المقابر الجماعية «ملاذ» لسوريين أضناهم البحث عن مفقوديهم

أشخاص يبحثون عن جثث في خندق يُعتقد أنه يُستخدم مقبرةً جماعية على مشارف دمشق في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
أشخاص يبحثون عن جثث في خندق يُعتقد أنه يُستخدم مقبرةً جماعية على مشارف دمشق في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

المقابر الجماعية «ملاذ» لسوريين أضناهم البحث عن مفقوديهم

أشخاص يبحثون عن جثث في خندق يُعتقد أنه يُستخدم مقبرةً جماعية على مشارف دمشق في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
أشخاص يبحثون عن جثث في خندق يُعتقد أنه يُستخدم مقبرةً جماعية على مشارف دمشق في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

لم يفقد الثمانيني السوري عبد الرحمن عذب، الأمل بالعثور على دليل يحدد مصير ابنه المفقود منذ إحدى عشرة سنة؛ فحص وجوه من يغادرون السجون حتى فرغت، وبحث بلا كلل في المشافي. أخيراً لم يجد الرجل ملاذاً سوى تتبع المواقع التي يُعتقد أنها تضم مقابر جماعية، على ما في ذلك من ألم لأب مكلوم دفن ثلاثة من أبنائه، ويعيش راهناً على أمل العثور على رابعهم أو حتى مواراته الثرى.

وتُقدر أعداد «المفقودين والمعتقلين تعسفياً» منذ عام 2011 وحتى نهاية العام الماضي، بنحو 136614 شخصاً وفق ما توثق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، التي تقول إن هناك 113 ألف مفقود مصيرهم لا يزال مجهولاً بعد إفراغ السجون.

ومأساة عائلة عذب عمرها من عمر الحراك الثوري في سوريا، إذ يقول الأب إنه كان لديه «6 أبناء من الذكور، وبنتان»، ويضيف بأسى: «كانوا 4 مهندسين ومعلمتين، وفي بداية الثورة خرجوا في المظاهرات ضد النظام وأنا خرجت معهم، لكن النظام قتل ثلاثة من أبنائي وأعادهم إلى جثامين ممزقة في أكياس سوداء، آخر عام 2011، دفنتهم وأقمت العزاء، ورضيت بقضاء الله، واعتبرتهم فداء لسوريا: كنت مطمئناً إلى أنهم في مكان آمن».

لكن بعد وفاة أولاده الثلاثة بعامين، اختفى ابنه الرابع في دمشق، وغادر المتبقون البلاد.

ملاحقة المقابر

يقول عذب لـ«الشرق الأوسط» إنه في رحلة للبحث عن ابنه يلاحق وأفراد عائلته مواقع المقابر الجماعية التي يُكشف عنها في سوريا خلال الشهر الأخير.

وفي الرابع من الشهر الحالي، أفادت مواقع محلية سورية، أن الأهالي عثروا على مقبرة جماعية بمحيط الفرقة التاسعة في مدينة الصنمين في الريف الشمالي من محافظة درعا في جنوب سوريا، وسبق ذلك الاكتشاف بأسبوعين، تقريباً، الإعلان عن اكتشاف مقبرة جماعية في «مزرعة الكويتي» على أطراف ريف درعا الأوسط، «وكانت المنطقة تحت سيطرة ميليشيا تابعة لفرع الأمن العسكري، وتم استخراج 31 جثة، بينها نساء وطفل».

وكان فريق من منظمة «هيومن رايتس ووتش»، أعلن أنه زار موقعاً في حي التضامن جنوب دمشق يومي 11 و12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ووجد «أعداداً كبيرة من الرفات البشرية في موقع مجزرة وقعت في أبريل (نيسان) 2013 وأخرى مبعثرة في أنحاء الحي المحيط».

لا خبرات أو معلومات

وتمثل مشكلة العبث وغياب الخبرات الاحترافية في التعامل مع المقابر، أزمة رئيسية في مسار البحث عن المفقودين، فمن بين المقابر التي تم العثور عليها في درعا، تعرضت مقبرة «الصنمين» للعبث برفات الجثث والملابس رغم توصيات الدفاع المدني بضرورة الحفاظ على الموقع. ونجت 31 جثة مجهولة الهوية عُثر عليها في «مزرعة الكويتي» من العبث، ونُقلت إلى مقبرة الشهداء الواقعة على طريق الشيخ مسكين – إزرع.

قبل وصول عذب وعائلته إلى مأساة تتبع المقابر، بحثوا في سجني صيدنايا، وعدرا، وغيرهما من المعتقلات، يروي الرجل: «نبشنا الأوراق والوثائق وقوائم الأسماء والمشافي في دمشق، وسألنا الناشطين في مجال المعتقلين... كنا كمن يبحث عن إبرة في كوم». ويشكو من الفوضى و«تضارب المعلومات، وضياع الأوراق».

أبواب سجن صيدنايا الحديدية فُتحت لإطلاق سراح جميع المساجين (إ.ب.أ)

وفي ظل غياب المعلومات، راجت على نحو واسع على منصات مواقع التواصل، خاصة بعد الإعلان عن إفراغ السجون، أنباء عن رصد مقابر جماعية في مناطق متفرقة من البلاد بلغ عددها تقريباً 15 مقبرة تركزت في درعا، وريف دمشق، وحلب.

ولا تحيط الفوضى فقط بعملية البحث عن المفقودين، إذ تطول كذلك الأرقام المتداولة عمن تضمهم المقابر، فبينما قدر حقوقيون وجود مئات الآلاف من الجثث، تذهب إفادات إلى عشرات الآلاف.

ولعل الأرقام الوحيدة الموثقة راهناً بملف المقابر الجماعية تلك التي عثر عليها في حلب وبلغ عددها خمس مقابر، وكان يتم الدفن فيها عبر «مكتب دفن الموتى» التابع لحكومة النظام المخلوع، الذي بدأ منذ عام 2012 بإرسال جثث القتلى في المعتقلات والسجون بحلب مرّمزة بالأرقام إلى المشفى العسكري ليتسلمها مكتب دفن الموتى، بحسب تصريحات لمدير المكتب، الذي كشف عن دفن ثمانية آلاف جثة في مقبرة خان العسل غرب حلب، ونحو ألف وخمسمائة جثة في مقبرة حلب الجديدة، وألف ومائتي جثة في مقبرة نقارين بمدينة حلب.

مقبرة القطيفة

وتبرز مقبرة القطيفة (40 كيلو متراً شمال دمشق) بوصفها واحداً من الأمثلة على تضارب المعلومات، فهي تضم «أكثر من مائة ألف جثة» بحسب «المنظمة السورية للطوارئ» التي قالت إن تقديرها «متحفظ». ولعل موقع «القطيفة» هو ما عزز التقديرات بشأن حجم ما تضمه من الجثث، إذ تمتد على مساحة شاسعة بالقرب من مقر قيادة «الفرقة الثالثة» التابعة لقوات النظام السابق.

معاناة أخرى لذوي المفقودين، تمثلها عالية (60 عاماً) التي تنتمي لريف دير الزور، جاءت السيدة إلى دمشق بحثاً عن ابنها الطالب في الجامعة الذي اختفى عام 2014، عند حاجز القطيفة على طريق حمص ـ دمشق.

مدينة دير الزور شرق سوريا (رويترز)

تقول الأم لـ«الشرق الأوسط»: «لست متأكدة من اختفائه عند القطيفة، لكننا فقدنا الاتصال معه قبل وصوله إلى هذا الحاجز، وقد بحثنا عنه طويلاً دون جدوى، وعندما فتحت المعتقلات والسجون بعد سقوط النظام شعرت أنني سأعثر عليه، لكن بلا فائدة».

تواصل السيدة: «بعد التأكد من عدم وجوده في المعتقلات والمشافي، مشيت كل شوارع الشام وكل مكان قيل إن فيه معتقلين ولم أجده، هو أصغر أبنائي وأريد ضمه إلى قلبي»، وتتابع: «إذا لم يكن حياً أريد رفاته لأبني له قبراً أزوره».


مقالات ذات صلة

الرئيسان اللبناني والسوري يتفقان على ضبط الحدود ومنع أي تفلت أمني

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية في مصر... 4 مارس 2025 (أ.ب)

الرئيسان اللبناني والسوري يتفقان على ضبط الحدود ومنع أي تفلت أمني

اتفق الرئيسان اللبناني والسوري، الثلاثاء، على ضرورة «ضبط الحدود» بين البلدين، وفق ما أورد بيان للرئاسة اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي «بانكسي السوري» يشير إلى جدارية رسمها على جدار مبنى قبل فراره من داريا عام 2016 (أ.ف.ب)

لجنة سورية لتهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي

أصدر الرئيس السوري مرسوماً بتشكيل لجنة مهمتها تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي إليها.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
العالم العربي سيبان حمو (حساب قوات سوريا الديمقراطية)

سوريا: تعيين قائد «الوحدات الكردية» نائباً لوزير الدفاع لشؤون المناطق الشرقية

أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع السورية، الثلاثاء، أنه جرى تعين قائد «وحدات حماية الشعب الكردية»، سيبان حمو، نائباً للوزير لشؤون المناطق الشرقية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي ارتفاع ملحوظ في أعداد الوافدين من لبنان... وسوريا تفتح ممر «ترانزيت» لكوادر «الصليب الأحمر»

ارتفاع ملحوظ في أعداد الوافدين من لبنان... وسوريا تفتح ممر «ترانزيت» لكوادر «الصليب الأحمر»

أعلنت سوريا السماح لكوادر الاتحاد الدولي لجمعيات «الصليب الأحمر»، و«الهلال الأحمر» (IFRC) بالعبور «ترانزيت» عبر أراضيها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي شرطة مكافحة الإرهاب في لندن (أرشيفية - متداولة)

مسؤول سوري سابق يواجه في لندن تهماً بارتكاب جرائم ضد الإنسانية

وجّه القضاء البريطاني إلى سوري تهمة القتل العمد، إضافة إلى التعذيب، بوصفهما من الجرائم ضد الإنسانية، على خلفية هجمات استهدفت مدنيين في سوريا عام 2011.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الرئيسان اللبناني والسوري يتفقان على ضبط الحدود ومنع أي تفلت أمني

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية في مصر... 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية في مصر... 4 مارس 2025 (أ.ب)
TT

الرئيسان اللبناني والسوري يتفقان على ضبط الحدود ومنع أي تفلت أمني

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية في مصر... 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية في مصر... 4 مارس 2025 (أ.ب)

اتفق الرئيسان اللبناني والسوري، الثلاثاء، على ضرورة «ضبط الحدود» بين البلدين، وفق ما أورد بيان للرئاسة اللبنانية، بعيد تبادل الطرفين اتهامات بإطلاق النار عبر المناطق الحدودية.

وأورد بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية أن الرئيس جوزيف عون تلقى اتصالاً من نظيره السوري أحمد الشرع أكدا خلاله على أن «الظرف الدقيق الراهن يتطلب تفعيل التنسيق والتشاور بين البلدين، لا سيما لجهة ضرورة ضبط الحدود ومنع أي تفلت أمني من أي جهة أتى».

أعلنت سوريا، الاثنين، السماح لكوادر الاتحاد الدولي لجمعيات «الصليب الأحمر»، و«الهلال الأحمر» (IFRC) بالعبور «ترانزيت» عبر أراضيها، وذلك استجابة للأوضاع الإنسانية الراهنة في لبنان.

وأتى هذا القرار في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يشهدها لبنان نتيجة التصعيد العسكري الإسرائيلي منذ الثاني من الشهر الحالي، وما رافقه من موجات نزوح داخلية كبيرة.


لجنة سورية لتهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي

إزالة ركام الأبنية المنهارة نتيجة القصف على مدينة حلب في الحرب (الأمم المتحدة)
إزالة ركام الأبنية المنهارة نتيجة القصف على مدينة حلب في الحرب (الأمم المتحدة)
TT

لجنة سورية لتهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي

إزالة ركام الأبنية المنهارة نتيجة القصف على مدينة حلب في الحرب (الأمم المتحدة)
إزالة ركام الأبنية المنهارة نتيجة القصف على مدينة حلب في الحرب (الأمم المتحدة)

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً يقضي بتشكيل لجنة برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، مهمتها العمل على تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي إليها، في حين يُعد مستوى الدمار في سوريا نتيجة النزاع المستمر منذ عام 2011 حتى نهاية 2024 واحداً من الأضخم في التاريخ المعاصر بتكلفة 216 مليار دولار، حسب البنك الدولي وتقارير أممية.

ونص المرسوم الرئاسي على تشكيل لجنة برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، وعضوية كل من وزير المالية، وزير الأشغال العامة والإسكان، وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، وزير الإدارة المحلية والبيئة، ومحافظي حلب وحماة وإدلب، ومدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين، حسب «الإخبارية السورية».

«بانكسي السوري» يشير إلى جدارية رسمها على جدار مبنى قبل فراره من داريا عام 2016 (أ.ف.ب)

وحدد المرسوم مهمة اللجنة بالعمل على تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة، تمهيداً لعودة الأهالي إليها، والقيام بجميع السبل والأعمال التي من شأنها رفع المستوى الخدمي للمواطنين المقيمين في مناطق النزوح الداخلي، وتقديم الدعم اللازم لهم على نحو يسهم في تخفيف آثار النزوح عنهم.

صورة للدمار في باب هود بمدينة حمص كما بدت في 16 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

تجدر الإشارة إلى أنه، وفقاً لتقديرات البنك الدولي وتقارير أممية محدثة حتى مطلع عام 2026، تضرر ثلث رأس المال المادي للبلاد، وبلغت تقديرات تكاليف إعادة الإعمار التقديرية نحو 216 مليار دولار. وتعد البنية التحتية الأكثر تضرراً بنسبة 48 في المائة من إجمالي الدمار المادي (ما يعادل 52 مليار دولار). وخرج ثلثا محطات معالجة المياه ونصف محطات الضخ وثلث أبراج المياه عن الخدمة.

وعلى مستوى الطرق، تضرر 44 في المائة من الطرق الداخلية في مدينة حلب وحدها، وتضرر القطاع السكني في مجمل سوريا بنسبة 33 في المائة من إجمالي الأضرار (33 مليار دولار).

فتاة تسير في مدرسة مدمرة بدرعا البلد جنوب سوريا (أرشيفية - الأمم المتحدة)

وتشير تقارير أممية في يناير (كانون الثاني) 2026 إلى أن 89 في المائة من المجتمعات السورية تعاني من دمار في منازلها. في محافظة درعا، وثقت التقارير تضرر أكثر من 95.000 منزل، منها 33.400 دُمرت بالكامل.

أما توزيع الدمار جغرافياً فتُعد محافظات حلب وريف دمشق وحمص الأكثر تضرراً من حيث حجم الدمار الإجمالي.

حلب تقدر أضرارها بنحو 31 مليار دولار، ريف دمشق بنحو 22 مليار دولار، وحمص وصلت نسبة الدمار في بعض أحيائها إلى 60 في المائة.

على مستوى الاحتياجات الإنسانية، يحتاج نحو 16.5 مليون شخص (حوالي 70 في المائة من السكان) إلى مساعدة إنسانية في عام 2026. على مستوى الأمن الغذائي: تُصنف سوريا واحدة من 18 «بؤرة ساخنة للجوع» عالمياً لعام 2026 بسبب دمار الزراعة وانهيار الاقتصاد.

وتمثل المخاطر المتبقية من الألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب، تهديداً كبيراً؛ حيث سُجلت أعلى معدلات ضحايا في العالم خلال عام 2025.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


تقرير: إسرائيل ترفض مقترحاً لبنانياً لإجراء محادثات مباشرة

يتفقد عناصر من «الدفاع المدني» اللبناني مبنىً مهدماً بعد غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
يتفقد عناصر من «الدفاع المدني» اللبناني مبنىً مهدماً بعد غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

تقرير: إسرائيل ترفض مقترحاً لبنانياً لإجراء محادثات مباشرة

يتفقد عناصر من «الدفاع المدني» اللبناني مبنىً مهدماً بعد غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
يتفقد عناصر من «الدفاع المدني» اللبناني مبنىً مهدماً بعد غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

رفضت إسرائيل مقترحاً لبنانياً للتفاوض المباشر بعد تجدّد الحرب مع «حزب الله» في لبنان، وفق ما نقل موقع «أكسيوس» الأميركي، عن مصادر.

وكشفت 5 مصادر مطلعة لـ«أكسيوس»، أنّ الحكومة اللبنانية اقترحت إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، من خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بهدف إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق سلام، لكنها أشارت إلى أن الردود الأميركية والإسرائيلية كانت «باردة، ومشككة إلى حد كبير».

وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون، قد أطلق أمس (الاثنين)، مبادرة جديدة لحلّ الأزمة مع إسرائيل، دعا فيها إلى مفاوضاتٍ مباشرة برعاية دولية.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن لبنان مع استعداده للدخول في مفاوضات، يسعى مسبقاً لوضع ضوابط أمان للمسار العام الذي يمكن أن تبلغه، على أساس أن تبقى تحت سقف إنهاء حال الحرب بين البلدين، وألا تكون مفتوحة على إقامة علاقات دبلوماسية، تأكيداً لتمسكه بالمبادرة العربية للسلام التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002.

وكشفت مصادر وزارية أن عون كان استمزج رأي رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي استمع منه إلى وجهة نظره حول دعوته للتفاوض المباشر، من دون أن يبدي رأياً نهائياً. وقالت من الطبيعي أن يتواصل بري في هذا الخصوص مع «حزب الله» بغياب الاتصالات بينه وبين عون الذي يولي أهمية لموقف رئيس المجلس، ويراهن على دوره لإنقاذ لبنان.

مخاوف لبنانية من تداعيات الحرب

بحسب «أكسيوس»، فإن الحكومة اللبنانية تشعر بقلق بالغ من أن الحرب المتجددة مع إسرائيل قد تؤدي إلى تدمير البلاد، مشيراً إلى أنه مع عدم اكتراث واشنطن بالوساطة، وإصرار إسرائيل على استغلال هذه اللحظة لتفكيك «حزب الله»، يبدو أن احتمال التصعيد الشامل يزداد يوماً بعد يوم.

محاولات لبنان للتوسط مع الإدارة الأميركية تُقابل برد قاطع

وفي تفاصيل المبادرة اللبنانية، وفق «أكسيوس»، تواصلت الحكومة اللبنانية الأسبوع الماضي، مع توم برّاك السفير الأميركي لدى تركيا، الذي شغل لفترة منصب المبعوث الأميركي إلى لبنان، وطلبت منه التوسط مع إسرائيل، وفق مسؤولَين أميركي وإسرائيلي، و3 مصادر مطلعة بشكل مباشر على الأمر.

وقال المسؤول الإسرائيلي، بحسب «أكسيوس»، إن الحكومة اللبنانية أشارت أيضاً إلى أن بعض أعضاء «حزب الله» قد يكونون منفتحين على اتفاق.

وأضاف الموقع: «في خطوة غير مسبوقة، اقترح لبنان إجراء محادثات مباشرة وفورية مع إسرائيل على المستوى الوزاري في قبرص».

لكنه لفت إلى أن رد باراك كان قاطعاً، إذا أكد أن «نزع سلاح (حزب الله) يجب أن يكون جدياً، وإلا فلا جدوى من النقاش».

وأضاف مصدر مطلع للموقع: «إذا لم يكن هناك تحرك حقيقي بشأن سلاح (حزب الله)، فلا معنى لأي محادثات».

وأشارت المصادر إلى أن الحكومة الإسرائيلية رفضت هذا الطرح بشكل قاطع، معتبرة أن الوقت قد فات، وأن تركيزها ينصب على القضاء على «حزب الله».

لا قيادة واضحة للملف اللبناني في واشنطن

ويشغل باراك أيضاً منصب المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق. ورغم أنه كان يتابع الملف اللبناني العام الماضي، فإنه لم ينخرط فيه منذ عدة أشهر.

وكانت الدبلوماسية الأميركية مورغان أورتاغوس، آخر من تولّى متابعة الملف اللبناني، قبل أن تغادر منصبها في يناير (كانون الثاني).

أما السفير الأميركي الحالي في بيروت ميشال عيسى، فهو المسؤول الأميركي الرسمي عن الملف اللبناني، لكن وصوله إلى صناع القرار في واشنطن «محدود»، بحسب «أكسيوس»، الذي أشار إلى أنه نتيجة لذلك، «بات الملف اللبناني يفتقر إلى جهة واضحة تقوده في لحظة أزمة حادة».

غضب الرؤساء الثلاثة

ونقل «أكسيوس» عن مصدر مطلع، أن الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، شعروا بغضب شديد عندما دخل «حزب الله» الحرب، بعدما تلقوا لأسابيع تأكيدات من القيادة السياسية للحزب بأنه سيبقى خارج أي مواجهة بين إسرائيل وإيران.

ووفق الموقع، كشف هذا التطور أن الجناح السياسي لـ«حزب الله»، لا يملك سيطرة حقيقية على جناحه العسكري، وأن «الحرس الثوري» الإيراني يتمتع بتأثير حاسم في قراراته.

ولفت «أكسيوس» إلى أن الحكومة اللبنانية تشعر بإحباط بالغ إزاء تجاهل إدارة ترمب لها إلى حدّ كبير.

ونقل عن المصادر قولها إنه من دون وساطة أميركية فعّالة، لا سبيل إلى محادثات سلام.

وأكد أحد المصادر المطلعة على الملف للموقع، أنه «لا يوجد أي اهتمام من جانب إدارة ترمب بالتعامل مع لبنان»، فيما قال مسؤول أميركي سابق: «لا أحد في واشنطن يرد على مكالماتهم».

وأضاف مصدر ثالث، وهو أيضاً مسؤول أميركي سابق: «جرى تحذير الحكومة اللبنانية مراراً وتكراراً من أن هذا سيحدث إذا لم تتخذ إجراءً ضد (حزب الله)».

الخطوة المقبلة

تستعد الحكومة اللبنانية لإطلاق مبادرة دبلوماسية تهدف إلى إجراء مفاوضات مباشرة رفيعة المستوى مع إسرائيل، على أمل بناء نظام ما بعد الحرب بحيث لا يهيمن «حزب الله» على البلاد، وفق ما قال فراس مقصاد، المدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة «أوراسيا» لـ«أكسيوس».

وأضاف: «قد لا تتمكن الدولة اللبنانية من خلق الظروف العسكرية للوصول إلى ذلك، لكنها ستكون مستعدة للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل والولايات المتحدة عندما تصمت المدافع».