ثلاثة رهائن... وألف يوم من التوتر بين باريس وطهران

فرنسا «الخائبة» من بزشكيان تحذر مواطنيها من القبض عليهم «بلا سبب»

متظاهرة تحمل صورة الرهينة الفرنسية سيسيل كوهلر في 23 مارس الماضي المعتقلة في إيران منذ عامين (أ.ف.ب)
متظاهرة تحمل صورة الرهينة الفرنسية سيسيل كوهلر في 23 مارس الماضي المعتقلة في إيران منذ عامين (أ.ف.ب)
TT

ثلاثة رهائن... وألف يوم من التوتر بين باريس وطهران

متظاهرة تحمل صورة الرهينة الفرنسية سيسيل كوهلر في 23 مارس الماضي المعتقلة في إيران منذ عامين (أ.ف.ب)
متظاهرة تحمل صورة الرهينة الفرنسية سيسيل كوهلر في 23 مارس الماضي المعتقلة في إيران منذ عامين (أ.ف.ب)

تسير العلاقات الفرنسية - الإيرانية في منحى تصاعدي افتتحه الرئيس ماكرون في السادس من يناير (كانون الثاني) عندما اعتبر، في خطابه أمام سفراء بلاده حول العالم، أن إيران تشكل «التحدي الاستراتيجي والأمني لفرنسا ولأوروبا ولمنطقة الشرق الأوسط».

وفي «مضبطة اتهامية» واسعة، أشار ماكرون إلى برنامجها النووي المتسارع الذي وصل «إلى حد القطيعة»، وبرنامجها الصاروخي الباليستي الذي «يهدد أوروبا وترابها ومصالحها»، فضلاً عن دعمها للحرب الروسية على أوكرانيا، وضربها للاستقرار من خلال وكلائها الذين «يمارسون الإرهاب»، وتهديد المصالح الفرنسية في أفريقيا.

وخلاصة ماكرون أن «الحالة الإيرانية» ستكون أحد أبرز ملفات الحوار مع الإدارة الأميركية الجديدة، لكن الرئيس الفرنسي أغفل، ربما عن عمد، الإشارة إلى ملف آخر يسمم علاقات بلاده مع إيران، وعنوانه مواصلة طهران احتجاز ثلاثة من مواطنيه منذ فترات طويلة.

ورغم الجهود الدبلوماسية المتواصلة التي تبذلها باريس على أعلى المستويات، والتواصل بين ماكرون والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فإن طهران تسد أذنيها عن المطلب الفرنسي، ولا أحد يعلم يقيناً ما تريده مقابل الإفراج عن الذين تسميهم فرنسا «رهائن دولة» في السجون الإيرانية. وأكثر من مرة، نددت باريس بما تسميه «دبلوماسية الرهائن» التي تتبعها إيران.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لورشة فراماتوم للصيانة النووية شمال فرنسا في 29 يناير 2025 (رويترز)

ألف يوم على احتجاز رهينتين

ما يعيد هذه المسألة إلى الواجهة، راهناً، هو مرور ألف يوم على احتجاز فرنسيين اثنين هما: سيسيل كوهلر، أستاذة الأدب الفرنسي الحديث، البالغة من العمر أربعين عاماً، ورفيق دربها جاك باريس (73 عاماً)، وهو أستاذ رياضيات متقاعد، وقد أُلقي القبض عليهما في مطار طهران قبيل صعودهما إلى الطائرة في طريق عودتهما لفرنسا. كما يقبع في سجن «إيفين» بطهران، الفرنسي أوليفيه غروندو (34 عاماً) منذ 843 يوماً، وقد قُبض عليه في مدينة شيراز التي كان يزورها سائحاً.

وما يجمع بين الثلاثة الذين تؤكد عائلاتهم والخارجية الفرنسية أنهم كانوا في زيارات سياحية لإيران، اتهامهم بالتجسس. وصدر بحق غروندو، بداية العام الماضي، حكم بالسجن لخمس سنوات لقيامه بـ«التجسس والتآمر على إيران».

وفي 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بث التلفزيون الإيراني فيديو لسيسيل كوهلر «اعترفت فيه» بأنها عميلة لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسي. وسارعت فرنسا إلى التنديد بـ«اعترافات انتُزعت بالإكراه»، وقالت إن ما قامت به إيران «مجرد مهزلة».

في هذا السياق، كتبت الصحافية الإيرانية سيبيديه غوليان التي احتُجزت لفترة مع كوهلر في الزنزانة نفسها، في رسالة وجهتها لصحيفة «لوموند» الفرنسية في سبتمبر (أيلول) 2023، أن كوهلر أخبرتها أن «ندمها الأكبر هو الاعتراف القسري الذي انتُزع منها للتلفزيون الإيراني».

سيسيل كوهلر خلال حفل عيد ميلادها في 2019 (أ.ف.ب)

ظروف احتجاز تضاهي التعذيب

تكاثرت، يومي الجمعة والسبت، دعوات تجمعات ومظاهرات، لدعم الثلاثة وللضغط بغرض الإفراج عنهم، في العديد من المدن الفرنسية وأولها باريس. وقالت الخارجية الفرنسية إن باريس «تكرر بأقوى العبارات الممكنة مطالبتها بالإفراج الفوري عن رعاياها الذين تحتجزهم إيران كرهائن»، مضيفة أنه «لا شيء يبرر احتجازهم» الذي تصفه بأنه «بلا معنى».

وندد الناطق باسم «الخارجية» كريستوف لوموان بـ«ظروف الاحتجاز غير المقبولة والتي يرقى بعضها إلى مستوى التعذيب بموجب القانون الدولي»، مشيراً إلى أن كوهلر وباريس محتجزان، مع أخريات وآخرين، كل منهما «في زنزانة مساحتها 9 أمتار مربعة من غير نوافذ، حيث تضاء الأنوار على مدار الساعة، ليل نهار، في حين لا يوجد سرير للنوم، مع فرص قليلة للخروج من المكان».

وبحسب لوموان، فإن فرنسا تعتبر أن ما يتعرض له مواطنوها «أمر لا يطاق». وقال جان نويل بارو، وزير الخارجية، في جلسة استماع في مجلس الشيوخ، الأربعاء الماضي: «لقد بعثنا برسائل حازمة للغاية إلى السلطات الإيرانية، موضحين أنه من دون تحسن الوضع ومن دون إطلاق سراح هؤلاء الرهائن، لا يمكن إجراء أي حوار ثنائي، ولا يمكن تصور رفع العقوبات».

وجدد بارو التأكيد على أن الاتهامات المسوقة ضد الثلاثة «محض كذب». كذلك نددت «الخارجية» بانتهاك إيران لما يسمى «معاهدة جنيف» التي تمكّن المصالح القنصلية من زيارة المسجونين؛ إذ إن السلطات الإيرانية لا تتيح ذلك إلا لِماماً وبالمحاكمات المدبرة سلفاً. وربط لوموان مجدداً بين الإفراج عن الثلاثة وإمكانية تحسن العلاقات مع طهران. وإذ طلبت «الخارجية» من الفرنسيين عدم التوجه إلى إيران، ومن الموجودين على الأراضي الإيرانية الخروج منها «فوراً»؛ فقد حذرتهم من «الخطر المحدق بهم»، ومن احتمال القبض عليهم «في أي وقت ومن دون سبب باستثناء كونهم فرنسيين أو أوروبيين».

وبلغ التوتر ذروته، الجمعة، حينما أعلنت وزيرة الطرق الإيرانية، التي تُعنى وزارتها أيضاً بشؤون الطيران المدني، أن فرنسا ألغت الرحلة الجوّية بين طهران وباريس «بشكل أحادي»، وهي الرحلة المباشرة الوحيدة بين العاصمة الإيرانية وعاصمة أوروبية.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يرد على أسئلة النواب في البرلمان (أ.ف.ب)

دبلوماسية الرهائن

إزاء هذا الوضع، تؤكد فرنسا أنها «معبّأة وستبقى كذلك للحصول على تحرير الرهائن»، وأنها «ستواصل الكفاح ضد سياسة احتجازهم التي تنتهجها السلطات الإيرانية»، وتطالب بـ«الإفراج الفوري عنهم».

اللافت أن «الخارجية» عبرت عما يشبه الخيبة من الرئيس بزشكيان، بسبب فشل الجهود التي تبذلها «على أعلى مستوى»، في حين تتدهور أوضاع الرهائن. وواضح أن باريس كانت تراهن على بزشكيان الرئيس «الإصلاحي» الراغب بتحسن علاقات بلاده مع الأوروبيين.

وترى مصادر فرنسية أن مفتاح مصير هؤلاء «لا يملكه بزشكيان، بل (الحرس الثوري)»، بدليل أن الفرنسيين الثلاثة موجودون في القسم 209 من سجن «إيفين» الذي تديره وزارة المخابرات، وحيث يُحتجز سجناء سياسيون إيرانيون وأجانب. وقالت نعومي كوهلر، أخت سيسيل، إن الأخيرة «تنام على الأرض ولا يُسمح لها بالخروج من زنزانتها سوى ثلاث مرات في الأسبوع، ولنصف ساعة كل مرة»، فضلاً عن أن الاتصالات التي تتاح لها مع الخارج لا تزيد على خمس دقائق، وتحت رقابة سجّانيها، إلى درجة أنها ممنوعة من الحديث عن ظروف اعتقالها، وجل ما تطلبه هو الكتب.

وقالت المحامية كارين ريفوالان، الموكلة عن كوهلر، في حديث لصحيفة «ويست فرنس»، الجمعة، إن الرهائن الثلاثة «لم يتم إيقافهم بسبب ما قاموا به، بل بسبب كونهم فرنسيين. وهذا ما يمكن أن نسميه دبلوماسية الرهائن»، وذلك «لغرض مقايضتهم في إطار مفاوضات» تُجرى عادة بين إيران والحكومات الأجنبية الأوروبية وغير الأوروبية. وهي ممارسات معروفة منذ سنوات، وجرت في التعامل مع فرنسا أكثر من مرة. لكن اللافت أن لا شيء في الأفق يؤشر لما تريده إيران اليوم تحديداً بعكس المرات السابقة.

وبحسب مصدر غير حكومي، فإن المرجح أن إيران تريد الضغط على فرنسا من أجل «تليين موقفها» في الملفات التي تهم إيران كالعقوبات والبرنامج النووي.


مقالات ذات صلة

غارة إسرائيلية تستهدف قيادياً في «حماس» شارك بهجوم 7 أكتوبر

شؤون إقليمية صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لمن قال إنه قائد في فيلق النخبة التابع لحركة «حماس» بلال أبو عاصي استهدفه اليوم في قطاع غزة (صفحة المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي على إكس)

غارة إسرائيلية تستهدف قيادياً في «حماس» شارك بهجوم 7 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، استهداف قائد في فيلق النخبة التابع لحركة «حماس»، والذي شارك في هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في غارة جوية إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في طائرة الرئاسة «إير فورس وان» بعد مغادرته المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس متوجهاً إلى واشنطن - 22 يناير 2026 (أ.ب)

ترمب: «حماس» ساعدت في تحديد مكان رفات آخر رهينة ... وعلينا نزع سلاحها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، الاثنين، إن حركة «حماس» ساعدت في تحديد مكان رفات آخر رهينة إسرائيلي، وعليها الآن نزع سلاحها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال لقائه مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 22 أكتوبر 2025 (رويترز)

ترمب يرحّب باستعادة رفات آخر رهينة إسرائيلي... ويشيد بمجهود فريق عمله من «الأبطال»

في أوّل تعليق منه على استعادة إسرائيل جثة آخر رهينة لها في غزة، رحّب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالخطوة، مشيداً بمجهود فريق عمله في هذا الإطار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة غير مؤرخة تظهر ران غفيلي، وهو ضابط شرطة ورهينة إسرائيلي اختُطف في الهجوم الذي شنته "حماس" على جنوب الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023 (رويترز) p-circle

إسرائيل تعلن استعادة رفات «آخر رهائنها» في غزة

​قال الجيش الإسرائيلي، اليوم (الاثنين)، إنه استعاد رفات ضابط ‌الشرطة ‌الإسرائيلي ‌ران ⁠غفيلي، وهو ​آخر ‌رهينة كان محتجزاً في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية متظاهرات يحملن صور الإيرانية مهدية أسفندياري في طهران أكتوبر الماضي للمطالبة بإطلاق سراحها من سجن فرنسي (أ.ف.ب)

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس الثلاثاء وسط تعقيدات

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس، الثلاثاء، وسط تعقيدات قانونية ودبلوماسية وطهران تسعى لـ«مقايضة» أسفندياري بالفرنسيين كوهلر وباريس المحتجزين في إيران.

ميشال أبونجم (باريس)

إيران تحضّ أميركا على التخلي عن «المطالب المبالغ فيها» للتوصل إلى اتفاق

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)
TT

إيران تحضّ أميركا على التخلي عن «المطالب المبالغ فيها» للتوصل إلى اتفاق

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)

حضّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، الولايات المتحدة على التخلي عن «مطالبها المبالغ فيها» من أجل التوصل إلى اتفاق، غداة محادثات بين الجانبين عُقدت في جنيف.

وقال عراقجي في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن «نجاح هذا المسار يتطلب جديّة وواقعية من الجانب الآخر وتجنّب أي خطوات غير محسوبة والمطالب المبالغ فيها»، بحسب ما أعلنت الخارجية الإيرانية.

اختتمت الجولة الثالثة من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، الخميس، بعد إحراز «تقدم ملحوظ» في مسار التفاوض، حسبما أعلن وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي الذي يقوم بدور الوسيط.

وأجرى مبعوثا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.


تقرير: المعلومات المخابراتية لا تدعم زعم ترمب عن الصواريخ الإيرانية

الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

تقرير: المعلومات المخابراتية لا تدعم زعم ترمب عن الصواريخ الإيرانية

الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

قالت ثلاثة مصادر مطلعة على تقارير مخابراتية أميركية إن هذه التقارير ليس فيها ما يدعم زعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إيران ستمتلك قريباً صاروخاً قادراً على ضرب الولايات المتحدة، ويبدو أنها مبالغ فيه، وهو ما يلقي بظلال من الشك على جانب من المبررات التي ساقها لشن هجوم محتمل على طهران.

بدأ ترمب في خطابه عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس يوم الثلاثاء في طرح مبررات أمام الرأي العام الأميركي لإمكانية شن الولايات المتحدة هجمات ضد إيران، قائلاً إن طهران «تعمل على تطوير صواريخ ستصل قريباً» إلى الولايات المتحدة.

إيرانيات يسرن بجانب صواريخ من طراز «خيبر شكن» معروضة في ميدان آزادي خلال مراسم ذكرى الثورة (إ.ب.أ)

لكن مصدرين قالا إنه ليست هناك أي تغييرات في تقييم رُفعت عنه السرية لوكالة المخابرات العسكرية الأميركية لعام 2025، والذي يفيد بأن إيران قد تحتاج حتى 2035 لتطوير «صاروخ باليستي عابر للقارات يكون صالحاً للاستخدام العسكري» من مركبات الإطلاق الفضائية التي لديها حالياً.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي: «الرئيس ترمب محق تماماً في تسليط الضوء على القلق البالغ الذي تمثله إيران، البلد الذي يهتف (الموت لأميركا)، بامتلاكها صواريخ باليستية عابرة للقارات».

وقال مصدر إنه حتى لو قدمت الصين أو كوريا الشمالية، اللتان تتعاونان بشكل وثيق مع إيران، مساعدة تقنية، فمن المرجح أن تحتاج إيران ثماني سنوات على الأقل لإنتاج «شيء يكون بالفعل على مستوى صاروخ باليستي عابر للقارات وجاهز لتنفيذ عمليات».

وقالت المصادر، التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هوياتها لتناولها معلومات مخابراتية حساسة، إنها لم تر أي تقييمات مخابراتية أميركية تفيد بأن إيران تطور صاروخاً قادراً على الوصول إلى الأراضي الأميركية قريباً، لكنها لم تستبعد احتمال وجود تقرير مخابراتي جديد لم تكن على علم به.

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» أول من نشر تقريراً عن أن أجهزة المخابرات الأميركية تعتقد أن إيران ربما لا تزال على بعد سنوات من امتلاك صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة.

وجاء زعم ترمب بشأن قدرات إيران الصاروخية في وقت يتفاوض فيه ممثلون عن الولايات المتحدة وإيران بشأن برنامج طهران النووي، دون أي مؤشرات على انفراجة تحول دون تعرض إيران لضربات أميركية محتملة وسط تعزيزات عسكرية ضخمة في المنطقة.

صورة مركّبة من لقطات أقمار اصطناعية تُظهر قاعدة شيراز الجنوبية للصواريخ في إيران قبل إعادة الإعمار (يمين) وبعدها (يسار) (رويترز)

ولم يعلن الرئيس الأميركي ما يكفي لتوضيح أسباب دفعه الولايات المتحدة نحو أكثر تحركاتها عدوانيةً ضد طهران منذ ثورتها في 1979.

وفي خطابه يوم الثلاثاء، أشار ترمب إلى دعم طهران للجماعات المسلحة وقتلها المتظاهرين وبرامجها الصاروخية والنووية كونها تهديدات للمنطقة والولايات المتحدة.

ودون تقديم أي دليل، قال ترمب إن طهران بدأت في إعادة بناء البرنامج النووي الذي زعم «تدميره» جراء غارات جوية أميركية في يونيو (حزيران) الماضي على ثلاثة مواقع رئيسية لتخصيب اليورانيوم.

وأشار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يوم الأربعاء، إلى برنامج إيران للصواريخ الباليستية بعبارات أقل وضوحاً من تصريحات ترمب، قائلاً إن طهران «على مسار امتلاك أسلحة قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية».

وتنفي إيران سعيها لامتلاك ترسانة نووية، وتقول إن تخصيب اليورانيوم يقتصر على الاستخدامات المدنية.

وفي مقابلة مع قناة «إنديا توداي» التلفزيونية بثت يوم الأربعاء، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إيران تعمل على زيادة قدراتها الصاروخية.

وقال: «لا نطور صواريخ بعيدة المدى. حددنا المدى عند أقل من ألفي كيلومتر. لا نريد أن نشكل تهديداً عالمياً. لدينا هذه الصواريخ للدفاع عن أنفسنا فقط. صواريخنا تعزز قدرة الردع».

تقول أجهزة المخابرات الأميركية والوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة إن إيران أوقفت برنامجها لتطوير الأسلحة النووية في 2003.

لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قالت إن طهران واصلت في السنوات القليلة الماضية تخصيب اليورانيوم، وهو ما شمل تخصيبه إلى مستويات قريبة من المستوى الذي يمكنها من صنع أسلحة.

وهدد ترمب بمهاجمة إيران إذا أعدمت المعتقلين خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اجتاحت البلاد في يناير (كانون الثاني)، أو إذا فشلت في التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي في المحادثات مع الولايات المتحدة.

نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي «القبة الحديدية» يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)

وقال ديفيد أولبرايت، الذي كان في السابق من مفتشي الطاقة النووية لدى الأمم المتحدة، إن إيران لا تزال بعيدة كل البعد عن القدرة على تحميل صاروخ بمثل هذه الكبسولات وبداخلها رؤوس نووية قادرة على تحمل الحرارة الشديدة والقوى الهائلة الناتجة عن اختراق الغلاف الجوي للأرض.

وأضاف أولبرايت الذي يرأس المركز البحثي «معهد العلوم والأمن الدولي»: «تستطيع إيران إطلاق صاروخ بعيد المدى جداً بفضل مركبات الإطلاق الفضائي التي تمتلكه... يعد هذا البرنامج واعداً، لكنه يحتاج إلى الكثير من العمل لتطوير مركبة إعادة إدخال مناسبة».

وأشار أولبرايت وخبراء آخرون إلى أن الغارات الجوية الإسرائيلية في العام الماضي، وفي 2024، ألحقت أضراراً بالغة بمنشآت رئيسية تنتج فيها طهران صواريخ باليستية تعمل بالوقود السائل والصلب.


التوسع الإسرائيلي في القرن الأفريقي... توترات جديدة بمنطقة مأزومة

رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

التوسع الإسرائيلي في القرن الأفريقي... توترات جديدة بمنطقة مأزومة

رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)

تواجه منطقة القرن الأفريقي متغيرات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مع تعيين الإقليم سفيراً له في تل أبيب، وزيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لإثيوبيا، وسط توتر مع القاهرة.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التطورات المتلاحقة ستؤدي إلى زيادة التوتر في منطقة القرن الأفريقي وسط صراع على النفوذ، مستبعدين حدوث صدام مباشر، إلا إذا أضرت التحركات الإسرائيلية بمصالح طرف في المنطقة.

وأفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، الخميس، بأن زيارة هرتسوغ لأديس أبابا، التي جرت الأربعاء، تمثل «محطة جديدة في مسار الشراكة المتنامية بين البلدين، وتجسّد التزامهما المشترك بتعميق التعاون وتعزيز الحوار السياسي بما يخدم مصالح الشعبين».

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال في دافوس (حساب هرتسوغ على منصة إكس)

ووصف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد المحادثات مع هرتسوغ بأنها «مثمرة»، مشيراً إلى أنها «تناولت سبل تطوير العلاقات الإثيوبية - الإسرائيلية، والعمل على الارتقاء بها إلى آفاق أوسع من التعاون الدبلوماسي والاستراتيجي وبحث فرص توسيع التعاون في مجالات الاهتمام المشترك وتعزيز الشراكة في القطاعات الحيوية»، وذلك في بيان نشره عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي.

«منطقة متأزمة»

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير صلاح حليمة، أن نشاط إسرائيل يندرج في إطار محاولاتها للوجود بمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، واستغلال الصراعات القائمة في الشرق الأوسط، بما في ذلك قطاع غزة والقضية الفلسطينية، بهدف توسيع نفوذها وانتشارها.

ولفت إلى أن مفهوم «الشرق الأوسط الجديد» بالنسبة لإسرائيل لا يقتصر على ضم أراض، بل يهدف إلى تحقيق نوع من الهيمنة والنفوذ والسيطرة.

وقال: «تحركات إسرائيل الأخيرة محاولة للوجود بممر ملاحي حيوي، وستثير مقداراً كبيراً من القلق والاضطرابات بالمنطقة المتأزمة بالأساس، سواء داخل الدول أو بين الجوار مثل إثيوبيا وإريتريا».

وتزامن مع الزيارة الإسرائيلية لإثيوبيا إعلان رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، تعيين محمد عمر حاجي محمود سفيراً فوق العادة ومفوضاً «لأرض الصومال» لدى إسرائيل، وسط توقعات بتوسيع التعاون في مجالات السياسة والتجارة والابتكار وإدارة المياه والأمن الإقليمي، حسب الإعلام الصومالي.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع، أن إثيوبيا تريد استثمار تلك الزيارة في دعم تحركاتها للبحث عن منفذ بحري استراتيجي بعد فقدانها ساحلها منذ استقلال إريتريا، بينما يبحث إقليم «أرض الصومال» عن مزيد من الاعتراف والوجود الشرعي الدولي.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة البر من دون أي منفذ مائي عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، ما جعلها تعتمد على مواني جيرانها، لا سيما «ميناء جيبوتي» الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية.

احتمالات المواجهة

ويرى الأكاديمي والباحث في شؤون أفريقيا محمد تورشين أن تحركات إسرائيل تأتي ضمن مساعيها من أجل تعزيز حضورها الجيوسياسي وتوسيع نطاق شراكتها في المنطقة، ولترسيخ نفوذها وتأمين البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وتطويق النفوذ التركي والمصري في القرن الأفريقي، وكذلك محاولة لإعادة رسم التوازنات ونسج تحالفات جديدة والانخراط في تحالفات قائمة.

ومع وجود إسرائيل المرفوض عربياً في إقليم «أرض الصومال»، تعرف منطقة القرن الأفريقي حضوراً لافتاً لدول كثيرة من بينها تركيا التي لها قاعدة عسكرية في مقديشو.

وعن تداعيات ذلك، قال تورشين إن الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي سيخلق حالة من الارتباك في المنطقة، وحروباً بالوكالة دون الوصول إلى صدام مباشر، لافتاً إلى أن هناك «تحالفاً موازياً يشمل مصر وتركيا وإريتريا والصومال وجيبوتي هو الأكبر حالياً ومن مصلحته عدم توسع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، لأن ذلك يشكل تهديداً له وللمنطقة، ومن ثم سيعمل على استقطاب دول جديدة لتوسيع النفوذ».

ويرى السفير صلاح حليمة أن التحالفات بين مصر وتركيا ستتشكل سريعاً في القرن الأفريقي لمجابهة التدخل الإسرائيلي، موضحاً أن زيادة وتيرة الوجود الإسرائيلي قد يتحول إلى صدام عندما يؤدي إلى الإضرار بمصالح طرف آخر.

بينما يرجح المحلل الصومالي بري أن الحديث عن صدام في القرن الأفريقي لا يزال مبكراً، لافتاً إلى أن المنطقة تشهد بالفعل تنافس نفوذ شديداً، «لكن حتى الآن المؤشرات الأقوى تميل إلى إدارة تنافس سياسي وأمني أكثر من اندلاع مواجهة مباشرة».