2024... عام «تمكين» الثقافة السعودية

فعاليات متنوعة وبرامج وجوائز ثقافية مستحدثة

برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة
برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة
TT

2024... عام «تمكين» الثقافة السعودية

برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة
برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة

شهدت السعودية في عام 2024 مجموعة من الفعاليات الثقافية البارزة التي ساهمت في تعزيز المشهد الثقافي والإبداعي، وساهمت في تعزيز التبادل الثقافي والفني بين دول المنطقة، ويمكن أن يطلق على عام 2024 عام تمكين الثقافة السعودية... عبر تعميق حضورها في الحياة العامة في المملكة، مما يعكس التزاماً بتطوير المشهد الثقافي والإبداعي.

الاستدامة في الثقافة

يرصد تقرير «الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2023»، الذي صدر في نسخته الخامسة بداية سبتمبر (أيلول) 2024، تحت عنوان «الاستدامة في القطاع الثقافي»، الحراك الثقافي السعودي خلال العام المنصرم، مع حصر أهم وأبرز تطوراته، ومنجزاته، والتحديات التي تواجهه.

ويأتي تقرير الحالة الثقافية بوصفه منتجاً معرفياً تقدمه وزارة الثقافة للمهتمين برصد الحراك الثقافي المحلي داخل وخارج المملكة، ليمنحهم قراءةً منهجية للحالة الثقافية تُبيّن التحديات، وترصد المنجزات وفق هيكلةٍ موضوعية تعكس أبعاد الواقع الثقافي بقطاعاته المختلفة، وتعالج الثقافة بعدِّها بنية واحدة لا تتجزأ، وذلك لخلق نقطةِ أساسٍ معرفية يجري تحديثها بشكلٍ دوري، وتستند إلى أبحاث ودراسات معتمدة.

ويتضمن التقرير الذي صدر عن وزارة الثقافة السعودية، ستة فصول هي: الإدارة والصون، والإبداع والإنتاج الثقافي، والمعارف والمهارات، والمشاركة الثقافية، والاقتصاد الإبداعي، والاستدامة في القطاع الثقافي.

ويُشير مفهوم الاستدامة في القطاع الثقافي إلى الجهود المبذولة من قِبل مختلف الفاعلين لحماية وصَون التراث الثقافي والطبيعي من أخطار التلف والتدهور والاندثار، والعمل على تعزيز الجدوى الاقتصادية للأنشطة والمهن ذاتِ الصلة بالثقافة والتراث، وتوسيع دائرة المشاركة الثقافية لمختلف فئات المجتمع.

ويتناول التقريرُ تقييم واقع الإدارة المستدامة للتراث الثقافي، وخدمة اللغة العربية، إضافةً إلى كفاءة البنية التحتية، وتطوّرات الأُطر التنظيمية والدعم في فصل «الإدارة والصون». أما الفصل الثاني «الإبداع والإنتاج الثقافي» فيقيس مستويات الإنتاج الثقافي سواءً في النشر أو الإنتاج السمعي والبصري أو الفنون والتصاميم والمسرح وفنون الأداء، إلى جانب رصد الجوائز التي حازها المبدعون محلياً ودولياً.

وأُفرد الفصل الثالث لـ«المعارف والمهارات»، متناولاً تطوُّراتِ ومؤشرات التعليم والتدريب في المجالات الثقافية نظراً للأهمية البالغة للتعليم الثقافي، ويُقدّم الفصلُ الرابع «المشاركة الثقافية» صورةً متعددة الأبعاد لمستويات المشاركة، ومدى قدرة القطاع الثقافي على الوصول إلى أطياف المجتمع المتنوعة، ولا يقتصر على سلوك المشاركة الفردية، وإنما يتلمّس مدى حيوية الانخراط الاجتماعي في القطاع عبر تناول الأنشطة غير الربحية فيه، وخُصِّص خامس فصول التقرير لـ«الاقتصاد الإبداعي»، مستعرضاً ومُحلِّلاً المؤشرات الاقتصادية للقطاع من إحصائيات العمل إلى الأعمال، والسياحة، والإنفاق، والطلب.

مهرجان بين ثقافتين يجمع الثقافة السعودية والعراقية في الرياض

* من «عام الإبل » إلى عام «الحِرف اليدوية »

أطلقت وزارة الثقافة السعودية على عام 2024 عام الإبل، وجاءت هذه التسمية «للاحتفاء بالقيمة الثقافية الفريدة التي تُمثلها الإبل في حياة أبناء الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ وإلى اليوم؛ إذ كانت هي الوسيلة لاجتياز المسافات وقطع القفار وتخطي وحشة الطريق، وبها استُفتحت القصائد، واختُتمت الحكايات، وتشكلت الصور الشاعرية، وضُربت الأمثال في رفقتها الطويلة للإنسان ووفائها الشديد له. وصولاً إلى وقتنا الراهن الذي تبرز فيه الإبل بوصفها شاهداً حياً على الأصالة، وعنصراً ثقافياً أساسياً من عناصر الهوية السعودية».

وخلال هذا العام أقيمت العديد من الفعاليات بهذه المناسبة، اختتمت بمهرجان الإبل خلال الفترة من 26 إلى 28 ديسمبر (كانون الأول) الحالي في الرياض، الذي سيتزامن مع ختام مبادرة عام الإبل 2024، الذي شهد عرضاً لأبرز إنجازات العام الثقافي.

وبعد موافقة مجلس الوزراء على تسمية عام 2025 «عام الحِرف اليدوية»؛ قال وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، إن هذه المبادرة تهدف «للاحتفاء بالقيمة الثقافية الفريدة التي تُمثّلها الحِرف اليدوية في الثقافة السعودية منذ سنواتٍ طويلةٍ، وليعكس الإبداعات التي تميّزها من صناعةٍ إبداعية، ومشغولاتٍ يدوية فريدة من نوعها، وإظهار إبداعات الحِرفيين السعوديين لدى المجتمع الدولي».

مشيراً إلى أن مبادرة «عام الحِرف اليدوية» تُمثّلُ مظلة جامعة لكل مظاهر الاحتفاء بهذا المُكوّن الرئيسي بعدّه قيمةً ثقافيةً وفنيةً بالغة الأهمية، وركيزةً من ركائز الهوية الوطنية الأصيلة.

وأضاف: «تعكس الحِرف اليدوية السعودية إبداعات المجتمع السعودي من نسيجٍ، ومشغولاتٍ يدويةٍ، وإبداعاتٍ فنيةٍ، توارثوها جيلاً بعد جيل، ومن بينها صناعة الفخار من الطين، والأزياء، والأواني الفخارية، والخرازة، والنحاسة، والخياطة، والصباغة، والحدادة، وصياغة الذهب والمجوهرات، وخلافها من الإبداعات اليدوية التي أبدعها الإنسان السعودي».

وستعمل وزارة الثقافة من خلال «عام الحِرف اليدوية» على تعزيز حضور الحِرف اليدوية السعودية محلياً ودولياً، وتمكين الحِرفيين والحِرفيات السعوديين من إبراز إبداعاتهم في الأحداث والفعاليات داخلياً وخارجياً، وزيادة مستوى مساهمتها في الاقتصاد المحلي، وذلك عبر أنشطة وفعاليات تتولاها الوزارة مع شركائها الفاعلين للاحتفاء بهذا العنصر الثقافي المميز، والاعتزاز به؛ لتُحيي حضورها بعدّها عُنصراً ثقافياً يُمثّل الهوية السعودية، ويعكس قيمتها الأصيلة، والتعريف بقيمتها الثقافية، والتاريخية، والحضارية، والاقتصادية.

الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة السعودي خلال زيارته مركز الدرعية لفنون المستقبل

المتنبي يطلّ على الرياض

قبل أيام من نهاية العام 2024، حلّت الثقافة العراقية ضيفاً على الجمهور السعودي ضمن فعالية «بين ثقافتين» التي اقامتها وزارة الثقافة السعودية في الرياض وجمعت نخبة من الأدباء والفنانين من كلا البلدين.

أحيت الفعالية التراث الأدبي والفلكلور العراقي، ضمن حي بغدادي افتراضي جمع شارع المتنبي المعروف في بغداد ومقهى «الشابندر»، حيث تمّ تقديم محتوى ثقافي متنوع يحتفي بالثقافة العراقية، وبالروابط التاريخية والثقافية المشتركة بين السعودية والعراق في رحلة ثريّة تمزج بين التجارب الحسيّة، والبصريّة، والسمعية في أجواءٍ غامرة تدفع الزائر إلى التفاعل والاستمتاع بثقافتي البلدين.

ضمت الاحتفالية أربعة أقسام، تشمل المعرض الفني ويضم أكثر من 100 عمل فني لكبار الفنانين السعوديين والعراقيين، ويعكس التشابه الثقافي العميق بين المملكة والعراق، ويسلّط الضوء على محطات تاريخية بارزة مستندة إلى أبحاث موثوقة، تشمل مختلف القطاعات الثقافية مما يعكس تنوعاً ثقافياً أنيقاً، وإبداعاً متقناً في فضاءٍ مُنسجم.

القسم الثاني: «المضيف» الذي يحتوي بداخله مسار «حوار بين حضارتين»، ويُجسّد تاريخ الدولتين السعودية والعراقية، ومدى تأصل العلاقات المترابطة على مر العصور، ويؤكّد الترابط الثقافي بينهما.

أما شارع المتنبي، الذي يتيح الاستماع إلى قصائد المتنبي، فيجسد القيمة الثقافية التي يُمثلها الشاعر أبو الطيب المتنبي في العاصمة العراقية بغداد، حيث يُعدُّ الشارع من أبرز المعالم الثقافية في المعرض؛ ليعكس الأجواء الأدبية والثقافية الأصيلة عبر متاجر مليئة بالكتب، إلى جانب الندوات التي تناقش موضوعات ثقافية وفكرية متعلقة بتاريخ البلدين، وتستكمل تجربة الزائر بعزفٍ موسيقيٍ؛ ليربط كل عنصر فيها الزائر بتاريخ ثقافي عريق.

وفي القسم الثالث: «مقام النغم والأصالة» استضاف المسرح حفلات موسيقيةٍ كلاسيكيةٍ راقية تُناسب أجواء الحدث، وسط مشاركة لأبرز الفنانين السعوديين والعراقيين.

وجاء القسم الرابع: «درب الوصل» ليستعرض مجالات منوعة في الثقافة السعودية والعراقية تثري تجربة الزائر، وتُعرفه بمقومات الثقافتين، مع عروض تراثية وأنشطة الفنون، والحِرف اليدوية، ورواية القصص بطريقةٍ تفاعلية مما يُرسّخ التعلّم والمرح. كما تقدم في منطقة المطاعم تجربة فريدة تجمع بين النكهات السعودية والعراقية؛ لتعكس الموروث الثقافي والمذاق الأصيل للبلدين.

يمتدّ مهرجان «بين ثقافتين» حتى يوم 31 من شهر ديسمبر الحالي ليعزز من أواصر التعاون بين السعودية والعراق، وليوفر فرصة للجمهور لاستكشاف عمق العلاقة بين البلدين وتبادل الثقافات والفنون المشتركة.

شارك في المعرض السعودي الدولي للحِرف اليدوية (بَنان) أكثر من 500 حرفي وحرفية من المملكة كما مع مشاركة 25 دولة حول العالم

موسيقى وشعر ولغة

شهدت الرياض من 11 إلى 19 نوفمبر (تشرين الثاني)، أسبوع الرياض الموسيقي بهدف تطوير القطاع الموسيقي في المملكة وتعزيز مكانتها على الساحة الموسيقية العالمية. تضمن الحدث فعاليات متنوعة مثل هاكاثون موسيقي عالمي، وفعالية «لحن المملكة» التي احتفت بالموسيقى الوطنية السعودية، وفعالية «الغناء بالفصحى» لإعادة إحياء الأغاني العربية الفصيحة بأسلوب معاصر.

وفي يومي 7 و8 نوفمبر أقيم مهرجان الغناء بالفصحى الذي ركز على جماليات اللغة العربية الفصحى من خلال حضور مجموعة من أشهر نجوم الغناء في العالم العربي، بالإضافة إلى أنشطة ثقافية وموسيقية تهدف إلى تنمية واكتشاف المواهب في المملكة.

من ناحية أخرى، أقيمت الدورة الثالثة عشرة من «ملتقى الشعر الخليجي» في محافظة الطائف السعودية، بتنظيم من هيئة الأدب والنشر والترجمة بالتعاون مع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. شهد الملتقى مشاركة واسعة من الشعراء والنقاد والمختصين من دول مجلس التعاون، وتضمن أمسيات شعرية وندوات فكرية ناقشت قضايا الشعر العربي المعاصر. وخلال الفترة من 18 إلى 19 سبتمبر 2024 نظمّت وزارة الثقافة بالتعاون مع مَجْمَع الملك سلمان العالمي للغة العربية هاكاثون «تعلُّم واحتضان اللغة العربية» في بينالي الدرعية، الذي تجمّع من خلاله المبدعون والمبتكرون في فرقٍ متعددة، لابتكار منتجاتٍ تُعزز من تعلُّم اللغة العربية عبر أساليبَ مبتكرةٍ تمزج بين الثقافة والإبداع، للمساهمة في الحفاظ على الهوية الثقافية السعودية.

الجوائز الثقافية الوطنية

شهدت الدورة الرابعة من مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية»، التي أقيمت في 10 سبتمبر في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، استحداث جائزتين للجوائز الثقافية الوطنية، هما: جائزة «الإعلام الثقافي» وجائزة «الحِرف اليدوية»، وذلك ضمن مساعي وزارة الثقافة لفتح منافذ جديدة للإبداع والتعبير الثقافي، ولِتكون مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية» مظلة داعمة للإبداع. وتمّ هذا العام تكريم الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية للدورة الرابعة في جميع مساراتها، حيث حصل على جائزة «شخصية العام الثقافية» الدكتور سعد الصويان نظير إسهاماته العلمية والأدبية والثقافية الكبيرة التي قدّمها على مدى سنواتٍ طويلةٍ في الميدان الثقافي.

أما جائزة «الثقافة للشباب» فقد فازت بها الكاتبة والفنانة ضياء يوسف نظير جهودها في دعم الثقافة والمواهب الشابة، فيما ذهبت جائزة سيدات ورجال الأعمال الداعمين للنشاط الثقافي إلى بدر بن محمد البواردي نجل رجل الأعمال الراحل المهندس محمد بن سعد البواردي وذلك نظير جهود عائلة البواردي في الحفاظ على التراث الثقافي، في حين ذهبت جائزة «التميّز الثقافي الدولي» لمؤسسة جبل الفيروز نظير إسهاماتها في حماية التراث الثقافي الدولي ودعم الحرفيين، وعلى مستوى جائزة «المؤسسات الثقافية» فقد ذهبت الجائزة في مسار القطاع الخاص إلى مجموعة إم بي سي (MBC)، وفي مسار «القطاع غير الربحي» ذهبت الجائزة إلى مؤسسة الملك فيصل الخيرية.

وشهد الحفل تكريم الفائزين في بقية مسارات الجوائز الثقافية الوطنية بمختلف القطاعات الثقافية، حيث فاز بجائزة التراث الوطني الدكتور عبد الله الشارخ، وفي جائزة الأدب فاز القاصّ والروائي أسامة المسلم، فيما ذهبت جائزة النشر إلى «دار تربية قيادية» المتخصصة في النشر للأطفال، أما جائزة الترجمة فذهبت للدكتور المُترجم وليد العمري، وذهبت جائزة الأفلام للمخرج السينمائي توفيق الزايدي، وجائزة الموسيقى للفنان عبادي الجوهر، وفاز بجائزة العمارة والتصميم المعماري الدكتور خالد عزام، وفاز بجائزة المسرح والفنون الأدائية الفنان محمد الطويان، وذهبت جائزة فنون الطهي للباحث الدكتور محمد المنصوري، وجائزة الفنون البصرية للفنان طه الصبان، أما جائزة الأزياء فحصلت عليها الدكتورة ليلى البسام.

«مواطن الشعراء»

من المشاريع المهمة، ما أعلنته وزارة الثقافة في 24 مارس (آذار) 2024 بإطلاق مشروع التوثيق المكاني للمواقع السعودية التي عاش فيها الشعراء العرب وارتبطوا بها عبر التاريخ، حيث سيعمل المشروع على توثيق هذه المواقع في مختلف مناطق المملكة، وتسهيل الوصول لها عبر تركيب لوائحَ إرشاديةٍ وتعريفيةٍ تربط بين هذه المواقع التراثية وشعراء عصر ما قبل الإسلام بملاحِمهم وقصائدهم ومُعلّقاتِهم الشهيرة في تاريخ الثقافة العربية.

واشتملت خريطة المشروع على مواقع تنتشر على امتداد المملكة، ففي الرياض وثّق المشروع عدة مواقع تعود إلى شعراء شهيرين وُلدوا وعاشوا في مواقعها التاريخية، من بينهم الشاعرة ليلى الأخيلية، ومجنون ليلى، وامرؤ القيس، ولبيد بن ربيعة، فيما وثّق المشروع عدة مواقع في القصيم عاش فيها أو مرّ بها شعراء مثل برج الشنانة بمدينة الرس الذي ارتبط بالشاعر زهير بن أبي سلمى.

ويمتد نطاق المشروع ليشمل عدداً من مدن ومناطق المملكة مثل الباحة، والأحساء، والطائف، وحائل، والمدينة المنورة، وعسير، ونجران، ووثّق فيها المشروع المسار الذي عبر فيه ومن خلاله أشهر الشعراء العرب على مرّ التاريخ، مثل الشاعر الشنفرى الذي نشأ في قرية سلامان، والشاعر الصلتان العبدي الذي عاش في جبل البريقة، والشاعر طَرَفة بن العبد في جبل القارة، والشاعر علي بن المقرب العيوني في منتزه العيون. إضافة إلى الشاعر النابغة الذيباني وارتباطه بسوق عكاظ، ومنازل حاتم الطائي بحائل، والشاعر حسان بن ثابت في ساحة معركة أحد، والشاعرة الخنساء في المدينة المنورة، والشاعر عبد يغوث الحارثي الذي عاش في موقعٍ يضم حالياً منتزه الأمير جلوي بن عبد العزيز في نجران، والشاعر ابن الدمينة الذي كان موطنه في مدينة العبلاء التاريخية بعسير.

أول منصة ميتافيرس ثقافية عالمياً

وفي 23 فبراير (شباط) 2024 أطلقت وزارة الثقافة أول مبادرة وطنية في عالم «الميتافيرس» مدعومة بنظام الذكاء الاصطناعي لذكاء الوسائط التوليدي (GMI)، حيث تُقدم المنصة مزيجًا غير مسبوق من العروض الثقافية والابتكار الرقمي المدعوم من تقنية GMI. وتستضيف بيئة رقمية ديناميكية تسمح للمستخدمين بتجربة العديد من الأنشطة والمعالم السياحية من احتفالات يوم التأسيس «في الحياة الواقعية». ويشمل ذلك مناطق الجذب الثقافية الجذابة مثل مسيرة التاريخ، والقطاعات المخصصة للموسيقى، والفن، والتاريخ، وفنون الطهي، والحرف اليدوية بالإضافة إلى ألعاب الفيديو المصغرة. ويقوم مركز الأداء أيضاً ببث مباشر للأحداث بما في ذلك حفل سيمفونية البداية ليوم التأسيس على منصة الميتافيرس للوزارة.

وتُمكن هذه التجربة الملايين من المملكة، ومن جميع أنحاء العالم، من تجربة الأحداث السعودية في ميتافيرس، مما يمثل لحظة تحول في المشاركة الثقافية. وتُمثل هذه المبادرة قفزة كبيرة في مستقبل التعبير الثقافي والمشاركة.



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».