قراءات المثقفين اللبنانيين في عام 2024

شغف خاص بالرواية وسردية الحرب وكتب التاريخ (3-3)


محمود شريح
محمود شريح
TT

قراءات المثقفين اللبنانيين في عام 2024


محمود شريح
محمود شريح

مرت الثقافة العربية بعام قاسٍ وكابوسي، تسارعت فيه وتيرة التحولات بشكل دراماتيكي مباغت، على شتى الأصعدة، وبلغت ذروتها في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة وطالت لبنان، ولا تزال مشاهدها الدامية تراكم الخراب والدمار على أرض الواقع... في غبار هذا الكابوس تستطلع «الشرق الأوسط» أهم قراءات المثقفين والمبدعين العرب خلال 2024.

في لبنان احتلت الرواية مكانة مهمة في قراءات الكتاب والمثقفين لهذا العام، ورأوا فيها شغفاً خاصاً بالحياة وذكرياتها القصية والقريبة. وبرغم أن هذه الشغف لم يسلم من شظايا العدوان الإسرائيلي الغاشم على البلاد، إلا أنه تحول فعل مقاومة وزاداً معرفياً من نوع فريد.

إيمان حميدان

الروائية إيمان حميدان: «كأن فعل القراءة يغدو مستحيلاً»

هذا السؤال بدا لي مختلفاً هذا العام. كل عام يطرح هذا السؤال، ونجيب. لكن هذا العام أشعرني بالغربة. قد يكون ما أكتبه هنا بعيداً عن سؤال ماذا قرأت؟ قد يكون، كيف قرأت؟ وماذا شعرت حين كنت أقرأ؟

لأبدأ أولاً، إنه كان عاماً صعباً، صعباً بالنسبة لي على كل المستويات، وأهمها ما يجري حولي، وفي داخل لبنان، وما تعرض له الناس من همجية يعجز أي كتاب عن وصفها. ثم عليّ أيضاً أن أجيب عن سؤال: ماذا قرأت. كنت أبدأ بكتاب ثم لا أنتهي منه. أجد صعوبة في التركيز. أشعر بقلق حادٍ لم يصبني من قبل. كأن فعل القراءة يغدو مستحيلاً في تلك اللحظات الشرسة. القراءة تغدو إراحة للعقل الذي لا يريد أن يهدأ والذي يلف ويدور فيه ألف سؤال. وأنا لم أشأ الراحة، بات القلق صفة تلازمني في المساء والليل. أقرأ وأتوقف كي أوقظ أسئلتي التي تنخر دماغي. أسأل ماذا جرى لنا؟

كتب عديدة لم أنته من قراءتها. كان عليّ أن أعيد برمجة قراءاتي، كي أهدأ وأرتاح. الكتاب الذي أنهيته فعلاً هو «فجر في غزة»، صدر باللغة الإنجليزية. قام فيه محمود منى وطوماس تيللر بتوثيق مقابلات مع فلسطينيين كانوا في بداية 2024 لا يزالون في غزة ويتعرضون لخطر الموت والإبادة. هزّني الكتاب، هزتني قصص الحياة والأمل وسط الدمار والخراب والموت. الناس الذين أثثوا صفحات الكتاب بقصصهم ما زالوا أحياء أو أنني أقرأ قصصاً لأناسٍ عرفتهم عبر الكتاب، ماتوا ولم يدر أحد بموتهم. حين علمت بموت إحدى المساهمات في الكتاب هبة المقادمة، بكيت. هي التي وثقت يوميات حياتها وحياة عائلتها. أرى الآن الكتاب على الطاولة الصغيرة في غرفة نومي، أفكر أحياناً أن قرب سريري شواهد لا تعد لأشخاص أخبروني حكاياتهم ثم رحلوا بصمت، بل قتلوا، وهم مأخوذون بحكايات الحياة والغد التي سُلبت منهم.

أنتقل من كتاب «فجر غزة»، ومن «رسالة إلى أبي» إلى كتابي المفضل «رسائل إلى ميلينا»، ثم أرى نفسي أعود لمرة جديدة إلى كافكا (لا أستطيع أن أعد كم من المرات قرأتها) إلى روايته «المسخ»، أتابع غريغور سامسا، بطل الرواية الذي تحول إلى حشرة عملاقة وأتحسس جسدي، وأتأكد أنني ما زلت أنا... وأنني ربما نجوت. رغم كل ما كتب عن كافكا وجدت في إعادة قراءة هذه الرواية طريقة جديدة لتنويم قلقي ولو لوقت.

ماري طوق

الكاتبة والمترجمة ماري طوق: «الجوع العتيق» وروايات إنسانية فريدة

استوقفتني هذه السنة روايتان تجمعهما أجواؤهما اللبنانية، «أغنيات للعتمة» للكاتبة إيمان حميدان، المشرّعة على أسئلة التاريخ اللبناني والسياسة، وتلك المتعلّقة بمصائر النساء، ورواية «قصر موّال» للفرنكوفونية دومينيك إده، المغلّفة بعزلة قصر تسائل مصير «البيت اللبناني الكبير».

في «أغنيات للعتمة» تسرد إيمان حميدان بلغة رشيقة حيوات نساء عائلة الدالي، وفي خلفية السرد تتراءى حقب من تاريخ لبنان: الحرب الكبرى وويلاتها، والحرب العالمية الثانية المتقاطعة مع حقبة الاستقلال والألغام الكثيرة المعترضة طريقه، وصولاً إلى الحرب الأهلية. أحداث ومحطات ترويها نساء العائلة وشكّلت على نحوٍ أو آخر مصائرها: ظهور «الداهشية» في بيروت وما استتبع ذلك من خنق لحرية أتباعها، إعدام أنطون سعادة الذي جرى دون محاكمة فعلية فكان نقطة تحوّل كبيرة في حياة أفراد العائلة، الأحداث التي سميّت بثورة 1958، محاولة الانقلاب التي قام بها الحزب القومي، إفلاس بنك أنترا، ومن ثم اندلاع الحروب الأهلية.

«أغنيات للعتمة» حكاية المكان بوجهيه القروي والمديني، تتقاسمه قريتا كسورة في جبل لبنان وأجمات في البقاع الغربي وبينهما بيروت التي تعيش على وقع الانهيارات. ومع حكاية المكان سيرة المحطات المأساوية المتعدّدة التي تجعلنا نعاف التاريخ: الحرب الأهلية واجتياح إسرائيل لبنان ليتوقّف الزمن هناك: إنه الوطن الاستحالة على أكثر من صعيد حيث ما برحت كل تلك الأمكنة تفضي إلى الهجرة خارجها: «خرجنا ونجونا لكن ما معنى النجاة هنا. وأيّ نجاة؟» تحت هذه السماء الضيقة كسقف ثمة ما يدفئ عتمة الروح وينعش ذوابلها: السؤال والأغنيات، فهل من يسمع نداء الأغنيات؟

أمّا رواية «قصر موال» لدومينيك إده فقرأتها بهذا «الجوع العتيق» إلى روايات تحاكي تجارب إنسانية فريدة يمتزج فيها الحبّ بالأدب ونشدان كل ما هو جميل ونبيل. «مشاهد من الحياة الزوجية» على طريقة إده تدور في قصر موّال البيروتيّ حيث يحتلّ المقدّمة زوجان: ليونورا الإيطالية الشجاعة التي قادتها تجربة الترهّب إلى لبنان، وسليم البرجوازي اللبناني المرهف الذي يملك قصر موال لكنّه اختار التخفّف من زحام المكان والعيش في فندق مجاور. إنّها رواية الانسحاب والغلوّ في آن واحد.

ولا بدّ من الإشارة إلى رواية فرنسية ترجمتها مؤخّراً «الأخوات الخمس» للكاتب بيرسي كمب الذي تتقاطع في شخصه جذور إنجليزية ولبنانية. وجدت لذة في قراءتها لأنّها أخذتني إلى عوالم مختلفة باستعارات مدهشة يمتزج فيها التاريخ العالمي بالسياسة والجاسوسية والجوائح الفيروسية والرقمية.

صهيب أيوب

الروائي صهيب أيوب: «أعمال أتمنى لو تترجم للعربية»

سعدت هذا العام بقراءة أعمال أدبية كثيرة وباللغتين العربية والفرنسية. رواية هدى بركات «هند أو أجمل امرأة في العالم»، توجت قراءاتي، وكانت الخاتمة مثل هدية بهذه الرواية البديعة، التي أجدها عميقة بطبقات كثيرة، وتحتاج إلى قراءة مختلفة وإلى إنصات داخلي، لما تضمره من حيوات وطرق وسرديات، تتعمق في فهم الإنسان لوجوده وحاجته إلى النجاة والأمل. مع «هند» نتكشف ذواتنا الباحثة، من خلال السرد الذي يطوف بنا بعوالم عدة ومدن وشوارع وروائح وخرائط وجغرافيات ومعارف، تشكل فضاء روائياً دسماً، وقراءة تقدم الكثير للقارئ ولخياله. واحتاجت مني هذه الرواية إلى قراءة ثانية للتوغل أكثر في البحث داخل هذه الشخصية التعددية.

قرأت أيضاً رواية «روض الحياة المحزون»، وهي من أولى أعمال الروائي اللبناني حسن داوود، وأنصح بالعودة إليها، خصوصاً أنها رواية باطنية وتحتاج إلى قراءة بطيئة كأسلوب كاتبها.

أيضاً قرأت كتاب هيثم الورداني «بنات آوى والحروف المفقودة»، وهو إعادة ذكية وشفافة في قراءة الخرافات العربية، وأشبه بتأملات في كتاب «كليلة ودمنة» وكائناته ومساءلة لابن المقفع. وقرأت ديوان الشاعر الطرابلسي والناقد فادي العبد الله «البياض الباقي»، الصادر عن «دار الجديد». ديوان رقيق بلغة متينة تذكرنا بشعر الأقدمين وبحساسية عميقة، يحاول الشاعر، أحياناً بصوفية، قراءة تفاصيل العالم الذي يحيطه بعين مرهفة، لا تخلو من التحسر والحنين.

بالفرنسية أكثر ما أعجبني رواية ساندرين كوليت «مادلين قبل الفجر»، وأتمنى أن تحظى بترجمة يوماً ماً إلى اللغة العربية، وقرأت ديوان نينار اسبر، بعنوان: «mes instantanés, beyrouth- paris 1990 -2021». وهو قصائد تتعمق بإحساس المنفى. تستعيد فيه الشاعرة مدينتها بيروت وتحاول التوغل بمشاعرها في شتاتها وصور الماضي والذكريات ومعنى وجودها بين زمانين ومكانين وأثر الحرب والهجرة على دواخلها وتصوراتها، وهو كتاب أتمنى أيضاً ترجمته للقارئ العربي.

وقرأت مسرحيات، منها أعمال الحائزين على «نوبل» يون فوسيه وبيتر هاندكه، وأخص عمل فوسيه «أنا الريح/الأيام تذهب» وعمل هاندكه البديع «outrage au public».

سليمان بختي

الناشر سليمان بختي: «عن الأمكنة والسقوط الأخلاقي»

قرأت كثيراً في الفترة الأخيرة ولا يزال أمامي الكثير. قرأت رواية «الأشجار تمشي في الإسكندرية» لعلاء الأسواني، إذ نقلنا بسهولة ويسر إلى الإسكندرية في زمن جمال عبد الناصر، والتحولات التي عصفت بها ونسيجها الاجتماعي المنقلب من الملكية إلى الثورة. أعجبني الفضاء الكوزموبوليتي الذي صنعه الأسواني وانطلق منه إلى رصد مصائر الشخصيات في ذروة صراعها مع الواقع والتاريخ والدولة. تصوير دقيق لهزيمة الضمير والسقوط الأخلاقي للفرد والمجتمع في آن.

الرواية الثانية هي «أطلال رأس بيروت» للكاتب اللبناني محمد الحجيري. الذي استطاع أن يوثق لمرحلة التسعينات من القرن الماضي في رأس بيروت، وعلاقة المثقفين بالمقهى والمكان. السؤال الذي يطرحه المؤلف: ماذا يبقى بعد زوال الأمكنة؟ في الرواية جو ساحر من انهمار اللحظات واليوميات الذي يشبه انهمار الدموع والكلمات، مع نهاية عبثية بورقة بيضاء تطير في مهب الريح والحرب ونفاذ الأحوال.

أعجبتني أيضاً رواية «قناع بلون السماء» للكاتب الفلسطيني الأسير باسم خندقجي. استوقفتني المحاولة الصادقة، في تصحيح السردية العربية عن أحداث فلسطين. أحسن المؤلف استخدام الآثار وتوظيف الأسطورة وعلاقة كل ذلك بالتاريخ. رواية مميزة كتبت بنبض حي ولغة أنيقة وتحمل إضافة مميزة في بناء الرواية لأجل معرفة مختلفة ووعي معمّق.

الكتاب الرابع هو «الوجه الآخر للظل» للروائي رشيد الضعيف استطاع فيه أن يمزج الأدب والأسطورة، وعلى مستوى آخر ارتباط الإنسان بالواقع والوجود. السرد الجميل الذي اعتمده الضعيف يعيد الحلم والأمل بأن الكلمة تستطيع أن تفتح أبواب العالم وتمزج الأزمنة.

بالإنجليزية هناك كتاب «الحنين: عاطفة خضراء» لاغنيس فورستر، وأتمنى أن ينقل إلى العربية، يتحدث عن تاريخ هذه العاطفة منذ القرن السابع عشر وصولاً إلى جماعة «فيسبوك» واصطفافهم وراء مراحل وذكريات ورموز. ويبحث الكتاب في السبب الذي يجعلنا نرى الماضي زاهياً، ونحن المرء إلى ماض نعتبره مثالياً؟

محمود شريح

الكاتب محمود شريح: «عن بواكير الأدبيّات اللبنانية حول الصهيونيّة»

قرأت جديد د. غسّان الخازن «رؤية يوسف الخازن للدولة اليهوديّة: دراسة تحليليّة» (دار نلسن، بيروت، 2024)، وهو إضاءة على كتيّب الشيخ يوسف الخازن الصادر عام 1919 إبّان ذروة الصراع البريطاني - الفرنسي على بلاد الشام، وكان ردّةَ فعل على مؤتمر السلام المنعقد آنذاك في باريس الذي «رأى لتقرير مصير فلسطين، الاستماع إلى الصهاينة، ممّن لا ناقة لهم ولا جمل في تلك البلاد بدل الإصغاء إلى ممثّلي فلسطين المعتمدين».

الكتيّب، حسب غسان الخازن، من بواكير الأدبيّات اللبنانية حول الصهيونيّة. فحين انصبّ اهتمام معظم مثقّفي متصرفية جبل لبنان على المطالبة بتوسيع مساحة لبنان، وتعميق استقلاليته عن الدولة العثمانيّة، انصرف الشيخ يوسف الخازن إلى تفنيد المزاعم الصهيونية في فلسطين بأسلوب واضح ومختصر وجانح إلى السخرية على عادة الخازنيّين في ظرف أدبهم ليعدّ مداخلة له في مجلس النوّاب لا تتعدّى دقائق معدودات هي متن الكتيّب، ركّز فيها على مناقشة الفكرة الصهيونية، تاريخاً وعقيدة، فلم يخامره شكّ في أن الحركة الصهيونية تسعى إلى إنشاء دولة يهوديّة في فلسطين.

أصدر الشيخ يوسف الخازن كتيّبه هذا بالفرنسيّة، وهو محاضرة ألقاها في باريس بعنوان «الدولة اليهودية في فلسطين - وجهة نظر أحد أبناء البلاد».

وقرأت د. إدمون ملحم، في جديده «الفلسفة الرواقية من زينون إلى سعادة» الصادر عن «دار أبعاد للطباعة والنشر» في بيروت، يضيءُ من مهجره على الفلسفة الرواقية التي شيد أعمدتَها الفيلسوف الفينيقي زينون في القرن الثالث قبل الميلاد، وجدّد دعوتها في النصف الأوّل من القرن العشرين أنطون سعادة، إذ اعتبرَ أنّ زينون أحدثَ ثورة فكرية ذات أثر بليغ في تحرير الفرد من التقليد وحفزه على اتّخاذ العقل شرعاً أعلى في سبيل الوصول إلى الخير ومطالب الرّقي. زينون المتحدِّر من مدينة صُوْر الكنعانية الراحل إلى أثينا الآخذ من فلسفة سقراط مبدأ الفضيلة، جدّد دعوته سعادة وأرساها في صلب عقيدته، ومن هنا أهمية جديد د. ملحم في سرده السيرة الفكرية لهذين النابغتين.

زياد كاج

الروائي زياد كاج: «جواد علي لم يعط حقه»

عدت لقراءة جواد علي، وكتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، وهو في تسعة أجزاء. وأعتبر هذه الأجزاء مرجعاً مهماً جداً لفهم التاريخ الإسلامي. فقد وجدت الكاتب هو الأقرب إلى المنطق والموضوعية في مجاله. معه نفهم الخلفيات التاريخية للأحداث، ونقرأ تفاصيل الحياة الاجتماعية قبل الإسلام. ومن بين ما لفتني قصة تأسيس مكة كمدينة بعد أن كان الناس يعيشون على المرتفعات المحيطة بها بسبب كثرة السيول، وحديثه عن جذور الخلاف السني - الشيعي، الذي بدأ قبل الإسلام بسبب خلاف وتنافس بين أولاد العم، بني أمية وبني هاشم. هذا المرجع الموسوعي لا يعطى حقه وهناك تعتيم على جواد علي، رغم أهميته. أيضاً أوصي بقراءة «إحكي جالس» لرمزي علم الدين، صادرعن «دار نلسن». أحببته لأنه يحكي، بأسلوب سلس قريب من القلب تجربة الكاتب الغنية، ويبرهن، أنه ليس من الضروري أن يكون صاحب الكتاب أديباً محترفاً ومكرساً. المؤلف هو والد المحامية أمل علم الدين، ويكشف كيف تعرف هو على جورج كلوني، ولم يكن قد سمع به من قبل. ذات يوم يرى صورته مع ابنته، فيصعقه الأمر، وهو المعروف في بلدته المحافظة، فجن جنونه. وحين اتصلت به ابنته تقول له جورج يريد أن يتعرف عليه، ويلعب معه الغولف. أخبرها أنه ابن جبل، من يريد التعرف إليه فليأت إلى لبنان، وبما أن لبنان غير آمن، اتفق على مكان محايد، عند أهل زوجته آل مكناس في دبي. وبعد قضاء ثلاثة أيام معاً وجده ذكياً، مخلصاً متواضعاً، وكريماً. كذلك أحببت رواية حسن داوود «نساء وفواكه وآراء» صدرت عن «نوفل، هاشيت - أنطوان» تحكي عن تجربته في كلية التربية في «الجامعة اللبنانية»، أواخر الستينات. أسلوب ممتع، سلس، قريب من القلب، لرواية تحكي عن الزمن الجميل.

الشخصية المحورية، مترددة في الحب والسياسة والاجتماع، ومعظم الشخصيات من أصول ريفية نزلوا إلى المدينة من الريف واصطدموا بعالمها وقيمها. هؤلاء تأتي الحرب وتفرقهم، لكن مصائرهم متشابهة. قرأت رواية ثانية لهذا الكاتب القادم من الجنوب، والمتواضع والمثقف «لا طريق إلى الجنة»، أحببتها أكثر من الأولى. تحكي قصة شيخ دين شيعي من الجنوب يرث المشيخة عن والده، وهو غير مقتنع بدوره الجديد في القرية. يعيش حالة صراع بين دراسته الدينية وما يعيشه. رواية تسبر أغوار إنسان فرض عليه دور، سرعان ما يكتشف أنه لا ينسجم مع طموحاته ويدخل في صراع عنيف مع ذاته. يعيش مع امرأة لا هو يحبها ولا هي تحبه. في الوقت نفسه معجب بزوجة أخيه المتوفى، ويعاني من عقدة ذنب. بعد قصة غرام وإصابة بالسرطان يدخل المستشفى وتبقى النهاية مفتوحة.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».