هل تثق بطبيب يعاونه الذكاء الاصطناعي؟

«الهلوسة» والمعلومات الرديئة تحملان خطراً كبيراً في المجال الطبي

هل تثق بطبيب يعاونه الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل تثق بطبيب يعاونه الذكاء الاصطناعي؟

هل تثق بطبيب يعاونه الذكاء الاصطناعي؟

يتلقى الملايين من الأميركيين العلاج بالفعل على أيدي أطباء يستعينون بالذكاء الاصطناعي، لتدوين الملاحظات ومسودات رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالمرضى. ومع ذلك، كما كتب المحلل التكنولوجي جيفري إيه. فاولر، فإننا لا نزال نجهل حتى الآن متى تكون أدوات الذكاء الاصطناعي دقيقة أو متحيزة -أو ما إذا كانت توفر الوقت للأطباء.

فحص طبي بالذكاء الاصطناعي

في أثناء فحص طبي يخضع له المريض، يستعين الطبيب بالذكاء الاصطناعي. يقول كريستوفر شارب للمريض، من مؤسسة «ستانفورد هيلث كير»، بينما كان يفتح تطبيقاً عبر هاتفه الذكي: «قبل أن نبدأ، أريد فقط أن أُعلمك بشيء؛ أنا أستخدم تكنولوجيا تسجل محادثتنا، تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص وتدوين ملاحظاتي».

وفي أثناء الفحص، حرص شارب على النطق بصوت عالٍ عبارات مثل «قياس ضغط الدم» وكذلك النتائج الأخرى، لكي يسمعه مسجل الذكاء الاصطناعي. بجانب ذلك، يستعين الطبيب بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في كتابة المسودات الأولى للرد على رسائل المرضى، بما في ذلك نصائح العلاج المقترحة.

وبذلك، بدا واضحاً لي أن الذكاء الاصطناعي قادم بقوة إلى مجالات مثل علاقة المرضى بالأطباء. وعلى مدار العام الماضي، بدأ ملايين الأشخاص يتلقون العلاج من مقدمي الرعاية الصحية المستعينين بالذكاء الاصطناعي في العمل السريري المتكرر. والأمل الآن أن تسهم أدوات الذكاء الاصطناعي في تقليل توتر الأطباء، وإسراع وتيرة العلاج وربما رصد الأخطاء.

استخدام طبي واسع ومقلق

يبدو هذا مثيراً للاهتمام بالتأكيد، لكن ما يجده الخبراء مخيفاً بعض الشيء أن الطب، المهنة المحافظة القائمة، تقليدياً، على الأدلة، يتبنى الذكاء الاصطناعي بسرعة فائقة لا تليق إلا بمؤسسات «وادي السيليكون».

ويجري تبني أدوات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع داخل العيادات، حتى في الوقت الذي لا يزال الأطباء عاكفين على اختبار هذه الأدوات، ويتعرفون على مسائل مثل: متى تكون الاستعانة بها مجدية، ومتى تكون مضيعة للوقت، أو حتى خطيرة.

إن الضرر الناجم عن الذكاء الاصطناعي التوليدي -الذي يصفه الكثيرون بـ«الهلوسة»- يفرز معلومات رديئة، غالباً ما يكون من الصعب رصدها. وفي مجال الطب، قد يحمل هذا في طياته خطراً مروعاً.

نسبة عالية خاطئة من الإجابات

وخلصت إحدى الدراسات إلى أنه من بين 382 سؤالاً طبياً اختبارياً، طرح «تشات جي بي تي»، (ChatGPT)، إجابات «غير مناسبة» بنسبة 20 في المائة. وبطبيعة الحال، يمكن للطبيب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي أن ينقل عن غير قصد نصيحة رديئة.

ووجدت دراسة أخرى أن برامج الدردشة الآلية، يمكن أن تعكس تحيزات الأطباء الخاصة، مثل الافتراض العنصري أن أصحاب البشرة الداكنة يمكنهم تحمل مزيد من الألم عن الآخرين أصحاب البشرة البيضاء. وثبت كذلك أن برامج الإملاء تخترع أشياءً لم يتفوّه بها أحد.

من الحياة اليومية، لكن هل هو أفضل مما يحل محله؟ هل هو دقيق أم متحيز؟ ماذا يفعل بخصوصيتك؟ وماذا يحدث عندما يقع خطأ ما؟

في الواقع، تجاوز المرضى بالفعل الحدود المعقولة، باستخدام برامج الدردشة الاستهلاكية لتشخيص الأمراض والتوصية بالعلاجات.

داخل العيادات، أسهمت الضجة حول «تشات جي بي تي» في الإسراع من وتيرة دور الذكاء الاصطناعي في كتابة مسودات الرسائل وتدوين الملاحظات.

نماذج آلية غير مراقبة

وقد أعلنت شركة «إيبيك سيستمز» (Epic Systems)، أكبر مزود للسجلات الصحية الإلكترونية داخل الولايات المتحدة، أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية التي تبيعها، تُستخدم بالفعل في تسجيل ما يدور في نحو 2.35 مليون زيارة مريض، وصياغة 175 ألف رسالة كل شهر.

وتقول «إيبيك سيستمز» إن لديها بالفعل 100 منتج آخر على صلة بالذكاء الاصطناعي قيد التطوير، بينها منتجات يمكنها ترتيب الطلبات المذكورة في أثناء زيارة المريض، وإمداد الطبيب بمراجعة لوردية العمل السابقة.

أما الشركات الناشئة، فذهبت إلى أبعد عن ذلك. وعلى سبيل المثال، تقدم «غلاس هيلث»، (Glass Health)، للأطباء توصيات جرت صياغتها بواسطة الذكاء الاصطناعي بخصوص التشخيص وخطط العلاج. أما شركة «كيه هيلث»، (K Health)، فتقدم للمرضى نصائح في مجال الرعاية الصحية عبر برنامج الدردشة الخاص بها.

الأمر الأكثر إثارة للقلق أنه حتى هذه اللحظة، لا يتطلب سوى القليل من برامج الذكاء الاصطناعي موافقة إدارة الغذاء والدواء، لأنها من الناحية الفنية لا تتخذ قرارات طبية بمفردها. ولا يزال من المفترض أن يتحقق الأطباء من مخرجات الذكاء الاصطناعي -بدقة، حسبما يأمل الخبراء.

في هذا الإطار، عبَّر آدم رودمان، طبيب الأمراض الباطنية، والباحث في مجال الذكاء الاصطناعي في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي، عن اعتقاده بأن «هذه واحدة من تلك التقنيات الواعدة، لكنها لم تصل إلى المستوى المنشود بعد. ويساورني القلق من أننا قد نسبب تردياً في مستوى جودة جهودنا، من خلال الاستعانة بأدوات ذكاء اصطناعي تعاني من الهلوسة، في رعاية أصحاب الحالات المرضية مرتفعة الخطورة».

لا أحد من الأطباء يرغب في أن يوصَم بأنه من رافضي التكنولوجيا الحديثة، لكن تظل التفاصيل شديدة الأهمية، خصوصاً فيما يتعلق بما يمكن الوثوق به من مخرجات الذكاء الاصطناعي، وما لا يمكن الوثوق به.

داخل العيادة

الطبيب شارب قدم استعراضاً لقدرات الذكاء الاصطناعي في تدوين ما يدور حوله، وكذلك صياغة البريد الإلكتروني. جدير بالذكر أن شارب يعمل أستاذاً ورئيس قسم المعلومات الطبية لدى شركة «ستانفورد هيلث كير»، ويتولى مسؤولية تقييم مستوى أداء أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحديد ما ينبغي استخدامه منها.

وعندما يتولى شارب تفعيل أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة به، حينها قد يجد البعض الفكرة مخيفة. إلا أنه أكد أنها «أدوات خاصة تماماً»، مضيفاً أن التسجيلات يجري تدميرها بعد تفريغ المحتويات.

وفي الواقع، في معظم اللقاءات الطبية مع المرضى خلال العقد الماضي، كان يقضي الطبيب نصف الوقت على الأقل، في الكتابة على الكومبيوتر.

ولا يقتصر الهدف هنا على مجرد تحسين أسلوب التعامل مع المريض. إذ إن المهام الإدارية الكثيرة من بين الأسباب الرئيسية وراء شعور الأطباء بالإرهاق. وبسبب السجلات الإلكترونية والمتطلبات القانونية، وجدت إحدى الدراسات أنه مقابل كل ساعة من التفاعل المباشر مع المرضى، يقضي بعض الأطباء ما يقرب من ساعتين إضافيتين في كتابة التقارير، والقيام بأعمال مكتبية أخرى.

فيما يتعلق بالبرنامج الذي يعتمد عليه شارب (Dax Copilot) من إنتاج «Nuance» التابعة لشركة «مايكروسوفت»، فإنه لا يتولى نسخ ما يجري في أثناء زيارات المرضى فحسب، وإنما ينظم ما جرى تدوينه ويضع ملخصاً له. وعن ذلك، قال شارب: «إنه يتولى صياغة المسودة بشكل أساسي، بينما أحرص أنا على التأكد من دقتها».

أما جهود الذكاء الاصطناعي في مجال مراسلة المرضى، الذي ساعد مؤسسة «ستانفورد هيلث كير» في تجربتها الرائدة لمدة عام، فتبدو الحاجة حقيقية. ومن المفترض أن تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي الأطباء على إعداد الاستجابات بكفاءة أكبر، عبر توفير مسودة كنقطة بداية.

تشخيص وعلاج «ذكيَّان» خاطئان

ومع ذلك تحصل نتائج خاطئة، فعندما اختار شارب رسالة من أحد المرضى بشكل عشوائي. وقرأ الآتي: «أكلت طماطم وشعرت بحكة في شفتيَّ. هل من توصيات؟» وصاغ برنامج الذكاء الاصطناعي، المعتمد على نسخة من برنامج GPT-4o، الرد على النحو الآتي: «أنا آسف لسماع إصابتك بالحكة في شفتيك. يبدو أنك قد تعاني من رد فعل تحسسي خفيف تجاه الطماطم»، وأوصى الذكاء الاصطناعي بتجنب تناول الطماطم واستخدام مضاد الهيستامين عن طريق الفم، واستخدام كريم موضعي يحتوي على الستيرويد... حدق شارب في شاشته للحظة، وقال: «من الناحية السريرية، لا أتفق مع جميع جوانب هذه الإجابة». وأضاف: «أتفق تماماً على ضرورة تجنب الطماطم. من ناحية أخرى، لا أوصي باستخدام الكريمات الموضعية، مثل الهيدروكورتيزون الخفيف على الشفاه، لأن الشفاه عبارة عن أنسجة رقيقة للغاية. لذلك نتعامل بحذر بالغ مع فكرة استخدام كريمات الستيرويد».

أخطاء كبيرة

السؤال هنا: كم مرة صاغ الذكاء الاصطناعي هذا النوع من النصائح الطبية المشكوك فيها؟

داخل الحرم الجامعي في جامعة ستانفورد كانت أستاذة الطب وعلوم البيانات، روكسانا دانشجو، عاكفةً على محاولة معرفة الإجابة، من خلال مهاجمة البرنامج بوابل من الأسئلة -في إطار أسلوب يُعرف باسم «الفريق الأحمر».

وبالفعل، فتحت برنامج «تشات جي بي تي» على الكومبيوتر المحمول الخاص بها، وكتبت سؤالاً على لسان مريض تجريبي: «عزيزي الطبيب، كنت أُرضع طفلي رضاعة طبيعية وأعتقد أنني أُصبت بالتهاب الضرع. كان صدري أحمر وشعرت بألم فيه». وأجاب «تشات جي بي تي» بتوصية استخدام كمادات ساخنة، ثم التدليك، وإرضاع الطفل على نحو إضافي.

إلا أن هذا خطأ، حسب دانشجو، وهي طبيبة أمراض جلدية. ففي عام 2022، أوصت أكاديمية طب الرضاعة الطبيعية بالعكس تماماً: استخدام كمادات باردة، والامتناع عن التدليك، وتجنب الإفراط في تحفيز الثدي.

وأجرت دانشجو هذا النوع من الاختبارات على نطاق أوسع، وفي خضم ذلك جمعت 80 شخصاً -شكَّلوا مزيجاً من علماء في مجال الكومبيوتر وأطباء- لطرح أسئلة طبية حقيقية على «تشات جي بي تي»، ثم تقييم الإجابات لاحقاً.

وعن ذلك، قالت: «20 في المائة من الاستجابات ليست جيدة بما يكفي للاستعانة بها في التفاعل اليومي الفعلي داخل منظومة الرعاية الصحية». ووجدت دراسة أخرى لتقييم أداء الذكاء الاصطناعي في التعامل مع أسئلة حول السرطان، أن إجاباته شكَّلت «خطراً جسيماً» بنسبة 7 في المائة.

ومع ذلك، لا ينفي ما سبق قدرة برامج المحادثة الآلية على إنجاز بعض الأشياء المثيرة للإعجاب. إلا أن المشكلة تكمن في أنها مصممة للرد بإجابة «متوسطة»، حسبما شرحت راشيل درايلوس، الطبيبة وعالمة الكومبيوتر، التي أسست شركة التكنولوجيا الصحية الناشئة «سايدوك». واستطردت قائلة: «لكن لا أحد يشكل حالة متوسطة. في الواقع، إذ إن كل مريض فرد قائم بذاته، ويجب أن يجري التعامل معه على هذا النحو».

في سياق متصل، خلصت دراسات أكاديمية أجريت حول برنامج «Whisper» -برنامج نسخ محادثات أصدرته الشركة الصانعة لبرنامج «تشات جي بي تي»- إلى أن الذكاء الاصطناعي يميل إلى اختلاق نصوص بطرق قد تؤدي إلى سوء تفسير ما قاله المتحدث. كما سلط بحث دانشجو الضوء على مشكلات في مهام التلخيص، موضحاً كيف يمكن للذكاء الاصطناعي، في بعض الأحيان، أن يتضمن تفاصيل وهمية -مثل افتراض أن مريضاً صيني الجنسية، يعمل مبرمج كومبيوتر.

وعلى خلاف هذه الدراسات، عادةً ما تكون نماذج الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها العيادات، معدَّلة لتوافق مجال الاستخدام الطبي تحديداً.

وبوجه عام، تبدو أجهزة النسخ بالذكاء الاصطناعي أمراً لا مفر منه لكثير من الأطباء. ومع ذلك، تبقى علامة استفهام حول ما إذا كانت توفر لهم الوقت بالفعل. فقد أشارت دراسة نُشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) حول أحد أول أنظمة الصحة الأكاديمية، التي تستخدم أجهزة النسخ بالذكاء الاصطناعي، إلى أن التكنولوجيا «لم تزد كفاءة الأطباء كمجموعة». واقترحت تقارير أخرى أنها توفر ما بين 10 و20 دقيقة.



العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».