الرئيس التنفيذي لـ«أوكساچون»: «ميناء نيوم» انطلاقة جديدة نحو إعادة تشكيل التجارة العالمية

فيشال وانشو أكد لـ«الشرق الأوسط» وجود مفاوضات مع كبرى شركات الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح

ميناء نيوم (الشرق الأوسط)
ميناء نيوم (الشرق الأوسط)
TT

الرئيس التنفيذي لـ«أوكساچون»: «ميناء نيوم» انطلاقة جديدة نحو إعادة تشكيل التجارة العالمية

ميناء نيوم (الشرق الأوسط)
ميناء نيوم (الشرق الأوسط)

أكد الرئيس التنفيذي لـ«أوكساچون» فيشال وانشو، أنه في قلب التحولات التي تشهدها السعودية، تبرز المدينة رمزاً للابتكار والاستدامة؛ حيث تُعد نقطة الانطلاق لمشروع «ميناء نيوم»، الذي يعد من المشاريع التي تعيد تشكيل مستقبل التجارة العالمية.

وتقدم «أوكساچون» -المدينة الصناعية التي أعيد تخيلها في (نيوم)- منظومة نظيفة جاذبة لمصانع المستقبل من جميع أنحاء العالم للانضمام إليها في هذه المرحلة التحولية، من خلال اعتمادها الكلّي على الطاقة المتجددة، إذ سيتيح الوصول لصافي انبعاثات صفري الفرصة لتحقيق هدفها.

فيشال وانشو (الشرق الأوسط)

علاوة على ذلك، تتمتع المدينة بموقع استراتيجي على ساحل البحر الأحمر بالقرب من ممرات الشحن العالمية، ما يجعلها نقطة اتصال مثالية بالأسواق التجارية الرئيسية والمراكز السكانية.

وأضاف أن «أوكساچون»، المدينة الذكية التي تم تصميمها لتكون نموذجاً يُحتذى به في الاستدامة، تُعزز من موقع «ميناء نيوم» مركزاً حيوياً لتدفق البضائع والتجارة؛ حيث يجمع الميناء بين أحدث التقنيات والابتكارات اللوجستية، ما يجعله واحداً من أكثر المواني تقدماً واستدامة في العالم.

وكشف فيشال وانشو، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، عن الرؤية المستقبلية لـ«أوكساچون» و«ميناء نيوم»، وكيف يُمكن أن يُعيدا تشكيل مشهد التجارة العالمية، ويحافظا على الاستدامة البيئية في آنٍ واحد.

وتطرّق إلى كيفية إسهام «أوكساچون» في تحقيق «رؤية 2030» من خلال تعزيز الاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمارات العالمية، وكيف يستفيد الميناء من البنية التحتية المتطورة في المدينة. إليكم نص الحوار...

تبني الحلول المستدامة

وعن رؤية «أوكساچون» الاستراتيجية وأهدافها التي تسعى لتحقيقها، قال وانشو: «لطالما ارتبطت الصناعات التقليدية بالمخاطر البيئية والصحية العامة، كما أنها تعدّ اللاعب الرئيسي في أزمة التغير المناخي التي نواجهها اليوم، في حين يتوجه العالم لتبني حلول مستدامة تُسهم في التصدي لهذه الأزمة، واجهت عدة قطاعات صناعية تحديات كبيرة في مواكبتها هذه التغيرات، وتبعاً لذلك توجّهت المصانع إلى تسريع تحولها نحو التقنيات النظيفة، وحلول الطاقة الخضراء للحد من البصمة الكربونية لمنتجاتها».

وأضاف: «هنا يأتي دور (أوكساچون) -المدينة الصناعية التي أعيد تخيلها في نيوم- إذ تقدم منظومة صناعية نظيفة جاذبة لمصانع المستقبل من جميع أنحاء العالم للانضمام إليها في هذه المرحلة التحولية. ومن خلال اعتمادها الكلّي على الطاقة المتجددة، ستتيح لرواد التصنيع، الذين يسعون إلى النمو، آخذين في الاعتبار الوصول لصافي انبعاثات صفري، الفرصة لتحقيق هدفهم».

سلاسل التوريد المحلي

وشدد وانشو على أن إنشاء مدينة «أوكساچون» يقع في صميم مستهدفات رؤية السعودية التي حددها برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، التي تتضمن توطين الصناعات الواعدة، وإنشاء وتحسين أداء المراكز اللوجستية، وتحسين الربط المحلي والإقليمي والدولي لشبكات التجارة والنقل، وقال: «لنضمن تسريع نمو سلاسل التوريد المحلية، نوجه تركيزنا حالياً على تعزيز المناطق الصناعية السبع، بما في ذلك المناطق الحضرية الأساسية التي تُحفز ازدهار المدينة الاقتصادي من خلال محالّ البيع بالتجزئة وبيوت الضيافة، إلى جانب تمكين الصناعات النظيفة من الجيل التالي في (نيوم) والمملكة والمنطقة على نطاق أوسع».

ولفت إلى أن «أوكساچون» تسهم في جعل السعودية مركزاً إقليمياً للاستيراد والتصدير من خلال تطوير «ميناء نيوم» المتقدم، الذي يقع على البحر الأحمر في ملتقى طرق التجارة العالمية؛ حيث يربط المنطقة بالأسواق الدولية، ويصبح بذلك المحرك الرئيسي لنمو الاقتصاد فيها.

وأضاف الرئيس التنفيذي لـ«أوكساچون»: «تُسيطر قناة السويس على أكثر من 13 في المائة من حركة التجارة على أساس سنوي، وهذا بدوره يُعزز أهمية موقع الميناء في قلب الاقتصاد العالمي، حيث يربط بين قارتَّي أوروبا وآسيا».

جذب الاستثمارات الأجنبية

وحول الأهداف الاستراتيجية التي تسعى «أوكساچون» إلى تحقيقها في السنوات الخمس المقبلة، قال فيشال وانشو: «يتمثلُ هدفنا الرئيسي في استمرار المساهمة في تعزيز التنويع الاقتصادي للمملكة والمنطقة بشكل عام، وتشجيع الابتكار، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ومن ثم دعم المساعي الوطنية في إطار رؤية السعودية، وأرغب في التنويه بأننا نتواصل باستمرار مع كبرى شركات التصنيع في العالم؛ سعياً لتحقيق أهداف تطوير المنظومة البيئية الصناعية لدينا، وسيمكّن ذلك من تعزيز سلاسل التوريد المحلية، وترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركز تصنيع إقليمياً وعالمياً وشرياناً حيوياً للتجارة بين أوروبا وآسيا».

البصمة البيئية

وتطرق وانشو إلى حرص «أوكساچون» على استخدام طُرق البناء المعيارية في جميع مراحل تطوير المدينة، وقال: «يعد مجتمعنا المتكامل الأول (أوكساچون هايڤ) بمثابة مشروع تجريبي قبل إطلاق القرية؛ حيث اتبعنا في بنائه هذا النهج لنُسهل توسعته وقابليته للتكيف، وسرعة تطويره، وتقليل هدر المواد المستخدمة في إنشائه، ومن ثم خفض التكاليف»، مضيفاً: «بعد انتقال إدارة ميناء ضباء إلى نيوم في عام 2022، تجري حالياً عملية تحول واسعة النطاق لتطوير الميناء المستدام الذي يعتمد على الأتمتة في عملياته».

وتابع: «وبوصفه جزءاً من عملية التطوير الشاملة، أعدنا استخدام 100 في المائة من المواد التي تم حفرها من خلال الأعمال الترابية والتجريف في تطوير مناطق (أوكساچون)، وإضافة إلى ذلك، أعدنا تدوير 100 في المائة من مرافق الميناء التي تم تفكيكها، وإعادة استخدامها في تطوير المحطة الجديدة».

التحديات والفرص

وعن أبرز التحديات التي تواجهها «أوكساچون»، وكيفية معالجتها، وسير العمل في المدينة، قال الرئيس التنفيذي لـ«أوكساچون»، فيشال وانشو: «رؤيتنا طموحة ومعقدة في الوقت نفسه، لأننا نعمل على بناء نموذج صناعي من الصفر، وهذه ليست بالمهمة السهلة، وتتمثل أولويتنا القصوى في توفير بنية تحتية متطورة لدعم التصنيع المتقدم والنظيف، وتحسين كفاءة عمليات المواني المؤتمتة لتحقق معايير الاستدامة».

وأضاف: «في حين نبني ونشكّل (نيوم) -التي تمتد على مساحة 26.500 كيلومتر مربع، فإننا نظل ملتزمين بتبني الابتكار في عملياتنا، ووضع معايير جديدة في القطاع لتحقيق رؤية تحويلية حقيقية».

وزاد: «لمعالجة التحديات المحلية والعالمية، ستواصل (أوكساچون) إقامة شراكات استراتيجية مع الشركات التي تبادلها الرؤية، وتتبنى أحدث التقنيات في عملياتها، بدءاً من الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الروبوتات، لتُشاركنا هذه الرحلة المبتكرة في دفع التحول العالمي في قطاع التصنيع؛ حيث نخوض حالياً مفاوضات واعدة مع كبرى الشركات المُنتجة للطاقة الشمسية الكهروضوئية وشفرات توربينات الرياح».

الهيدروجين الأخضر

وتقوم شركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» حالياً ببناء أكبر مصنع للهيدروجين الأخضر في العالم في «أوكساچون»، ومن المقرر أن يبدأ المصنع إنتاج ما يصل إلى 600 طن متري يومياً من الهيدروجين الخالي من الكربون مع نهاية عام 2026.

توربينات الرياح التابعة لشركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» (الشرق الأوسط)

وسيتم تشغيل المصنع بالكامل عبر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ويضم حزمة محلل كهربائي بقوة 2.2 غيغاواط، مصممة لإنتاج الهيدروجين بشكل متواصل.

وتشهد أعمال البناء الرئيسية في الشركة تقدماً ملحوظاً؛ حيث جرى الانتهاء من 60 في المائة من البنية التحتية الرئيسية، بما في ذلك منشأة إنتاج الهيدروجين الأخضر وحديقة الرياح ومزرعة الطاقة الشمسية.

وقد لعب «ميناء نيوم» دوراً حيوياً في تمكين تطوير كل مواقع الشركة الثلاثة في جميع أنحاء نيوم، ما أسهم في تسهيل تسليم شحنات المشروع، مثل المحللات الكهربائية، وطواحين الهواء، وأوعية تخزين الهيدروجين، والصناديق الباردة، وكل هذه المعدات مهمة جداً لتشغيل المصنع.

البحث والابتكار

وستبدأ مشاريع منطقة البحث والابتكار «خليج أوكساچون للابتكار» بالعمل بعد تنشيط المحطة المركزية لتوزيع الطاقة الخاصة بشركة الطاقة والمياه «إينووا-سيركل» التابعة لـ«نيوم» في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025. إذ تعدّ هذه المحطة مسؤولة عن توفير الطاقة لأكبر المشاريع في «خليج أوكساچون للابتكار»، بما في ذلك مركز ابتكار وتطوير الهيدروجين (HIDC) التابع لشركة «إينووا».

ووفق المعلومات، وفي المستقبل القريب، من المخطط أن تقوم شركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» بتشغيل أول «محلل كهربائي» بقوة 20 ميغاواط في مركز ابتكار وتطوير الهيدروجين (HIDC)؛ حيث سينتج هذا المحلل ما يصل إلى 8 أطنان من الهيدروجين يومياً، ويدعم جمع بيانات تشغيلية قيمة سيتم استخدامها لتحسين أداء المصنع الرئيسي.

منجزات 2023 و2024

وبالعودة إلى الرئيس التنفيذي لـ«أوكساچون»، فيشال وانشو، أكد أن الشركة أنجزت عدداً من المستهدفات في عام 2023، أهمها إطلاق أول مسرعة دولية بالتعاون مع «ماكلارين» بهدف معالجة التحديات الرئيسية في سلسلة التوريد العالمية، واختيار 7 شركات ناشئة من بين 80 شركة مُشاركة من حول العالم.

ومن ضمن المنجزات، حصول جميع المشاركين المختارين على تمويل ومِنح، إضافة إلى ربطهم بأفضل مشاريع رأس المال الاستثماري والمستثمرين الإقليميين. وفي الوقت الحالي، هناك 3 مشاريع تجريبية جارية في «نيوم».

وفيما يتعلق بمنجزات العام الحالي 2024، قال الرئيس التنفيذي وانشو: «افتتاح (ميناء نيوم) أمام المستثمرين وقطاع الأعمال، واختيار 7 شركات ناشئة من بين أكثر من 100 شركة مُشاركة، وكذلك الانتقال إلى المرحلة النهائية للمتأهلين».


مقالات ذات صلة

سوق الأمن السيبراني في السعودية تتجاوز 4.3 مليار دولار خلال 2025

الاقتصاد موظفون يعملون على أجهزة حواسيب (الهيئة الوطنية للأمن السيبراني)

سوق الأمن السيبراني في السعودية تتجاوز 4.3 مليار دولار خلال 2025

كشف تقرير حديث عن بلوغ حجم سوق الأمن السيبراني في المملكة نحو 16.3 مليار ريال (4.3 مليار دولار) خلال العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)

مؤشر السوق السعودية يغلق على تراجع بـ1.74 %

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية (تاسي) جلسة الأربعاء، منخفضاً بنسبة 1.74 في المائة، ليغلق عند مستوى 10138 نقطة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص اصطفاف أعداد كبيرة من الحاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)

خاص كيان موحد للتجارة والتصدير يدعم انتشار المنتجات السعودية خارجياً

يمثل قرار دمج «الهيئة العامة للتجارة الخارجية» و«هيئة تنمية الصادرات السعودية» في كيان موحد خطوةً تنظيميةً تستهدف تعزيز التكامل المؤسسي وتوحيد الجهود...

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد صورة جماعية للمشاركين في الندوة (واس)

الرياض تستضيف النسخة الثالثة من ندوة «أوابك»

انطلقت، اليوم، بالرياض النسخة الثالثة من ندوة «مسارات خفض الانبعاثات الكربونية في الصناعات البترولية اللاحقة»، التي تُنظمها «أوابك»، بالتعاون مع وزارة الطاقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من الجلسة الحوارية ضمن أعمال مؤتمر البترول العالمي في الرياض (واس)

جلسة حوارية تركز على تكامل مصادر الطاقة لتلبية الطلب المتنامي

استعرضت جلسة حوارية بعنوان «مسارات نحو مستقبل الطاقة للجميع»، ضمن أعمال مؤتمر البترول العالمي، أهمية تكامل مصادر الطاقة لتلبية الطلب المتنامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

انخفاض عوائد السندات الألمانية مع توجُّه المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

انخفاض عوائد السندات الألمانية مع توجُّه المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

انخفضت عوائد السندات الحكومية الألمانية (Bunds)، المعيار المرجعي لمنطقة اليورو، يوم الخميس، مع توجه المستثمرين إلى الأصول الآمنة عقب تراجع حاد في أسهم التكنولوجيا، بالتزامن مع انخفاض مماثل في عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وتعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط بيعية قوية، فيما شهدت أسواق الائتمان اضطرابات، مع اصطدام الرهانات المكثفة على مراكز البيانات وغيرها من البنى التحتية للذكاء الاصطناعي بواقع صعب في ظل ارتفاع أسعار الفائدة.

وانخفض عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار المرجعي في منطقة اليورو، بمقدار 6.5 نقطة أساس إلى 3.40 في المائة. وتراوحت هذه العوائد بين 3.40 و3.50 في المائة تقريباً منذ بداية الشهر الحالي.

وفي أسواق السلع، تراجعت أسعار النفط بأكثر من 1 في المائة، وسط موازنة المستثمرين بين مخاطر الإمدادات والجهود الأميركية الرامية إلى خفض تكاليف شحن النفط من خلال تخفيف العقوبات المفروضة على ما يُعرف بـ«الأسطول الموازي» (Shadow Fleet).

كما انخفض عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بمقدار 4 نقاط أساس إلى 3.06 في المائة.

وتشير تسعيرات أسواق المال إلى توقعات بارتفاع سعر الفائدة على الودائع إلى 3.21 في المائة بحلول أواخر عام 2027، مقارنة بمستواه الحالي البالغ 2.50 في المائة، وإلى 2.73 في المائة بحلول ديسمبر (كانون الأول).

وفي سوق السندات الأوروبية، استقر فارق العائد بين السندات الفرنسية (OATs) والسندات الألمانية عند نحو 142 نقطة أساس، بعدما بلغ 158.67 نقطة أساس في أوائل أكتوبر (تشرين الأول)، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011.

أما فارق العائد بين السندات الإيطالية ونظيرتها الألمانية، فاتسع بمقدار 3 نقاط أساس إلى 111 نقطة أساس، بعدما بلغ 129.74 نقطة أساس في وقت سابق من هذا الشهر، وهو أوسع مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2025.


هل تعيد مخاوف الذكاء الاصطناعي السندات الحكومية إلى دور الملاذ الآمن؟

كلمتا «الذكاء الاصطناعي» و«إيه آي» ولوحة مفاتيح ويد روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
كلمتا «الذكاء الاصطناعي» و«إيه آي» ولوحة مفاتيح ويد روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

هل تعيد مخاوف الذكاء الاصطناعي السندات الحكومية إلى دور الملاذ الآمن؟

كلمتا «الذكاء الاصطناعي» و«إيه آي» ولوحة مفاتيح ويد روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
كلمتا «الذكاء الاصطناعي» و«إيه آي» ولوحة مفاتيح ويد روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

دفع الاستيقاظ المفاجئ والمؤلم من حالة الهوس بالذكاء الاصطناعي، التي غذّتها التمويلات القائمة على الديون، المستثمرين إلى التخارج من الأسهم والتوجه نحو السندات الحكومية، التي تبدو أنها تستعيد مكانتها ملاذاً آمناً وأداةً للتحوط من تقلبات أسواق الأسهم والائتمان.

وعلى مدى معظم فترات العام، لم توفر السندات سوى حماية محدودة؛ إذ دفعت الضغوط التضخمية تكاليف الاقتراض إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود، مما دفع المستثمرين إلى البحث بحذر عن بدائل استثمارية أخرى، مثل صناديق التحوط وتنويع الأصول، وفق «رويترز».

لكن يوم الأربعاء، حدث ما لم يكن متوقعاً؛ إذ سجلت سندات الخزانة الأميركية وغيرها من السندات الحكومية ارتفاعاً حاداً، رغم صدور بيانات أميركية أظهرت أن التضخم جاء أعلى من المتوقع، مما أبقى احتمال رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة خلال العام قائماً.

ويتمثل مصدر القلق الأكبر لدى المستثمرين حالياً في مدى قدرة الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد في وقت قريب، لا سيما في ظل ارتفاع التضخم، فضلاً عن المدة التي ستظل فيها الشركات قادرة على تأمين التمويل في ظل تكاليف رأس المال الحالية.

وفي الوقت نفسه، بدأت أسواق الائتمان تظهر مؤشرات على تصاعد الضغوط، مع وصول تكلفة التأمين ضد تعثر بعض الشركات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي إلى مستويات قياسية.

وقال براشانت نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في مؤسسة «تي دي سيكيوريتيز»: «إن المفاجأة المتمثلة في ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك الأميركي، وما أعقبها من صعود في أسعار السندات، يتعارضان تماماً مع المنطق المعتاد».

وأضاف: «التفسير الأكثر منطقية هو أن التراجع في قطاع الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى خفض توقعات النمو، مما يجعل السندات أداة للتحوط من تراجع الأسهم».

ويوم الخميس، انخفض العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.4 نقطة أساس إلى 5.105 في المائة، مسجلاً أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع، ومتراجعاً عن أعلى مستوى له منذ 24 عاماً، الذي بلغه في الأسبوع السابق. كما انخفض العائد على السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 6.5 نقطة أساس إلى 2.93 في المائة، وهو أدنى مستوى له منذ 10 سبتمبر (أيلول). وارتفعت العقود الآجلة للسندات الألمانية (Bunds) والفرنسية (OATs) بنسبة 0.7 في المائة.

وتراجعت التوقعات بشأن اتخاذ إجراءات نقدية وشيكة، بعدما قالت ماري دالي، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، إن الحاجة إلى مزيد من رفع أسعار الفائدة تظل قائمة، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى عدم وجود ضرورة لاتخاذ أي إجراء خلال اجتماع 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول).

لافتة تحمل عبارة «الذكاء الاصطناعي» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي الصين (رويترز)

تراجع زخم الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي

يبقى السؤال المطروح أمام المستثمرين، الذين لا يزالون يشعرون بالقلق إزاء التقلبات الحادة في أسعار الفائدة، هو ما إذا كانت الأصول التي تضررت جراء ارتفاع مستويات الدين السيادي والتضخم قادرة على توفير ملاذ آمن في حال شهدت أسواق الأسهم مزيداً من التراجع.

وكانت عوائد سندات الخزانة الأميركية قد سجلت أكبر ارتفاع فصلي لها منذ عام 1994 خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول).

وقال داميان بوي، استراتيجي المحافظ الاستثمارية في شركة «ويلسون لإدارة الأصول» في سيدني: «بدأ الارتباط بين السندات والأسهم يتفكك بوضوح. ففي العادة، تحقق أسهم النمو أداءً جيداً عندما تنخفض عوائد السندات، لكن ما حدث الليلة الماضية هو أن الأداء الضعيف لأسهم النمو دفع المستثمرين إلى التوجه نحو السندات باعتبارها ملاذاً آمناً، مما أدى بدوره إلى انخفاض عوائدها».

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، خفّض معهد «بلاك روك للاستثمار» تصنيفه للأسهم الأميركية إلى «محايد»، مشيراً إلى التقلبات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، في حين رفع تصنيفه لسندات الخزانة الأميركية، مع تفضيل السندات قصيرة الأجل.

وتزايدت حدة موجة التراجع خلال الأيام الماضية، في ظل تصاعد مخاوف المستثمرين بشأن الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتركزت عمليات البيع في أسواق الأسهم العالمية على أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، التي قادت صعود الأسواق إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة. وفي كوريا الجنوبية، هبط مؤشر «كوسبي»، وهو المؤشر الأهم الذي يعبر عن ثورة الذكاء الاصطناعي، بنسبة 8 في المائة، مسجلاً خسائر للجلسة السابعة على التوالي.

كما انخفض مؤشر «فيلادلفيا لأشباه الموصلات» بنسبة 4.3 في المائة يوم الأربعاء، مسجلاً تراجعاً للجلسة السادسة على التوالي، في أطول سلسلة خسائر له منذ مايو (أيار) 2025.

وقال كينيث غوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في شركة «يو أو بي كيه هيان»: «بدأ المستثمرون يميزون بين شركات الذكاء الاصطناعي التي تتمتع بتدفقات نقدية قوية، وتلك التي تعتمد على الديون لتمويل توسعاتها».

وأضاف أن «هذه الموجة قد تمتد أيضاً إلى قطاع الائتمان الخاص». وتُتداول أسهم الشركات التي تقرض شركات التكنولوجيا والاستثمار الجريء بخصومات كبيرة، بينما قد يدفع تزايد الحذر لدى المقرضين إلى إبطاء وتيرة التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، قبل ظهور أي حالات تعثر في السداد.

وشهد سهم شركة «كور ويف»، المشغّلة لمراكز البيانات، عمليات بيع مكثفة بشكل خاص هذا الأسبوع. وكانت الشركة قد أصدرت سندات بقيمة 22 مليار دولار، إلى جانب قروض بقيمة 26 مليار دولار، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن.

وقالت أرمينا روزنبرغ، مديرة المحافظ الاستثمارية في شركة «مينوتور كابيتال»: «يُوجَّه جزء كبير من الإنفاق إلى شركات تقترض لشراء قدرات الحوسبة وتأجيرها لمختبرات الذكاء الاصطناعي، التي لا تحقق حتى الآن أرباحاً كافية لتغطية تكاليفها».

وأضافت: «عندما تصل عوائد سندات (كور ويف) إلى 15 في المائة، يبدأ المستثمرون في التساؤل عما إذا كان العملاء النهائيون سيحققون أرباحاً كافية لمواصلة سداد التزاماتهم خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة».


«تي إس إم سي» التايوانية تسجل أرباحاً قياسية للربع السادس على التوالي

شعار شركة «تي إس إم سي» خلال مؤتمر إعلان نتائج الربع الثاني في تايبيه (رويترز)
شعار شركة «تي إس إم سي» خلال مؤتمر إعلان نتائج الربع الثاني في تايبيه (رويترز)
TT

«تي إس إم سي» التايوانية تسجل أرباحاً قياسية للربع السادس على التوالي

شعار شركة «تي إس إم سي» خلال مؤتمر إعلان نتائج الربع الثاني في تايبيه (رويترز)
شعار شركة «تي إس إم سي» خلال مؤتمر إعلان نتائج الربع الثاني في تايبيه (رويترز)

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي) أكبر شركة في العالم لتصنيع الرقائق المتطورة المستخدمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يوم الخميس، تحقيق أرباح قياسية للربع السادس على التوالي، مدفوعة بزيادة الإنفاق على البنية التحتية التكنولوجية.

ويشير المحللون إلى استمرار قوة الطلب على قدرات الشركة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تقنيتها المتقدمة لتغليف الرقائق، المعروفة باسم «CoWoS».

ودفع هذا الزخم الشركة، التي تُعد الأعلى قيمة سوقية في آسيا والمورد الرئيسي لشركتي «إنفيديا» و«أبل»، إلى مستويات قياسية جديدة، إذ بلغت قيمتها السوقية نحو تريليوني دولار، أي ما يقرب من ضعف القيمة السوقية لمنافستها الكورية الجنوبية «سامسونغ للإلكترونيات».

وقالت «تي إس إم سي» إن صافي أرباحها خلال الربع الممتد من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) بلغ 763.1 مليار دولار تايواني (23.59 مليار دولار أميركي)، بزيادة نسبتها 69 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً متوسط توقعات المحللين البالغ 746.3 مليار دولار تايواني، وفقاً لتقديرات «إل إس إي جي سمارت استيميت»، التي تستند إلى آراء 16 محللاً.

وأغلقت أسهم «تي إس إم سي» المدرجة في بورصة تايبيه منخفضة بنسبة 2 في المائة يوم الخميس، قبيل إعلان النتائج، بينما تراجع المؤشر الرئيسي للسوق بنسبة 3.4 في المائة.

وتمثل هذه النتائج أعلى أرباح فصلية تحققها الشركة على الإطلاق، كما تشكل الربع الحادي عشر على التوالي الذي تسجل فيه نمواً في أرباحها. وكانت الشركة قد أعلنت، الأسبوع الماضي، ارتفاع إيراداتها في الربع الثالث بنسبة 50 في المائة على أساس سنوي، متجاوزة توقعات السوق ومسجلة مستوى قياسياً جديداً.

وتستثمر «تي إس إم سي» 265 مليار دولار في بناء مصانع لإنتاج الرقائق في ولاية أريزونا الأميركية، بما في ذلك استثمار إضافي بقيمة 100 مليار دولار كُشف عنه في يوليو.

وفي سبتمبر، ذكرت «رويترز» أن الشركة تدرس استثماراً محتملاً في ولاية تكساس. كما قال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، الأسبوع الماضي، إن شركاته ستتولى بناء مجمع «تيرافاب» لإنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي وتشغيله، مع احتمال أن تستأجر «تي إس إم سي» جزءاً من منشآته.

وخلال مؤتمر إعلان النتائج في يوليو، رفعت الشركة تقديراتها للنفقات الرأسمالية للعام الحالي إلى نطاق يتراوح بين 60 ملياراً و64 مليار دولار، مقارنة بتوقعات سابقة تراوحت بين 52 ملياراً و56 مليار دولار في حدها الأعلى.

من جهتها، قالت شركة «إيه إس إم إل»، أكبر شركة في العالم لتصنيع المعدات المستخدمة في إنتاج أشباه الموصلات المتقدمة ورقائق الذكاء الاصطناعي، يوم الأربعاء، إن عملاءها بدأوا بالفعل تقديم طلبات لعامي 2029 و2030، في إشارة إلى استمرار الطلب طويل الأجل، ما خفف المخاوف بشأن احتمال تراجع زخم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

وارتفعت أسهم «تي إس إم سي» المدرجة في بورصة تايبيه بنسبة 57 في المائة منذ بداية العام، بما يتماشى مع مكاسب السوق التايوانية ككل، التي بلغت 62 في المائة.