفعة هائلة للمصممين الناشئين وتُلمّعهم، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو علاماتهم.

جميلة حلفيشي (لندن)

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.