هل تثق بطبيب يعاونه الذكاء الاصطناعي؟

«الهلوسة» والمعلومات الرديئة تحملان خطراً كبيراً في المجال الطبي

هل تثق بطبيب يعاونه الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل تثق بطبيب يعاونه الذكاء الاصطناعي؟

هل تثق بطبيب يعاونه الذكاء الاصطناعي؟

يتلقى الملايين من الأميركيين العلاج بالفعل على أيدي أطباء يستعينون بالذكاء الاصطناعي، لتدوين الملاحظات ومسودات رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالمرضى. ومع ذلك، كما كتب المحلل التكنولوجي جيفري إيه. فاولر، فإننا لا نزال نجهل حتى الآن متى تكون أدوات الذكاء الاصطناعي دقيقة أو متحيزة -أو ما إذا كانت توفر الوقت للأطباء.

فحص طبي بالذكاء الاصطناعي

في أثناء فحص طبي يخضع له المريض، يستعين الطبيب بالذكاء الاصطناعي. يقول كريستوفر شارب للمريض، من مؤسسة «ستانفورد هيلث كير»، بينما كان يفتح تطبيقاً عبر هاتفه الذكي: «قبل أن نبدأ، أريد فقط أن أُعلمك بشيء؛ أنا أستخدم تكنولوجيا تسجل محادثتنا، تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص وتدوين ملاحظاتي».

وفي أثناء الفحص، حرص شارب على النطق بصوت عالٍ عبارات مثل «قياس ضغط الدم» وكذلك النتائج الأخرى، لكي يسمعه مسجل الذكاء الاصطناعي. بجانب ذلك، يستعين الطبيب بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في كتابة المسودات الأولى للرد على رسائل المرضى، بما في ذلك نصائح العلاج المقترحة.

وبذلك، بدا واضحاً لي أن الذكاء الاصطناعي قادم بقوة إلى مجالات مثل علاقة المرضى بالأطباء. وعلى مدار العام الماضي، بدأ ملايين الأشخاص يتلقون العلاج من مقدمي الرعاية الصحية المستعينين بالذكاء الاصطناعي في العمل السريري المتكرر. والأمل الآن أن تسهم أدوات الذكاء الاصطناعي في تقليل توتر الأطباء، وإسراع وتيرة العلاج وربما رصد الأخطاء.

استخدام طبي واسع ومقلق

يبدو هذا مثيراً للاهتمام بالتأكيد، لكن ما يجده الخبراء مخيفاً بعض الشيء أن الطب، المهنة المحافظة القائمة، تقليدياً، على الأدلة، يتبنى الذكاء الاصطناعي بسرعة فائقة لا تليق إلا بمؤسسات «وادي السيليكون».

ويجري تبني أدوات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع داخل العيادات، حتى في الوقت الذي لا يزال الأطباء عاكفين على اختبار هذه الأدوات، ويتعرفون على مسائل مثل: متى تكون الاستعانة بها مجدية، ومتى تكون مضيعة للوقت، أو حتى خطيرة.

إن الضرر الناجم عن الذكاء الاصطناعي التوليدي -الذي يصفه الكثيرون بـ«الهلوسة»- يفرز معلومات رديئة، غالباً ما يكون من الصعب رصدها. وفي مجال الطب، قد يحمل هذا في طياته خطراً مروعاً.

نسبة عالية خاطئة من الإجابات

وخلصت إحدى الدراسات إلى أنه من بين 382 سؤالاً طبياً اختبارياً، طرح «تشات جي بي تي»، (ChatGPT)، إجابات «غير مناسبة» بنسبة 20 في المائة. وبطبيعة الحال، يمكن للطبيب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي أن ينقل عن غير قصد نصيحة رديئة.

ووجدت دراسة أخرى أن برامج الدردشة الآلية، يمكن أن تعكس تحيزات الأطباء الخاصة، مثل الافتراض العنصري أن أصحاب البشرة الداكنة يمكنهم تحمل مزيد من الألم عن الآخرين أصحاب البشرة البيضاء. وثبت كذلك أن برامج الإملاء تخترع أشياءً لم يتفوّه بها أحد.

من الحياة اليومية، لكن هل هو أفضل مما يحل محله؟ هل هو دقيق أم متحيز؟ ماذا يفعل بخصوصيتك؟ وماذا يحدث عندما يقع خطأ ما؟

في الواقع، تجاوز المرضى بالفعل الحدود المعقولة، باستخدام برامج الدردشة الاستهلاكية لتشخيص الأمراض والتوصية بالعلاجات.

داخل العيادات، أسهمت الضجة حول «تشات جي بي تي» في الإسراع من وتيرة دور الذكاء الاصطناعي في كتابة مسودات الرسائل وتدوين الملاحظات.

نماذج آلية غير مراقبة

وقد أعلنت شركة «إيبيك سيستمز» (Epic Systems)، أكبر مزود للسجلات الصحية الإلكترونية داخل الولايات المتحدة، أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية التي تبيعها، تُستخدم بالفعل في تسجيل ما يدور في نحو 2.35 مليون زيارة مريض، وصياغة 175 ألف رسالة كل شهر.

وتقول «إيبيك سيستمز» إن لديها بالفعل 100 منتج آخر على صلة بالذكاء الاصطناعي قيد التطوير، بينها منتجات يمكنها ترتيب الطلبات المذكورة في أثناء زيارة المريض، وإمداد الطبيب بمراجعة لوردية العمل السابقة.

أما الشركات الناشئة، فذهبت إلى أبعد عن ذلك. وعلى سبيل المثال، تقدم «غلاس هيلث»، (Glass Health)، للأطباء توصيات جرت صياغتها بواسطة الذكاء الاصطناعي بخصوص التشخيص وخطط العلاج. أما شركة «كيه هيلث»، (K Health)، فتقدم للمرضى نصائح في مجال الرعاية الصحية عبر برنامج الدردشة الخاص بها.

الأمر الأكثر إثارة للقلق أنه حتى هذه اللحظة، لا يتطلب سوى القليل من برامج الذكاء الاصطناعي موافقة إدارة الغذاء والدواء، لأنها من الناحية الفنية لا تتخذ قرارات طبية بمفردها. ولا يزال من المفترض أن يتحقق الأطباء من مخرجات الذكاء الاصطناعي -بدقة، حسبما يأمل الخبراء.

في هذا الإطار، عبَّر آدم رودمان، طبيب الأمراض الباطنية، والباحث في مجال الذكاء الاصطناعي في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي، عن اعتقاده بأن «هذه واحدة من تلك التقنيات الواعدة، لكنها لم تصل إلى المستوى المنشود بعد. ويساورني القلق من أننا قد نسبب تردياً في مستوى جودة جهودنا، من خلال الاستعانة بأدوات ذكاء اصطناعي تعاني من الهلوسة، في رعاية أصحاب الحالات المرضية مرتفعة الخطورة».

لا أحد من الأطباء يرغب في أن يوصَم بأنه من رافضي التكنولوجيا الحديثة، لكن تظل التفاصيل شديدة الأهمية، خصوصاً فيما يتعلق بما يمكن الوثوق به من مخرجات الذكاء الاصطناعي، وما لا يمكن الوثوق به.

داخل العيادة

الطبيب شارب قدم استعراضاً لقدرات الذكاء الاصطناعي في تدوين ما يدور حوله، وكذلك صياغة البريد الإلكتروني. جدير بالذكر أن شارب يعمل أستاذاً ورئيس قسم المعلومات الطبية لدى شركة «ستانفورد هيلث كير»، ويتولى مسؤولية تقييم مستوى أداء أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحديد ما ينبغي استخدامه منها.

وعندما يتولى شارب تفعيل أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة به، حينها قد يجد البعض الفكرة مخيفة. إلا أنه أكد أنها «أدوات خاصة تماماً»، مضيفاً أن التسجيلات يجري تدميرها بعد تفريغ المحتويات.

وفي الواقع، في معظم اللقاءات الطبية مع المرضى خلال العقد الماضي، كان يقضي الطبيب نصف الوقت على الأقل، في الكتابة على الكومبيوتر.

ولا يقتصر الهدف هنا على مجرد تحسين أسلوب التعامل مع المريض. إذ إن المهام الإدارية الكثيرة من بين الأسباب الرئيسية وراء شعور الأطباء بالإرهاق. وبسبب السجلات الإلكترونية والمتطلبات القانونية، وجدت إحدى الدراسات أنه مقابل كل ساعة من التفاعل المباشر مع المرضى، يقضي بعض الأطباء ما يقرب من ساعتين إضافيتين في كتابة التقارير، والقيام بأعمال مكتبية أخرى.

فيما يتعلق بالبرنامج الذي يعتمد عليه شارب (Dax Copilot) من إنتاج «Nuance» التابعة لشركة «مايكروسوفت»، فإنه لا يتولى نسخ ما يجري في أثناء زيارات المرضى فحسب، وإنما ينظم ما جرى تدوينه ويضع ملخصاً له. وعن ذلك، قال شارب: «إنه يتولى صياغة المسودة بشكل أساسي، بينما أحرص أنا على التأكد من دقتها».

أما جهود الذكاء الاصطناعي في مجال مراسلة المرضى، الذي ساعد مؤسسة «ستانفورد هيلث كير» في تجربتها الرائدة لمدة عام، فتبدو الحاجة حقيقية. ومن المفترض أن تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي الأطباء على إعداد الاستجابات بكفاءة أكبر، عبر توفير مسودة كنقطة بداية.

تشخيص وعلاج «ذكيَّان» خاطئان

ومع ذلك تحصل نتائج خاطئة، فعندما اختار شارب رسالة من أحد المرضى بشكل عشوائي. وقرأ الآتي: «أكلت طماطم وشعرت بحكة في شفتيَّ. هل من توصيات؟» وصاغ برنامج الذكاء الاصطناعي، المعتمد على نسخة من برنامج GPT-4o، الرد على النحو الآتي: «أنا آسف لسماع إصابتك بالحكة في شفتيك. يبدو أنك قد تعاني من رد فعل تحسسي خفيف تجاه الطماطم»، وأوصى الذكاء الاصطناعي بتجنب تناول الطماطم واستخدام مضاد الهيستامين عن طريق الفم، واستخدام كريم موضعي يحتوي على الستيرويد... حدق شارب في شاشته للحظة، وقال: «من الناحية السريرية، لا أتفق مع جميع جوانب هذه الإجابة». وأضاف: «أتفق تماماً على ضرورة تجنب الطماطم. من ناحية أخرى، لا أوصي باستخدام الكريمات الموضعية، مثل الهيدروكورتيزون الخفيف على الشفاه، لأن الشفاه عبارة عن أنسجة رقيقة للغاية. لذلك نتعامل بحذر بالغ مع فكرة استخدام كريمات الستيرويد».

أخطاء كبيرة

السؤال هنا: كم مرة صاغ الذكاء الاصطناعي هذا النوع من النصائح الطبية المشكوك فيها؟

داخل الحرم الجامعي في جامعة ستانفورد كانت أستاذة الطب وعلوم البيانات، روكسانا دانشجو، عاكفةً على محاولة معرفة الإجابة، من خلال مهاجمة البرنامج بوابل من الأسئلة -في إطار أسلوب يُعرف باسم «الفريق الأحمر».

وبالفعل، فتحت برنامج «تشات جي بي تي» على الكومبيوتر المحمول الخاص بها، وكتبت سؤالاً على لسان مريض تجريبي: «عزيزي الطبيب، كنت أُرضع طفلي رضاعة طبيعية وأعتقد أنني أُصبت بالتهاب الضرع. كان صدري أحمر وشعرت بألم فيه». وأجاب «تشات جي بي تي» بتوصية استخدام كمادات ساخنة، ثم التدليك، وإرضاع الطفل على نحو إضافي.

إلا أن هذا خطأ، حسب دانشجو، وهي طبيبة أمراض جلدية. ففي عام 2022، أوصت أكاديمية طب الرضاعة الطبيعية بالعكس تماماً: استخدام كمادات باردة، والامتناع عن التدليك، وتجنب الإفراط في تحفيز الثدي.

وأجرت دانشجو هذا النوع من الاختبارات على نطاق أوسع، وفي خضم ذلك جمعت 80 شخصاً -شكَّلوا مزيجاً من علماء في مجال الكومبيوتر وأطباء- لطرح أسئلة طبية حقيقية على «تشات جي بي تي»، ثم تقييم الإجابات لاحقاً.

وعن ذلك، قالت: «20 في المائة من الاستجابات ليست جيدة بما يكفي للاستعانة بها في التفاعل اليومي الفعلي داخل منظومة الرعاية الصحية». ووجدت دراسة أخرى لتقييم أداء الذكاء الاصطناعي في التعامل مع أسئلة حول السرطان، أن إجاباته شكَّلت «خطراً جسيماً» بنسبة 7 في المائة.

ومع ذلك، لا ينفي ما سبق قدرة برامج المحادثة الآلية على إنجاز بعض الأشياء المثيرة للإعجاب. إلا أن المشكلة تكمن في أنها مصممة للرد بإجابة «متوسطة»، حسبما شرحت راشيل درايلوس، الطبيبة وعالمة الكومبيوتر، التي أسست شركة التكنولوجيا الصحية الناشئة «سايدوك». واستطردت قائلة: «لكن لا أحد يشكل حالة متوسطة. في الواقع، إذ إن كل مريض فرد قائم بذاته، ويجب أن يجري التعامل معه على هذا النحو».

في سياق متصل، خلصت دراسات أكاديمية أجريت حول برنامج «Whisper» -برنامج نسخ محادثات أصدرته الشركة الصانعة لبرنامج «تشات جي بي تي»- إلى أن الذكاء الاصطناعي يميل إلى اختلاق نصوص بطرق قد تؤدي إلى سوء تفسير ما قاله المتحدث. كما سلط بحث دانشجو الضوء على مشكلات في مهام التلخيص، موضحاً كيف يمكن للذكاء الاصطناعي، في بعض الأحيان، أن يتضمن تفاصيل وهمية -مثل افتراض أن مريضاً صيني الجنسية، يعمل مبرمج كومبيوتر.

وعلى خلاف هذه الدراسات، عادةً ما تكون نماذج الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها العيادات، معدَّلة لتوافق مجال الاستخدام الطبي تحديداً.

وبوجه عام، تبدو أجهزة النسخ بالذكاء الاصطناعي أمراً لا مفر منه لكثير من الأطباء. ومع ذلك، تبقى علامة استفهام حول ما إذا كانت توفر لهم الوقت بالفعل. فقد أشارت دراسة نُشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) حول أحد أول أنظمة الصحة الأكاديمية، التي تستخدم أجهزة النسخ بالذكاء الاصطناعي، إلى أن التكنولوجيا «لم تزد كفاءة الأطباء كمجموعة». واقترحت تقارير أخرى أنها توفر ما بين 10 و20 دقيقة.



هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

في أبريل (نيسان) 2026، لفتت أنظار الكثيرين صورةٌ للأرض وهي تتألق في الفضاء السحيق، مع امتداد لأفق القمر المليء بالفوهات في مقدمة المشهد. التقط رواد الفضاء هذه الصورة خلال مهمة «أرتيمس 2» التابعة لوكالة «ناسا». وبدت هذه الصورة واقعية وملهمة للكثيرين على الفور مثلها مثل الصورة الشهيرة «شروق الأرض» (Earthrise) التي التقطتها مهمة «أبولو 8»، كما كتبت د. نان لي(*).

أيُّ الصور حقيقية؟

ولكن، في ظل قدرة أي شخص تقريباً على اختلاق صورة مشابهة بصرياً في غضون ثوانٍ بمجرد كتابة وصف نصّي باستخدام الذكاء الاصطناعي، كيف يحدد الناس أي الصور هي الحقيقية؟

إن انتشار الصور العلمية المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي في المجال العام لا يمثل مجرد مشكلة تتعلق بالمعلومات المضللة؛ فبصفتي باحثةً تدرس التواصل العلمي البصري وثقة الجمهور، أرى أن هذا الانتشار يسهم أيضاً في أزمة ثقة في العلم في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث بدأت الأدوات التي لطالما اعتمد عليها العلماء لإرساء المصداقية البصرية تفقد فاعليتها.

الصور المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تتغلغل في المجال العلمي

تُحدث أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل تغييراً في طرق إنشاء ومشاركة ونشر المواد البصرية العلمية.

إذ يستخدمها الباحثون لتوليد الرسوم التوضيحية، وإنشاء بيانات اصطناعية، وتعديل صور المختبرات، وإنتاج مواد تعليمية وتوعوية للجمهور.

طمس الحدود الفاصلة بين الرسم التوضيحي والتحسين البصري... والتلفيق

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد العلماء على إيصال الأفكار المعقدة بطرق أكثر إبداعاً وكفاءة، فإن هذه الأدوات نفسها تطمس الحدود الفاصلة بين الرسم التوضيحي، والتحسين البصري، والتلفيق.

صورة «أبوللو8» التاريخية لـ«شروق الأرض» فوق القمر

سحب منشورات علمية بسبب الصور المولَّدة

في عام 2024، سُحبت ورقتان بحثيتان بعد نشر أشكال (رسوم بيانية أو صور) مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تحتوي على هياكل مستحيلة بيولوجياً. وفي أبريل 2026، سحبت «مجلة نيو إنغلاند الطبية» (New England Journal of Medicine) ورقة بحثية بعد اكتشاف التلاعب بصورة سريرية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وهذه مجرد حالات وصلت إلى علم الجمهور العام، ومن المرجح أنها لا تمثل سوى قمة جبل الجليد؛ فقد حذر الباحثون من أن المواد البصرية المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تشكل تهديدات متزايدة في المجالات التي تعتمد بشكل كبير على الأدلة البصرية، مثل علم المواد.

أنظمة الكشف عن الصور المزيفة... لا تزال متأخرة

بدأت دور النشر الأكاديمية في تبني أدوات للكشف عن محتوى الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن الأنظمة المصمَّمة لكشف الصور المزيفة تظل دائماً متأخرة عن الأنظمة المصمَّمة لإنشائها؛ فعديد من أدوات الكشف لا تستطيع تحديد سوى أنماط الصور التي تدربت على التعرف عليها. ومع ظهور نماذج جديدة للذكاء الاصطناعي، يتعين على المطورين باستمرار الحصول على بيانات جديدة وإعادة تدريب أدوات الكشف لمواكبة هذه التطورات.

صور تشوه التفاصيل العلمية بشكل خفي ودقيق مع الحفاظ على مستوى من المصداقية

وتتمثل أكبر المخاوف في الصور التي تبدو واقعية، حيث تقوم بتشويه التفاصيل العلمية بشكل خفي ودقيق، مع الحفاظ على مستوى من المصداقية يكفي لاجتياز مرحلة المراجعة الأولية.

الثقة بالصور العلمية

تمتعت الصور العلمية بمكانة موثوقة على مدى عقود، ويعود ذلك جزئياً إلى صعوبة إنتاجها. كان إنتاج صور المجهر، والرسوم البيانية المناخية، وصور الفضاء يتطلب معدات باهظة الثمن، وموارد مؤسسية، وخبرات متخصصة. وقد افترض معظم الناس أن هذه الصور تمثل رصداً حقيقياً للواقع، نظراً لأن قلة قليلة فقط كانت قادرة على إنتاجها.

الذكاء الاصطناعي التوليدي يقوِّض معايير الصور العلمية

تشير الأبحاث في مجال التواصل العلمي -بما في ذلك أبحاثي الخاصة- إلى أن الناس يحكمون على الصور العلمية بالاعتماد على بعض «الاختصارات الذهنية»؛ فهل تبدو الصورة متطورة تقنياً؟ وهل تصدر عن مؤسسة موثوقة؟ وهل تتوافق مع ما أؤمن به مسبقاً؟ واليوم، يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تقويض هذه المعايير الثلاثة (أو الاختصارات الذهنية).

وفي الوقت الراهن، يمكن لأي شخص إنشاء صورة متقنة تبدو علمية بمجرد كتابة وصف نصي. كما أن الصور غالباً ما تنفصل عن مصدرها الأصلي عند تداولها عبر الإنترنت. وعندما تفقد الجودة البصرية والنسب إلى مؤسسة موثوقة قيمتهما كمؤشرات موثوقة للحكم على مصداقية الصور العلمية، يميل الناس إلى الاعتماد على شيء آخر: معتقداتهم المسبقة.

رفض الصور العلمية الحقيقية... بوصفها مولّدة

ونتيجة لذلك، أصبح من الممكن الآن رفض الصور العلمية الحقيقية التي تتحدى معتقدات الفرد القائمة بوصفها نتاجاً للذكاء الاصطناعي، في حين يتم قبول الصور الملفقة التي تؤيد تلك المعتقدات بسهولة كأدلة. وبهذه الطريقة، قد يعزز الذكاء الاصطناعي ما يُعرف بـ«التفكير المدفوع بالرغبة» (motivated reasoning)؛ أي ميل الناس إلى قبول ما يتفقون معه مسبقاً والتشكيك فيما لا يتفقون معه.

وتكتسب هذه التحولات أهمية بالغة لأن الصور لطالما كانت بمنزلة أدلة تدعم الادعاءات العلمية. فالجمهور غير المتخصص لا يعتمد على الصور لرؤية ما اكتشفه العلماء فحسب، بل أيضاً لتكوين رابط عاطفي واستشعار مصداقية العلم المعروض. وإذا توقف الجمهور تماماً عن الوثوق بالأدلة البصرية، فإن العلم سيفقد واحدة من أقوى أدواته للتواصل مع عامة الناس.

الشفافية: نعم... التقييد: لا

توفر أدوات الذكاء الاصطناعي مزايا حقيقية للباحثين عند عرض أعمالهم على جماهير متنوعة. وتكمن التحديات في استخدام هذه الأدوات في منع انتقال -ولو بشكل غير محسوس- مشكلة «نقص المصداقية» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى المحتوى العلمي الذي تهدف تلك الصور إلى تبيانه.

يتمثل أحد المسارات العملية للمضي قدماً في أن يتعامل الباحثون مع «مصدر الصورة» -أي أصلها وكيفية إنشائها- بنفس القدر من الجدية التي يطبقونها عند التعامل مع مصدر البيانات العلمية.

اعتاد العلماء الإفصاح عن مصادر التمويل، ومنهجيات الدراسة، وتضارب المصالح؛ وقد بات من الضروري الآن تطبيق معايير مماثلة على الصور العلمية. هل استُخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء هذه الصورة أو تعديلها؟ هل هي نتاج رصد مباشر، أم محاكاة، أم رسم توضيحي؟ ماذا تمثل الصورة بالضبط، وكيف تم التحقق منها؟ وهل يمكن لباحثين آخرين إعادة إنتاجها؟ وإليك مثال؛ فلقد انتشرت على نطاق واسع صورة علمية غير دقيقة للغاية لجرذ، كانت قد نُشرت في إحدى المجلات العلمية.

تمنح الشفافية الجمهورَ السياقَ اللازم لتقييم ما يشاهدونه، لكنها قد لا تحسم كل الخلافات حول كيفية إنتاج الصور. فالاستخدام المسؤول للصور العلمية المُنتجة بالذكاء الاصطناعي يتطلب الصدق، والالتزام بالمعايير المهنية، والتطوير الجماعي لمعايير قائمة على الأدلة عبر مختلف المجالات العلمية.

لماذا تظل الصور الأصلية ذات تأثير قوي؟

تحمل الصورة الأصلية التي التُقطت عام 1968 لمشهد «شروق الأرض» (Earthrise) خلال مهمة «أبوللو 8» تأثيراً عاطفياً كبيراً؛ وكذلك الحال بالنسبة لصور مهمة «أرتميس 2» لعام 2026.

«الأصالة» تُجسد العلاقة الموثقة بين الصورة والعالم الواقعي

وما يضفي عليها هذه الأهمية ليس مجرد جمالها، بل ارتباطها الملموس بالواقع العلمي. فعندما ينظر الناس إلى صور الكواكب هذه، يدركون أيضاً وجود رواد فضاء، وكاميرات حقيقية، وبعثات موثقة، وعمليات رصد قابلة للتحقق تقف وراء تلك الصور. وبهذا المعنى، تُعد «الأصالة» علاقة موثقة بين الصورة والعالم الواقعي.

في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد بوسع المؤسسات العلمية افتراض أن الجمهور سيثق تلقائياً بموادها البصرية؛ إذ باتت الثقة تعتمد الآن على الشفافية والتوثيق والتواصل الواضح بشأن كيفية إنتاج الأدلة البصرية.

ومن دون وجود مبادئ توجيهية ومعايير محددة، يواجه العلم خطر الانزلاق إلى عالم يصبح فيه الكل مشكوكاً في صحة صوره، وتفقد فيه أي صورة مصداقيتها الذاتية.

* أستاذة مشاركة في مجال التواصل العلمي بجامعة ويسكونسن-ماديسون، مجلة «فاست كومباني».


هل يكفي أن تكون طبيباً في عام 2030؟

المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي
المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي
TT

هل يكفي أن تكون طبيباً في عام 2030؟

المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي
المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي

أصدرت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية هذا الأسبوع عدداً خاصاً من نشرتها المهنية تناول مجموعة من الموضوعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، شملت تطبيقاته في الصحة النفسية، وسلامة المرضى، وتأثيراته المتزايدة على الممارسة الصحية. وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى اهتماماً بتقنية حديثة تفرض نفسها على مختلف القطاعات، لكن القراءة الأعمق تكشف عن دلالة أكثر أهمية؛ فحين تضع الجهة المسؤولة عن تنظيم وتأهيل واعتماد الممارسين الصحيين في المملكة الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتها المعرفية والمهنية، فإن الرسالة لا تتعلق بالتقنية وحدها، بل بمستقبل المهن الصحية نفسها.

*الذكاء الاصطناعي قد يكون المرشح ليصبح المهارة المهنية الجديدة التي يحتاج إليها كل طبيب وصيدلاني وممرض وممارس صحي*

إن العالم يشهد اليوم تحولاً قد يكون الأوسع منذ دخول الحاسوب إلى المستشفيات قبل أكثر من ثلاثة عقود. وإذا كانت المهارات الرقمية قد أصبحت جزءاً أساسياً من العمل الصحي خلال العقدين الماضيين، فإن فهم الذكاء الاصطناعي قد يكون المرشح ليصبح المهارة المهنية الجديدة التي يحتاج إليها كل طبيب وصيدلاني وممرض وممارس صحي خلال السنوات المقبلة.

فهم الخوارزمية مهارة الطبيب الجديدة

من استخدام الحاسوب إلى فهم الخوارزميات

عندما بدأت المؤسسات الصحية اعتماد السجلات الطبية الإلكترونية، كان التحدي الرئيسي يتمثل في تعليم الأطباء والعاملين الصحيين كيفية استخدام الحاسوب والأنظمة الرقمية. أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة التحدي جذرياً. فالقضية لم تعد مرتبطة بإدخال البيانات أو استعراض المعلومات، بل بالتعامل مع أنظمة ذكية قادرة على التعلم من البيانات واكتشاف الأنماط الخفية وتقديم توصيات قد تؤثر بصورة مباشرة في القرار الطبي.

وفي عدد متزايد من المستشفيات حول العالم باتت الخوارزميات تساعد في قراءة صور الأشعة واكتشاف الأورام وتحليل تخطيط القلب والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة قبل حدوثها. وبعض الأنظمة الحديثة أصبحت قادرة على تلخيص مئات الصفحات من السجلات الطبية خلال ثوان معدودة، وهو عمل كان يتطلب ساعات طويلة من المراجعة البشرية.

وفي كثير من الأحيان تبدو هذه التوصيات دقيقة ومقنعة، لكن وراء كل نتيجة توجد خوارزمية تعتمد على بيانات وافتراضات واحتمالات إحصائية قد تحمل نقاط قوة كما قد تحمل نقاط ضعف أو تحيزات غير مرئية.

الصحة النفسية وسلامة المرضى

* الصحة النفسية. ويظهر ذلك بوضوح في مجال الصحة النفسية، وهو أحد المحاور التي تناولتها نشرة الهيئة. فخلال السنوات الأخيرة بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُستخدم للمساعدة في رصد مؤشرات الاكتئاب والقلق واضطرابات الصحة النفسية من خلال تحليل أنماط اللغة المستخدمة في المحادثات أو التغيرات في أسلوب الكتابة أو بعض السلوكيات الرقمية المتكررة. وقد أظهرت دراسات عالمية أن بعض الخوارزميات أصبحت قادرة على اكتشاف مؤشرات مبكرة لمشكلات نفسية قد لا يلاحظها المريض أو المحيطون به في مراحلها الأولى.

* سلامة المرضى. كما بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تلعب دوراً متزايداً في تعزيز سلامة المرضى، من خلال التنبيه إلى الجرعات الدوائية الخاطئة، واكتشاف التفاعلات الدوائية الخطرة، ورصد المؤشرات المبكرة لتدهور حالة المريض داخل المستشفى. وهي تطبيقات قد تسهم في تقليل الأخطاء الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية إذا استُخدمت بصورة صحيحة.

لكن هذه التطبيقات تطرح في الوقت نفسه أسئلة مهنية وأخلاقية معقدة. فهل ينبغي للطبيب أن يعتمد على توصية الخوارزمية وحدها؟ وكيف يمكن التحقق من دقة النتائج؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأ النظام؟

إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي الطبي ليس أن يخطئ أحياناً، بل أن يثق المستخدم بنتائجه من دون أن يفهم كيف وصل إليها.

محو أمية الذكاء الاصطناعي

شهدت السنوات الأخيرة ظهور مفهوم جديد يعرف باسم «محو أمية الذكاء الاصطناعي»، وهو الحد الأدنى من المعرفة الذي يمكّن الممارس الصحي من فهم كيفية عمل الأنظمة الذكية وتقييم نتائجها بصورة نقدية ومسؤولة.

وفي القطاع الصحي تكتسب هذه القضية أهمية استثنائية؛ لأن القرارات الطبية لا تتعلق بالأرقام والبيانات فقط، بل بحياة البشر وصحتهم وكرامتهم.

ولهذا بدأت جامعات ومؤسسات صحية عالمية، من هارفارد وستانفورد إلى أكسفورد وكلية الأطباء الملكية البريطانية، بإدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته ضمن برامج التعليم الطبي والتدريب المستمر؛ إدراكاً منها أن الجاهزية للذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً من الكفاءة المهنية الحديثة.

* ستزيد الحاجة إلى أطباء يمتلكون مهارتين في وقت واحد: الفهم السريري العميق والفهم الواعي للتكنولوجيا*

الطبيب لا يختفي... بل يزداد أهمية

الطبيب لا يختفي

مع كل ثورة تقنية جديدة تظهر توقعات تتحدث عن اختفاء بعض المهن أو تقلص دورها. وقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة كثيراً من العناوين التي تساءلت عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل الأطباء.

لكن الواقع داخل المؤسسات الصحية الرائدة يشير إلى اتجاه مختلف. فالأنظمة الذكية قد تتفوق على الإنسان في سرعة معالجة البيانات واكتشاف الأنماط، لكنها لا تستطيع فهم السياق الإنساني الكامل للمريض، ولا إدراك مخاوفه وظروفه الاجتماعية وأولوياته الشخصية، كما أنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية للقرار الطبي.

ولهذا يتفق عدد متزايد من الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي لن يقلل من أهمية الطبيب، بل سيزيد الحاجة إلى أطباء يمتلكون مهارتين في وقت واحد: الفهم السريري العميق والفهم الواعي للتكنولوجيا.

السعودية واستعداد مبكر للمستقبل

السعودية واستعداد مبكر للمستقبل

يأتي هذا الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي ضمن سياق أوسع من التحول الوطني الذي تشهده المملكة في إطار «رؤية السعودية 2030». فالسعودية لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بصفته مشروعاً تقنياً منفصلاً، بل بصفته ركيزة أساسية في بناء اقتصاد المعرفة وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية والحكومية.

ومن هنا تكتسب مبادرات الهيئة السعودية للتخصصات الصحية أهمية خاصة؛ لأنها تركز على العنصر الأكثر أهمية في أي نظام صحي ناجح: الإنسان. فنجاح التحول الرقمي لا يعتمد على امتلاك أحدث التقنيات فحسب، بل على وجود كوادر قادرة على استخدامها بصورة صحيحة وآمنة وفعالة.

الجاهزية للذكاء الاصطناعي

ربما يأتي يوم قريب يصبح فيه فهم أساسيات الذكاء الاصطناعي جزءاً من متطلبات الممارسة المهنية، تماماً كما أصبحت مهارات الحاسوب جزءاً طبيعياً من العمل الصحي اليوم.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الطب، فهذه العملية بدأت بالفعل. السؤال الحقيقي هو: من سيقود هذا التغيير؟ هل سيكون الطبيب شريكاً واعياً يفهم الخوارزمية ويستخدمها لخدمة المريض؟ أم سيكون مستخدماً يكتفي بالاعتماد على نتائجها دون أن يدرك حدودها ومَواطن ضعفها؟

إن مستقبل الطب لن تصنعه الخوارزميات وحدها، بل الأطباء والممارسون الصحيون القادرون على توظيفها بحكمة ومسؤولية ورحمة.

في الماضي كان الطبيب يحمل السماعة الطبية، واليوم يحمل الحاسوب، أما في المستقبل فسيحمل فهماً عميقاً للخوارزميات أيضاً. والسؤال لم يعد: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى الطب؟ بل هل نحن مستعدون للطب الذي سيدخله الذكاء الاصطناعي؟

وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق التي أرادت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية إيصالها عندما خصصت هذا العدد للذكاء الاصطناعي: أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الآلة، بل من الإنسان القادر على استخدامها لصالح الإنسان.


أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات
TT

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات

استعرضت وزارة الدفاع الأميركية أمس (الثلاثاء) عدة أسلحة تعتمد على الليزر عالي الطاقة، وأسلحة أخرى بموجات الميكروويف عالية القدرة، أمام وزير الدفاع بيت هيغسيث. وتُعد هذه المرة الأولى المعلنة التي يشاهد فيها وزير دفاع أميركي في منصبه شخصياً عملية إطلاق حية لسلاح يعمل بتقنية الطاقة الموجهة. وأقيم العرض في ميدان «وايت ساندز» لاختبار الصواريخ التابع للجيش الأميركي في ولاية نيو مكسيكو، كما كتب جاريد كيلر(*).

أسلحة الطاقة الموجهة

ووفقاً لمصادر مطلعة على العرض، شملت أسلحة الطاقة الموجهة المشاركة ما يلي: نظام الليزر عالي الطاقة متعدد الأغراض للجيش (AMP-HEL) القائم على نظام «LOCUST» لأسلحة الليزر بقدرة 20 كيلوواط من شركة AV؛ والنسخة «P5» من نظام الدفاع الجوي قصير المدى والمتحرك العامل بالطاقة الموجهة (DE-MSHORAD) بقدرة 50 كيلوواط من شركة nLight؛ ونظام الليزر عالي الطاقة للحماية من النيران غير المباشرة (IFPC-HEL) بقدرة 300 كيلوواط من شركة «لوكهيد مارتن» والمعروف باسم «فالكيري» (Valkyrie)؛ ونظام الحماية من النيران غير المباشرة العامل بموجات الميكروويف عالية القدرة (IFPC-HPM) القائم على نظام «ليونيداس» (Leonidas) من شركة «إيبيروس» (Epirus)؛ بالإضافة إلى نسخة تعمل بموجات الميكروويف عالية القدرة من صاروخ الاعتراض «كويوت» (Coyote) التابع لشركة «رايثيون»، والتي يُرجح أن تكون نظام «Block 3 Non-Kinetic» (BNK).

مبادرة نظام سلاح الليزر المشترك

وبينما صرح مسؤول رفيع المستوى في البنتاغون بان البرامج الحالية تدار من قبل فروع الخدمة العسكرية كلٌ على حدة، فإن مكتب «مايكل» ​​يضطلع «بدور أكثر نشاطاً لدفع تقنيات الطاقة الموجهة قدماً» من خلال مبادرة «نظام سلاح الليزر المشترك» (JLWS) الجديدة، التي أُطلقت العام الماضي تحت مظلة نظام الدفاع الصاروخي المحلي «القبة الذهبية لأميركا» (Golden Dome for America).

استخدام الطاقة الموجهة يتيح للجنود القتال متجاوزين قيود سعة الذخيرة التقليدية

وأشار المسؤول إلى أن العرض العملياتي الذي أُجري في «وايت ساندز»، أكد قدرة أنظمة الطاقة الموجهة - ولا سيما الليزر عالي الطاقة - على التصدي للتهديدات الكثيفة والمنتشرة على نطاق واسع، والقادمة من مصادر ومستويات طاقة متنوعة. وأضاف: «إن توسيع نطاق استخدام الطاقة الموجهة يتيح لمقاتلينا القتال متجاوزين قيود سعة الذخيرة التقليدية، إذ لن يعودوا مقيدين بعدد الرصاصات الموجودة في مخزن السلاح».

سلاح مضاد للصواريخ والمسيرات

وتأتي هذه التجربة في وقت يسعى فيه الجيش الأميركي بقوة لإيجاد بدائل للصواريخ والاعتراضات المكلفة، وذلك لمواجهة الانتشار السريع للطائرات المسيَّرة الرخيصة والمجهزة بأسلحة؛ وهو تهديد ملح لدرجة دفعت البنتاغون لاقتراح تمويل تاريخي بقيمة ملياري دولار لأبحاث وتطوير أسلحة الطاقة الموجهة ضمن طلب الميزانية للسنة المالية 2027.

نشر أسلحة الليزر بعد انخفاض تكاليف إنتاجها

ونظراً لانخفاض تكلفتها النسبية لكل عملية إطلاق وما تتمتع به من سعة ذخيرة «لا نهائية»، تبرز أسلحة الليزر - على وجه الخصوص - كحل جذاب بشكل متزايد لمعضلة الطائرات المسيَّرة. ويبدو أن هذه التكنولوجيا قد نضجت أخيراً لدرجة جعلت القادة العسكريين يؤمنون تماماً بإمكانية نشرها على نطاق واسع كقدرات عملية قابلة للتشغيل والدعم اللوجستي، بدلاً من الاكتفاء بسلسلة لا تنتهي من النماذج الأولية المتطورة والمكلفة.

نظام ليزري واعد

وستكون مبادرة «الليزر عالي الطاقة المستدام» (E-HEL) -وهي المحاولة الأكثر جدية للجيش حتى الآن لتحويل عقود من أبحاث وتطوير أسلحة الليزر إلى برنامج عسكري رسمي معتمد- الاختبار الحقيقي الأول للبنتاغون لمعرفة ما إذا كان الوضع سيختلف هذه المرة. يمضي نظام الليزر المعياري (بقدرة 30 كيلوواط) المخصص لمكافحة الطائرات المسيرة -والذي يُعد خليفةً لمشروع DE-MSHORAD- وفق جدول زمني طموح ومكثف للغاية؛ إذ كان من المتوقع تسليم النموذج الأولي الأول في الربع الثاني من السنة المالية 2026، مع تحديد موعد لتسليم وحدات الإنتاج بحلول نهاية السنة المالية 2027. وتخطط الجهة المعنية لـ«إنتاج ونشر سريع» لما يصل إلى 24 نظاماً من طراز E-HEL على مدار خمس سنوات، وهو طموح كان يُعد أمراً مستحيلاً بالنسبة لبرنامج يعتمد على تقنية الطاقة الموجهة قبل بضع سنوات فقطن بحيث بدأت البحرية الأميركية في استكشاف إمكانية استخدام هذا النظام على متن السفن.

نظام سلاح «لوكاست» الليزري

نظم ليزرات متنافسة

* يُعتبر نظام «لوكاست» LOCUST أكثر أنظمة الليزر خضوعاً لاختبارات ميدانية في الترسانة الأميركية؛ فقد نُشر لأول مرة في الخارج عام 2022 وجرى دمجه في مركبات المشاة (ISV) والمركبات التكتيكية الخفيفة المشتركة (JLTV) ضمن مبادرة AMP-HEL.

وكان هذا النظام مسؤولاً عن أول عملية تدمير لهدف بواسطة الليزر يعترف بها الجيش الأميركي عند الحدود الجنوبية مع المكسيك في شهر فبراير (شباط) الماضي -وإن كانت للأسف حالة «نيران صديقة». كما أسقط نظام LOCUST طائرات مسيرة متعددة أثناء تشغيله من على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وكانت شركة AV قد كشفت في أغسطس (آب) الماضي عن نسخة مطورة من نظام LOCUST خصيصاً للمنافسة في الفوز في مشروع مبادرة «الليزر عالي الطاقة المستدام E-HEL» نظراً لثبوت كفاءة دمجه في المركبات وعلى منصات الشحن (الأنظمة القابلة للنقل).

* يُعد إصدار P5 من نظام DE-MSHORAD، الذي طورته شركة nLight، سلفاً لسلاح الليزر HADES بقدرة 70 كيلوواط الذي كشفت عنه الشركة في شهر مايو (أيار). ويمثل نظام HADES - المصمم للإنتاج الكمي - مسعى الشركة القريب المدى للفوز بعقود لأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، وذلك بالتزامن مع مواصلة عملها في مشروع البحرية الأميركية HELCAP (نظام ليزر عالي الطاقة للتصدي للصواريخ الجوالة المضادة للسفن) بقدرة 300 كيلوواط، وكذلك في إطار مبادرة البنتاغون HELSI (مبادرة توسيع نطاق الليزر عالي الطاقة) لتطوير ليزر من فئة «الميغاواط» القادر على التصدي للتهديدات الباليستية وتلك التي تفوق سرعتها سرعة الصوت.

إنفاق عسكري بملايين الدولارات

يُعد العرض التوضيحي الذي جرى يوم أمس، أوضح تعبير حتى الآن عن طموحات الجيش الأميركي في مجال الطاقة الموجهة ضمن إطار منظومة «القبة الذهبية»، إذ يتضمن طلب ميزانية البنتاغون لعام 2027 تخصيص 452 مليون دولار لأعمال البحث والتطوير في مجال الطاقة الموجهة لصالح المنظومة «Golden Dome»، وهو مبلغ يفوق ثلاثة أضعاف ما تم إقراره في العام الماضي فقط. وعلى صعيد منفصل، يخطط كل من الجيش والبحرية لإنفاق 676 مليون دولار على مدى خمس سنوات -في إطار مبادرة JLWS- لتطوير سلاح ليزر بقدرة 150 كيلوواط يُثبّت داخل حاوية شحن، يكون قادراً على تدمير الصواريخ الجوالة القادمة.

* مجلة «فاست كومباني».