فيروز... من فتاةٍ خجولة وابنة عامل مطبعة إلى نجمة الإذاعة اللبنانية

صورتها الأولى نُشرت في مجلة «الصياد» عام 1951 (الحلقة الثانية)

فيروز تتحدّث إلى إنعام الصغير في محطة الشرق الأدنى نهاية 1951 (أرشيف محمود الزيباوي)
فيروز تتحدّث إلى إنعام الصغير في محطة الشرق الأدنى نهاية 1951 (أرشيف محمود الزيباوي)
TT

فيروز... من فتاةٍ خجولة وابنة عامل مطبعة إلى نجمة الإذاعة اللبنانية

فيروز تتحدّث إلى إنعام الصغير في محطة الشرق الأدنى نهاية 1951 (أرشيف محمود الزيباوي)
فيروز تتحدّث إلى إنعام الصغير في محطة الشرق الأدنى نهاية 1951 (أرشيف محمود الزيباوي)

بدأ مشوار فيروز في عالم الغناء مع دخولها الإذاعة اللبنانية رسمياً في فبراير (شباط) 1950، حيث تردّد صوتها بشكل متواصل ثم انتشر بتعاونها مع الأخوين رحباني، ودخولها معهما محطة الشرق الأدنى ثم الإذاعة السورية. حصدت النجمة الناشئة الشهرة باكراً، غير أن هويّتها الشخصية ظلّت محتجبة، كما أن صورة وجهها ظلّت مجهولة، إلى أن قدّمتها مجلة «الصياد» في 13 ديسمبر (كانون الأول) 1951 ضمن ركن أسبوعي يحمل عنوان «أرشيف الفن».

جاء في هذا التعريف: «هذه أول صورة تُنشر للمطربة فيروز في الصحف، و(الصياد) هي أول صحيفة تثير مشكلة هذه المطربة التي يملأ صوتها المخملي عشرات التسجيلات في جميع محطات الإذاعة العربية، ومع ذلك فهي لا تكسب في لبنان أكثر من مرتب فتاة كورس، أي أقل من ثمن فستان من الدرجة (الترسو). وعيب فيروز أنها دخلت قصر المجد الفني من باب الإذاعة، وهو أضيق أبوابه، وهي لا تزال طالبة ومن أسرة فقيرة مؤلفة من 9 أشخاص ينامون جميعهم في منزل متواضع جداً مؤلف من غرفتين، وليس لهذه العائلة ثروة ومورد غير صوت فتاتها الصغيرة الذي يتألق دائماً في جميع البرامج الموسيقية بمحطة الإذاعة، ولكن بالسخرة ومجاناً لوجه الفن الربيع. وقد ذهبت جميع المحاولات، حتى التي بذلها الأخوان رحباني، في حمل فيروز على الظهور أمام الجماهير، فالفتاة خجولة يحمرّ خداها ويتلعثم لسانها إذا قال لها أحد زملائها أحسنتِ يا ست، وعندما تتكامل قوى فيروز النفسيّة وتظهر على المسرح ستكون النجمة التي رشّحتها وترشّحها (الصياد) لاحتلال مكان الصدارة بين المغنيات اللبنانيات. وكل ما نرجوه من حضرة مدير الأنباء والإذاعة هو أن يشملها بعطفه لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يُنصف هذه الفنانة الضعيفة».

فيروز في أول صورة تُنشر لها في الصحافة اللبنانية 13 ديسمبر 1951 (أرشيف محمود الزيباوي)

نُشر هذا التعليق في وقت سطع فيه اسم فيروز في محطة الشرق الأدنى عند اشتراكها في العمل مع «ملك التانغو» الشهير إدواردو بيانكو. وفق ما نقلت مجلة «الإذاعة»، قام صبري الشريف، مراقب البرامج الموسيقية في هذه المحطة، بدعوة بيانكو ليسجل بعضاً من أعماله مع فرقته الموسيقية، ورأى أن يجري تجربة جديدة تجمع بين هذه الفرقة وبين الغناء الشرقي، فقام الموسيقار بإجراء تجربة لصوت فيروز فأعجب به، ثم شرع في العمل معها بمشاركة الأخوين رحباني.

حكاية الحوار الصحافي الأول

بثّت محطة الشرق الأدنى في هذه المناسبة حديثاً للآنسة إنعام الصغير مع «المطربة الجديدة فيروز»، ونشرت نص هذه المقابلة في المجلة الخاصة بها في مطلع عام 1952، ويُشكّل هذا الحوار أول حديث معروف لفيروز كما يبدو. سألت المحاورة ضيفتها «المطربة الجديدة» عن اسمها وعن سبب اختيار فيروز اسماً فنياً لها، فأجابت: «اسمي نهاد حداد. ولم أكن أنا التي اختارت اسم فيروز، ولكن عندما ابتدأت الغناء اقترحوا عليّ هذا الاسم ولم أمانع لأنه اسم جميل». ثمّ تحدّثت عن بداياتها، وقالت: «وصلت في دراستي إلى الدراسة الابتدائية، ولكن الفن أرغمني على تلبية دعوته فاضطررت إلى ترك المدرسة ومتابعة الدروس الخاصة». وسألتها المحاورة: «كيف تعلّمت الموسيقى؟ ومن اكتشف هذا الكنز المخبّأ في حنجرتك؟». فأجابت: «كانت مديرة المدرسة تعرف أن لي صوتاً لا بأس به، وفي زيارة للملازم فليفل، الأستاذ أبو سليم، أتت بي لأغني أمامه فأُعجب على ما يظهر بصوتي وطلب مني أن أذهب لتعلم الغناء في المعهد الموسيقي اللبناني. فذهبت، وأخذ يقدمني في الإذاعة اللبنانية». وكان السؤال التالي: «ومن أوّل من طلب منكِ أن تغني في الإذاعة؟». جاء الجواب ملتبساً: «لا أدري في الحقيقة. فكانوا كُثْراً. كلّ يعتبر نفسه أنه هو من خلقني وأوجدني، والحقيقة أن أول أغنية غنيتها، غير الأناشيد الوطنية، كانت أغنية للأستاذ حليم الرومي، وهي أول أغنية أذعتها باسمي الجديد الخاص فيروز».

واصلت فيروز الكلام، وتطرّقت إلى الأمور العائلية التي واجهتها في مهنتها، فقالت: «اعترض والدي في البدء، ولكن عندما وجد أنني مصرّة على الغناء وأني أميل إلى الفن بطبيعتي، وافق وصار من أنصاري». انتقل الحديث إلى «اللون الموسيقي» الذي عُرفت به، وهو «مزيج من الموسيقى الغربية والشرقية»، فأوضحت: «الحقيقة أنني أغنّي في بعض الأحيان لوناً شرقياً خالصاً، وفي أحيان أخرى لوناً غربياً معرّباً، وأنني في الأوبريت مثلاً والبرامج الخاصة، أغني غناءً تمثيلياً ذا طابع شرقي مفطور، ينسبه بعض الناس إلى الموسيقى الغربية». في الختام، سألت المحاورة ضيفتها: «ماذا تنوين عمله في المستقبل؟». فأجابت: «أود أن أتابع دراسة الموسيقى، وليس في نيّتي الآن الظهور لا على المسرح ولا على الشاشة».

فيروز مع ملك التانغو إدواردو بيانكو في محطة الشرق الأدنى نهاية 1951 (أرشيف محمود الزيباوي)

من مسرح المدرسة إلى الإذاعة اللبنانية

تعدّدت الروايات التي تحدّثت عن انطلاقة فيروز، وتبدّلت تفاصيلها مع مرور الزمن، وأولاها على الأرجح هي تلك التي سجّلها الصحافي المصري محمد السيد شوشة في 1956، ونقلها في كتابه «فيروز المطربة الخجول». في مقدّمة هذا التحقيق، ذكر شوشه والد فيروز، وديع حداد، وقال إنه عامل يرتدي الثياب الزرقاء في مطبعة صحيفة «لوجور» في بيروت، استمرّ في هذا العمل بعد بروز ابنته ونجاحها. تطرّق الصحافي إلى سيرة نهاد حداد في طفولتها بإيجاز، وقال: «هي إحدى 4 أشقاء، 3 بنات وهن نهاد وهدى وآمال، وولد يُدعى جوزيف»، والغريب أنه لا يأتي على ذكر والدتها. ثم يضيف: «كانت أسرة فقيرة تعيش على الكفاح، ولكن الأب أخذ يقتصد من دخله القليل ليعلّم أبناءه، فألحق نهاد بإحدى المدارس الابتدائية، حيث ظهر نبوغها في إلقاء الأناشيد، وأصبحت موضع إعجاب مدرّساتها، يُظهرنها في الحفلات المدرسية كصاحبة أجمل صوت في المدرسة».

وسمعها محمد فليفل في إحدى هذه الحفلات الموسيقية، «فأعجب بصوتها، ونصح والدها بأن يوجهها توجيهاً موسيقياً، وبأن يلحقها بمعهد الموسيقى، فوافق الأب على ذلك، ومنذ ذلك التاريخ، بدأ الرجل يتعهّدها بالتعليم، فحفظت عنه الأناشيد، وبعد ذلك ضمّها إلى فرقته التي كانت تذيع برامج مدرسية من دار الإذاعة اللبنانية باسم فرقة الأخوين سليم ومحمد فليفل. من هنا لفتت المطربة الصغيرة نظر حافظ تقي الدين سكرتير برامج الإذاعة في ذلك الحين؛ فقد وجد في صوتها معدناً نادراً، ما جعله يسرع بالذهاب إلى مكتب رئيس الموسيقى ويقول له: (تعالَ معي إلى الاستديو، فهناك مفاجأة)». دعا مدير القسم الموسيقي حليم الرومي للاستماع إلى هذه الصبية، ففعل، وتحمّس لها، وألحقها بالكورس النسائي الخاص بالإذاعة.

نهاد حداد (يسار الصورة) مع مكتشفها محمد فليفل 5 مايو 1950 (أرشيف محمود الزيباوي)

حليم الرومي يروي قصة اللقاء الأول

قبل أن ينشر محمد السيد شوشة هذه الرواية، استعاد حليم الرومي قصة اكتشافه لفيروز في مقالة نشرها بمجلة «الإذاعة» في أكتوبر (تشرين الأول) 1954، وذكر فيها أن حافظ تقي الدين دلّه في الاستوديو إلى الصبية التي أعجب بصوتها، فنظر إليها، ولم يبدُ له «أن شيئاً مهمّاً يكمن في صدر هذه الفتاة وحنجرتها»، فطلب منها أن توافيه إلى المكتب، ففعلت، فسألها عن اسمها، «فقالت بخجل ظاهر جداً نهاد حداد». واصل حليم الرومي روايته: «طلبت إليها أن تغنّي، فاحمرّ وجهها احمراراً شديداً، فما كان منّي إلّا أن شجّعتها، ووعدتها بإعطائها عملاً شهرياً منظّماً إذا نجحت في التجربة، فما كان منها إلّا أن بدأت الغناء بموال (يا ديرتي مالك علينا اللوم) لأسمهان، فلمست في صوتها أشياء جديدة غير موجودة في بقية الأصوات، فقد شعرت إلى رخامة الصوت وعذوبته بأن قلبها هو الذي يغنّي، وشعرت بأن هذا الصوت قوة نحن بحاجة إليها. وبعد أسبوع، كانت نهاد موظّفة في محطة الإذاعة اللبنانية، وقدّمتها في أولى حفلاتها باسم فيروز وهو الاسم الفني الذي اتخذته لها بموافقتها، وغنّت من ألحاني وألحان مختارة أخرى لأنجح الملحنين اللبنانيين والمصريين، وتفتح ذهنها والتهب حبها لهذا الفن، وكانت تتفوّق على نفسها في كل مرة تحفظ فيها الألحان؛ ذلك أنها فنانة بطبعها وروحها وعروقها».

تلميذة «حوض الولاية للبنات»

بعد عقود طويلة، روى محمد فليفل قصة اكتشافه لفيروز بعد أن بلغ الثمانين من عمره، وذلك في حوار صحافي أجرته معه هدى المر، ونشرته مجلة «المجلة» في عام 1980. تقول هذه القصة إن الأخوين محمد وأحمد فليفل كانا يحضران لتقديم عمل بعنوان «نشيد الشجرة» عبر الإذاعة اللبنانية، وكانا بحاجة إلى أصوات جميلة لتنفيذ هذه المهمة، فبدآ رحلة التفتيش عبر المدارس، وكانت إحدى محطاتهما مدرسة «حوض الولاية للبنات» حيث قدمت لهما مديرة المدرسة سلمى قربان فرقة المنشدات التي راحت تنشد أمامهما. لفت سمع محمد فليفل صوت الطالبة الصبية نهاد حداد، فتبنّاها فنياً، وأدخلها الكونسرفاتوار لتدرس أصول الموسيقى تحت إشرافه، فصارت تحضر يومي الثلاثاء والخميس من كل أسبوع لتتعلم أصول النوتة الموسيقية.

تابعت الصبية هذه الدراسة بشغف، فكانت «الطالبة التي تقضي كل أوقاتها في التمارين الموسيقية، وتبلورت موهبتها، وزادها توهّجاً درسها الموسيقى الغربية والشرقية، والإنشاد الصوتي والغنائي، وكذلك التمارين التي كانت تقوم بها من أجل تهذيب لفظها العربي وإلقائها التمثيلي». وسأل أستاذها مدير الكونسرفاتوار وديع صبرا عن رأيه فيها، فرأى أنها ممتازة، «وبعد أن أجرت الامتحانات النهائية، كانت نتائجها باهرة، واستحقت إعجاب اللجنة الفاحصة».

نهاد حداد تغنّي في حفل أقيم على شرف محمد فليفل في الكونسرفاتوار 5 مايو 1950 (أرشيف محمود الزيباوي)

واصل فليفل الكلام، وتحدث عن التحاق نهاد حداد بعملها في الإذاعة، وتختلف روايته عن تلك التي قدّمها حليم الرومي. فحسب هذه الرواية، حضرت نهاد حداد أمام لجنة امتحان الأصوات، التي ضمّت حليم الرومي وخالد أبو النصر ونقولا المني، وأدّت موال أسمهان الشهير «يا ديرتي ما لك علينا لوم»، بمصاحبة الرومي الذي ذهل بصوتها، فترك العود، وراح يحدّق فيها. جرى تقييم نهاد حداد بوصفها تلميذة أكملت دروسها الموسيقية، وليست مبتدئة، «واستقرّ الرأي على أن تدخل ضمن ملاك الإذاعة براتب شهري قدره 100 ليرة لا غير». نقع على روايات أخرى تتضارب كذلك في التفاصيل، والثابت أن نهاد حداد تتلمذت في مطلع صباها على يد محمد فليفل، ودخلت معه الإذاعة حيث قدّمها حليم الرومي باسم فيروز. ولمع هذا الاسم منذ بداية انطلاقه، وتوهّج حين ارتبط عضوياً بالأخوين رحباني.

«كوكب البرامج الرحبانية»

في مطلع عام 1952، كتبت مجلة «الفن» المصرية: «أصبح إنتاج الأستاذين عاصي ومنصور رحباني يملأ برامج محطات الإذاعة في لبنان ودمشق والشرق الأدنى، وقد فاوضتهما أخيراً محطة بغداد لتسجيل اسكتشات عدة وأغنيات بأجر ممتاز، وقد تلقّت المطربة الشابة فيروز، وهي كوكب البرامج الرحبانية، رسالة من الموسيقي العالمي إدواردو بيانكو يعرض فيها عليها إقامة حفلات عدّة في مسارح نيويورك وباريس، وذلك بعدما سجّلت أثناء وجوده في لبنان بعض أغانيه العالمية بصوتها الساحر، ووُفّقت في غنائها كل التوفيق».

تابعت فيروز مسيرتها الإذاعية، وشكّلت مع الأخوين رحباني ظاهرة فنية حصدت مجدها الأول خلال عامين من العمل المتواصل، وتكشف مراجعة هذا النتاج عن الكثير من الأحداث المثيرة والمجهولة.


مقالات ذات صلة

سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

يوميات الشرق المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)

سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

أعلنت المغنية الكندية سيلين ديون، مساء أمس (الاثنين)، إحياءها عشر حفلات موسيقية خلال الخريف المقبل في باريس.

«الشرق الأوسط» (باريس )
يوميات الشرق عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)

كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

يوحي عنوان كتاب «نصف حليم الآخر» بأنه يستعيد قصة حب «العندليب الأسمر» عبد الحليم حافظ التي لم تكتمل ومثَّلت جانباً مؤلماً في مسيرته.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

كسبت الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب قضية جديدة ضد شقيقها.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق هاتف أرضي في غرفة نوم عبد حليم (الشرق الأوسط) p-circle 02:02

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

تخيّم على شقة «العندليب» حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
يوميات الشرق عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

أعلنت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ مقاضاة أحد الأطباء اتهمته بـ«الإساءة للعندليب»، وذلك بالتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الـ49 لرحيله.

داليا ماهر (القاهرة )

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.