انفتاح على الأدب العربي ونوافذ خاصة على الثقافة العراقية

«أصوات في الأدب والفكر والاجتماع» لمحمد رضا نصر الله

انفتاح على الأدب العربي ونوافذ خاصة على الثقافة العراقية
TT

انفتاح على الأدب العربي ونوافذ خاصة على الثقافة العراقية

انفتاح على الأدب العربي ونوافذ خاصة على الثقافة العراقية

صدر حديثاً عن دار «سطور» ببغداد كتاب «أصوات في الأدب والفكر والاجتماع» للمؤلّف السعودي محمد رضا نصر الله، الذي عُرف منذ السبعينيّات إعلامياً اتخذ من الصحف والمجلات والتلفزيون وسيلة للتعبير عن أفكاره ورؤاه.

انفتح عنوان الكتاب على لفظ أصوات وهي تلاحق الأَثر المسموع الذي يصل الآذان جرّاء تَمَوُجات قادمة من مصدر ما ينتمي إلى الأدب المكتوب بجنسيه المعروفين الشعر، والنثر، وما يتناسل منهما من أنواع أدبيّة معروفه، وأنماط، فضلاً عن أصوات الفكر التي تعامل معها المؤلّف بروح الأدب، وخفايا أخرى اتخذت من المجتمع ظواهر حاول المؤلّف نصر الله أن يقف عندها موقفاً يبعده عن أسلوب العرض، ليقرّبه نحو ممارسة النقد، وحضور المساءلة المنفتحة على البيئات الحاضنة للأدب سواء كانت تاريخيّة أم جغرافيّة أم اجتماعيّة أم لسانيّة؛ تلك التي تحيل على مقولات عامرة بالمعنى.

وتفضي قراءة الكتاب إلى الوقوف عند ظواهر ثقافيّة تنتمي إلى ثقافة الوطن العربي جميعه من مشرقه إلى مغربه، وهذا دليل على سماحة الفكر الذي حمله المؤلّف واتساع معرفته بالثقافة العربيّة القديمة والحديثة، بل تجد في الكتاب أشتاتاً من الإحالات التي تلاحق ما في آداب الشعوب الأخرى، ولا سيّما تلك التي لها أثر في ثقافتنا المعاصرة.

من هنا وجدتُ المؤلّف منفتحاً على الأدب العربي من دون أن يشعر بعقدة الانتماء إلى أدبه الوطني، فهو يتحدّث عن الأدب العراقي والمصري والمغربي والخليجي والفلسطيني، والسوري، والسوداني بوصف كلّ منها جزءاً من أدب أكبر هو الأدب العربي بتيّاراته المحافظة المعروفة، ومحاولات التجديد فيه. وبالنظر لسعة حجم الكتاب (449 صفحة)، فإنّ هذه المقالة ستلاحق مضمون الكتاب من خلال النافذة التي رأت الأدب العراقي، واتخذت منه وسيلة للقراءة، والتحليل المفضي إلى بيان ما ودّ المؤلّف قوله فحسب؛ بسبب حجم المقالة وحرصها على عدم الاتساع.

بدءاً لا بد من التأكيد على أن المؤلّف امتلك معلومات مهمّة عن الأدب العراقي مصدرها القراءة، والملاحقة الميدانيّة، والانفتاح الثقافي على أحوال العراق، والمشاركة في قسم من فعّالياته التي كانت علامة في تاريخ الثقافة العراقيّة مثل: مهرجان المربد، فضلاً عن علاقاته المتميّزة مع أدباء العراق ممن رحل إلى دار البقاء، أو ممن يعيش الآن منتجاً للثقافة والفكر، وعندي أنّ المؤلّف في انفتاحه الثقافي على الحياة العراقيّة كان جزءاً من حال الثقافة السعودية في جميع عصورها وهي ترنو صوب بغداد، والكوفة والبصرة، والموصل ليكون لها تواصل تامّ، ورغبة حميمة في جمع الشمل لمن يقرأ ويكتب بحروف لها تاريخها المضيء بعمر آلاف السنين، فهو - المؤلّف - متحسّس لتراب العراق، وروحه منغمرة في مياه دجلة والفرات - بحسب قوله - في إشارة كنائيّة إلى قربه من العراق أرضاً وشعباً، وقد زاره في أوائل الستينيّات كما ذكر، ولي أن أشير هنا إلى أنّ الموضوعات العراقيّة في الكتاب ظهرت مستقلة في مقالات سأتخذها مجالاً للقراءة، فضلاً عن ظهورها مختلطة مع مقالات أخرى لا شأن لها بالعراق لكنّ طبيعة الحديث في المقالة أفضى إلى الإحالة على ما في العراق، مثالها مقالة «صور معهم» التي تحدّث فيها نصر الله عن البحرين، وعن والده، والشاعر المصري أمل دنقل، ثمّ كانت الإحالة على ديوان بدر شاكر السياب «إقبال وشناشيل ابنة الجلبي» المُهدى إلى المؤلّف من غيلان ولد السياب البكر، وقد طوّف الحديث بالمؤلّف إلى استرجاع زيارته إلى جيكور في عام 1979.

اخترت الوقوف الأول عند مقالة «خطى المتنبي الهاربة بين ميمين»، وهي مقالة تابعت إشارة د. عبد الرحمن السديري التي مؤداها أن «بسيطة» التي وردت في قصيدة للمتنبي هي على مرمى من عيون ضيوفه، في إشارة إلى مكانها السعودي المعاصر، وهذه الإشارة أوحت إلى د. عبد العزيز المانع أن يتتبّع خطى المتنبي، فعمل أولاً على تحقيق «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» للأزدي، ليتمكّن فيما بعد من تحقيق «قشر الفسر» للزوزنيّ، ولم يكتف بذلك فتناول «الفسر الصغير في تفسير أبيات المعاني في شعر المتنبي» لابن جني فحقّقه، ثمّ عكف على السير على خطى المتنبي من مصر إلى حدود العراق مستعيناً بخرائط المساحة العسكريّة في عشر رحلات بين مصر والأردن وسوريّا، ولم يتمكّن من دخول العراق بسبب سوء الأمن يومها.

رأى مؤلّف الكتاب أن يوسف الشيراوي أصدر قبل المانع كتابه «أطلس المتنبي أسفاره من شعره وحياته»، وهو من الكتب الجليلة التي تابعت رحلات المتنبي الشهيرة، ويعود المؤلّف إلى قرن من الزمن مضى ليقف عند ألويز موزيل الرحّال والمستشرق النمساوي التشيكي الذي عاش أربعة عشر شهراً في قبيلة «الرولة»، مكتشفاً امتداد الصحراء وأهلها، فضلاً عن أنه رافق قوافل «عبدة» و«سنجار» إلى النجف، وقد وقف على موقع الخورنق الوارد في قصيدة المنخّل اليشكري، تاركاً كتباً أخرى في وصف مناطق من العراق تتبّع في بعضها طريق المتنبي الهارب من الفسطاط إلى دمشق، وتبوك والجوف والسماوة والرهيمة ثمّ الكوفة في شرح دقيق متعلّق بالأمكنة.

قام د. عبد العزيز المانع بعشر رحلات منطلقاً من أرض مصر ليصل الأردن وسوريا وشمال المملكة العربيّة السعودية وصولاً إلى حدود العراق، وقد ناقش في تلك الرحلات ذوي الخبرة، وهدفه إثبات رحلة المتنبي الحقيقية على الأرض في كتاب أنيق عنوانه «على خطى المتنبي»، وإذ أنتهي من قراءة المقالة أتساءل ما دلالة لفظ الميمين في عنوانها؟ لعلّه أراد بها مصر والمانع وقد شكَّلا فضاء تلك الرحلة عن قرب.

ووقفت ثانية عند مقالة «أسماء متنازع عليها بين المملكة والعراق»، التي أتى فيها على طبيعة العلاقات الثقافيّة التي ربطت السعودية بالعراق من خلال وقائع ماديّة، وثقافيّة مشتركة بين البلدين من خلال أسماء عاشت في العراق وهي تردّ إلى أصول نجديّة معروفة من أمثال: عبد اللطيف المنديل، وسليمان الدخيل، وسلمان الصفواني، ومحمد القطيفي، وعبد الحسين القطيفي، وعبد الرحمن منيف، ومحمود البريكان، وآخرين، وعندي أن أسماء أخرى ربّما غابت عن المؤلّف بسبب دورها المحدود في الحياة الثقافيّة والسياسيّة، ولا عجب من كثرة تلك الأسماء إذا ما علمنا أن أصل القبائل العربيّة في العراق يردّ إلى شبه الجزيرة العربيّة، وأنّ العلاقة بين الأرضين قديمة قدم الإنسان نفسه.

يممتِ الوقفة الثالثة شطرها نحو مقالة «ما لم تنقله الكاميرا... في حديث الجواهري»، وفيها أماط اللثام عمّا قاله الجواهري خارج حدود اللقاء الإعلامي الذي أجراه معه، وقد كشف المؤلّف عن كرم الشاعر، ومعرفته ببعض العوائل السعودية وأحوالها، وفي لقاء اليوم الثاني بعد المقابلة حاول الجواهري التقرب من السعودية مذكّراً مؤلّف الكتاب بقصيدته التي مدح فيها الأمير فيصل بن عبد العزيز حين زار العراق ممثّلاً لأبيه التي منها:

«فتى عبد العزيز وفيك ما في... أبيك الشهم من غرر المعاني»

تلك القصيدة التي مدح فيها الملك عبد العزيز، والأمير فيصل معاً، وقد نشرت في جريدة أم القرى في الثلاثينيات من القرن المنصرم، ثمّ قدّر للجواهري زيارة المملكة مشاركاً في مهرجان الجنادريّة في 21- 7- 1994.

ووقفت في وقفة رابعة عند «جنتلمانية الاستعمار بين الطيب صالح والجواهري»، وفيها أماط المؤلّف اللثام عن رؤية النقد الآيديولوجي الذي عدّ الطيب صالح أنموذجاً للمثقف العربي المنبهر بحضارة الغرب، والمتمثّل لقيمها الإمبرياليّة من خلال روايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، فضلاً عن عدّه منيف الرزاز في رواية «الأشجار واغتيال مرزوق» أنموذجاً للمثقف الثوري المدافع عن قضايا الفلاحين، وكأنّ المؤلف أراد أن يكشف عن مضمر ذلك النقد الذي أثبتت الأيام خطله وهو يعتمد الصراع الذي يختزل العالم بين معسكرين لا ثالث لهما: الماركسي والرأسمالي رافضاً أن يكون الفن من أجل الفن نفسه، وقد استعان برأي الشاعر الجواهري الذي تباكى على عصر الملكيّة العراقيّة في مذكراته رغم معارضته الشديدة لذلك النظام بعد أن تخلّص من أهواء الآيديولوجيا.

وفي الوقفة الخامسة قرأت مقالة «مذكرات الجواهري» التي كان متنها مفاجأة للمؤلف، وقد وعى فيها الشاعر طبيعة الحياة السياسيّة التي عاشها في العراق وخارجه، وقد كتبها نثراً ذهبيّاً صافياً مسبوك العبارة بديباجة تكشف عن أسلوب رفيع، وهو الشاعر المطبوع فكأنه - والكلام للمؤلّف - جمع بين الصناعتين: الشعر والنثر، فقد وجد المؤلّف تلك الذكريات سرديّة صادقة انفتحت على تجربة الشاعر الاجتماعيّة والسياسيّة والوطنيّة التي لاحق فيها حياة قرن كامل وهو يسبر أغوار الأمكنة بين بغداد والمنافي التي اختارها.

وأخذني الكتاب نحو ريادة د. علي جواد الطاهر في تدريس الأدب السعودي وصناعة معجم مطبوعاته، ففي تلك المقالة سرد المؤلّف حكاية الطاهر الذي نزل الرياض أستاذاً في جامعتها في الستينيّات، فكان عليه أن يلمّ مبكّرا بشؤون الأدب السعودي بدءاً من كتاب «وحي الصحراء» لمحمد سعيد عبد المقصود، وعبد الله عمر بلخير، مروراً بكتابي «شعراء نجد المعاصرون» لعبد الله بن إدريس و«أدب الحجاز» لمحمد سرور الصبان، وانتهاء بما وجد من جرائد ومجلّات تسدّ حاجة قلمه، حتى قدّر له الاجتماع بأهمّ أدباء السعودية من أمثال: حمد الجاسر، وعبد الله بن خميس، وعبد الله بن إدريس، وقد طرح عليهم فكرة مشروعه الموثّق لتاريخ النشر في البلاد في معجم يعنى بالمطبوعات السعودية، فكان له أن بدأ بنشر أجزاء من ذلك المعجم في مجلّة العرب التي أحبها أولاً، ثمّ طوّر فيما بعد تلك المقالات كتاباً مستقلاً، فكانت للطاهر يد بيضاء في تاريخ الثقافة السعودية، وليس هذا بالغريب على شخصيّة الطاهر التي كانت دائمة الحضور ثقافيّاً بعيداً عن الإقليميّة والنظر الذي يضيقُ بالمكان.

ووجدتُ المؤلّف في «أيها العراقي هلَّا خرجت من مزرعة البصل؟» ينادي بصوت عالٍ العراقي المعاصر الذي يريده أن يخرج من دائرة الزعامة القاتلة التي يرى فيها نفسه كبيراً في ظل تعدد رؤوس الكبار؛ تلك التي ترى في نفسها ما يراه هو، وقد أحال على قصيدة الشاعر العراقي علي الشرقي «مزرعة البصل»، التي فضح فيها الرؤوس الأولى في أول عهد الحكم العراقي الوطني، وهي تتشابه وحجم رأس البصل!، يبدو أن التاريخ يعيد بعض أنساقه المضمرة كي تكون ظاهرة للعيان، فكانت وقفتي السابعة مع تلك المقالة.

وكانت الوقفة الأخيرة عند مقالة «الجاحظ يحذّر العرب»، التي فضح فيها مبكّرا الخصومات بين العرب والشعوب الأخرى، وبين العرب أنفسهم، وكأنّ المؤلف أراد التأكيد على أن الحياة العراقيّة المعاصرة ترفض رفضاً كليّاً الصراعات القوميّة، والإقليميّة، والقبليّة في ظلّ مجتمع حديث متسامح تتنوع في مقاماته الثقافة، وتتوزّع لتكون في النتيجة وجهاً من وجوه تسامح الإنسان مع نفسه والآخر.

إنّ كتاب «أصوات في الأدب والفكر والاجتماع» كتاب ثقافة حاول أن يقرأ عدداً من الموضوعات التي تشمّ من متونها رائحة الأدب بمفهومه الذي يتماس وطبيعة المجتمع العربي، وهو يتساوق والدعوات التي تحيل على أهميّة الممارسات التي تكشف عن وظائف ثقافيّة تتماس وحاجة المجتمع، فضلاً عن إحالته على عدد ليس بالقليل من المتون الأدبيّة ذات النَفَس الثقافي المبهر لتظلّ الحاجة ملحّة لإعادة طبعة في متن جديد بعد أن يقف من الملاحظات الآتية موقف المصحح الوفي لكتابه:

أولاً: جاء في الصفحة 239 أنّ (الأديب العراقي هلال ناجي الذي يعمل لدى د. علاء حسين الرهيمي عميد كلية آداب جامعة الكوفة) والكلام ملتبس بلا شك؛ لأنّ الأستاذ المحقّق الثبت هلال ناجي - رحمه الله - لم يعمل موظفاً في جامعة الكوفة، بل كان ملحقاً ثقافيّاً في القاهرة في الستينيّات، تمّ تفرّغ للتحقيق والمحاماة، فأرجو أن يفكّ ذلك الالتباس لصالح الحقيقة، والمقالة.

ثانياً: جاء في الصفحة 310 من الكتاب عن محمد حسين آل نمر أنه أيّد (ثورة 23 تموز 1958. بقيادة عبد الكريم قاسم)، والصحيح (14 تموز)، وأنها لم تكن ثورة بل انقلاب عسكري ليس غير، وهذا ما أدركه المؤلّف فيما بعد في ص325.

ثالثاً: تحدّث المؤلّف في الصفحة 315 من الكتاب عن اغتيال الشاعر محمود البريكان محدّداً إياه (في منزله بالزبير)، والصحيح الذي لا خلاف عليه أنّ الاغتيال كان في بيت البريكان في البصرة حي الجزائر يوم 28 فبراير (شباط) 2002.

* أكاديمي وناقد من العراق.


مقالات ذات صلة

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

ثقافة وفنون عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

ثقافة التعايش، وتحولات الرواية العربية، وحضور المرأة في فن الخط، وصون التراث المعماري والمخطوطات النادرة، قضايا تصدرت العدد الثامن من مجلة «الإيسيسكو» الثقافية الفصلية، الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في 104 صفحات جمعت بين الحوارات الفكرية والدراسات النقدية والبحوث التراثية.

وطرح العدد سؤالاً يتصل بمستقبل الثقافة في العالم الإسلامي، وكيف يمكن الحفاظ على الذاكرة الحضارية، دون تحويل التراث إلى مجرد مادة للاحتفاء بالماضي، بل استثماره في إنتاج المعرفة وتعزيز الحوار والتواصل بين الثقافات.

وعكست موضوعات العدد اهتماماً يجمع بين النقد الأدبي والبحث التاريخي والفكر الديني وقضايا المعرفة، مع الاهتمام بموقع التراث في الحياة المعاصرة.

وبين أسئلة الرواية والشعر، وقضايا الحوار والتعايش، وحماية المخطوطات والعمارة والفنون، تقدم المجلة قراءة للثقافة الإسلامية باعتبارها تجربة إنسانية متعددة الروافد، لا تنفصل فيها الذاكرة عن أسئلة الحاضر، ولا يقتصر دور التراث على حفظ ما أنتجته الأجيال السابقة، بل يمتد إلى إعادة قراءته وتوظيفه في مواجهة تحديات المستقبل.

وفي افتتاحية العدد، رأت رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج أن الموضوعات التي تجمعها المجلة، على اختلاف حقولها، تلتقي عند سؤال العلاقة بين الذاكرة والمستقبل. وأكدت أن دور المجلة الثقافية لا يقتصر على نقل ما يحدث، وإنما يمتد إلى مساءلة معاني الأحداث والأفكار، وإعادة اكتشاف التراث وتأويله.

وفي كلمة العدد، استعرض المدير العام لمنظمة الإيسيسكو الدكتور سالم بن محمد المالك، أبرز مشروعات المنظمة خلال عام 2026، مشيراً إلى استمرار برامجها الثقافية والعلمية رغم التحديات الدولية.

ومن أبرز المبادرات التي تناولها إطلاق برنامج لتدريب عشرة آلاف قائد على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتنظيم الدورة الثانية من ملتقى شباب المعرفة، وإعلان بيان الدبلوماسية العلمية في نيويورك.

كما أشار إلى توقيع اتفاقية تعاون مع متحف الإرميتاج الروسي في مجال حماية التراث وتوثيقه، وحصول المنظمة على جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع في خدمة اللغة العربية وجائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافي.

الحوار ضرورة

وخصصت المجلة حوارها الرئيسي مع الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، لقضايا الاعتدال الديني والحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومواجهة التطرف وخطابات الكراهية.

وأكد العيسى أن الحوار لم يعد ترفاً ثقافياً، وإنما ضرورة إنسانية وأخلاقية، مشدداً على أهمية الانتقال من اللقاءات الشكلية إلى حوار يتناول القضايا الخلافية، ويؤسس للتفاهم والتعاون.

وتناول الحوار دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ قيم التعايش، والتحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي، خصوصاً انتشار المعلومات المضللة وخطابات الإقصاء. ودعا العيسى إلى تطوير أدوات الخطاب الديني والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي واللغات العالمية.

كما ناقش ظاهرة الإسلاموفوبيا، معتبراً أنها نتاج عوامل سياسية وثقافية وإعلامية متداخلة، وأن مواجهتها تتطلب حضوراً إعلامياً أكثر مهنية، إلى جانب تصحيح التصورات التي تنتجها الممارسات المتطرفة.

وقال العيسى: «(الإسلاموفوبيا) ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل سياسية وإعلامية وثقافية وتتمدد مع صعود التيارات اليمينية المتطرفة، مستفيدة من ممارسات المتطرفين المحسوبين في الظاهر على المسلمين، والتغطيات الإعلامية المنحازة، إضافة إلى الجهل بحقيقة الإسلام، وتكوين صورة سلبية عنه من خلال ممارسات بعض المسلمين».

وأضاف أنه «بحسب دراسات رابطة العالم الإسلامي، فإن بعضاً من تنامى هذه الظاهرة يرتبط بممارسات صادرة عن بعض المنتسبين للإسلام، أساءت إلى صورته الحقيقية، وغذت خطاب التطرف، ثم جرى تعميمها بصورة ظالمة على الدين وأتباعه».

وأشار إلى «أننا نحتاج إلى حضور إعلامي أكثر احترافية، يوصل الرسالة الحقيقية للإسلام، ويواجه خطاب الكراهية بلغة رصينة ومؤثرة».

وعن مسؤولية العلماء والمثقفين في مواجهة التطرف الفكري؟ قال العيسى: «تقع على عاتق العلماء والمثقفين مسؤولية محورية في حماية الوعي العام، وتحصين المجتمعات المسلمة من الفكر المتطرف، بوصفهم حملة الشريعة ورواد ما يسمى الفكر الإسلامي، وتبدأ هذه المسؤولية بتفكيك الخطابات المتطرفة وكشف انحرافها عن الشريعة ومقاصدها، من خلال خطاب علمي رصين، مؤصل شرعاً، ومقدم بلغة معاصرة تلامس واقع الناس».

الرواية العربية بين الحكاية واللغة

واختارت المجلة «شعرية الرواية: جدلية الحكاية واللغة» عنواناً لملف العدد، الذي تناول التحولات التي شهدها الفن الروائي العربي، وعلاقة البناء السردي باللغة، وتأثير الحداثة والتقنيات الجديدة في أشكال الكتابة والتلقي.

وشارك في الملف نقاد وباحثون، من بينهم سعيد يقطين، ومحمد محمود أبو علي، وزهور كرام، وحاتم الفطناسي، في مقاربات تناولت الرواية بوصفها فناً يتجدد بتغير المجتمع ووسائط التعبير.

وناقشت الدراسات قدرة الرواية على تجاوز الحكاية التقليدية، وإعادة تشكيل الزمن والشخصيات والأحداث، من خلال اللغة والتجريب وتعدد الأصوات. كما طرحت أسئلة عن العلاقة بين الرواية والواقع، وحدود التداخل بين الأجناس الأدبية، وتأثير التحولات الرقمية في الكتابة السردية.

قال سعيد يقطين إن «عدم التركيز في دراساتنا للرواية العربية على خصوصيتها الجمالية، والاهتمام أكثر بالقضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تتعامل معها لا يمنحها خصوصيتها التعبيرية المميزة لها عن غيرها من الخطابات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يعنى بها الباحثون. إن إبداع مادة حكائية يتطلب خيالاً، وقدرة على بناء قصة جديرة بجلب المتلقي وإثارته إليها بالدرجة الأولى. إن ما يعنيه قبل ذلك هو ما تمثله هذه القصة بالنسبة إليه أكثر مما يزخر به واقعه إننا نستمتع الآن بالنصوص القديمة التي أبدعها الإنسان، وصارت من التراث العالمي بجماليتها في التعبير. وليس لأنها تطرح علينا المشكلات اليومية التي نعيشها الآن تحت تأثير العولمة وما تفرضه علينا قيم ومعاملات بين الشعوب. وصراعات بين القيم والأفكار والإثنيات، ومسائل الهجرة السرية، أو القضايا النسوية، وما شاكل هذا من المسائل التي تقدمها لنا الرواية العربية اليوم لا مراء في أن طرح هذه القضايا هو من جوهر العمل الإبداعي والسردي على وجه الخصوص، لكن عدم تقديمها من خلال قصة مبنية بشكل يثير القارئ ويستهويه ويفرض عليه الاندماج في اللعبة السردية يجعلها، رغم قيمتها، غير قادرة على خلق قيمة جمالية أو معرفية لدى المتلقي. إن ما يهم القارئ، وهو بصدد قراءة رواية، تحصيل المتعة الفنية التي من خلالها تتقدم عوالم الرواية وصراع الشخصيات حول قيم وأفكار معينة. إننا نركز عادة على موقف الكاتب، وليس على كيفية بنائه لعمله السردي».

الشعر تجربة لا تحتاج إلى شرح

وفي حوار آخر أجراه الباحث عبد الرحمن غانمي مع الشاعر المغربي محمد بنيس، عادت المجلة إلى أسئلة الكتابة الشعرية وعلاقة الشاعر بنصوصه، وتجربته الممتدة في الشعر والترجمة والفكر النقدي.

وجاء الحوار تحت عنوان «لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه»، في إشارة إلى موقف بنيس من استقلال النص الشعري، وحق القارئ في إنتاج قراءته بعيداً عن سلطة المؤلف.

يقول بنيس: «أنا لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه، مسؤوليتي تقف عند حد الكتابة. أما ما وراءها، مما يمكن أن تخلقه القصيدة فنياً ورؤيوياً، فهو أمر لا يمكنني ادعاء معرفته أو اعتقاده في دلالة ما شخصية. نعم، لدي كتابات ونصوص تأملية في الكتابة، كما أشرت سابقاً. لكني لا أتجاوز الحد الفاصل بين الشاعر والناقد».

هذا الحوار يضيف بعداً إلى العدد، من خلال الانتقال من نقد الرواية إلى التجربة الشعرية، ومن دراسة تقنيات الكتابة إلى علاقة المبدع باللغة والمعنى.

العمارة المغربية وذاكرة الأندلس

وفي مجال التراث العمراني، تناول العدد قرية سيدي بوسعيد التونسية، التي أدرجتها «الإيسيسكو» عام 2022 ضمن قائمتها للتراث في العالم الإسلامي، بوصفها نموذجاً لتداخل التاريخ والعمارة والهوية الثقافية.

وركزت الدراسة على خصوصية المكان، وأهمية التعامل مع المواقع التراثية باعتبارها بيئات حية، تتطلب الحماية والإدارة والاستثمار الثقافي، لا مجرد المحافظة على المباني.

كما تناولت المجلة العمارة التراثية المغربية ودورها في تشكيل المعنى الجمالي، وخصصت دراسة لقصر الحمراء في غرناطة، كما وثقه بافيل نوتبيك، في استعادة للاهتمام الأوروبي بالفنون الأندلسية، وما تمثله العمارة من مصدر للمعرفة والإبداع الفني.

المرأة والخط العربي

واستعادت المجلة حضور المرأة في تاريخ الخط العربي، من خلال دراسة تتبعت مساهمات النساء في فنون الكتابة والنسخ وتدوين المصاحف.

وأبرزت الدراسة أسماء وتجارب نسائية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، من الأندلس إلى المشرق والهند، مؤكدة أن النساء شاركن في إنتاج المعرفة وحفظ النصوص، ولم يقتصر دورهن على تلقي العلوم والفنون.

المخطوطات والكتب النادرة

وفي باب التراث المكتوب، ناقشت المجلة مفهوم الكتاب النادر والعوامل التي تمنحه قيمته التاريخية والمعرفية، ومنها طبيعة الطبعة، وندرة النسخ، والإهداءات، والارتباط بالمؤلفين، والشخصيات، والأحداث.

كما أعادت الاهتمام بالمخطوطات بوصفها مصادر لدراسة تاريخ التأليف وانتقال المعرفة، وامتدت موضوعات العدد إلى تاريخ المجلات والدوريات الثقافية العربية، ودورها في تشكيل الوعي ونشر الأفكار.

الغذاء في التراث الإسلامي

وفتحت المجلة ملفاً عن تاريخ الغذاء في الحضارة الإسلامية، تناول العلاقة بين الطعام والعادات الاجتماعية والصحة والفقه، ودور المطبخ في التعبير عن أنماط الحياة.

واستعادت الدراسة مؤلفات في فن الطبخ، منها «الطبيخ» لابن سيار الوراق، و«الطبيخ» للبغدادي، و«فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان» لابن رزين التجيبي، الذي يوثق جوانب من المطبخ المغربي الأندلسي.

وتوقفت عند العلاقة بين الطعام والطب، وأثر العادات الغذائية في تشكيل هوية المجتمعات الإسلامية، إلى جانب ما تكشفه كتب الطبخ عن الحياة اليومية والفوارق الاجتماعية وتطور الأدوات المنزلية.

وثيقة المدينة وأسس التعايش الحضاري

وتناولت دراسة أخرى «وثيقة المدينة وأفق التعايش الحضاري»، من خلال قراءة تاريخية وحقوقية للمبادئ التي نظمت العلاقات بين المكونات الدينية والاجتماعية في المدينة المنورة.

وربطت الدراسة بين مضامين الوثيقة ومفاهيم المواطنة والعدالة والتعددية الدينية، مع التوقف عند إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، بوصفه إحدى المبادرات التي استلهمت هذه التجربة التاريخية.

وناقشت الدراسة إمكانية الاستفادة من هذه المرجعيات في مواجهة أطروحات صدام الحضارات، وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.


تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.