قراءات المثقفين اللبنانيين في عام 2024

شغف خاص بالرواية وسردية الحرب وكتب التاريخ (3-3)


محمود شريح
محمود شريح
TT

قراءات المثقفين اللبنانيين في عام 2024


محمود شريح
محمود شريح

مرت الثقافة العربية بعام قاسٍ وكابوسي، تسارعت فيه وتيرة التحولات بشكل دراماتيكي مباغت، على شتى الأصعدة، وبلغت ذروتها في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة وطالت لبنان، ولا تزال مشاهدها الدامية تراكم الخراب والدمار على أرض الواقع... في غبار هذا الكابوس تستطلع «الشرق الأوسط» أهم قراءات المثقفين والمبدعين العرب خلال 2024.

في لبنان احتلت الرواية مكانة مهمة في قراءات الكتاب والمثقفين لهذا العام، ورأوا فيها شغفاً خاصاً بالحياة وذكرياتها القصية والقريبة. وبرغم أن هذه الشغف لم يسلم من شظايا العدوان الإسرائيلي الغاشم على البلاد، إلا أنه تحول فعل مقاومة وزاداً معرفياً من نوع فريد.

إيمان حميدان

الروائية إيمان حميدان: «كأن فعل القراءة يغدو مستحيلاً»

هذا السؤال بدا لي مختلفاً هذا العام. كل عام يطرح هذا السؤال، ونجيب. لكن هذا العام أشعرني بالغربة. قد يكون ما أكتبه هنا بعيداً عن سؤال ماذا قرأت؟ قد يكون، كيف قرأت؟ وماذا شعرت حين كنت أقرأ؟

لأبدأ أولاً، إنه كان عاماً صعباً، صعباً بالنسبة لي على كل المستويات، وأهمها ما يجري حولي، وفي داخل لبنان، وما تعرض له الناس من همجية يعجز أي كتاب عن وصفها. ثم عليّ أيضاً أن أجيب عن سؤال: ماذا قرأت. كنت أبدأ بكتاب ثم لا أنتهي منه. أجد صعوبة في التركيز. أشعر بقلق حادٍ لم يصبني من قبل. كأن فعل القراءة يغدو مستحيلاً في تلك اللحظات الشرسة. القراءة تغدو إراحة للعقل الذي لا يريد أن يهدأ والذي يلف ويدور فيه ألف سؤال. وأنا لم أشأ الراحة، بات القلق صفة تلازمني في المساء والليل. أقرأ وأتوقف كي أوقظ أسئلتي التي تنخر دماغي. أسأل ماذا جرى لنا؟

كتب عديدة لم أنته من قراءتها. كان عليّ أن أعيد برمجة قراءاتي، كي أهدأ وأرتاح. الكتاب الذي أنهيته فعلاً هو «فجر في غزة»، صدر باللغة الإنجليزية. قام فيه محمود منى وطوماس تيللر بتوثيق مقابلات مع فلسطينيين كانوا في بداية 2024 لا يزالون في غزة ويتعرضون لخطر الموت والإبادة. هزّني الكتاب، هزتني قصص الحياة والأمل وسط الدمار والخراب والموت. الناس الذين أثثوا صفحات الكتاب بقصصهم ما زالوا أحياء أو أنني أقرأ قصصاً لأناسٍ عرفتهم عبر الكتاب، ماتوا ولم يدر أحد بموتهم. حين علمت بموت إحدى المساهمات في الكتاب هبة المقادمة، بكيت. هي التي وثقت يوميات حياتها وحياة عائلتها. أرى الآن الكتاب على الطاولة الصغيرة في غرفة نومي، أفكر أحياناً أن قرب سريري شواهد لا تعد لأشخاص أخبروني حكاياتهم ثم رحلوا بصمت، بل قتلوا، وهم مأخوذون بحكايات الحياة والغد التي سُلبت منهم.

أنتقل من كتاب «فجر غزة»، ومن «رسالة إلى أبي» إلى كتابي المفضل «رسائل إلى ميلينا»، ثم أرى نفسي أعود لمرة جديدة إلى كافكا (لا أستطيع أن أعد كم من المرات قرأتها) إلى روايته «المسخ»، أتابع غريغور سامسا، بطل الرواية الذي تحول إلى حشرة عملاقة وأتحسس جسدي، وأتأكد أنني ما زلت أنا... وأنني ربما نجوت. رغم كل ما كتب عن كافكا وجدت في إعادة قراءة هذه الرواية طريقة جديدة لتنويم قلقي ولو لوقت.

ماري طوق

الكاتبة والمترجمة ماري طوق: «الجوع العتيق» وروايات إنسانية فريدة

استوقفتني هذه السنة روايتان تجمعهما أجواؤهما اللبنانية، «أغنيات للعتمة» للكاتبة إيمان حميدان، المشرّعة على أسئلة التاريخ اللبناني والسياسة، وتلك المتعلّقة بمصائر النساء، ورواية «قصر موّال» للفرنكوفونية دومينيك إده، المغلّفة بعزلة قصر تسائل مصير «البيت اللبناني الكبير».

في «أغنيات للعتمة» تسرد إيمان حميدان بلغة رشيقة حيوات نساء عائلة الدالي، وفي خلفية السرد تتراءى حقب من تاريخ لبنان: الحرب الكبرى وويلاتها، والحرب العالمية الثانية المتقاطعة مع حقبة الاستقلال والألغام الكثيرة المعترضة طريقه، وصولاً إلى الحرب الأهلية. أحداث ومحطات ترويها نساء العائلة وشكّلت على نحوٍ أو آخر مصائرها: ظهور «الداهشية» في بيروت وما استتبع ذلك من خنق لحرية أتباعها، إعدام أنطون سعادة الذي جرى دون محاكمة فعلية فكان نقطة تحوّل كبيرة في حياة أفراد العائلة، الأحداث التي سميّت بثورة 1958، محاولة الانقلاب التي قام بها الحزب القومي، إفلاس بنك أنترا، ومن ثم اندلاع الحروب الأهلية.

«أغنيات للعتمة» حكاية المكان بوجهيه القروي والمديني، تتقاسمه قريتا كسورة في جبل لبنان وأجمات في البقاع الغربي وبينهما بيروت التي تعيش على وقع الانهيارات. ومع حكاية المكان سيرة المحطات المأساوية المتعدّدة التي تجعلنا نعاف التاريخ: الحرب الأهلية واجتياح إسرائيل لبنان ليتوقّف الزمن هناك: إنه الوطن الاستحالة على أكثر من صعيد حيث ما برحت كل تلك الأمكنة تفضي إلى الهجرة خارجها: «خرجنا ونجونا لكن ما معنى النجاة هنا. وأيّ نجاة؟» تحت هذه السماء الضيقة كسقف ثمة ما يدفئ عتمة الروح وينعش ذوابلها: السؤال والأغنيات، فهل من يسمع نداء الأغنيات؟

أمّا رواية «قصر موال» لدومينيك إده فقرأتها بهذا «الجوع العتيق» إلى روايات تحاكي تجارب إنسانية فريدة يمتزج فيها الحبّ بالأدب ونشدان كل ما هو جميل ونبيل. «مشاهد من الحياة الزوجية» على طريقة إده تدور في قصر موّال البيروتيّ حيث يحتلّ المقدّمة زوجان: ليونورا الإيطالية الشجاعة التي قادتها تجربة الترهّب إلى لبنان، وسليم البرجوازي اللبناني المرهف الذي يملك قصر موال لكنّه اختار التخفّف من زحام المكان والعيش في فندق مجاور. إنّها رواية الانسحاب والغلوّ في آن واحد.

ولا بدّ من الإشارة إلى رواية فرنسية ترجمتها مؤخّراً «الأخوات الخمس» للكاتب بيرسي كمب الذي تتقاطع في شخصه جذور إنجليزية ولبنانية. وجدت لذة في قراءتها لأنّها أخذتني إلى عوالم مختلفة باستعارات مدهشة يمتزج فيها التاريخ العالمي بالسياسة والجاسوسية والجوائح الفيروسية والرقمية.

صهيب أيوب

الروائي صهيب أيوب: «أعمال أتمنى لو تترجم للعربية»

سعدت هذا العام بقراءة أعمال أدبية كثيرة وباللغتين العربية والفرنسية. رواية هدى بركات «هند أو أجمل امرأة في العالم»، توجت قراءاتي، وكانت الخاتمة مثل هدية بهذه الرواية البديعة، التي أجدها عميقة بطبقات كثيرة، وتحتاج إلى قراءة مختلفة وإلى إنصات داخلي، لما تضمره من حيوات وطرق وسرديات، تتعمق في فهم الإنسان لوجوده وحاجته إلى النجاة والأمل. مع «هند» نتكشف ذواتنا الباحثة، من خلال السرد الذي يطوف بنا بعوالم عدة ومدن وشوارع وروائح وخرائط وجغرافيات ومعارف، تشكل فضاء روائياً دسماً، وقراءة تقدم الكثير للقارئ ولخياله. واحتاجت مني هذه الرواية إلى قراءة ثانية للتوغل أكثر في البحث داخل هذه الشخصية التعددية.

قرأت أيضاً رواية «روض الحياة المحزون»، وهي من أولى أعمال الروائي اللبناني حسن داوود، وأنصح بالعودة إليها، خصوصاً أنها رواية باطنية وتحتاج إلى قراءة بطيئة كأسلوب كاتبها.

أيضاً قرأت كتاب هيثم الورداني «بنات آوى والحروف المفقودة»، وهو إعادة ذكية وشفافة في قراءة الخرافات العربية، وأشبه بتأملات في كتاب «كليلة ودمنة» وكائناته ومساءلة لابن المقفع. وقرأت ديوان الشاعر الطرابلسي والناقد فادي العبد الله «البياض الباقي»، الصادر عن «دار الجديد». ديوان رقيق بلغة متينة تذكرنا بشعر الأقدمين وبحساسية عميقة، يحاول الشاعر، أحياناً بصوفية، قراءة تفاصيل العالم الذي يحيطه بعين مرهفة، لا تخلو من التحسر والحنين.

بالفرنسية أكثر ما أعجبني رواية ساندرين كوليت «مادلين قبل الفجر»، وأتمنى أن تحظى بترجمة يوماً ماً إلى اللغة العربية، وقرأت ديوان نينار اسبر، بعنوان: «mes instantanés, beyrouth- paris 1990 -2021». وهو قصائد تتعمق بإحساس المنفى. تستعيد فيه الشاعرة مدينتها بيروت وتحاول التوغل بمشاعرها في شتاتها وصور الماضي والذكريات ومعنى وجودها بين زمانين ومكانين وأثر الحرب والهجرة على دواخلها وتصوراتها، وهو كتاب أتمنى أيضاً ترجمته للقارئ العربي.

وقرأت مسرحيات، منها أعمال الحائزين على «نوبل» يون فوسيه وبيتر هاندكه، وأخص عمل فوسيه «أنا الريح/الأيام تذهب» وعمل هاندكه البديع «outrage au public».

سليمان بختي

الناشر سليمان بختي: «عن الأمكنة والسقوط الأخلاقي»

قرأت كثيراً في الفترة الأخيرة ولا يزال أمامي الكثير. قرأت رواية «الأشجار تمشي في الإسكندرية» لعلاء الأسواني، إذ نقلنا بسهولة ويسر إلى الإسكندرية في زمن جمال عبد الناصر، والتحولات التي عصفت بها ونسيجها الاجتماعي المنقلب من الملكية إلى الثورة. أعجبني الفضاء الكوزموبوليتي الذي صنعه الأسواني وانطلق منه إلى رصد مصائر الشخصيات في ذروة صراعها مع الواقع والتاريخ والدولة. تصوير دقيق لهزيمة الضمير والسقوط الأخلاقي للفرد والمجتمع في آن.

الرواية الثانية هي «أطلال رأس بيروت» للكاتب اللبناني محمد الحجيري. الذي استطاع أن يوثق لمرحلة التسعينات من القرن الماضي في رأس بيروت، وعلاقة المثقفين بالمقهى والمكان. السؤال الذي يطرحه المؤلف: ماذا يبقى بعد زوال الأمكنة؟ في الرواية جو ساحر من انهمار اللحظات واليوميات الذي يشبه انهمار الدموع والكلمات، مع نهاية عبثية بورقة بيضاء تطير في مهب الريح والحرب ونفاذ الأحوال.

أعجبتني أيضاً رواية «قناع بلون السماء» للكاتب الفلسطيني الأسير باسم خندقجي. استوقفتني المحاولة الصادقة، في تصحيح السردية العربية عن أحداث فلسطين. أحسن المؤلف استخدام الآثار وتوظيف الأسطورة وعلاقة كل ذلك بالتاريخ. رواية مميزة كتبت بنبض حي ولغة أنيقة وتحمل إضافة مميزة في بناء الرواية لأجل معرفة مختلفة ووعي معمّق.

الكتاب الرابع هو «الوجه الآخر للظل» للروائي رشيد الضعيف استطاع فيه أن يمزج الأدب والأسطورة، وعلى مستوى آخر ارتباط الإنسان بالواقع والوجود. السرد الجميل الذي اعتمده الضعيف يعيد الحلم والأمل بأن الكلمة تستطيع أن تفتح أبواب العالم وتمزج الأزمنة.

بالإنجليزية هناك كتاب «الحنين: عاطفة خضراء» لاغنيس فورستر، وأتمنى أن ينقل إلى العربية، يتحدث عن تاريخ هذه العاطفة منذ القرن السابع عشر وصولاً إلى جماعة «فيسبوك» واصطفافهم وراء مراحل وذكريات ورموز. ويبحث الكتاب في السبب الذي يجعلنا نرى الماضي زاهياً، ونحن المرء إلى ماض نعتبره مثالياً؟

محمود شريح

الكاتب محمود شريح: «عن بواكير الأدبيّات اللبنانية حول الصهيونيّة»

قرأت جديد د. غسّان الخازن «رؤية يوسف الخازن للدولة اليهوديّة: دراسة تحليليّة» (دار نلسن، بيروت، 2024)، وهو إضاءة على كتيّب الشيخ يوسف الخازن الصادر عام 1919 إبّان ذروة الصراع البريطاني - الفرنسي على بلاد الشام، وكان ردّةَ فعل على مؤتمر السلام المنعقد آنذاك في باريس الذي «رأى لتقرير مصير فلسطين، الاستماع إلى الصهاينة، ممّن لا ناقة لهم ولا جمل في تلك البلاد بدل الإصغاء إلى ممثّلي فلسطين المعتمدين».

الكتيّب، حسب غسان الخازن، من بواكير الأدبيّات اللبنانية حول الصهيونيّة. فحين انصبّ اهتمام معظم مثقّفي متصرفية جبل لبنان على المطالبة بتوسيع مساحة لبنان، وتعميق استقلاليته عن الدولة العثمانيّة، انصرف الشيخ يوسف الخازن إلى تفنيد المزاعم الصهيونية في فلسطين بأسلوب واضح ومختصر وجانح إلى السخرية على عادة الخازنيّين في ظرف أدبهم ليعدّ مداخلة له في مجلس النوّاب لا تتعدّى دقائق معدودات هي متن الكتيّب، ركّز فيها على مناقشة الفكرة الصهيونية، تاريخاً وعقيدة، فلم يخامره شكّ في أن الحركة الصهيونية تسعى إلى إنشاء دولة يهوديّة في فلسطين.

أصدر الشيخ يوسف الخازن كتيّبه هذا بالفرنسيّة، وهو محاضرة ألقاها في باريس بعنوان «الدولة اليهودية في فلسطين - وجهة نظر أحد أبناء البلاد».

وقرأت د. إدمون ملحم، في جديده «الفلسفة الرواقية من زينون إلى سعادة» الصادر عن «دار أبعاد للطباعة والنشر» في بيروت، يضيءُ من مهجره على الفلسفة الرواقية التي شيد أعمدتَها الفيلسوف الفينيقي زينون في القرن الثالث قبل الميلاد، وجدّد دعوتها في النصف الأوّل من القرن العشرين أنطون سعادة، إذ اعتبرَ أنّ زينون أحدثَ ثورة فكرية ذات أثر بليغ في تحرير الفرد من التقليد وحفزه على اتّخاذ العقل شرعاً أعلى في سبيل الوصول إلى الخير ومطالب الرّقي. زينون المتحدِّر من مدينة صُوْر الكنعانية الراحل إلى أثينا الآخذ من فلسفة سقراط مبدأ الفضيلة، جدّد دعوته سعادة وأرساها في صلب عقيدته، ومن هنا أهمية جديد د. ملحم في سرده السيرة الفكرية لهذين النابغتين.

زياد كاج

الروائي زياد كاج: «جواد علي لم يعط حقه»

عدت لقراءة جواد علي، وكتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، وهو في تسعة أجزاء. وأعتبر هذه الأجزاء مرجعاً مهماً جداً لفهم التاريخ الإسلامي. فقد وجدت الكاتب هو الأقرب إلى المنطق والموضوعية في مجاله. معه نفهم الخلفيات التاريخية للأحداث، ونقرأ تفاصيل الحياة الاجتماعية قبل الإسلام. ومن بين ما لفتني قصة تأسيس مكة كمدينة بعد أن كان الناس يعيشون على المرتفعات المحيطة بها بسبب كثرة السيول، وحديثه عن جذور الخلاف السني - الشيعي، الذي بدأ قبل الإسلام بسبب خلاف وتنافس بين أولاد العم، بني أمية وبني هاشم. هذا المرجع الموسوعي لا يعطى حقه وهناك تعتيم على جواد علي، رغم أهميته. أيضاً أوصي بقراءة «إحكي جالس» لرمزي علم الدين، صادرعن «دار نلسن». أحببته لأنه يحكي، بأسلوب سلس قريب من القلب تجربة الكاتب الغنية، ويبرهن، أنه ليس من الضروري أن يكون صاحب الكتاب أديباً محترفاً ومكرساً. المؤلف هو والد المحامية أمل علم الدين، ويكشف كيف تعرف هو على جورج كلوني، ولم يكن قد سمع به من قبل. ذات يوم يرى صورته مع ابنته، فيصعقه الأمر، وهو المعروف في بلدته المحافظة، فجن جنونه. وحين اتصلت به ابنته تقول له جورج يريد أن يتعرف عليه، ويلعب معه الغولف. أخبرها أنه ابن جبل، من يريد التعرف إليه فليأت إلى لبنان، وبما أن لبنان غير آمن، اتفق على مكان محايد، عند أهل زوجته آل مكناس في دبي. وبعد قضاء ثلاثة أيام معاً وجده ذكياً، مخلصاً متواضعاً، وكريماً. كذلك أحببت رواية حسن داوود «نساء وفواكه وآراء» صدرت عن «نوفل، هاشيت - أنطوان» تحكي عن تجربته في كلية التربية في «الجامعة اللبنانية»، أواخر الستينات. أسلوب ممتع، سلس، قريب من القلب، لرواية تحكي عن الزمن الجميل.

الشخصية المحورية، مترددة في الحب والسياسة والاجتماع، ومعظم الشخصيات من أصول ريفية نزلوا إلى المدينة من الريف واصطدموا بعالمها وقيمها. هؤلاء تأتي الحرب وتفرقهم، لكن مصائرهم متشابهة. قرأت رواية ثانية لهذا الكاتب القادم من الجنوب، والمتواضع والمثقف «لا طريق إلى الجنة»، أحببتها أكثر من الأولى. تحكي قصة شيخ دين شيعي من الجنوب يرث المشيخة عن والده، وهو غير مقتنع بدوره الجديد في القرية. يعيش حالة صراع بين دراسته الدينية وما يعيشه. رواية تسبر أغوار إنسان فرض عليه دور، سرعان ما يكتشف أنه لا ينسجم مع طموحاته ويدخل في صراع عنيف مع ذاته. يعيش مع امرأة لا هو يحبها ولا هي تحبه. في الوقت نفسه معجب بزوجة أخيه المتوفى، ويعاني من عقدة ذنب. بعد قصة غرام وإصابة بالسرطان يدخل المستشفى وتبقى النهاية مفتوحة.



التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.