تدشين فعاليات «الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025»

بحفل تمّ فيه تكريم الغذامي ورواد الإبداع... وعرض ملحمي لـ«محيط الأرض»

العرض المسرحي «محيط الأرض» يحاكي لمحات من سيرة الفلكي الكويتي الراحل صالح العجيري. (كونا)
العرض المسرحي «محيط الأرض» يحاكي لمحات من سيرة الفلكي الكويتي الراحل صالح العجيري. (كونا)
TT

تدشين فعاليات «الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025»

العرض المسرحي «محيط الأرض» يحاكي لمحات من سيرة الفلكي الكويتي الراحل صالح العجيري. (كونا)
العرض المسرحي «محيط الأرض» يحاكي لمحات من سيرة الفلكي الكويتي الراحل صالح العجيري. (كونا)

دشنت الكويت، مساء الخميس، فعاليات اختيارها «عاصمة الثقافة والإعلام العربي لعام 2025»، بحضور عدد من الوزراء والشخصيات الإعلامية والثقافية من الوطن العربي، بحفل تمّ فيه تكريم رواد العمل الثقافي والفني في الكويت، ومن ضمنهم الناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي شخصية الدورة الـ30 لمهرجان «القرين الثقافي».

وتضمّن الحفل عرضا مسرحيّاً، بعنوان «محيط الأرض»، بتوقيع الفنان عبد الله عبد الرسول في البناء الدرامي والحوار والإخراج، مقدِّماً تجربة مسرحية متكاملة تجمع بين محاكاة التاريخ ورؤية المستقبل، بمشاركة نخبة من نجوم الفن الكويتي.

جاء العرض في قالب ملحمي غنائي أبرَزَ الإرث العلمي للفلكي الكويتي الراحل صالح العجيري، ودوره في إثراء المعرفة، عبر مشاهد تنقَّلت بين الأزمنة المختلفة، مع الحفاظ على روح كل مرحلة تاريخية بأسلوب درامي خيالي مبتكر.

ممثل أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد، وزير الإعلام والثقافة ووزير الدولة لشؤون الشباب عبدالرحمن المطيري يدشن فعاليات «الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025» (كونا)

الثقافة قوة للتنمية

وقال ممثل أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد، وزير الإعلام والثقافة ووزير الدولة لشؤون الشباب عبد الرحمن المطيري، إن احتفال اختتام الدورة الثلاثين لمهرجان القرين الثقافي يأتي متزامناً مع انطلاق فعاليات «الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025»، وهو ما يعكس الدور الريادي والمسيرة الحافلة والعطاء الفني والثقافي والإعلامي لدولة الكويت في دعم الثقافة العربية وتعزيز مساراتها وتأكيد التزامها المستمر بترسيخ مكانة الثقافة كعنصر محوري في تحقيق التواصل والتفاهم بين الشعوب.

وأكد أن «دولة الكويت أثبتت أن الثقافة قوة دافعة للتنمية والتقدُّم، حيث يمثل الاستثمار فيها استثماراً في الإنسان والمستقبل، ويضمن استمرار النهضة الفكرية والازدهار الحضاري».

وأكد التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بمواصلة دعم الفكر والإبداع وتعزيز التبادل الثقافي بين الشعوب، من خلال العديد من الفعاليات التي تسلِّط الضوء على ثراء تاريخنا وهويتنا الوطنية، وتؤكد انفتاحنا على الثقافات الأخرى، بما يعزز من دور دولة الكويت كمنصة للحوار والتلاقي الفكري الإبداعي.

وأكد أن دولة الكويت «تواصل اليوم مسيرتها الثقافية، مجدِّدةً التزامها بالفنون كوسيلة للتعبير والتطور وحاملة راية الإبداع نحو آفاق جديدة، فهي تؤمن بدور الثقافة في بناء جسور التواصل بين الشعوب وترسيخ قيم السلام وتعزيز الهوية الإنسانية المشتركة، بما يسهم في إثراء الفكر ودفع عجلة التنمية الثقافية إلى المستقبل».

العدواني رمزاً ثقافياً

وفي كلمته، قال المدير العام لـ«المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)»، الدكتور محمد ولد أعمر، إن اختيار الكويت عاصمة عربية للثقافة لعام 2025 يمثّل استحقاقاً ثقافياً وحضارياً «سيشكل فرصة مهمة لإعادة اكتشاف دولة الكويت والاحتفاء بتاريخها الثقافي والعلمي والأدبي».

كما أشاد باختيار الشاعر والمثقف الكويتي الراحل أحمد العدواني، كأحد رموز الثقافة العربية، لهذه السنة، وهو مؤلف النشيد الوطني الكويتي، ورائد فكرة تدوين الأمثال والحكم الكويتية، مبيناً أن «المنظمة» ستحتفي بمختلف إنجازاته وإسهاماته في احتفالية اليوم العربي للشعر لهذه السنة.

وزير الإعلام والثقافة عبد الرحمن المطيري الفائزين بجوائز الدولة التقديرية والتشجيعية لعام 2024 (كونا)

تكريم المبدعين

وكرَّم وزير الإعلام والثقافة، عبد الرحمن المطيري، الفائزين بجوائز الدولة التقديرية والتشجيعية لعام 2024، وشخصية مهرجان القرين الثقافي في دورته الـ30، الدكتور عبد الله الغذامي (السعودية)، لإسهاماته الفكرية والثقافية المميزة التي أثرت الحقل الثقافي العربي لعقود.

كما كرَّم الفائزين بجوائز الدولة التقديرية لعام 2024، وهم: الدكتورة موضي الحمود في مجال الخدمات الاجتماعية، والفنان خالد العبيد في مجال الفنون، وسناء الخراز في مجال الخدمات الثقافية.

وكرَّم أيضاً الفائزين بجوائز الدولة التشجيعية لعام 2024، حيث فازت في مجال الفنون، الفنانة زهراء جاسم، وحصلت على جائزة الفنون التشكيلية والتطبيقية (الرسم)، بينما فاز بجائزة التمثيل التلفزيوني الفنان حسين الحداد.

وقام الوزير المطيري بتكرم الفائزين بالجائزة التشجيعية في مجال الآداب، وهم: الشاعر محمد صرخوه الحاصل على جائزة الشعر، وحمود الشايجي بجائزة الرواية، وباسمة الوزان بجائزة أدب الطفل، والدكتور عباس الحداد بجائزة الدراسات اللغوية والأدبية والنقدية. أما في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، فقد كرَّم الوزير المطيري نادر العازمي بجائزة التاريخ والآثار.

وشارك في التكريم الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الدكتور محمد الجسار، والأمين العام المساعد لقطاع الثقافة في المجلس عائشة المحمود.

وزير الإعلام والثقافة الكويتي يكرّم الدكتور عبد الله الغذامي شخصية «مهرجان القرين الثقافي» (الشرق الأوسط)

الغذامي: القوة الناعمة الكويتية

وفي كلمة وجَّهها بمناسبة تكريمه في «مهرجان القرين الثقافي»، قال المفكر السعودي الدكتور عبد الله الغذامي إن «الكويت وطنٌ تميز بمعنوياته العميقة. وقد أثبت الزمن أن معنويات الكويت هي قوتها وهي جيشها الفعال».

وأضاف: «هذا العام الذي نحن فيه (2025) هو بالنسبة لي يُكمِل 40 عاماً من علاقتي العلمية مع الكويت؛ فمنذ صدور كتابي (الخطيئة والتكفير)، عام 1985، وأنا أتردَّد على الكويت في زيارات علمية لم تنقطع، وهي زيارات عرفتُ فيها مثقفي الكويت، وتأصلت عُرى الوصل معهم. وامتدت لعلاقات مع المثقفين العرب من أرجاء الوطن العربي كله، ممن ظلوا يحضرون مثلي في مؤتمرات العلم وندواته ومحاضراته في الكويت، وتعمر الأسئلة والنظريات والمثاقفة أجواء كل لقاء، وهذه فعاليات تضاف للرصيد المعنوي للكويت».

وزاد الغذامي: «رسمت الكويت صورتها في الأذهان، وصارت قوة ناعمة وخارقة بمعنى قدراتها على صناعة صورٍ ذهنية ذات بُعدٍ ثقافي جاد ومحفز. وتعززت الرمزية الثقافية مع التوالي والتعاقب وجودة المحتوى».

الفنان الكويتي نبيل شعيل يقدم وصلة غنائية وطنية مع الفرقة (كونا)

«محيط الأرض»

جسَّد العرض المسرحي التاريخي، «محيط الأرض»، رسالة الفن الحضارية، عبر تجربة درامية ملحمية تستعيد محطات من سيرة العالم الفلكي الكويتي الراحل، صالح العجيري، مقدِّماً رؤية مبتكرة تجمع بين فن المسرح والموسيقى والمؤثرات البصرية والتقنيات الحديثة.

وشكل العرض الذي أُقيم على المسرح الوطني في مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي انطلاقة لفعاليات «الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025»، وتناول رؤية فنية لعدة أحداث تاريخية ليبرز مكانة الكويت الثقافية الرائدة في نقل المعرفة واستشراف المستقبل بصورة درامية خيالية مبتكرة وبتجهيزات تقنية عالية ومشاركة نخبة من كبار الفنانين.

جاء العمل الفني بتوقيع الفنان عبد الله عبد الرسول في البناء الدرامي والحوار والإخراج، مقدِّماً تجربة مسرحية متكاملة، مازجاً بين العناصر الفنية لتعبر الدراما عن الأحداث التاريخية وتتنقل عبر الزمن بين مشاهده وفصوله، مع الحفاظ على خصوصية كل مرحلة، عبر إشارات ودلالات تعكس روح التاريخ وتستشرف المستقبل.

وتناول العرض الملحمي الذي أنتجته وزارة الإعلام سيرة ذاتية وطنية ملهمة متمثلة في العالم الفلكي الراحل الدكتور صالح العجيري، حيث قدم سرداً فنياً مبتكراً يجسد إرثه العلمي ودوره في إثراء المعرفة.

وحمل العرض الفني الغنائي عناصر الإبهار الفني، حيث سلَّط الضوء على مكانة الحركة الفنية في دولة الكويت، من خلال تقديم هذا النوع من الأعمال الإبداعية، كما عكس مستوى الفن الرفيع الذي يمزج بين محاكاة التاريخ واستشراف المستقبل، برؤية فنية درامية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.