لـبـنـان لـقـمـان سليم ولـبـنـان قـاتـلـيـه

A recent undated picture shows prominent Lebanese activist Lokman Slim who was found dead in his car in south Lebanon on February 4, 2021. Slim, a Shiite Muslim secular intellectual known for his opposition to the Shiite movement Hezbollah, had not been heard from by his family since getting in his car on February 3 evening to drive back to Beirut from south Lebanon. (Photo by AFP)
A recent undated picture shows prominent Lebanese activist Lokman Slim who was found dead in his car in south Lebanon on February 4, 2021. Slim, a Shiite Muslim secular intellectual known for his opposition to the Shiite movement Hezbollah, had not been heard from by his family since getting in his car on February 3 evening to drive back to Beirut from south Lebanon. (Photo by AFP)
TT

لـبـنـان لـقـمـان سليم ولـبـنـان قـاتـلـيـه

A recent undated picture shows prominent Lebanese activist Lokman Slim who was found dead in his car in south Lebanon on February 4, 2021. Slim, a Shiite Muslim secular intellectual known for his opposition to the Shiite movement Hezbollah, had not been heard from by his family since getting in his car on February 3 evening to drive back to Beirut from south Lebanon. (Photo by AFP)
A recent undated picture shows prominent Lebanese activist Lokman Slim who was found dead in his car in south Lebanon on February 4, 2021. Slim, a Shiite Muslim secular intellectual known for his opposition to the Shiite movement Hezbollah, had not been heard from by his family since getting in his car on February 3 evening to drive back to Beirut from south Lebanon. (Photo by AFP)

في شخص لقمان سليم، وفي تكوينه، يحضر لبنان الغنيّ والمتعدّد، تماماً كما يحضر في قاتليه لبنانُ آخر، أحاديٌّ وقاحل. فلقمان، كما هو معروف، ابن لأب مسلم شيعيّ كان من المحامين البارزين، ولأمّ مسيحيّة وكاتبة نهضويّة هي في آن معاً لبنانيّة ومصريّة. ولقمان أضاف إلى صناعته البيولوجيّة صناعته لذاته، فاقترن بسيّدة ألمانيّة عملت في الصحافة قبل أن تشاركه اهتماماته وهمومه، وكان كاتباً وناشراً ومترجماً وسينمائيّاً وموثّقاً لذاكرة الحرب وصحافيّاً استقصائيّاً. ولئن تميّز بلسان عربيّ كان أحد أسياده، فقد أجاد أيضاً الفرنسيّة والإنكليزيّة، فيما اقترنت ثقافته النظريّة بحسّ عمليّ تحتلّ مسؤوليّة المثقّف منه موقع القلب. فهو، بالتالي، كائن كثير الأبعاد، لبنانه عربيّ من جهة، غربيّ من جهة، وكوزموبوليتيّ دائماً، أي أنّ هُويّته هُويّات عدّة. وبالمعنى هذا كان في لقمان شيء من "رجل النهضة" (Renaissance Man) المُلمِّ بأمور كثيرة والمُقيم في معارف متباينة والذي هو، كما قالت العرب، "للسيف والضيف وغدْرات الزمن". وبالصفات هذه توّجَ خطّاً في التاريخ اللبنانيّ الحديث فاخر به لبنانيّون منذ مطالع القرن الماضي، معلنين طموحهم إلى بلد يتّصل بمحيطه ولا ينفصل، ويندمج في الدنيا ولا يتوهّم أنّه يأخذها غلابا.

لكنّ الصفات تلك كانت كافية لأن تقتل صاحبها في السنوات العجاف المديدة التي ربّما كنّا اليوم نعيش أواخرها. ففي ظلّ طغيان ذاك اللبنان، الأحاديّ والقاحل والقاتل، باتت الأبعاد الكثيرة التي انطوى عليها لقمان مأخذاً يودي بصاحبه. ذاك أنّ لبنان الآخر ضيّق، مكتفٍ بذاته، يحتفل بمثالات مضادّة، ويقتدي بأنظمة في الجوار تصحّر بلدانها وتقضم شعوبها وتجد سلواها في قتل خيرة أبنائها. ولبنان الآخر هذا بدل أن يستلهم الواقع والعالم استلهم السحر والغيب، وبدل أن ينجذب إلى أبعاد البشر الغنيّة، لخّص البشر في اثنين لا ثالث لهما: مقاومٍ يشهّر وعميلٍ يُشهّر به.

والفوارق بين اللبنانين، لبنان لقمان ولبنان قاتليه، أكثر من أن تُعَدّ. فالأوّل، المُنشدّ إلى مثالات وعوالم، صاحبُ موقف نقديّ من الذات، يدرك قصورها، وبكثير من التواضع يتعلّم ساعياً لأن يسدّ نقصه بما امتلأ به سواه. أمّا الثاني الذي لا يكفّ عن الاحتفال بنفسه، فشديد الاعتداد بالقليل الذي فيه، يؤسّس كماله المزعوم على زعم إلهيّ مطلق. وإذا كان لبنان الأوّل يستقبل ويرحّب، فالثاني يغتال أو يفجّر أو، في حالات الرحمة، يخطف. ولئن أصرّ الأوّل على أن يفكّر كما يريد، طالبه الثاني بأن يفكّر كما يُراد. وربّما كان أبرز الفوارق بين اللبنانين موقفهما من الكشف والإبانة. فلقمان، الموثِّق والمؤرشف، كان مهموماً بأن يعرف ويعرّف ويستخلص ما وسعه من حقائق محجوبة، وهو بالضرورة دأب كلّ من يريد لبلده أن يكون أكثر شفافيّة وأرفع مسؤوليّةً. بيد أنّ ما يقف على الضفّة الأخرى تنظيم سرّيّ، يعيش تحت الأرض، ويكره لما تحت الأرض أن يخرج إلى فوقها، فالمخبّأ ينبغي أن يبقى مخبّأ، والمكتوم ينبغي أن يبقى مكتوماً، مَن يُفصح عنه يموت. ولم يكن بلا دلالة أنّه قبل أن ينضمّ لقمان إلى قافلة القتلى اللبنانيّين الذين لم يقتلهم أحد(!)، آُلصق على جدار منزله شعار يقول: "المجد لكاتم الصوت".

وبفعل كاتم صوت متعجّل، أو كاتم صوت متمهّل، توزّعت هذه المنطقة بملايينها، من سوريّين ولبنانيّين، فضلاً عن الإيرانيّين، في طبقات جحيم أصيبت ناره بجوع قديم. أمّا شركاء الألم الفلسطينيّون فباسم قضيّتهم أُوقدت بمزيد من الحطب النار إيّاها التي تأكل لحمهم ولحمنا. وحتّى أسابيع خلت، كان يتراءى أنّنا جميعاً لن نغادر حُفر الجحيم إلى شرفات جبل المَطهر، بل بات واحدنا، في يأسه واستسلامه، أشبه بغريغور سامزا، بطل كافكا، الذي كلّما استيقظ صباحاً وجد أنّه تحوّل إلى حشرة. وكثيرون منّا كادوا يصدّقون أنّ الخطأ كامن في وجودنا نفسه، لا في ما نفعله، كائناً ما كان ما نفعل.

والحال أنّ اللبنانين صارا ينظران إلى المشهد الواحد فيريان مشهدين، ويقرآن في الكتاب نفسه فيقعان على نصّين. وفي عدم الفهم والتفاهم تقيم كلّ المخاطر القاتلة، بالمحسوب منها وغير المحسوب. وكان قد سبق لأرثر ميلر، في مسرحيّته "البوتقة"، (The Crucible) أن روى لنا قصّة رجل دين متعصّب وجشع، مليء بذاته الضئيلة وواثق بجهله الشاسع، اسمه صموئيل باارّيس، رأى في الغابة صبايا يرقصن، متخفّفاتٍ من ملابسهنّ، فلاح له الأمر طقساً سحريّاً وثنيّاً. وكان تأويله الأخرق هذا ما أثار الجموع الهائجة وأطلق موجة صيد الساحرات وحملةً من المحاكمات لتطهير البشر من شياطين مزعومة تسكنهم.

ونحن، بدورنا، سوف نحاول المضيّ في أن نرى ما يُرى، نعطي الموصوف صفته كما هي، مانحين ولاءنا للمعنى، وليس لتزييف المعاني. بهذا نكون "نعيش في الحقيقة"، كما كان يقول فاكلاف هافيل، نسعى لأن نفعل ما فعله لقمان في نبش الحقائق المطمورة وما يقيم تحتها من دلالات، ونصبو إلى أن نجلوَ حقيقة قتل لقمان وما أقام تحتها من اللامعنى. وهذا ما أقدم عليه كثيرون في العالم شابهت أحوالُهم أحوالنا. يكفي أن نشير، مثلاً لا حصراً، إلى جماعة "تذكار" (Memorial) الروسيّة التي ظهرت مع انهيار النظام الشيوعيّ فانكبّت على جمع كلّ قُصاصة ورق تقول شيئاً عن مقتول أو مفقود أومُغيّب، وتوثّق الجرائم ضدّ الإنسانيّة التي ارتُكبت، على مدى القرن العشرين، في الاتّحاد السوفياتيّ.

ذاك أنّ التوافق بين اللبنانين سيبقى مستحيلاً ما لم يُحتكم إلى الحقيقة بدل السلاح، وتالياً إلى العدالة والقانون، أكان في ما خصّ فقيدنا الكبير أم في ما خصّ مَن سبقوه ولحقوه إلى تجرّع كاتم الصوت وصاعق التفحير والعبوة الناسفة. فالعدالة ليست محكّاً للوضع الجديد في بلدنا فحسب، بل هي محكّ لقدرة الشعب اللبنانيّ على أن يبقى واحداً، ولقدرة المجتمع اللبنانيّ على أن يصير واحداً، إذ أنّ جمع القاتل والقتيل في شعب ومجتمع واحدين أقرب إلى نوم دائم على أكتاف لُغم مؤجّل.

لقد كان "هيّا بنا" شعار لقمان في تحريضنا على العمل والمبادرة والمسؤوليّة. فهيّا بنا ننبذ القتل ونحارب طغيان الفكرة المعبودة التي لا تلبث أن تتحوّل إلى مجزرة، ، أسُمّيت تلك الفكرة مقاومةً أم أيّ شيء آخر. هيّا بنا نعلن أنّ المجد للعدالة ولمعرفة الحقّ والحقيقة، لا لكاتم الصوت.

*ألقي هذا النصّ في احتفال تكريميّ للقمان سليم، في بيروت، بمناسبة الذكرى السنويّة الرابعة لاغتياله.


مقالات ذات صلة

شجرة ديوان قصر هشام

ثقافة وفنون شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

شجرة ديوان قصر هشام

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

قد تبدو رواية «المسيح قادم إلى بروكسل» للكاتب البلجيكي ديميتري فيرهولست للوهلة الأولى مجرد حكاية تخييلية عن زيارة مرتقبة لشخصية لها مكانتها المقدسة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ثقافة ذاكرة الحرب

ثقافة ذاكرة الحرب

كثيراً ما تبدأ كتابات أدب الرحلة من لحظات السفر الأولى، أما كتاب «رحلة في ذاكرة الحرب» فإنَّ صاحبته، الكاتبة المصرية حنان سليمان،

منى أبو النصر (القاهرة)

شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
TT

شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بُني في عهد هشام بن عبد الملك، واستخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، وهو من طبقتين وفناء أمامي، ضمن مجمّع يحوي مسجداً مع فناء، وحماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم»، وتتميّز بتقاسيمها الهندسية المسبكة. يحوي هذا المجمّع الضخم أرضية فسيفسائية أخرى تخرج عن هذا النسق التجريدي، إذ تحمل تأليفاً تصويرياً صرفاً يتميّز بطابعه الواقعي، وتمثّل شجرة مورقة، تحيط بجذعها مجموعة من الحيوانات.

تشكّل هذه اللوحة جزءاً من فسيفساء أرضيّة تزيّن مقصورة في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا القصر، وتُعرف بديوان الخليفة. تتوزّع هذه الفسيفساء على قاعة مستطيلة تبدو أشبه بحوض، تحدّها منصة نصف دائرية في الطرف الشمالي. تزيّن هذا الحوض سجادة فسيفسائية تتبنّى النسق التجريدي الهندسي المتبع في أرضية الحمّام الضخمة، وتزيّن المنصة النصف دائرية فسيفساء تصويرية قوامها الشجرة المورقة التي عُرفت باسم «شجرة الحياة»، وباتت رمزاً من أشهر رموز قصر هشام في نواحي أريحا. خرجت هذه الأرضية من تحت الردم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وحافظت على سائر مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى زمن اكتشافها، وفيها تظهر سجادة الحوض وسط إطار ناتئ يزيّنه شريط فسيفسائي، والشجرة وسط المنصة المقوّسة التي تعلو هذا الحوض من جهة الشمال. ونقع على لوحين مستطيلين يزيّنان مدخلاً لهذه القاعة من جهة الجنوب.

تعتمد تقاسيم شبكة الحوض بشكل أساسي على شكل يُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «المُعيَّن»، وهو رباعي بسيط، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تزيّن اللوح الذي يستقرّ عند مدخل الحوض شبكة تعتمد المُعيَّن المربّع ذا الأضلاع المتعرّجة، وفيها يحضر هذا الشكل ويتكرّر من حوله في حلل لونية تجمع بين الأحمر والأزرق، ويظهر في وسط اللوح مكعّب يشكّل برعم هذا التأليف. يقابل هذا اللوح لوح مستطيل ثانٍ يحتلّ وسطه مُعيَّن كبير تحدّه أربعة مثلثات، وتزيّن مساحة هذا المُعيَّن تقاسيم مجدولة بيضاوية. في المقابل، تزيّن وسط الحوض سجادة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن في سلسلة متراصة تجمع كذلك بين الأحمر والأزرق. يحيط بهذه السجادة شريط زخرفي عريض يعتمد شبكة من الدوائر المجدولة صيغت في حلة لونية مشابهة، ويحيط بهذا الشريط العريض شريط رفيع تزيّنه سلسلة من الدوائر. يستقر هذا الحوض وسط إطار ناتئ يعلوه من جهتي الشرق والغرب شريط زخرفي قوامه سلسلة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن المربّع. يمتد هذا الشريط من جهة الجنوب، حيث يخرقه في الوسط اللوحان المستطيلان اللذان يزيّنان المدخل.

تحدّ هذا الحوض في الطرف الشمالي منصة نصف دائرية كما أشرنا، وتستقرّ وسط مساحة زخرفية تعتمد تقنية الجصّ المنقوش، وهي التقنية التي سادت بشكل أساسي في زينة هذا القصر، كما في عدد كبير من المواقع الأموية المشابهة. فقدت هذه المساحة الزخرفية الجزء الأكبر من مكوّناتها، وبقي منها الجزء الأسفل، وفيه شريط عريض من الأغصان النباتية اللولبية، يحدّه شريط نحيل يتكوّن من وحدات متراصة تعتمد وحدة تشكيلية شائعة، على شكل ورقة نبتة الأقنثا في صياغة محوّرة هندسياً. يستقر لوح الفسيفساء المقوّس وسط هذا الحلّة من الجصّ المنقوش، وتحدّه سلسلة رفيعة تعتمد كذلك وحدة تشكيلية شائعة، قوامها زهرة اللوتس المجرّدة. يحيط هذا الشريط النحيل شريط زخرفي عريض مجدول، ينعقد حول الشجرة المورقة التي ترتفع وسط فضاء مجرّد، تخلو مساحته البيضاء من أي تفصيل تصويري.

يشكّل حضور هذه الشجرة المثمرة خروجاً استثنائياً عن القاعدة المتبعة في تزيين أرضية الحمّام، ويتّضحّ عند تأمل مكوّناتها أنها شجرة برتقال ضخمة، صُوّرت أغصانها المورقة بأسلوب كلاسيكي شديد الإتقان، يتجلّى في تصوير الأوراق الخضراء بظلالها المتعدّدة. من هذه الأغصان المورقة التي تجسّد بشكل مبهر تقنية التجسيم والتظليل، تتدلّى خمس عشرة برتقالة تلمع وتتلألأ وسط الأوراق الخضراء، وعند جذع هذه الشجرة، أسد يفترس غزالاً، ومن الجهة الأخرى غزالان يرتعان بسلام. يظهر كل من هذين الغزالين وسط شجيرة مختزلة صيغت باللون الأخضر. يحضر في المقدّمة غزال يتقدّم من جذع الشجرة ليقتات من غصن صغير يخرج من طرفها، ويحضر من خلفه غزال يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال ثالث يتهاوى أمام أسد ينقض عليه من الخلف. تحلّ هذه الصورة وسط شجيرتين مماثلتين، وتشكّل جزءاً من مشهد جامع يحتلّ القسم الأسفل من تأليف هذه الفسيفساء.

يتميّز هذا المشهد بطابعه الحيوي، حيث ينقضّ السبع بمخالبه على فريسته التي لا تزال تعدو كأنها تحاول الهروب مذعورة، بينما تقضم الغزالتان العشب بسلام في الجوار، غير عابئتين بما يحصل على مقربة منهما. تقع هذه الصورة في محراب الركن الذي وُصف بديوان الخليفة، ورأى البعض أنها ترمز إلى السلطة الأموية. قيل إن الشجرة الضخمة تمثل دولة بني أمية وحكم الخليفة، وقيل إن مشهد الأسد المنقض على فريسته يمثّل حال من يخالف قوانين الدولة، بينما يمثل مشهد الغزالتين الآمنتين حال من يتقيّد بهذه القوانين.

في الواقع، يستعيد هذا التأليف صورة معروفة، ويتميّز بأسلوبه المتقن الذي يجعل منه تحفة استثنائية، كما أجمع أهل الاختصاص على القول. تكرّرت هذه الصورة في عديد من الأرضيات الرومانية، كما تكرّرت في عدد من المواقع الأموية، وتحتاج إلى وقفة مستقلّة لرصد تحوّلاتها في هذه المواقع.


رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية
TT

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

قد تبدو رواية «المسيح قادم إلى بروكسل» للكاتب البلجيكي ديميتري فيرهولست للوهلة الأولى مجرد حكاية تخييلية عن زيارة مرتقبة لشخصية لها مكانتها المقدسة في العقل الجمعي الغربي إلى العاصمة البلجيكية، لكنها في جوهرها رواية سياسية واجتماعية لاذعة تستخدم السخرية السوداء لرصد التحولات السريعة التي يمكن أن تصيب الناس حين يعتقدون أن معجزة ما على وشك الوقوع.

صدرت الرواية عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عثمان خليفة، وهى نص قصير أقرب إلى «النوفيلا» يقوم على فرضية محددة: ماذا لو اعتقد الناس فجأة أن زمن المعجزات عاد وأنهم باتوا على موعد مع حدث خارج نطاق العقل يوم 21 يوليو (تموز)، بالتزامن مع العيد الوطني لبلجيكا؟ رغم أنه لا يعرف أحد مصدر الخبر على وجه الدقة، فإن غموضه لا يمنع الناس من التعامل معه بوصفه حقيقة وشيكة.

منذ اللحظة الأولى، تتحول بروكسل مدينةً أخرى، فتبدأ الواجهات في الترميم، وتوضع الزهور في الشوارع، وتتراجع الجريمة بصورة مفاجئة، ويتبدل سلوك المواطنين الذين اعتادوا البرود والعدائية واللامبالاة، حسب النص.

لا يحدث ذلك لأنهم أصبحوا أفضل بالضرورة، بل لأنهم يريدون الظهور في صورة لائقة أمام الزائر المنتظر، وهنا يلتقط فيرهولست المفارقة الأساسية في الرواية: هل يكفي انتظار شخصية مقدسة كي يتصرف البشر بإنسانية، أم أن هذا التحسن المؤقت ليس سوى قناع اجتماعي جديد؟

يجعل النص من سكان العاصمة بروكسل أبطالاً جماعيين، فالمواطنون والإعلاميون وأصحاب المصالح جميعهم يدخلون في حالة من الترقب والارتباك. أما السياسيون، فينشغلون بالسؤال عن الشخصيات التي تستحق حضور اللقاء، وما هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الزائر المزعوم داخل المدينة، بينما يتعامل آخرون مع الزيارة المحتملة بوصفها فرصة دعائية أو مناسبة لتعزيز نفوذهم ومصالحهم.

يمكن القول إن الرواية تنتمي إلى نمط «ماذا لو؟» أو «الرواية الافتراضية»؛ إذ لا تعتمد على كثافة الأحداث بقدر انشغالها بمتابعة ردود الفعل الجماعية تجاه حدث مزلزل، فالسؤال الأساسي ليس هل تحدث المعجزة، وإنما ماذا يكشف انتظار قدومها عن الناس والطبيعة الإنسانية؟

يمزج أسلوب فيرهولست بين اللغة الساخرة والتفاصيل اليومية الدقيقة والملاحظات الذكية التي لا تخلو من الطرافة، حيث برزت قدرته على تحويل مشهد جماعي عابر إلى بانوراما واسعة عن البشر حين يواجهون فكرة الخلاص، أو حتى مجرد الوعد به.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«يزعم الناس أن من يستهل الحكي بالحديث عن الطقس هو حكاء حديث عهد بالصنعة، وإني لأجد في زعمه هذا وجهة نظر، وصدّقني عندما أقول لك إنني فكرت في البدائل كافة، ومع ذلك فأنا لا أملك بديلاً أفضل من أن أبدأ هذه الحكاية بالقول إن السماء لم تكن تمطر في ذاك الصباح.

عمّ الطقس الباهت الرتيب نفسه الذي لطالما ميز بروكسل والذي ساعد المدينة في أن تحوز الريادة في استهلاك مضادات الاكتئاب، وهو في حد ذاته ظاهرة ألفها كل من حطّ الرحال في عاصمتنا.

ترى بعين المسافر من نافذة الطائرة سحاباً تبدو كحلوى غزل البنات، ولكن ما إن تجد الطائرة مكاناً لها على سطح أرضنا يتحول ذلك السحاب غماماً داكناً مثقلاً بالأمطار في مشهد كئيب كفيل بتبديد كل نشاط وحماس في روح الركاب العائدين إلى وطنهم بعد أن أمضوا العطلة بطولها في شحن بطاريات الحياة.

تتهادى الطائرة في مسارها وسط ضباب كثيف بينما يصدح صوت مألوف النبرة بالفرنسية منبهاً إلى لحظة فك الأحزمة، ثم يكرر صوت مختلف التنبيه ذاته بهولندية لا معنى لها بينما يبذل جهده حتى لا ينتبه أحد إلى لكنته التي تفضح انتماءه إلى (لفان) مدينة الجعة.

وبالتالي، فإن أسابيع من المطر المستمر هي التوقع الواقعي الوحيد ولا يتوقف المرء عن الاندهاش وهو يرى الأرض مع اقتراب الطائرة من المطار، فتظهر التفاصيل التي يتأملها بين المروج الخضراء، حيث تجد (الترمبولين) وحمامات السباحة التي تبدو أقرب إلى أطباق حساء زرقاء لم يمسها أحد وفيلا أهل الطبقة المتوسطة المربعة المتطابقة التي تصطف في انتظام بارع على جانبي الطريق والأسيجة الشجرية المشذبة بعناية حول المنازل والأحياء التي تحمي فيها أنظمة الإنذار الأطفال والمتاع على حد سواء».


«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف