هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

شعراء وناثرون واكبوا حقبة الاستقلال

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟
TT

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

لم يكن الأدب في مختلف تجلياته ومراحله، حالة هجينة ومنبتة عن الواقع، بل هو نتاج أرضي لا بد له أن ينطلق من مكان وزمان محددين، قبل أن يحلّق في فضائه المتخيل وغير المحدود. وقد يكون في عبارة الكاتب اللبناني يوسف حبشي الأشقر: «لا تنبت جذورٌ في السماء»، التي جعلها عنواناً لإحدى رواياته، ما يؤكد الفكرة القائلة بأن شجرة الإبداع تحتاج لكي تثمر إلى تربة ملائمة وشروط محلية المواصفات. وأياً تكن المتغيرات اللاحقة بمذاهب النقد الأدبي ومدارسه، فإن الثابت الذي لا يتبدل هو أن النتاجات الأدبية العظيمة لا تدين لمواهب أصحابها الفردية فحسب، بل ثمة ما يتصل بالتقاطع الخلاق بين الزمان والمكان، حيث يُفرج الأول عن كنوزه في المنعطفات الملائمة، وحيث للآخر عبقريته الخاصة، كما ذهب الكثير من المفكرين.

وإذا كانت هذه التوطئة بمثابة المدخل الضروري للحديث عن الأدب اللبناني، في مرحلتي الانتداب الفرنسي والاستقلال، فإن ما يجب تأكيده هو أن الحديث عن أي نتاج أدبي محلي في العالم العربي، لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية التشرذم الكياني أو الانهمام النرجسي بالذات؛ لأن الانتماء الوطني ليس في حالة تعارض مع الانتماء القومي والإنساني، ولأن لكل بيئة عربية تعبيراتها الأدبية والإبداعية الخاصة، بحيث تسهم الأساليب المتنوعة في إثراء الحديقة الأوسع للغة الضاد.

أمين نخلة

كما يجب التأكيد من جهة أخرى على أن الأدب اللبناني ليس واحداً بالقطع، بل هو يختلف باختلاف الحقب والمراحل، ويتعدد بتعدد الكتّاب والشعراء والأساليب. والأدل على ذلك هو أن النماذج التي قدمها الجيل النهضوي الأول ممثلاً بجبران والريحاني ونعيمة وشعراء المهجر، وصولاً إلى إلياس أبو شبكة، تختلف تمام الاختلاف عن النموذج الجمالي الذي جسَّده شعراء وأدباء الحقبة اللاحقة من أمثال أمين نخلة، والأخطل الصغير، وصلاح لبكي، وفؤاد سليمان وسعيد عقل، الذين عملوا على تظهير صورةٍ للبنان أقرب إلى الأساطير واليوتوبيا الفردوسية منها إلى أي شيء آخر. كما أن هؤلاء الأخيرين يختلفون بالقدر نفسه عن التجارب الحداثية اللاحقة، التي توزعت بين مجلتي «شعر» و«الآداب» على نحو خاص.

ولعل الظروف الصعبة التي عاشها الجيل الأول في ظل الحكم العثماني وما رافقه من تنكيل وبطش وتجويع، واضطرار الكثيرين إلى الهجرة باتجاه الغرب، هي التي تفسر مسحة التشاؤم والتمزق الروحي والتبرم بالواقع التي حكمت نتاج ذلك الجيل، حتى إذا أعلنت سلطة الانتداب الفرنسي قيام دولة لبنان الكبير، وصولاً إلى الاستقلال التام عام 1943، راح شعراء الجيل اللاحق يرسمون صورةً للكيان الوليد، مفعمة بالزهو والتفاؤل والطرب الحسي بالجمال.

على أن شعراء تلك المرحلة وناثريها لم يكتفوا بإسناد كتابتهم إلى واقع البلاد الفعلي، بل راحوا ينقّبون في الأساطير والمرويات القديمة والكتب المقدسة و«أحافير التاريخ»، عن كل ما يضاعف من مساحة الوطن الصغير، ويعمل على تظهير حضوره في العالم، بوصفه وطن المغامرة الإنسانية والثراء الإبداعي. ولم ينسَ هؤلاء الكتّاب بالطبع أن لبنان قد ذُكر عشرات المرات في العهد القديم، وبخاصة في«نشيد الأناشيد» حيث لا يجد العاشق المولّه ما يشبّه به رائحة حبيبته سوى قوله: «رائحة ثيابك كرائحة لبنان»، وما يشبّه به أنفها سوى قوله المماثل: «أنفكِ كبرج لبنان الناظر تجاه دمشق».

بشارة الخوري

ولا يمكن في الوقت نفسه أن نقرأ ذلك الإفراط في الترصيع الجمالي والنمنمة اللفظية، بمعزل عما أصابه لبنان في تلك الفترة من ازدهار ورخاء، في ظل الطفرة النفطية غير المسبوقة التي شهدتها البلدان المجاورة، وفي ظل مناخ الحرية والانفتاح الثقافي والاجتماعي الذي رافقه لعقود كثيرة، فضلاً عن طبيعته الخلابة ورحابة أهله؛ الأمر الذي جعل منه مقصد الباحثين عن المتعة والفرح، وقِبلة أنظار الكثيرين في العالمين العربي والغربي.

هكذا بدا الأدب اللبناني في الثلث الثاني من القرن العشرين بمثابة احتفال كرنفالي بالحياة، واستثمار لأكثر ما في اللغة العربية من جماليات البلاغة وأناقة المفردات وفتنة الإيقاع. كما بدت صورة لبنان الزاهية خليطاً من التاريخ المطعّم بالأساطير، والجغرافيا المتوسطية التي تقدم أفضل ما لديها من عروض الجمال، حيث الطبيعة مسرفة في تنوعها، وحيث الكلفة مرفوعة بين الجبال والشواطئ.

وفي هذا العالم الأثيري المفعم بالتفتح، عالم ما قبل تلوث المدن وفساد الأيام، راحت كوكبة من النخب اللبنانية، تبعث إلى المطابع بإصدارات مختلفة المشارب، يؤالف بينها انتصارٌ للّغة الأنيقة و«الأرستقراطية» والبعيدة عن الشوائب. وفي حين كان غليان الحياة مدفوعاً إلى تخومه القصوى، وأصبح الشعر والنثر نوعين من الطرب والانتشاء الطربي بجمال الطبيعة، أو تغنياً بالأنوثة المطلقة، راح الأخطل الصغير، يهتف بامرأته المعشوقة:

الصبا والجمال ملْك يديكِ أيُّ تاجٍ أعزُّ من تاجيكِ

نصبَ الحسنُ عرشه فسألنا مَن تُراها له فدلَّ عليكِ

وإذا كان الأخطل الصغير قد حرص على المواءمة بين البعدين الريفي والمديني في الكتابة، محولاً القصيدة العمودية التقليدية مقطوعاتٍ قصيرة وأغنياتٍ رشيقة، فإن سعيد عقل قد آثر البقاء في المربع الفحولي للكتابة، حيث الشعر رديف الذرى الأكثر ارتفاعاً للبلاغة العربية. وهذه الميزة لم تفارق صاحب « قدموس» في معظم أعماله، كما لو أنه كان يرى في الليونة التعبيرية نوعاً من التأنُّث أو «الخنوثة» التعبيرية التي لم يكن يستسيغها بالمطلق. وإذا استثنينا بعض مقطوعاته الغزلية، فقد ظل الشاعر وفياً لفكرته عن الشعر حتى في قصائد الرثاء، كقوله في رثاء أمين تقي الدين:

سليل الأُلى قيلوا السيوفُ رنتْ لهمْ جبالٌ، وقال الحقُّ من بعضهمْ جندي

على ريف لبنانٍ نموا مثلما نما الضياء، وسال الفجرُ في القمم الجُردِ

أنا اليومَ منهم في قصيدة شاعرٍ لَتَسْكنني كالريح تَلفحُ من بردِ

ولم يكن نثر تلك الثلة من مبدعي الوطن المزهو باستقلاله ليختلف كثيراً عن الشعر، بل كان موازياً له في الصنيع البارع والترصيع البلوري والتأليف المحكم. وهو ما بدا واضحاً في نثر فؤاد سليمان وصلاح لبكي وأمين نخلة، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن سليمان كان ينتمي على المستوى العقائدي إلى أحد الأحزاب القومية، إلا أن أدبه ومعجمه اللغوي كانا يتغذيان من مصادر لبنانية وريفية بحتة، شأنه في ذلك شأن أقرانه الآخرين. ولا تبتعد مناخات سليمان النثرية عن مناخات لبكي ونخلة، من حيث الاستلهام الرومانسي للطبيعة اللبنانية، فكتب في «درب القمر» مخاطباً صديقاً له: «أين لي عشيةٌ في كرْم، تحت قبة عشية خضراء. أغني حتى أجرح حنجرتي. ولكنْ لا عرزال ولا ضباب، لا راعٍ ولا خيمة ولا مطلّ على الدروب. أنا هنا في موكب التائهين، أمشي على براكين تغلي نيرانها تحت رجليّ». ولم يختلف شعر صلاح لبكي ونثره عن مناخات أقرانه من كتاب ذلك الجيل، وهو الذي عمل في «أرجوحة القمر» و«لبنان الشاعر» وغيرهما، على خلق عالم أثيري مصنوع من جماليات التخيل وبهاء التصورات.

وكما هو شأن رفيقيه، حرص أمين على تحميل لغة النثر كل ما تحتاجه من قوة السبك وطاقة الإيحاء. وإذ تداوى أبو نواس بالخمرة، قبله بقرون عدة، جهد نخلة عبر «المفكرة الريفية»، في تحويل الطبيعة منتجعاً للفرح، وتحويل الجمال علاجاً مجانياً، فكتب قائلاً: «إن عصر المداواة بالزهر كان عصراً شهياً؛ إذ كان بالأرج يُداوى، وبالمَلاحة يُطَبَّب، وكان صاحب العلّة من الناس يُقبل على الطبيعة وهي قائمة على ساقها، أو هي طحينٌ في علبة وعجينٌ في حُقّ».



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي