هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

شعراء وناثرون واكبوا حقبة الاستقلال

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟
TT

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

لم يكن الأدب في مختلف تجلياته ومراحله، حالة هجينة ومنبتة عن الواقع، بل هو نتاج أرضي لا بد له أن ينطلق من مكان وزمان محددين، قبل أن يحلّق في فضائه المتخيل وغير المحدود. وقد يكون في عبارة الكاتب اللبناني يوسف حبشي الأشقر: «لا تنبت جذورٌ في السماء»، التي جعلها عنواناً لإحدى رواياته، ما يؤكد الفكرة القائلة بأن شجرة الإبداع تحتاج لكي تثمر إلى تربة ملائمة وشروط محلية المواصفات. وأياً تكن المتغيرات اللاحقة بمذاهب النقد الأدبي ومدارسه، فإن الثابت الذي لا يتبدل هو أن النتاجات الأدبية العظيمة لا تدين لمواهب أصحابها الفردية فحسب، بل ثمة ما يتصل بالتقاطع الخلاق بين الزمان والمكان، حيث يُفرج الأول عن كنوزه في المنعطفات الملائمة، وحيث للآخر عبقريته الخاصة، كما ذهب الكثير من المفكرين.

وإذا كانت هذه التوطئة بمثابة المدخل الضروري للحديث عن الأدب اللبناني، في مرحلتي الانتداب الفرنسي والاستقلال، فإن ما يجب تأكيده هو أن الحديث عن أي نتاج أدبي محلي في العالم العربي، لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية التشرذم الكياني أو الانهمام النرجسي بالذات؛ لأن الانتماء الوطني ليس في حالة تعارض مع الانتماء القومي والإنساني، ولأن لكل بيئة عربية تعبيراتها الأدبية والإبداعية الخاصة، بحيث تسهم الأساليب المتنوعة في إثراء الحديقة الأوسع للغة الضاد.

أمين نخلة

كما يجب التأكيد من جهة أخرى على أن الأدب اللبناني ليس واحداً بالقطع، بل هو يختلف باختلاف الحقب والمراحل، ويتعدد بتعدد الكتّاب والشعراء والأساليب. والأدل على ذلك هو أن النماذج التي قدمها الجيل النهضوي الأول ممثلاً بجبران والريحاني ونعيمة وشعراء المهجر، وصولاً إلى إلياس أبو شبكة، تختلف تمام الاختلاف عن النموذج الجمالي الذي جسَّده شعراء وأدباء الحقبة اللاحقة من أمثال أمين نخلة، والأخطل الصغير، وصلاح لبكي، وفؤاد سليمان وسعيد عقل، الذين عملوا على تظهير صورةٍ للبنان أقرب إلى الأساطير واليوتوبيا الفردوسية منها إلى أي شيء آخر. كما أن هؤلاء الأخيرين يختلفون بالقدر نفسه عن التجارب الحداثية اللاحقة، التي توزعت بين مجلتي «شعر» و«الآداب» على نحو خاص.

ولعل الظروف الصعبة التي عاشها الجيل الأول في ظل الحكم العثماني وما رافقه من تنكيل وبطش وتجويع، واضطرار الكثيرين إلى الهجرة باتجاه الغرب، هي التي تفسر مسحة التشاؤم والتمزق الروحي والتبرم بالواقع التي حكمت نتاج ذلك الجيل، حتى إذا أعلنت سلطة الانتداب الفرنسي قيام دولة لبنان الكبير، وصولاً إلى الاستقلال التام عام 1943، راح شعراء الجيل اللاحق يرسمون صورةً للكيان الوليد، مفعمة بالزهو والتفاؤل والطرب الحسي بالجمال.

على أن شعراء تلك المرحلة وناثريها لم يكتفوا بإسناد كتابتهم إلى واقع البلاد الفعلي، بل راحوا ينقّبون في الأساطير والمرويات القديمة والكتب المقدسة و«أحافير التاريخ»، عن كل ما يضاعف من مساحة الوطن الصغير، ويعمل على تظهير حضوره في العالم، بوصفه وطن المغامرة الإنسانية والثراء الإبداعي. ولم ينسَ هؤلاء الكتّاب بالطبع أن لبنان قد ذُكر عشرات المرات في العهد القديم، وبخاصة في«نشيد الأناشيد» حيث لا يجد العاشق المولّه ما يشبّه به رائحة حبيبته سوى قوله: «رائحة ثيابك كرائحة لبنان»، وما يشبّه به أنفها سوى قوله المماثل: «أنفكِ كبرج لبنان الناظر تجاه دمشق».

بشارة الخوري

ولا يمكن في الوقت نفسه أن نقرأ ذلك الإفراط في الترصيع الجمالي والنمنمة اللفظية، بمعزل عما أصابه لبنان في تلك الفترة من ازدهار ورخاء، في ظل الطفرة النفطية غير المسبوقة التي شهدتها البلدان المجاورة، وفي ظل مناخ الحرية والانفتاح الثقافي والاجتماعي الذي رافقه لعقود كثيرة، فضلاً عن طبيعته الخلابة ورحابة أهله؛ الأمر الذي جعل منه مقصد الباحثين عن المتعة والفرح، وقِبلة أنظار الكثيرين في العالمين العربي والغربي.

هكذا بدا الأدب اللبناني في الثلث الثاني من القرن العشرين بمثابة احتفال كرنفالي بالحياة، واستثمار لأكثر ما في اللغة العربية من جماليات البلاغة وأناقة المفردات وفتنة الإيقاع. كما بدت صورة لبنان الزاهية خليطاً من التاريخ المطعّم بالأساطير، والجغرافيا المتوسطية التي تقدم أفضل ما لديها من عروض الجمال، حيث الطبيعة مسرفة في تنوعها، وحيث الكلفة مرفوعة بين الجبال والشواطئ.

وفي هذا العالم الأثيري المفعم بالتفتح، عالم ما قبل تلوث المدن وفساد الأيام، راحت كوكبة من النخب اللبنانية، تبعث إلى المطابع بإصدارات مختلفة المشارب، يؤالف بينها انتصارٌ للّغة الأنيقة و«الأرستقراطية» والبعيدة عن الشوائب. وفي حين كان غليان الحياة مدفوعاً إلى تخومه القصوى، وأصبح الشعر والنثر نوعين من الطرب والانتشاء الطربي بجمال الطبيعة، أو تغنياً بالأنوثة المطلقة، راح الأخطل الصغير، يهتف بامرأته المعشوقة:

الصبا والجمال ملْك يديكِ أيُّ تاجٍ أعزُّ من تاجيكِ

نصبَ الحسنُ عرشه فسألنا مَن تُراها له فدلَّ عليكِ

وإذا كان الأخطل الصغير قد حرص على المواءمة بين البعدين الريفي والمديني في الكتابة، محولاً القصيدة العمودية التقليدية مقطوعاتٍ قصيرة وأغنياتٍ رشيقة، فإن سعيد عقل قد آثر البقاء في المربع الفحولي للكتابة، حيث الشعر رديف الذرى الأكثر ارتفاعاً للبلاغة العربية. وهذه الميزة لم تفارق صاحب « قدموس» في معظم أعماله، كما لو أنه كان يرى في الليونة التعبيرية نوعاً من التأنُّث أو «الخنوثة» التعبيرية التي لم يكن يستسيغها بالمطلق. وإذا استثنينا بعض مقطوعاته الغزلية، فقد ظل الشاعر وفياً لفكرته عن الشعر حتى في قصائد الرثاء، كقوله في رثاء أمين تقي الدين:

سليل الأُلى قيلوا السيوفُ رنتْ لهمْ جبالٌ، وقال الحقُّ من بعضهمْ جندي

على ريف لبنانٍ نموا مثلما نما الضياء، وسال الفجرُ في القمم الجُردِ

أنا اليومَ منهم في قصيدة شاعرٍ لَتَسْكنني كالريح تَلفحُ من بردِ

ولم يكن نثر تلك الثلة من مبدعي الوطن المزهو باستقلاله ليختلف كثيراً عن الشعر، بل كان موازياً له في الصنيع البارع والترصيع البلوري والتأليف المحكم. وهو ما بدا واضحاً في نثر فؤاد سليمان وصلاح لبكي وأمين نخلة، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن سليمان كان ينتمي على المستوى العقائدي إلى أحد الأحزاب القومية، إلا أن أدبه ومعجمه اللغوي كانا يتغذيان من مصادر لبنانية وريفية بحتة، شأنه في ذلك شأن أقرانه الآخرين. ولا تبتعد مناخات سليمان النثرية عن مناخات لبكي ونخلة، من حيث الاستلهام الرومانسي للطبيعة اللبنانية، فكتب في «درب القمر» مخاطباً صديقاً له: «أين لي عشيةٌ في كرْم، تحت قبة عشية خضراء. أغني حتى أجرح حنجرتي. ولكنْ لا عرزال ولا ضباب، لا راعٍ ولا خيمة ولا مطلّ على الدروب. أنا هنا في موكب التائهين، أمشي على براكين تغلي نيرانها تحت رجليّ». ولم يختلف شعر صلاح لبكي ونثره عن مناخات أقرانه من كتاب ذلك الجيل، وهو الذي عمل في «أرجوحة القمر» و«لبنان الشاعر» وغيرهما، على خلق عالم أثيري مصنوع من جماليات التخيل وبهاء التصورات.

وكما هو شأن رفيقيه، حرص أمين على تحميل لغة النثر كل ما تحتاجه من قوة السبك وطاقة الإيحاء. وإذ تداوى أبو نواس بالخمرة، قبله بقرون عدة، جهد نخلة عبر «المفكرة الريفية»، في تحويل الطبيعة منتجعاً للفرح، وتحويل الجمال علاجاً مجانياً، فكتب قائلاً: «إن عصر المداواة بالزهر كان عصراً شهياً؛ إذ كان بالأرج يُداوى، وبالمَلاحة يُطَبَّب، وكان صاحب العلّة من الناس يُقبل على الطبيعة وهي قائمة على ساقها، أو هي طحينٌ في علبة وعجينٌ في حُقّ».



حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

> تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.