2024... عام «تمكين» الثقافة السعودية

فعاليات متنوعة وبرامج وجوائز ثقافية مستحدثة

برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة
برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة
TT

2024... عام «تمكين» الثقافة السعودية

برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة
برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة

شهدت السعودية في عام 2024 مجموعة من الفعاليات الثقافية البارزة التي ساهمت في تعزيز المشهد الثقافي والإبداعي، وساهمت في تعزيز التبادل الثقافي والفني بين دول المنطقة، ويمكن أن يطلق على عام 2024 عام تمكين الثقافة السعودية... عبر تعميق حضورها في الحياة العامة في المملكة، مما يعكس التزاماً بتطوير المشهد الثقافي والإبداعي.

الاستدامة في الثقافة

يرصد تقرير «الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2023»، الذي صدر في نسخته الخامسة بداية سبتمبر (أيلول) 2024، تحت عنوان «الاستدامة في القطاع الثقافي»، الحراك الثقافي السعودي خلال العام المنصرم، مع حصر أهم وأبرز تطوراته، ومنجزاته، والتحديات التي تواجهه.

ويأتي تقرير الحالة الثقافية بوصفه منتجاً معرفياً تقدمه وزارة الثقافة للمهتمين برصد الحراك الثقافي المحلي داخل وخارج المملكة، ليمنحهم قراءةً منهجية للحالة الثقافية تُبيّن التحديات، وترصد المنجزات وفق هيكلةٍ موضوعية تعكس أبعاد الواقع الثقافي بقطاعاته المختلفة، وتعالج الثقافة بعدِّها بنية واحدة لا تتجزأ، وذلك لخلق نقطةِ أساسٍ معرفية يجري تحديثها بشكلٍ دوري، وتستند إلى أبحاث ودراسات معتمدة.

ويتضمن التقرير الذي صدر عن وزارة الثقافة السعودية، ستة فصول هي: الإدارة والصون، والإبداع والإنتاج الثقافي، والمعارف والمهارات، والمشاركة الثقافية، والاقتصاد الإبداعي، والاستدامة في القطاع الثقافي.

ويُشير مفهوم الاستدامة في القطاع الثقافي إلى الجهود المبذولة من قِبل مختلف الفاعلين لحماية وصَون التراث الثقافي والطبيعي من أخطار التلف والتدهور والاندثار، والعمل على تعزيز الجدوى الاقتصادية للأنشطة والمهن ذاتِ الصلة بالثقافة والتراث، وتوسيع دائرة المشاركة الثقافية لمختلف فئات المجتمع.

ويتناول التقريرُ تقييم واقع الإدارة المستدامة للتراث الثقافي، وخدمة اللغة العربية، إضافةً إلى كفاءة البنية التحتية، وتطوّرات الأُطر التنظيمية والدعم في فصل «الإدارة والصون». أما الفصل الثاني «الإبداع والإنتاج الثقافي» فيقيس مستويات الإنتاج الثقافي سواءً في النشر أو الإنتاج السمعي والبصري أو الفنون والتصاميم والمسرح وفنون الأداء، إلى جانب رصد الجوائز التي حازها المبدعون محلياً ودولياً.

وأُفرد الفصل الثالث لـ«المعارف والمهارات»، متناولاً تطوُّراتِ ومؤشرات التعليم والتدريب في المجالات الثقافية نظراً للأهمية البالغة للتعليم الثقافي، ويُقدّم الفصلُ الرابع «المشاركة الثقافية» صورةً متعددة الأبعاد لمستويات المشاركة، ومدى قدرة القطاع الثقافي على الوصول إلى أطياف المجتمع المتنوعة، ولا يقتصر على سلوك المشاركة الفردية، وإنما يتلمّس مدى حيوية الانخراط الاجتماعي في القطاع عبر تناول الأنشطة غير الربحية فيه، وخُصِّص خامس فصول التقرير لـ«الاقتصاد الإبداعي»، مستعرضاً ومُحلِّلاً المؤشرات الاقتصادية للقطاع من إحصائيات العمل إلى الأعمال، والسياحة، والإنفاق، والطلب.

مهرجان بين ثقافتين يجمع الثقافة السعودية والعراقية في الرياض

* من «عام الإبل » إلى عام «الحِرف اليدوية »

أطلقت وزارة الثقافة السعودية على عام 2024 عام الإبل، وجاءت هذه التسمية «للاحتفاء بالقيمة الثقافية الفريدة التي تُمثلها الإبل في حياة أبناء الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ وإلى اليوم؛ إذ كانت هي الوسيلة لاجتياز المسافات وقطع القفار وتخطي وحشة الطريق، وبها استُفتحت القصائد، واختُتمت الحكايات، وتشكلت الصور الشاعرية، وضُربت الأمثال في رفقتها الطويلة للإنسان ووفائها الشديد له. وصولاً إلى وقتنا الراهن الذي تبرز فيه الإبل بوصفها شاهداً حياً على الأصالة، وعنصراً ثقافياً أساسياً من عناصر الهوية السعودية».

وخلال هذا العام أقيمت العديد من الفعاليات بهذه المناسبة، اختتمت بمهرجان الإبل خلال الفترة من 26 إلى 28 ديسمبر (كانون الأول) الحالي في الرياض، الذي سيتزامن مع ختام مبادرة عام الإبل 2024، الذي شهد عرضاً لأبرز إنجازات العام الثقافي.

وبعد موافقة مجلس الوزراء على تسمية عام 2025 «عام الحِرف اليدوية»؛ قال وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، إن هذه المبادرة تهدف «للاحتفاء بالقيمة الثقافية الفريدة التي تُمثّلها الحِرف اليدوية في الثقافة السعودية منذ سنواتٍ طويلةٍ، وليعكس الإبداعات التي تميّزها من صناعةٍ إبداعية، ومشغولاتٍ يدوية فريدة من نوعها، وإظهار إبداعات الحِرفيين السعوديين لدى المجتمع الدولي».

مشيراً إلى أن مبادرة «عام الحِرف اليدوية» تُمثّلُ مظلة جامعة لكل مظاهر الاحتفاء بهذا المُكوّن الرئيسي بعدّه قيمةً ثقافيةً وفنيةً بالغة الأهمية، وركيزةً من ركائز الهوية الوطنية الأصيلة.

وأضاف: «تعكس الحِرف اليدوية السعودية إبداعات المجتمع السعودي من نسيجٍ، ومشغولاتٍ يدويةٍ، وإبداعاتٍ فنيةٍ، توارثوها جيلاً بعد جيل، ومن بينها صناعة الفخار من الطين، والأزياء، والأواني الفخارية، والخرازة، والنحاسة، والخياطة، والصباغة، والحدادة، وصياغة الذهب والمجوهرات، وخلافها من الإبداعات اليدوية التي أبدعها الإنسان السعودي».

وستعمل وزارة الثقافة من خلال «عام الحِرف اليدوية» على تعزيز حضور الحِرف اليدوية السعودية محلياً ودولياً، وتمكين الحِرفيين والحِرفيات السعوديين من إبراز إبداعاتهم في الأحداث والفعاليات داخلياً وخارجياً، وزيادة مستوى مساهمتها في الاقتصاد المحلي، وذلك عبر أنشطة وفعاليات تتولاها الوزارة مع شركائها الفاعلين للاحتفاء بهذا العنصر الثقافي المميز، والاعتزاز به؛ لتُحيي حضورها بعدّها عُنصراً ثقافياً يُمثّل الهوية السعودية، ويعكس قيمتها الأصيلة، والتعريف بقيمتها الثقافية، والتاريخية، والحضارية، والاقتصادية.

الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة السعودي خلال زيارته مركز الدرعية لفنون المستقبل

المتنبي يطلّ على الرياض

قبل أيام من نهاية العام 2024، حلّت الثقافة العراقية ضيفاً على الجمهور السعودي ضمن فعالية «بين ثقافتين» التي اقامتها وزارة الثقافة السعودية في الرياض وجمعت نخبة من الأدباء والفنانين من كلا البلدين.

أحيت الفعالية التراث الأدبي والفلكلور العراقي، ضمن حي بغدادي افتراضي جمع شارع المتنبي المعروف في بغداد ومقهى «الشابندر»، حيث تمّ تقديم محتوى ثقافي متنوع يحتفي بالثقافة العراقية، وبالروابط التاريخية والثقافية المشتركة بين السعودية والعراق في رحلة ثريّة تمزج بين التجارب الحسيّة، والبصريّة، والسمعية في أجواءٍ غامرة تدفع الزائر إلى التفاعل والاستمتاع بثقافتي البلدين.

ضمت الاحتفالية أربعة أقسام، تشمل المعرض الفني ويضم أكثر من 100 عمل فني لكبار الفنانين السعوديين والعراقيين، ويعكس التشابه الثقافي العميق بين المملكة والعراق، ويسلّط الضوء على محطات تاريخية بارزة مستندة إلى أبحاث موثوقة، تشمل مختلف القطاعات الثقافية مما يعكس تنوعاً ثقافياً أنيقاً، وإبداعاً متقناً في فضاءٍ مُنسجم.

القسم الثاني: «المضيف» الذي يحتوي بداخله مسار «حوار بين حضارتين»، ويُجسّد تاريخ الدولتين السعودية والعراقية، ومدى تأصل العلاقات المترابطة على مر العصور، ويؤكّد الترابط الثقافي بينهما.

أما شارع المتنبي، الذي يتيح الاستماع إلى قصائد المتنبي، فيجسد القيمة الثقافية التي يُمثلها الشاعر أبو الطيب المتنبي في العاصمة العراقية بغداد، حيث يُعدُّ الشارع من أبرز المعالم الثقافية في المعرض؛ ليعكس الأجواء الأدبية والثقافية الأصيلة عبر متاجر مليئة بالكتب، إلى جانب الندوات التي تناقش موضوعات ثقافية وفكرية متعلقة بتاريخ البلدين، وتستكمل تجربة الزائر بعزفٍ موسيقيٍ؛ ليربط كل عنصر فيها الزائر بتاريخ ثقافي عريق.

وفي القسم الثالث: «مقام النغم والأصالة» استضاف المسرح حفلات موسيقيةٍ كلاسيكيةٍ راقية تُناسب أجواء الحدث، وسط مشاركة لأبرز الفنانين السعوديين والعراقيين.

وجاء القسم الرابع: «درب الوصل» ليستعرض مجالات منوعة في الثقافة السعودية والعراقية تثري تجربة الزائر، وتُعرفه بمقومات الثقافتين، مع عروض تراثية وأنشطة الفنون، والحِرف اليدوية، ورواية القصص بطريقةٍ تفاعلية مما يُرسّخ التعلّم والمرح. كما تقدم في منطقة المطاعم تجربة فريدة تجمع بين النكهات السعودية والعراقية؛ لتعكس الموروث الثقافي والمذاق الأصيل للبلدين.

يمتدّ مهرجان «بين ثقافتين» حتى يوم 31 من شهر ديسمبر الحالي ليعزز من أواصر التعاون بين السعودية والعراق، وليوفر فرصة للجمهور لاستكشاف عمق العلاقة بين البلدين وتبادل الثقافات والفنون المشتركة.

شارك في المعرض السعودي الدولي للحِرف اليدوية (بَنان) أكثر من 500 حرفي وحرفية من المملكة كما مع مشاركة 25 دولة حول العالم

موسيقى وشعر ولغة

شهدت الرياض من 11 إلى 19 نوفمبر (تشرين الثاني)، أسبوع الرياض الموسيقي بهدف تطوير القطاع الموسيقي في المملكة وتعزيز مكانتها على الساحة الموسيقية العالمية. تضمن الحدث فعاليات متنوعة مثل هاكاثون موسيقي عالمي، وفعالية «لحن المملكة» التي احتفت بالموسيقى الوطنية السعودية، وفعالية «الغناء بالفصحى» لإعادة إحياء الأغاني العربية الفصيحة بأسلوب معاصر.

وفي يومي 7 و8 نوفمبر أقيم مهرجان الغناء بالفصحى الذي ركز على جماليات اللغة العربية الفصحى من خلال حضور مجموعة من أشهر نجوم الغناء في العالم العربي، بالإضافة إلى أنشطة ثقافية وموسيقية تهدف إلى تنمية واكتشاف المواهب في المملكة.

من ناحية أخرى، أقيمت الدورة الثالثة عشرة من «ملتقى الشعر الخليجي» في محافظة الطائف السعودية، بتنظيم من هيئة الأدب والنشر والترجمة بالتعاون مع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. شهد الملتقى مشاركة واسعة من الشعراء والنقاد والمختصين من دول مجلس التعاون، وتضمن أمسيات شعرية وندوات فكرية ناقشت قضايا الشعر العربي المعاصر. وخلال الفترة من 18 إلى 19 سبتمبر 2024 نظمّت وزارة الثقافة بالتعاون مع مَجْمَع الملك سلمان العالمي للغة العربية هاكاثون «تعلُّم واحتضان اللغة العربية» في بينالي الدرعية، الذي تجمّع من خلاله المبدعون والمبتكرون في فرقٍ متعددة، لابتكار منتجاتٍ تُعزز من تعلُّم اللغة العربية عبر أساليبَ مبتكرةٍ تمزج بين الثقافة والإبداع، للمساهمة في الحفاظ على الهوية الثقافية السعودية.

الجوائز الثقافية الوطنية

شهدت الدورة الرابعة من مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية»، التي أقيمت في 10 سبتمبر في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، استحداث جائزتين للجوائز الثقافية الوطنية، هما: جائزة «الإعلام الثقافي» وجائزة «الحِرف اليدوية»، وذلك ضمن مساعي وزارة الثقافة لفتح منافذ جديدة للإبداع والتعبير الثقافي، ولِتكون مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية» مظلة داعمة للإبداع. وتمّ هذا العام تكريم الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية للدورة الرابعة في جميع مساراتها، حيث حصل على جائزة «شخصية العام الثقافية» الدكتور سعد الصويان نظير إسهاماته العلمية والأدبية والثقافية الكبيرة التي قدّمها على مدى سنواتٍ طويلةٍ في الميدان الثقافي.

أما جائزة «الثقافة للشباب» فقد فازت بها الكاتبة والفنانة ضياء يوسف نظير جهودها في دعم الثقافة والمواهب الشابة، فيما ذهبت جائزة سيدات ورجال الأعمال الداعمين للنشاط الثقافي إلى بدر بن محمد البواردي نجل رجل الأعمال الراحل المهندس محمد بن سعد البواردي وذلك نظير جهود عائلة البواردي في الحفاظ على التراث الثقافي، في حين ذهبت جائزة «التميّز الثقافي الدولي» لمؤسسة جبل الفيروز نظير إسهاماتها في حماية التراث الثقافي الدولي ودعم الحرفيين، وعلى مستوى جائزة «المؤسسات الثقافية» فقد ذهبت الجائزة في مسار القطاع الخاص إلى مجموعة إم بي سي (MBC)، وفي مسار «القطاع غير الربحي» ذهبت الجائزة إلى مؤسسة الملك فيصل الخيرية.

وشهد الحفل تكريم الفائزين في بقية مسارات الجوائز الثقافية الوطنية بمختلف القطاعات الثقافية، حيث فاز بجائزة التراث الوطني الدكتور عبد الله الشارخ، وفي جائزة الأدب فاز القاصّ والروائي أسامة المسلم، فيما ذهبت جائزة النشر إلى «دار تربية قيادية» المتخصصة في النشر للأطفال، أما جائزة الترجمة فذهبت للدكتور المُترجم وليد العمري، وذهبت جائزة الأفلام للمخرج السينمائي توفيق الزايدي، وجائزة الموسيقى للفنان عبادي الجوهر، وفاز بجائزة العمارة والتصميم المعماري الدكتور خالد عزام، وفاز بجائزة المسرح والفنون الأدائية الفنان محمد الطويان، وذهبت جائزة فنون الطهي للباحث الدكتور محمد المنصوري، وجائزة الفنون البصرية للفنان طه الصبان، أما جائزة الأزياء فحصلت عليها الدكتورة ليلى البسام.

«مواطن الشعراء»

من المشاريع المهمة، ما أعلنته وزارة الثقافة في 24 مارس (آذار) 2024 بإطلاق مشروع التوثيق المكاني للمواقع السعودية التي عاش فيها الشعراء العرب وارتبطوا بها عبر التاريخ، حيث سيعمل المشروع على توثيق هذه المواقع في مختلف مناطق المملكة، وتسهيل الوصول لها عبر تركيب لوائحَ إرشاديةٍ وتعريفيةٍ تربط بين هذه المواقع التراثية وشعراء عصر ما قبل الإسلام بملاحِمهم وقصائدهم ومُعلّقاتِهم الشهيرة في تاريخ الثقافة العربية.

واشتملت خريطة المشروع على مواقع تنتشر على امتداد المملكة، ففي الرياض وثّق المشروع عدة مواقع تعود إلى شعراء شهيرين وُلدوا وعاشوا في مواقعها التاريخية، من بينهم الشاعرة ليلى الأخيلية، ومجنون ليلى، وامرؤ القيس، ولبيد بن ربيعة، فيما وثّق المشروع عدة مواقع في القصيم عاش فيها أو مرّ بها شعراء مثل برج الشنانة بمدينة الرس الذي ارتبط بالشاعر زهير بن أبي سلمى.

ويمتد نطاق المشروع ليشمل عدداً من مدن ومناطق المملكة مثل الباحة، والأحساء، والطائف، وحائل، والمدينة المنورة، وعسير، ونجران، ووثّق فيها المشروع المسار الذي عبر فيه ومن خلاله أشهر الشعراء العرب على مرّ التاريخ، مثل الشاعر الشنفرى الذي نشأ في قرية سلامان، والشاعر الصلتان العبدي الذي عاش في جبل البريقة، والشاعر طَرَفة بن العبد في جبل القارة، والشاعر علي بن المقرب العيوني في منتزه العيون. إضافة إلى الشاعر النابغة الذيباني وارتباطه بسوق عكاظ، ومنازل حاتم الطائي بحائل، والشاعر حسان بن ثابت في ساحة معركة أحد، والشاعرة الخنساء في المدينة المنورة، والشاعر عبد يغوث الحارثي الذي عاش في موقعٍ يضم حالياً منتزه الأمير جلوي بن عبد العزيز في نجران، والشاعر ابن الدمينة الذي كان موطنه في مدينة العبلاء التاريخية بعسير.

أول منصة ميتافيرس ثقافية عالمياً

وفي 23 فبراير (شباط) 2024 أطلقت وزارة الثقافة أول مبادرة وطنية في عالم «الميتافيرس» مدعومة بنظام الذكاء الاصطناعي لذكاء الوسائط التوليدي (GMI)، حيث تُقدم المنصة مزيجًا غير مسبوق من العروض الثقافية والابتكار الرقمي المدعوم من تقنية GMI. وتستضيف بيئة رقمية ديناميكية تسمح للمستخدمين بتجربة العديد من الأنشطة والمعالم السياحية من احتفالات يوم التأسيس «في الحياة الواقعية». ويشمل ذلك مناطق الجذب الثقافية الجذابة مثل مسيرة التاريخ، والقطاعات المخصصة للموسيقى، والفن، والتاريخ، وفنون الطهي، والحرف اليدوية بالإضافة إلى ألعاب الفيديو المصغرة. ويقوم مركز الأداء أيضاً ببث مباشر للأحداث بما في ذلك حفل سيمفونية البداية ليوم التأسيس على منصة الميتافيرس للوزارة.

وتُمكن هذه التجربة الملايين من المملكة، ومن جميع أنحاء العالم، من تجربة الأحداث السعودية في ميتافيرس، مما يمثل لحظة تحول في المشاركة الثقافية. وتُمثل هذه المبادرة قفزة كبيرة في مستقبل التعبير الثقافي والمشاركة.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة

عاجل ترمب: هناك من سرب معلومات عن الطيار الثاني لإيران وسنصل إليه لأنها مسألة أمن قومي