هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

شعراء وناثرون واكبوا حقبة الاستقلال

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟
TT

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

لم يكن الأدب في مختلف تجلياته ومراحله، حالة هجينة ومنبتة عن الواقع، بل هو نتاج أرضي لا بد له أن ينطلق من مكان وزمان محددين، قبل أن يحلّق في فضائه المتخيل وغير المحدود. وقد يكون في عبارة الكاتب اللبناني يوسف حبشي الأشقر: «لا تنبت جذورٌ في السماء»، التي جعلها عنواناً لإحدى رواياته، ما يؤكد الفكرة القائلة بأن شجرة الإبداع تحتاج لكي تثمر إلى تربة ملائمة وشروط محلية المواصفات. وأياً تكن المتغيرات اللاحقة بمذاهب النقد الأدبي ومدارسه، فإن الثابت الذي لا يتبدل هو أن النتاجات الأدبية العظيمة لا تدين لمواهب أصحابها الفردية فحسب، بل ثمة ما يتصل بالتقاطع الخلاق بين الزمان والمكان، حيث يُفرج الأول عن كنوزه في المنعطفات الملائمة، وحيث للآخر عبقريته الخاصة، كما ذهب الكثير من المفكرين.

وإذا كانت هذه التوطئة بمثابة المدخل الضروري للحديث عن الأدب اللبناني، في مرحلتي الانتداب الفرنسي والاستقلال، فإن ما يجب تأكيده هو أن الحديث عن أي نتاج أدبي محلي في العالم العربي، لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية التشرذم الكياني أو الانهمام النرجسي بالذات؛ لأن الانتماء الوطني ليس في حالة تعارض مع الانتماء القومي والإنساني، ولأن لكل بيئة عربية تعبيراتها الأدبية والإبداعية الخاصة، بحيث تسهم الأساليب المتنوعة في إثراء الحديقة الأوسع للغة الضاد.

أمين نخلة

كما يجب التأكيد من جهة أخرى على أن الأدب اللبناني ليس واحداً بالقطع، بل هو يختلف باختلاف الحقب والمراحل، ويتعدد بتعدد الكتّاب والشعراء والأساليب. والأدل على ذلك هو أن النماذج التي قدمها الجيل النهضوي الأول ممثلاً بجبران والريحاني ونعيمة وشعراء المهجر، وصولاً إلى إلياس أبو شبكة، تختلف تمام الاختلاف عن النموذج الجمالي الذي جسَّده شعراء وأدباء الحقبة اللاحقة من أمثال أمين نخلة، والأخطل الصغير، وصلاح لبكي، وفؤاد سليمان وسعيد عقل، الذين عملوا على تظهير صورةٍ للبنان أقرب إلى الأساطير واليوتوبيا الفردوسية منها إلى أي شيء آخر. كما أن هؤلاء الأخيرين يختلفون بالقدر نفسه عن التجارب الحداثية اللاحقة، التي توزعت بين مجلتي «شعر» و«الآداب» على نحو خاص.

ولعل الظروف الصعبة التي عاشها الجيل الأول في ظل الحكم العثماني وما رافقه من تنكيل وبطش وتجويع، واضطرار الكثيرين إلى الهجرة باتجاه الغرب، هي التي تفسر مسحة التشاؤم والتمزق الروحي والتبرم بالواقع التي حكمت نتاج ذلك الجيل، حتى إذا أعلنت سلطة الانتداب الفرنسي قيام دولة لبنان الكبير، وصولاً إلى الاستقلال التام عام 1943، راح شعراء الجيل اللاحق يرسمون صورةً للكيان الوليد، مفعمة بالزهو والتفاؤل والطرب الحسي بالجمال.

على أن شعراء تلك المرحلة وناثريها لم يكتفوا بإسناد كتابتهم إلى واقع البلاد الفعلي، بل راحوا ينقّبون في الأساطير والمرويات القديمة والكتب المقدسة و«أحافير التاريخ»، عن كل ما يضاعف من مساحة الوطن الصغير، ويعمل على تظهير حضوره في العالم، بوصفه وطن المغامرة الإنسانية والثراء الإبداعي. ولم ينسَ هؤلاء الكتّاب بالطبع أن لبنان قد ذُكر عشرات المرات في العهد القديم، وبخاصة في«نشيد الأناشيد» حيث لا يجد العاشق المولّه ما يشبّه به رائحة حبيبته سوى قوله: «رائحة ثيابك كرائحة لبنان»، وما يشبّه به أنفها سوى قوله المماثل: «أنفكِ كبرج لبنان الناظر تجاه دمشق».

بشارة الخوري

ولا يمكن في الوقت نفسه أن نقرأ ذلك الإفراط في الترصيع الجمالي والنمنمة اللفظية، بمعزل عما أصابه لبنان في تلك الفترة من ازدهار ورخاء، في ظل الطفرة النفطية غير المسبوقة التي شهدتها البلدان المجاورة، وفي ظل مناخ الحرية والانفتاح الثقافي والاجتماعي الذي رافقه لعقود كثيرة، فضلاً عن طبيعته الخلابة ورحابة أهله؛ الأمر الذي جعل منه مقصد الباحثين عن المتعة والفرح، وقِبلة أنظار الكثيرين في العالمين العربي والغربي.

هكذا بدا الأدب اللبناني في الثلث الثاني من القرن العشرين بمثابة احتفال كرنفالي بالحياة، واستثمار لأكثر ما في اللغة العربية من جماليات البلاغة وأناقة المفردات وفتنة الإيقاع. كما بدت صورة لبنان الزاهية خليطاً من التاريخ المطعّم بالأساطير، والجغرافيا المتوسطية التي تقدم أفضل ما لديها من عروض الجمال، حيث الطبيعة مسرفة في تنوعها، وحيث الكلفة مرفوعة بين الجبال والشواطئ.

وفي هذا العالم الأثيري المفعم بالتفتح، عالم ما قبل تلوث المدن وفساد الأيام، راحت كوكبة من النخب اللبنانية، تبعث إلى المطابع بإصدارات مختلفة المشارب، يؤالف بينها انتصارٌ للّغة الأنيقة و«الأرستقراطية» والبعيدة عن الشوائب. وفي حين كان غليان الحياة مدفوعاً إلى تخومه القصوى، وأصبح الشعر والنثر نوعين من الطرب والانتشاء الطربي بجمال الطبيعة، أو تغنياً بالأنوثة المطلقة، راح الأخطل الصغير، يهتف بامرأته المعشوقة:

الصبا والجمال ملْك يديكِ أيُّ تاجٍ أعزُّ من تاجيكِ

نصبَ الحسنُ عرشه فسألنا مَن تُراها له فدلَّ عليكِ

وإذا كان الأخطل الصغير قد حرص على المواءمة بين البعدين الريفي والمديني في الكتابة، محولاً القصيدة العمودية التقليدية مقطوعاتٍ قصيرة وأغنياتٍ رشيقة، فإن سعيد عقل قد آثر البقاء في المربع الفحولي للكتابة، حيث الشعر رديف الذرى الأكثر ارتفاعاً للبلاغة العربية. وهذه الميزة لم تفارق صاحب « قدموس» في معظم أعماله، كما لو أنه كان يرى في الليونة التعبيرية نوعاً من التأنُّث أو «الخنوثة» التعبيرية التي لم يكن يستسيغها بالمطلق. وإذا استثنينا بعض مقطوعاته الغزلية، فقد ظل الشاعر وفياً لفكرته عن الشعر حتى في قصائد الرثاء، كقوله في رثاء أمين تقي الدين:

سليل الأُلى قيلوا السيوفُ رنتْ لهمْ جبالٌ، وقال الحقُّ من بعضهمْ جندي

على ريف لبنانٍ نموا مثلما نما الضياء، وسال الفجرُ في القمم الجُردِ

أنا اليومَ منهم في قصيدة شاعرٍ لَتَسْكنني كالريح تَلفحُ من بردِ

ولم يكن نثر تلك الثلة من مبدعي الوطن المزهو باستقلاله ليختلف كثيراً عن الشعر، بل كان موازياً له في الصنيع البارع والترصيع البلوري والتأليف المحكم. وهو ما بدا واضحاً في نثر فؤاد سليمان وصلاح لبكي وأمين نخلة، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن سليمان كان ينتمي على المستوى العقائدي إلى أحد الأحزاب القومية، إلا أن أدبه ومعجمه اللغوي كانا يتغذيان من مصادر لبنانية وريفية بحتة، شأنه في ذلك شأن أقرانه الآخرين. ولا تبتعد مناخات سليمان النثرية عن مناخات لبكي ونخلة، من حيث الاستلهام الرومانسي للطبيعة اللبنانية، فكتب في «درب القمر» مخاطباً صديقاً له: «أين لي عشيةٌ في كرْم، تحت قبة عشية خضراء. أغني حتى أجرح حنجرتي. ولكنْ لا عرزال ولا ضباب، لا راعٍ ولا خيمة ولا مطلّ على الدروب. أنا هنا في موكب التائهين، أمشي على براكين تغلي نيرانها تحت رجليّ». ولم يختلف شعر صلاح لبكي ونثره عن مناخات أقرانه من كتاب ذلك الجيل، وهو الذي عمل في «أرجوحة القمر» و«لبنان الشاعر» وغيرهما، على خلق عالم أثيري مصنوع من جماليات التخيل وبهاء التصورات.

وكما هو شأن رفيقيه، حرص أمين على تحميل لغة النثر كل ما تحتاجه من قوة السبك وطاقة الإيحاء. وإذ تداوى أبو نواس بالخمرة، قبله بقرون عدة، جهد نخلة عبر «المفكرة الريفية»، في تحويل الطبيعة منتجعاً للفرح، وتحويل الجمال علاجاً مجانياً، فكتب قائلاً: «إن عصر المداواة بالزهر كان عصراً شهياً؛ إذ كان بالأرج يُداوى، وبالمَلاحة يُطَبَّب، وكان صاحب العلّة من الناس يُقبل على الطبيعة وهي قائمة على ساقها، أو هي طحينٌ في علبة وعجينٌ في حُقّ».



قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»


جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوحة أموية من الحجم الضخم، تحتلّ وسطها صورة دائرية تمثل امرأة ترفع بين يديها وشاحاً مليئاً بالفاكهة. خرجت هذه اللوحة من قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غرب مدينة تدمر، ودخلت المتحف، وتمّ تثبيتها في القاعة العليا من الجناح الذي خُصّص للقى الأثرية التي تمّ اكتشافها بين أطلال هذا القصر، وهي من الطراز الروماني الكلاسيكي الرفيع، وتتبع أسلوباً ساد في مختلف نواحي الأرضي السورية خلال القرون الميلادية التي سبقت دخول الإسلام إلى هذه البقاع. تعود هذه الجدارية إلى العقود الأولى من القرن الثامن، وتشهد بأسلوبها المتقن لاستمرارية هذا الطراز خلال العهد الأموي، وتشكّل أحد أجمل تجليّاته المشرقيّة في مطلع القرون الوسطى.

أُنجزت هذه اللوحة المستطيلة على مساحة من مادة المِلاط الجصّي المتين، وتبدو في موقعها اليوم أشبه بلوحة جدارية، غير أنّها في الواقع لوحة أرضية كانت تزيّن في الأصل قاعة الاستقبال في الجناح الغربي من القصر الذي شيّده هشام بين عبد الملك في عام 727، وتتميّز بضخامتها الاستثنائية، إذ يبلغ طولها 5.21 متر، وعرضها 4.43 متر. يحيط بهذه اللوحة إطار زخرفي عريض تزينه سلسلة لولبية من الأغصان المورقة، تتدلّى منها عناقيد من العنب الأحمر. حُوّرت هذه الأغصان هندسياً، واتخذت شكل دوائر متلاحقة متعادلة في الحجم، غير أنّها حافظت على ثقلها الطبيعي، وبدا ذلك بشكل خاص في تصوير عناقيدها. تحضر في وسط هذه الإطار صورة نصفية لامرأة في وضعية المواجهة، تنتصب وسط إطار دائري تزيّنه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية المتناسقة الممهورة بأشكال نباتية منمنمة. يخرج هذا الوجه عن النمط الكلاسيكي، وتعكس ملامحه النسق المحلّي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية في قالب سوري محلّي، ساد في تدمر، كما في نواح أخرى من البقاع السورية.

بنية الرأس دائرية، تعلوها كتلة من الشعر الكثيف الأسود تحيط به، مع فرق بسيط في وسط قمّته، وخصلتين صغيرتين تنسدلان على الجبين. العينان لوزتان واسعتان يعلوهما حجابان مقوّسان عريضان منفصلان، ينسدل من بين وسطهما خيط الأنف الرفيع. الفم مطبق، وقوامه خط بسيط يرسم الشق الفاصل بين شفتيه الرقيقتين. الوجنتان مكتنزتان وموشحتان باللون الأرجواني. العنق عريضة، يزيّنها عقد لؤلؤي قصير، تعلوه أفعى تلتف من حوله، رافعة رأسها فوق الكتف اليمنى. ترفع هذه المرأة يديها في اتجاه الصدر، حاملة وشاحاً يأخذ شكل رزمة مفتوحة، تعلوها مجموعة متنوّعة من الفاكهة، تتوسّطها إجاصتان. تبدو هذه الفاكهة مرصوصة ومثبتة في الفراغ، وتشكّل مساحة أفقية تحتلّ القسم الأعلى من الصدر الأنثوي.

تتبنّى هذه الصورة نموذجاً معروفاً في الفن الكلاسيكي يمثّل سيّدة الكون «غايا»، وهي أوّل من ظهر في بدء هذا الوجود، بحسب الميثولوجيا اليونانية. توصف هذه السيّدة الأم بصاحبة الأحشاء الشاسعة وحصن جميع الخالدين، وقد تجرّدت صورتها لاحقاً من معناها الأصلي، وتحوّلت إلى صورة «حيادية» تمثّل الأرض الطيّبة المثمرة فحسب. تُشكّل الأفعى الملتفّة حول العنق عنصراً من العناصر التشكيلية التي ترافقها، وترمز في العالم القديم إلى الخصوبة والعطاء والتجدّد المستمر.

تحضر «غايا» وسط لوحة دائرية تستقرّ وسط مساحة مستطيلة تكسوها أغصان نباتية زخرفية. وسط هذه الزخارف، في القسم الأعلى من هذه المساحة، فوق هامة الأرض الأم، يطلّ مخلوقان غرائبيان متشابهان في الشكل، لكل منهما رأس إنسان عاري الصدر، وساقا تنين ذي جثة ضخمة تعلوها الزعانف. رأى دانيال شلومبرجير أن هذا الكائن الذي يلتف ثلاث مرات على نفسه بشكل لولبي هو «قنطور بحري»، والقنطور مخلوق أسطوري إغريقي نصفه العلوي إنسان ونصفه السفلي حصان، كما هو معروف، وهو في هذا الرسم الأموي كما يبدو مخلوق نصفه إنسان ونصفه الآخر تنين. الجزء الأسفل من هذه المساحة التشكيلية تعرض للتلف وضاع للأسف، وما تبقّى منه يُظهر بقايا ثعلبين، أحدهما يقتات عنباً، وطيرين من فصيلة الكراكي، وكلباً يجري وراء حيوان ضاعت ملامحه، وبات من الصعب تحديد هويّته.

ظهرت صورة الأرض الأم على هذه اللوحة الأرضية من قصر الحير الغربي، ولم يقتصر ظهورها في الميراث الفني الأموي على هذا الموقع، إذ نراها كذلك في قصير عمرة، في البادية الأردنية، حيث تكرّرت صورتها الواحدة ستّ مرات في بناء تعادلي محكم، على جانبي السقف المقوّس الذي يعلو صورة صاحب الموقع، في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش». يشكّل هذا الحضور استمرارية لنموذج متوارث تعدّدت شواهده في بلاد الشام كما في سائر أنحاء الشرق الأدنى، ويرى البعض أن تبنّيه في هذين الموقعين الأمويين لا يخلو من الدلالة الرمزية.

بحسب قراءة افتراضية اقترحها العالم ريتشارد اتنغهاوزن في كتابه المرجعي الذي صدر عام 1962 تحت عنوان «فن التصوير عند العرب»، يمثّل لوح الأرض المثمرة الحاضرة في صورة «غايا»، «مع المحيط الدائر الذي تمثله الوحوش البحرية»، العالم الذي «أُلقي به منبسطاً تحت أقدام هذه الأسرة». وسواء اتبع الفنان المحلّي هذه الصيغة «وفقاً لتوجيهات رسمية أم لا، فإنّ مثل هذا المعنى المحدّد كان جلياً بصفة مؤكّدة بالنسبة إلى المهتدين الجدد إلى الإسلام في سوريا الكبرى».


حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»