من «سؤال» إلى استثمار واعد... حكاية «تحدث العربية» قولاً وفعلاً

عبد الإله الأنصاري يحول تساؤله إلى مبادرة ثم لمجموعة استثمارية (الشرق الأوسط)
عبد الإله الأنصاري يحول تساؤله إلى مبادرة ثم لمجموعة استثمارية (الشرق الأوسط)
TT

من «سؤال» إلى استثمار واعد... حكاية «تحدث العربية» قولاً وفعلاً

عبد الإله الأنصاري يحول تساؤله إلى مبادرة ثم لمجموعة استثمارية (الشرق الأوسط)
عبد الإله الأنصاري يحول تساؤله إلى مبادرة ثم لمجموعة استثمارية (الشرق الأوسط)

في موقف عادي، لكنه محمّل بدلالات عميقة، طلب منه مديره ذات يوم كتابة رسائل البريد الإلكتروني باللغة الإنجليزية؛ لأن «مسؤولاً أجنبياً قد يقرأها». بدت العبارة بسيطة، لكنها أشعلت في داخله تساؤلاً: لماذا لا يتحدث هذا المسؤول باللغة العربية، وهو في بلد عربي؟

هذا السؤال لم يكن عابراً، بل أصبح نقطة تحول في حياة عبد الإله الأنصاري، الذي أدرك أن المسألة ليست مجرد لغة تواصل، بل هوية ثقافية تختزل تاريخاً وجذوراً. حينها وُلدت فكرة «تحدث العربية»، بوصفها مبادرة صغيرة انطلقت من شغف لإعادة الاعتبار للغتنا وتثبيتها في حياة الناس اليومية.

اختار الأنصاري للمبادرة شعاراً بسيطاً؛ لكنه عميق: «تحدث العربية». كان الهدف أن يكون الشعار قريباً من الجميع، معبراً عن هوية عربية واضحة. بدأت الحملة بتوعية الأفراد، ثم تطورت سريعاً إلى تقديم منتجات وخدمات تدمج اللغة في مختلف جوانب الحياة اليومية.

وخلال الاحتفال السنوي بـ«اليوم العالمي للغة العربية»، كانت المبادرة تنظم فعاليات تُذكّر بأهمية اللغة في بناء الأجيال وتعزيز الانتماء الثقافي، وسرعان ما أصبحت هذه الفعاليات منصة لجذب الاهتمام، حيث بدأت الجهات الحكومية والخاصة التعاون مع المبادرة، مما أسهم في توسعها وتحولها إلى علامة فارقة في مجال التوعية باللغة والهوية.

وفي خطوة جريئة، أعلنت «تحدث العربية»، عشية «اليوم العالمي للغة العربية»، عن تحولها إلى مجموعة استثمارية. جاء هذا التحول خطوةً لإثبات أن اللغة ليست مجرد إرث ثقافي، بل أيضاً مورد اقتصادي يمكن استثماره لتعزيز الهوية وبناء مستقبل مستدام.

وتوسعت نشاطات المجموعة لتشمل 5 أقسام رئيسية: «الفروسية العربية» التي تهدف إلى تعزيز الهوية العربية عبر رياضة الفروسية، وذلك بمسابقات ومراكز تدريب تحمل الطابع الأصيل. و«المباني العربية» التي تصمم مباني تدمج الأنماط المعمارية التقليدية والحداثة لتعكس الهوية الثقافية. بالإضافة إلى «الأفلام العربية» لإنتاج أعمال سينمائية تُصدِّر القيم والسردية العربية عالمياً. و«تعليم العربية» لتطوير مناهج تعليمية تُعيد للغة العربية مكانتها وتُسهم في تعزيز الانتماء الثقافي. وأخيراً «الأحداث العربية» لتنظيم فعاليات تُعيد إحياء التاريخ العربي بأسلوب حديث يُعمّق الوعي الثقافي.

ووفق الأنصاري، مؤسس «تحدث العربية»، فالإحصاءات تشير إلى علاقة وثيقة بين وحدة اللغة ومستوى الدخل. ففي عام 1988، كان متوسط دخل الفرد البريطاني يعادل 12 ألفاً و810 دولارات، مع 7 لغات مستخدمة فقط في البلاد. في المقابل، بلغ دخل الفرد في الفلبين 630 دولاراً فقط، في ظل وجود 164 لغة محلية.

وبين الأنصاري أن هذا الفارق يعكس بوضوح أهمية «توحيد اللغة» في تعزيز الإنتاجية والانسجام داخل المجتمع. كما أن اللغة تُعدّ أداة استراتيجية في التجارة، حيث قال المستشار الألماني ويلي براندت: «إذا أردتُ أن أبيعك بضاعتي، فيجب أن أتحدث لغتك. وإذا أردتَ أن تبيعني بضاعتك، فعليك أن تتحدث الألمانية».

وتُعدّ اليابان مثالاً ملهماً في تمسكها بلغتها وثقافتها، فقد قال غاندي في حديثه عن اليابان: «يتعلم اليابانيون لغات أجنبية لإثراء ثقافتهم، لكنهم يحرصون على ترجمة المعرفة إلى لغتهم، لتصبح ملكية قومية»، يقول الأنصاري: «هذا النموذج يبرز أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي محرك للنمو الاقتصادي والثقافي». وتابع عبد الإله الأنصاري: «بعد 6 أعوام من العمل المتواصل، أثبتنا أن اللغة العربية ليست فقط هوية نفخر بها، بل مورد اقتصادي وثقافي يمكن استثماره. حوّلنا الدفاع عن العربية إلى بناء مستقبل يرتكز على قوتها».

واليوم، تقف «تحدث العربية» بوصفها منصة تجمع بين الأصالة والابتكار، مؤكدة أن الاستثمار في اللغة ليس فقط استثماراً في الماضي؛ بل في مستقبل الأجيال، حيث تظل «الكلمة أداة قوية لصياغة الحاضر وبناء الغد».


مقالات ذات صلة

مسؤول أوكراني يكشف عن خطط لإعادة استئناف التعاون الدفاعي واستدامة توسيعه مع السعودية

خاص  سيرهي باشينسكي رئيس الجمعية الوطنية لصناعات الدفاع في أوكرانيا (NAUDI) (الشرق الأوسط)

مسؤول أوكراني يكشف عن خطط لإعادة استئناف التعاون الدفاعي واستدامة توسيعه مع السعودية

أفصح مسؤول أوكراني أن بلاده تعول كثيراً على السعودية في صنع السلام والاستقرار ببلاده

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الخليج مشاركة شركة «بوينغ» في معرض الدفاع العالمي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

«بوينغ»: نعمل مع السعودية لتحديث أسطول «إف - 15»

أكد أسعد الجموعي، رئيس شركة «بوينغ» في السعودية، أن الشركة تبحث مع وزارة الدفاع والقوات المسلحة مشروعاً استراتيجياً لتحديث أسطول طائرات «إف - 15».

مساعد الزياني (الرياض)
رياضة عالمية الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل يستقبل الأمير ويليام في المسار الرياضي (إكس)

برفقة الفيصل... الأمير ويليام يزور المسار الرياضي

استقبل الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل وزير الرياضة، اليوم الثلاثاء، الأمير ويليام أمير ويلز ولي عهد المملكة المتحدة، وذلك ضمن زيارته الرسمية للمملكة.

سلطان الصبحي (الرياض)
الخليج المشاركون في اجتماع المديرين السياسيين للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش» الذي استضافته الرياض الاثنين (واس)

«التحالف الدولي» يرحب بانضمام سوريا ويؤكد استعداده للعمل الوثيق معها

رحَّب التحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، الثلاثاء، بانضمام الحكومة السورية، بوصفها العضو التسعين في التكتل، مؤكداً استعداده للعمل بشكل وثيق معها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
TT

«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)

«أن يكون لك خادم مخلص في الحياة الأخرى... هذا بالضبط ما فكّر فيه المصري القديم عندما صنع هذه التماثيل الصغيرة، التي لم تكن مجرد شكل جنائزي، بل كانت أشبه بموظفين روحيين مهمتهم ضمان راحة وسعادة المتوفى في العالم الآخر»؛ بهذا الكلمات سلّط المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) الأضواء على تماثيل «الأوشابتي» التي عادة ما ترافق الموتى في المقابر المصرية القديمة، موضحاً في بيان، الثلاثاء، أن كلمة «أوشابتي» مشتقة من الفعل المصري القديم «وشب»، الذي يعني «يُجيب». لهذا تُعرف أيضاً باسم «التماثيل المُجيبة» أو «المجيبون».

كانت الفكرة ببساطة أنه عندما يُنادى على المتوفى في العالم الآخر للقيام بعمل شاق، مثل حرث الحقول أو ري الأرض، ينهض هذا التمثال الصغير ويقول «هأنذا»، ليتولى المهمة بدلاً من سيده. لتصبح هذه التماثيل بمنزلة ضمانة دائمة للراحة والخلود. كانت هذه التماثيل في البداية مجرد رؤوس حجرية توضع في المقبرة، وفى عصر المملكة الوسطى (حوالي 2050 إلى 1710 قبل الميلاد) أصبحت تأخذ شكل مومياء صغيرة، وكان يوضع تمثال واحد أو اثنان في المقبرة. وفي الدولة الحديثة وما بعدها وصلت لفكرتها الأكثر تعقيداً، إذ لم يعد تمثال واحد يكفي، بل أصبح هناك «جيش» كامل يقوم على خدمة المتوفى طوال أيام السنة. وبلغ العدد النموذجي 365 تمثالاً، يمثل كل منها يوماً من أيام السنة. وفي بعض الفترات المتأخرة، زاد هذا العدد ليصل إلى أكثر من ذلك.

أحد تماثيل الأوشابتي (المتحف المصري)

تصف المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، تسليط الضوء على تماثيل «الأوشابتي» في المتحف المصري بأنها «خطوة بالغة الأهمية في إعادة قراءة الفكر الجنائزي للمصري القديم بعيداً عن النظرة الشكلية للقطع الأثرية، إذ تكشف هذه التماثيل عن دور رمزي عميق بوصفها (موظفين روحيين) أو وكلاء يعملون نيابةً عن المتوفّى في العالم الآخر».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود (الأوشابتي) لم يكن مجرد عنصر تزييني داخل المقبرة، بل ارتبط بنصوص دقيقة خصوصاً تعاويذ الفصل السادس من كتاب الموتى التي تفعّل وظيفتها لتؤدي الأعمال الزراعية والخدمية بدلاً من صاحب المقبرة، بما يعكس تصوراً متكاملاً للحياة الأبدية قائماً على الاستمرارية والتنظيم والعمل».

وأشارت إلى أن إبراز «الأوشابتي» بهذا المنظور العلمي يؤكد على الدور المتحفي ليس بوصفه قاعة عرض فقط بل منصات للمعرفة وإعادة تفسير التراث في ضوء مناهج علم المصريات الحديثة، ما يبرز قدرة القطع الأثرية على سرد تاريخ روحي وفكري كامل، يربط الإنسان المصري القديم بأسئلته الكبرى حول الخلود.

وصنعت هذه التماثيل من خامات متعددة مثل الخشب والحجر والبرونز، كما تبرز تماثيل «الفيانس» (القاشاني) كأحد أروع الأنواع. وهو خزف زجاجي ملون كان يُنتج في مصر القديمة بألوان ساحرة، خاصة الأزرق الفيروزي والأخضر، التي كانت ترمز للحياة والنماء، وفق بيان المتحف.

وتعرض قاعات المتحف المصري مجموعات متميزة من تماثيل «الأوشابتي»، من بينها القاعة 22 في الدور العلوي التي تضم مجموعة من تماثيل «الأوشابتي» المصنوعة من الفيانس. وحسب البيان، فهي «ليست قطعاً فنية فحسب، بل نافذة على عقلية المصري القديم وفلسفته تجاه الموت. وتعكس إيمانه الراسخ بالحياة بعد الموت، وحرصه على الاستعداد لها بتفاصيل دقيقة، ليستمتع بالأبدية دون مشقة».

ويرى عالم المصريات والخبير الآثاري، الدكتور حسين عبد البصير، أن «تسليط الضور على هذه التماثيل فكرة جيدة بوصفها عناصر فاعلة داخل منظومة الحياة الأبدية، لا مجرد قطع جنائزية صامتة، وهو طرح يقرّب العقيدة المصرية القديمة من الوعي المعاصر دون إخلال بجوهرها».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن وصف «الأوشابتي» بـ«المجيب» أو «الموظف الروحي» يستند إلى نصوص العقيدة نفسها، لا سيما صيغة الاستجابة الواضحة: «إذا دُعيتُ أُجيب»، وهو ما يكشف عن تصور منظم للعالم الآخر يقوم على الواجب والعمل والاستمرارية.

وعدّ عبد البصير أن هذا المدخل «يفتح أفقاً سردياً وتعليمياً مهماً داخل المتحف، إذ تتحول القطعة الأثرية إلى شاهد على رؤية المصري القديم للحياة بعد الموت بوصفها امتداداً منضبطاً للحياة الدنيا، وهي زاوية تتيح قراءة إنسانية عميقة لـ(الأوشابتي)، وتمنحه صوتاً فكرياً يعبّر عن فلسفة المصري القديم في العمل والعدل والمعنى، لا عن طقوس الموت فقط».

Your Premium trial has ended


مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
TT

مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)

أعلن جنيد سري الدين، أحد مؤسسي «زقاق»، إقفال مسرح الفرقة في الكرنتينا بالعاصمة بيروت. وأوضح أنهم كانوا يأملون استمرار الخشبة التي انطلقت قبل 10 سنوات بدل أن تتحوّل إلى معمل.

تأسس فريق «زقاق» عام 2006 في فرن الشباك، ثم انتقل إلى الكرنتينا، حيث أنشأ مسرحاً نشطاً طوال عِقد كامل. خلال هذه السنوات، قدَّم الفريق أكثر من 40 عملاً مسرحياً، ونظَّم ورشاً درَّبت نحو 7200 مشارك، واستقبل ما يزيد على 129 ألف متفرج.

جنيد سري الدين (مسرح زقاق)

لكن لماذا يُقفل هذا المسرح أبوابه في وقت تحتاج فيه المدينة إلى مسارح جديدة؟

يجيب سري الدين في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نواجه تكاليف تفوق قدراتنا المادية وأكبر من استثماراتنا، فجميع أشكال الدعم والتبرعات التي تلقيناها لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة».

ويشير إلى أن ثِقل التكلفة المالية وعدم قدرة الفريق على تحمّلها، يقابله سبب آخر يتمثّل في الحاجة إلى التوجّه نحو آفاق أوسع، ويضيف: «شعرنا بضرورة القيام بنقلة نوعية مختلفة، ولذلك نخطط لمشروع جديد يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمدينة».

ورغم الصعوبات التي تواجه الفريق، يؤكد سري الدين أن تغيير المكان لا يعني التوقف عن العمل، بل قد يكون أحياناً ضرورة لانطلاقة أفضل.

علاقة فريق «زقاق» بمسرحه في الكرنتينا تتجاوز البعد المكاني. فهي علاقة مشبعة بالذكريات والتحديات واللحظات الحلوة والمرّة، ويعلّق جنيد: «نحن ممتنون لكل ما أنجزناه في هذا المكان، الذي نعدّه قطعة من روحنا. صحيح أننا نشعر بالحزن لمغادرته، لكن البلد بأكمله يعيش حالة تشتّت، ولن نسمح لهذا الواقع بأن يؤثر سلباً علينا. من الضروري القيام بتحولات مدروسة لنتمكّن من البقاء والاستمرار».

وفي عام 2024، وخلال الحرب التي شهدها لبنان في جنوبه، اضطر مسرح «زقاق» إلى إلغاء مشاريع فنية عدّة، فرفع الصوت عالياً، وطالب، من خلال بيان أصدره، بضرورة إيجاد حلول جذرية تحمي الفن في لبنان. ومما جاء فيه: «يُواجه الفن الجريمة، ويحمي التماسك المجتمعي، ويُعزز الشعور بالوجود المشترك». وأضاف: «نعلم أنه بإمكان الجهود الفردية التأثير على النقاش العام وإعادة بناء القيم التي تُحقق إمكانية تغيير عالمي أشمل. ونترقَّب عودة اللقاء بأمان لنتشارك من جديد الأعمال الفنية».

يُطفئ مسرح زقاق أنواره بعد 10 سنوات من العمل الإبداعي (مسرح زقاق)

هذا اللقاء الذي كان يرنو إليه لم يدم إلا نحو سنة. فجاء قرار الإقفال لينسف كل الآمال بإمكانية الاجتماع تحت هذا السقف مدة أطول؛ «لقد كان بإمكاننا استغلال الفترة القصيرة التي تفصلنا عن موعد انتهاء عقدنا مع أصحاب المكان، فنمدِّد حياته الفنية قبل أن نتحوَّل إلى وجهة أخرى. لكن وضعنا المادي وغلاء الإيجارات دفعانا إلى تسريع عملية المغادرة».

ولا يخفي سري الدين عتبه على الدولة اللبنانية، في ظل إهمالها وغياب دعمها للفن وأهله، ما يسهم في شرذمة هذا القطاع، ويقول: «المراكز الثقافية عندنا معرَّضة دائماً للتوقف عن العمل. وتكلفة الإيجارات المرتفعة تُشكل سبباً أساسياً في تخريب مسيرة مسارح تبحث عمَّن ينتشلها من أزماتها. وبصورة عامة، لا توجد رعاية جدية من الدولة للاهتمام بالوجهات الثقافية».

في المرحلة المقبلة، يتجه فريق «زقاق» نحو افتتاح مسرح جديد يحافظ على هدفه الأساسي: دعم الفنان وتشجيعه، وفتح مساحات تتيح له بلورة مواهبه والمشاركة في أعمال مسرحية تعبّر عن أفكاره، ويتابع: «إنها لحظة انتقالية نعوِّل عليها كثيراً. القرار كان صعباً جداً، لكننا نعمل على تحويله إلى طاقة نستمد منها الأمل لولادة مختلفة».

ويأسف جنيد لنيَّة تحويل مسرح «زقاق» في الكرنتينا إلى معمل أو مصنع، قائلاً: «كنا نتمنى الحفاظ على روحه الثقافية والفنية. فهذا المكان تربَّينا وكبرنا في ظلّه، ويعني لنا الكثير كفريق ناضل لنشر ثقافة المسرح الأصيل».

مشهد من إحدى المسرحيات التي عرضت على خشبة زقاق (مسرح زقاق)

يُذكر أن فريق «زقاق» قدّم مئات الأعمال المسرحية، من بينها: «ثلاث أبيات من العزلة»، «بينوكيو»، و«ستوب كولينغ بيروت»، و«نص بسمنة ونص بزيت»، وغيرها.

وكان فريق مسرح «زقاق» قد تأثر مباشرة بتداعيات الانفجارات والحروب في لبنان؛ «لقد اضطررنا إلى ترميمه أكثر من مرة، وكذلك بعد انفجار بيروت. وكما المقاهي والمطاعم المنتشرة في المنطقة، تمسَّكنا برسالة لبنان الثقافية وبدأنا المشوار من جديد. عمر فريقنا اليوم يتجاوز الـ20 عاماً، وشكَّل هذا المكان جزءاً من مشوارنا لا نستطيع بالتأكيد نسيانه».

ويختم جنيد سري الدين: «في غياب دعم من الجهات الرسمية، لا بد أن نصل إلى نهايات من هذا النوع. لكن في المقابل، يبقى افتتاح مسرح جديد الخطوة الأهم. فالمدينة تعاني اليوم خسارة مساحات متتالية في المجال الفني عامة، والثقافي المسرحي خاصة. وسنكمل المشوار ونتحدَّى الصعاب رغم كل شيء».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)
TT

المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)

نجح المتحف البريطاني في جمع مبلغ 3.5 مليون جنيه إسترليني لضمان بقاء قلادة ذهبية ذات صلة بزواج الملك هنري الثامن من زوجته الأولى، كاترين أراغون، ضمن مقتنياته الدائمة، حسب «بي بي سي» البريطانية.

وكان المتحف، الواقع في قلب لندن، قد أطلق حملة تبرعات في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي للاستحواذ على قلادة «قلب تيودور» بصفة نهائية، وهي التي عثر عليها أحد هواة الكشف عن المعادن في حقل بمقاطعة وارويكشاير عام 2019.

وقد أعلن المتحف أخيراً عن بلوغ هدفه التمويلي بعد تلقيه تبرعات شعبية بقيمة 360 ألف جنيه إسترليني، إلى جانب سلسلة من المنح المقدمة من صناديق ائتمانية ومؤسسات فنية.

وفي السياق نفسه، صرح نيكولاس كولينان، مدير المتحف، قائلاً: «إن نجاح هذه الحملة يبرهن على قدرة التاريخ على إلهام الخيال، ويوضح أهمية أن تستقر قطع مثل (قلب تيودور) في المتاحف».

هذا، وقد كشفت الأبحاث التي أجراها المتحف عن أن القلادة ربما صُنعت للاحتفال بخطوبة ابنتهما الأميرة ماري (التي كانت تبلغ عامين آنذاك) من ولي العهد الفرنسي (الذي كان يبلغ ثمانية أشهر) في عام 1518. وتجمع القلادة بين «وردة تيودور» ورمز «الرمان» الخاص بكاترين، كما تحمل شعاراً مكتوباً بالفرنسية القديمة «tousiors» وتعني «دائماً».

وعقب اكتشافها، أُدرجت القلادة بموجب «قانون الكنوز لعام 1996»، والذي يمنح المتاحف والمعارض في إنجلترا فرصة الاستحواذ على القطع التاريخية وعرضها للجمهور. ومن أجل عرضها بشكل دائم، تعين على المتحف سداد مكافأة مالية للشخص الذي عثر عليها وصاحب الأرض التي اكتُشفت فيها.

وقد حرص المتحف على اقتناء القلادة نظراً لندرة القطع الأثرية الباقية التي توثق زواج هنري الثامن من كاترين أراغون. وأوضح المتحف أن أكثر من 45 ألف فرد من الجمهور أسهموا في الحملة، وهو ما غطى ما يزيد قليلاً على 10 في المائة من المبلغ المطلوب.

كما حصل المشروع على دعم بقيمة 1.75 مليون جنيه إسترليني من «صندوق ذكرى التراث الوطني»، المعني بحماية الكنوز التراثية المتميزة والمهددة بالضياع في المملكة المتحدة. وشملت قائمة الجهات المانحة أيضاً جمعية «صندوق الفنون» الخيرية، وصندوق «جوليا راوزينغ»، وجمعية «أصدقاء المتحف البريطاني الأميركيين».

وفي حديثه لبرنامج «توداي»، عبر إذاعة «بي بي سي 4»، أضاف كولينان: «إن تكاتف 45 ألف مواطن وتبرعهم بالمال لإبقاء هذه القطعة في البلاد وعرضها أمام العامة، يعكسان الحماس الشعبي تجاه هذا الأثر. إنها حقاً قطعة فريدة من نوعها».