قادة الأعمال: 5 تحولات للبقاء في عصر العمل المدعّم بالمهاراتhttps://aawsat.com/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85/5067299-%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-5-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B9%D9%91%D9%85-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA
قادة الأعمال: 5 تحولات للبقاء في عصر العمل المدعّم بالمهارات
حتى وقت قريب أمضى العديد من القادة حياتهم المهنية في ظل نموذج عمل يركز على الوظائف التي تتمحور حول التسلسل الهرمي للقيادة والسيطرة. إلا إن إعادة التوجيه إلى نموذج أكثر مرونة وأكثر تعزيزاً للمهارات ستكون تحولاً نموذجياً كبيراً بالنسبة لهم.
تحولات في العقلية والمهارات
رافين جيسوثاسان، الذي ألّف مع زميله تانوغ كابلاشرامي كتاب «المؤسسات المدعّمة بالمهارات: الرحلة إلى مؤسسات الجيل المقبل (The Skills-Powered Organization: The Journey to the Next-Generation Enterprisei)» الصادر بداية الشهر الحالي عن «MIT Press»، كتب يقول إن مستقبل العمل لا يتطلب تغييراً في عقلية القادة فحسب، بل يتطلب أيضاً تحولاً في مجموعة المهارات. إذ ستكون هناك حاجة إلى مهارات وقيم اجتماعية وسلوكيات جديدة. ولن يتم تحديد نجاح القيادة باللقب بقدر ما سيتم تحديده بالمشاريع والإنجازات، وفي النهاية، الشخصية.
وسوف يحتاج القادة إلى إعادة التفكير في الأساسيات مثل جذب العمال والاحتفاظ بهم وتحفيزهم وإشراكهم. وسوف يرغب القادة في اغتنام هذه الفرصة لإعادة التوجيه نحو قيادة أكثر إنسانية. والقادة الأكثر نجاحاً - الذين يمكنهم جذب المواهب بشكل أفضل - سيكونون أولئك الذين يمكنهم توجيه السفينة بشكل ثابت ومستدام ومطابقة المهارات للعمل.
تكيّف القادة: تحولات أساسية
إن تكيف القادة لقيادة مؤسسة مدعومة بالمهارات يتطلب إجراء 5 تحولات أساسية في المهارات.
الانتقال من السلطة الهرمية إلى التمكين والاصطفاف مع العاملين.
أحد أكثر التغييرات التي يمكن ملاحظتها في المؤسسة المدعمة بالمهارات هو التحول في كيفية إنجاز العمل. سوف يحتاج القادة إلى الانتقال من التفكير في كيفية تنظيم الوظائف إلى التفكير في كيفية إنجاز المهام والمشاريع. ومع اكتساب الموظفين المرونة اللازمة للتحول من مشروع إلى آخر بناءً على المهارات والتفضيلات، يتعيّن على القادة وضع أطر قوية لموازنة هذا التمكين مع المساءلة وخلق اتساق على مستوى المؤسسة يحافظ على انسجام الأشخاص مع المهمة الأوسع.
سيحتاج القادة إلى التركيز على كيفية:
-تحديد المهمة الاستراتيجية الشاملة للمؤسسة
-تحديد المهام والمشاريع وإعطائها الأولوية
- تحديد المعايير والأهداف والشروط والأنظمة الداعمة والموارد والمهارات اللازمة لإنجاز هذه المهام
- دعم القادة والمديرين في جميع أنحاء المؤسسة
على مستوى المشروع، سيقوم القادة بتفكيك المشاريع إلى مهام والاستفادة من العاملين للانضمام إلى مشاريعهم وفرقهم بناءً على المهارات المطلوبة. لن يتم تعيين العاملين حصرياً لقائد أو دور واحد، بل سيكونون أحراراً. هذا يعني أن القادة والمديرين في جميع أنحاء المنظمة سيحتاجون إلى الانتقال من كونهم قادة للأشخاص في الأدوار إلى كونهم قادة للأشخاص في المشاريع، وتنظيم وتحسين الأشخاص والتكنولوجيا حول المهارات وتنسيق الموارد لإنجاز المهام وتحقيق الأهداف.
من الأتمتة إلى المشاركة الإنسانية
* الانتقال من الأتمتة الفنية إلى الإنسانية للعمل
مع استمرار أدوات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والتقنيات مثل ChatGPT-4 وDall-E 2 في تحويل العمل، يجب على القادة موازنة كيفية عمل البشر والأتمتة معاً عبر المشاريع والمهام.
إن النظر من خلال هذه العدسة سيساعد القادة على اتخاذ خيارات أفضل فيما يتعلق بكيفية استبدال أو تعزيز أو إعادة اختراع دور العاملين البشر. ولإجراء هذا التحول بنجاح، يجب على القادة التوصل إلى فهم أكثر دقة لما يجلبه البشر من فوائد فيما يتعلق بالإبداع الجمالي والسياق الثقافي والإمكانات الإبداعية. يجب عليهم أيضاً القضاء على التحيزات التي تفترض أن الآلات ستنتج دائماً كفاءة أو اتساقاً أكبر.
التنوع والمساواة والإدماج
* الانتقال من التركيز المتقطع إلى التركيز المستمر على التنوع والمساواة والإدماج
جزء كبير من التحول إلى مؤسسة تعتمد على المهارات يتمثل في إعادة التوجيه حول المزيد من القيم الاجتماعية الإنسانية. تشجع النماذج التقليدية وجهة نظر متقطعة للتنوع والمساواة والإدماج، ولكن مستقبل العمل سيحدده جودة التنوع والمساواة والإدماج في العلاقات والتفاعلات المستمرة. في المؤسسات التي تعتمد على المهارات، يشارك القادة بنشاط في اختيار وتعيين وتطوير أعضاء الفريق، وسيكون التركيز بشكل مباشر على جوهر هذه التفاعلات.
طلاقة تكنولوجية ومواهب خارجية
*الانتقال من المهارة الرقمية إلى الطلاقة التكنولوجية
تحدت الابتكارات الحديثة والسريعة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات الشركات لمواكبة التغييرات السريعة في العمليات وسير العمل، ولكن الجمع بين البشر والأتمتة في نظام العمل يعني موازنة الابتكارات مع الجدوى والعملية والقرارات على مستوى المشروع أو المهمة. وهذه علاقة تكافلية.
* الانتقال من تنفيذ العملية إلى توجيه المشروع
يتضمن هذا الحصول على المواهب من خارج المؤسسة التقليدية وتجميع الفرق بسرعة على أساس المهارات باستخدام الأدوات التي تستخدمها فرق العمل المصغرة . في البداية، قد يبدو أن المؤسسة التي تعمل بالمهارات تقلل من البعد الإنساني للعمل، لكن الخطوات المذكورة أعلاه توضح مدى أهمية الإنسانية لمثل هذه المؤسسة.
ولتجنب الفوضى وضمان التوافق مع استراتيجية أوسع، يجب على القادة تغيير كيفية توزيع السلطة والمساءلة والتطور إلى نموذج قيادة أكثر مرونة ومتسلسل يؤكد على مهاراتهم البشرية.
تستهدف «هيوماين» و«أبلايد إنتويشن» نشر آلاف الشاحنات ذاتية القيادة في السعودية بحلول 2030 ضمن استراتيجية للذكاء الاصطناعي المادي.
نسيم رمضان (الرياض)
فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراضhttps://aawsat.com/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85/5313346-%D9%81%D8%AD%D8%B5-%D8%AC%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%82%D8%AF-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%AE%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D9%86-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%B8%D9%87%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%B6
فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض
كشفت دراسة سكانية واسعة أن تحليل الحمض النووي من بضع قطرات من الدم المأخوذة من كعب الطفل بعد الولادة قد يساعد في اكتشاف طفرات وراثية تزيد خطر الإصابة ببعض سرطانات الطفولة قبل ظهور الأعراض.
وقاد الدراسة باحثون من مركز دانا - فاربر/بوسطن للأطفال لأمراض السرطان والدم بالتعاون مع باحثين من Mass General Brigham، وهو نظام صحي أكاديمي غير ربحي في الولايات المتحدة يجمع بين رعاية المرضى والبحث الطبي والتعليم.
وتشير النتائج التي نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 12 أغسطس (آب) 2026 إلى أن إضافة الفحص الجيني إلى برامج فحوصات حديثي الولادة قد تتيح التعرف إلى الأطفال الأكثر عرضة لبعض السرطانات منذ الأيام الأولى من حياتهم، ما يفتح المجال أمام مراقبة طبية مبكرة، واكتشاف الأورام في مراحل أكثر قابلية للعلاج.
قطرة دم قد تكشف الخطر مبكراً
ويخضع الأطفال حديثو الولادة في الولايات المتحدة حالياً لفحوصات روتينية للكشف عن مجموعة من الأمراض النادرة، والقابلة للعلاج، من خلال تحليل بضع قطرات من الدم تؤخذ من كعب الطفل بعد نحو 24 ساعة من ولادته.
لكن هذه الفحوصات لا تبحث حالياً عن خطر الإصابة بالسرطان، لأن ذلك يتطلب تحليل تسلسل الحمض النووي (دي إن إيه). ويرى الباحثون أن عينات الدم نفسها يمكن أن توفر فرصة للكشف عن طفرات وراثية موروثة -أو جديدة- تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة بطريقة تشبه الفحوصات الجينية التي تحدد لدى البالغين خطر الإصابة ببعض السرطانات، مثل سرطان الثدي، أو القولون.
نحو 7 % يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان
كما حلل الباحثون عينات دم مجففة محفوظة لـ1948 طفلاً ولدوا في ولاية ميشيغان، ثم أصيبوا لاحقاً بورم صلب، أو ورم في الدماغ قبل بلوغ سن الثامنة. وباستخدام فحص شمل 11 جيناً كلها معروفة بارتباطها بمتلازمات الاستعداد الوراثي للسرطان لدى الأطفال، اكتشف الفريق طفرات مرضية، أو يُرجح أن تكون مرضية لدى 132 طفلاً، أي نحو 7 في المائة من المجموعة.
وكانت الغالبية العظمى من هذه الطفرات مرتبطة بنوع الورم الذي أصيب به الطفل لاحقاً، إذ كان الجين مرتبطاً بنوع السرطان الذي تطور لدى 130 من أصل 132 طفلاً. ويقدر الباحثون أن تطبيق مثل هذا البرنامج على نطاق واسع في الولايات المتحدة يمكن أن يساعد في تحديد نحو ألف طفل سنوياً قد يستفيدون من المراقبة المبكرة، والعلاج في الوقت المناسب.
السرطان ظهر في عمر أصغر
ومن أبرز النتائج أن الأطفال الذين يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان أصيبوا بالمرض في سن أصغر بكثير من الأطفال الذين لم تظهر لديهم هذه الطفرات. فقد بلغ متوسط العمر الوسيط عند التشخيص 14 شهراً لدى الأطفال الذين اكتُشفت لديهم طفرة مقارنة بـ32 شهراً لدى الأطفال الذين لم تكن لديهم طفرة مكتشفة.
ويرى الباحثون أن هذا الفارق يبرز أهمية معرفة الخطر مسبقاً، خصوصاً أن بعض الأورام قد تتطور خلال فترة قصيرة جداً من حياة الطفل.
فقد اكتشف الباحثون طفرات في جين RB1 لدى 69 طفلاً أصيب 68 منهم لاحقاً بسرطان الشبكية. وكان الأطفال الذين يحملون الطفرة يُشخّصون في عمر وسطي يبلغ 9 أشهر مقارنة بـ23 شهراً لدى المصابين الذين لم تظهر لديهم الطفرة.
ولو تم التعرف إلى هؤلاء الأطفال منذ الولادة لكان بالإمكان إخضاعهم لفحوصات منتظمة للعين بهدف اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وهو ما قد يساعد على الحفاظ على البصر، وتقليل الحاجة إلى علاجات أكثر شدة، مثل استئصال العين، أو العلاج الكيميائي، أو الإشعاعي.
خطوة نحو الوقاية قبل ظهور المرض
وظهرت أقوى الروابط الوراثية في بعض السرطانات التي يُعرف مسبقاً ارتباطها بمتلازمات وراثية محددة. فقد حمل جميع الأطفال الستة الذين أصيبوا بسرطان الغدة الدرقية النخاعي طفرة موروثة في جين RET، بينما ظهرت طفرة RB1 لدى 40 في المائة من الأطفال المصابين بسرطان الشبكية.
ولا يعني اكتشاف طفرة وراثية أن الطفل سيصاب بالسرطان حتماً، لكنه قد يشير إلى ارتفاع الخطر، ويتيح وضع خطة مراقبة خاصة بالحالة. ويعمل الباحثون حالياً على تطوير آليات لإدخال فحوصات جينية للكشف عن مخاطر السرطان ضمن برامج فحص حديثي الولادة، بحيث يمكن تحويل الأطفال الذين تظهر لديهم طفرات خطرة إلى برامج متابعة متخصصة.
وقد يمثل هذا النهج تحولاً مهماً من انتظار ظهور أعراض السرطان إلى البحث عن خطره منذ الولادة، بما قد يتيح اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وعلاجها بطرق أقل سمية، وأكثر فاعلية.
«ليب 2026»: يد اصطناعية ذكية تستشعر اللمس وتستجيب لإشارات العضلات
«أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
من بين الابتكارات الطبية اللافتة التي يعرضها مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، تبرز يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) التي طورتها شركة «سايونيك» (PSYONIC) الأميركية، وهي يد اصطناعية بيونية متقدمة تحاكي بعض وظائف اليد البشرية؛ إذ تستجيب للإشارات الكهربائية الصادرة عن عضلات المستخدم لتحريك الأصابع والإمساك بالأشياء، كما تتيح استشعار اللمس من خلال مستشعرات مدمجة في أطراف الأصابع. ويقدم هذا الابتكار نموذجاً للتطور المتسارع في الأطراف الاصطناعية، وللتقارب المتزايد بين جسم الإنسان والتقنيات الذكية.
الدكتور عديل أختر مؤسس «سايونيك»
يد «تستمع» إلى العضلات
ويستعرض الدكتور عديل أختر (Aadeel Akhtar)، مؤسس شركة «سايونيك» ورئيسها التنفيذي، هذه التقنية خلال اليوم الثاني من «ليب 2026»، في جلسة ضمن «تيك أرينا» (Tech Arena) بعنوان «اليد البيونية التي تتعلم منك» (The Bionic Hand That Learns From You)، موضحاً كيف يمكن للإشارات العضلية والتغذية الحسية الراجعة أن تمنح الأطراف الاصطناعية قدرة أكبر على التفاعل الطبيعي مع المستخدم والعالم المحيط.
تستجيب يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) للإشارات الكهربائية الدقيقة التي تولدها العضلات، والمعروفة باسم تخطيط كهربائية العضلات (Electromyography – EMG).
وتلتقط أنظمة التحكم هذه الإشارات من العضلات المتبقية لدى المستخدم، ثم تترجمها إلى أوامر تحرك أصابع اليد الاصطناعية وتتيح أنماطاً مختلفة من الإمساك. وتضم اليد خمسة أصابع متعددة المفاصل وإبهاماً قابلاً للدوران، بينما يبلغ وزنها نحو 490 غراماً، بما يجعل تصميمها قريباً من حيث الوزن والحركة من اليد البشرية.
لكن الجانب الطبي الأكثر إثارة لا يقتصر على الحركة؛ فاليد مزودة بمستشعرات للضغط في أطراف الأصابع ترصد مقدار القوة المستخدمة عند ملامسة الأشياء والإمساك بها، ثم تنقل هذه المعلومات إلى المستخدم في صورة تغذية حسية راجعة (Sensory Feedback) عبر الاهتزاز. وهكذا لا تبقى العلاقة مجرد أمر ترسله العضلات إلى طرف اصطناعي لينفذه، بل تتحول إلى حلقة تفاعل ثنائية الاتجاه: ترسل العضلات الإشارة، فتتحرك اليد وتستشعر الضغط، ثم تعيد جزءاً من المعلومات الحسية إلى المستخدم.
من إشارات العضلات إلى حركة اليد: كيف تعمل الأطراف الاصطناعية الذكية؟
الذكاء الاصطناعي المادي
ولا تتوقف أهمية هذه التقنية عند تعويض الطرف المفقود واستعادة بعض وظائف اليد، بل تفتح نافذة على مفهوم آخذ في الانتشار هو «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي انتقال الذكاء الاصطناعي من عالم الكلمات والصور والبيانات على الشاشات إلى أنظمة مادية تستطيع الاستشعار والحركة والتفاعل مع البيئة المحيطة.
واللافت أن انتقال المعرفة لا يسير في اتجاه واحد من التكنولوجيا إلى الإنسان، بل بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس أيضاً؛ من حركة الإنسان وتفاعله مع الأشياء إلى الروبوتات. ففي مارس (آذار) 2026، أعلنت شركة «سايونيك» تعاوناً مع شركة «إنفيديا» لدمج يد «أبيليتي هاند» في منصة «إسحاق لاب» (Isaac Lab) المخصصة لتدريب وتطوير الأنظمة الروبوتية، بما يتيح للباحثين دراسة حركات اليد وأنماط الإمساك والتفاعل مع الأشياء، والاستفادة منها في تطوير روبوتات أكثر مهارة ودقة.
وهكذا، فإن اليد المعروضة في «ليب 2026» لا تقدم مجرد صورة عن مستقبل الأطراف الاصطناعية، بل تشير إلى تحول أوسع تصبح فيه الحركة واللمس والتفاعل الجسدي جزءاً من البيئة التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي ويتعامل معها. فالحدود التي فصلت طويلاً بين الذكاء الرقمي والآلة المادية بدأت تصبح أقل وضوحاً.
حدود السلامة... والاستقلالية
ومع اقتراب هذه الأنظمة أكثر من جسم الإنسان، يبرز سؤال طبي لا يقل أهمية عن قدراتها التقنية: كيف نضمن سلامتها ودقتها، وأين نضع حدود استقلاليتها؟ فالخطأ في إجابة يولدها نموذج للذكاء الاصطناعي على شاشة يمكن مراجعته أو تجاهله، أما الخطأ في نظام ذكي يتحرك ويلامس الإنسان ويتفاعل مباشرة مع العالم المادي، فقد تكون له عواقب مختلفة تماماً. ولذلك، فإن الانتقال نحو «الذكاء الاصطناعي المادي» لا يحتاج إلى هندسة أكثر تطوراً فحسب، بل إلى معايير أكثر صرامة للسلامة والاختبار والحوكمة.
مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟https://aawsat.com/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85/5313157-%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D9%84%D9%8A%D8%A8-2026-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6-%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%8A%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF
مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟
من قلب ملهم، شمال الرياض، انطلقت اليوم أعمال «ليب 2026» وسط مشهد يعكس حجم التحول الذي يشهده عالم التقنية.
من قلب «ليب»... سؤال يتجاوز التقنية
آلاف المتخصصين، وصنّاع التكنولوجيا، والمستثمرين، وشركات تتسابق لعرض جيل جديد من الأنظمة الذكية؛ من الذكاء الاصطناعي الوكيل، والنماذج الأكثر قدرة واستقلالية، إلى الروبوتات، والأنظمة التي بدأت تنقل الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى البنية التشغيلية للمؤسسات.
وبين أروقة المؤتمر وعروضه تبدو الصورة للوهلة الأولى احتفالاً بما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على فعله. لكن بالنسبة إلى الرعاية الصحية، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل ماذا يحدث عندما يصبح من الصعب على النظام الصحي أن يعمل من دونه؟
«ليب 2026» في الرياض... الذكاء الاصطناعي يدخل عصر البنية التحتية
طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي
هنا يبدأ تحول أعمق من مجرد ظهور خوارزمية أكثر دقة. فعندما يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة يستدعيها الطبيب عند الحاجة، ويصبح جزءاً من البنية التي تعتمد عليها المؤسسة في تحليل المعلومات، وترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد، والمشاركة في اتخاذ القرار، فإننا لا نكون أمام تقنية جديدة فحسب، بل أمام طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي.
«إشكالية» كبرى
والفارق جوهري. خوارزمية تساعد طبيباً على قراءة صورة أشعة يمكن تقييمها بوصفها أداة سريرية محددة. لكن ماذا عن منظومة من الأنظمة الذكية تشارك في التشخيص، والفرز السريري، ومراقبة المرضى، وتوقع المخاطر، وإدارة تدفقها، وتوزيع الموارد، ثم تمتد إلى القرارات التشغيلية التي تحدد كيف يعمل المستشفى نفسه؟
عند هذه النقطة يتغير السؤال من «هل الخوارزمية دقيقة؟» إلى سؤال أكبر: هل المؤسسة التي تعتمد عليها قادرة على حكمها؟
وهذا هو السؤال الذي يحمله «ليب 2026» من عالم التقنية إلى قلب الطب. فحين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية التحتية للرعاية الصحية، لا تعود الحوكمة مسألة تأتي بعد شراء التقنية، أو اعتمادها، بل تصبح جزءاً من البنية نفسها.
الذكاء الاصطناعي لم يعد يطرق باب المستشفى... إنه يبدأ في الدخول إلى عقله.
سلطان المريشد رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في «البحر الأحمر الدولية» متحدثاً خلال جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» في «ديب فيست»
حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»
ومن قلب فعاليات «ليب 2026» في الرياض، حضرت «الشرق الأوسط» جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» The Future of Intelligence and Enterprise AI، ضمن فعاليات «ديب فيست»، التي ناقشت كيف يعيد الذكاء الاصطناعي الوكيل Agentic AI والنماذج التأسيسية تشكيل الصناعات، ودفع أنظمة أكثر قدرة على اتخاذ القرارات بصورة مستقلة، وبناء الجيل المقبل من البنية التحتية الذكية. وشارك في الجلسة سلطان المريشد، رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في شركة «البحر الأحمر الدولية Red Sea Global»، إلى جانب إيزابيل كومار، المذيعة السابقة في «يورونيوز»، وناثان هانكوك، نائب الرئيس لمنطقة المملكة المتحدة وآيرلندا والشرق الأوسط في «أدوبي».
وعقب الجلسة، التقت «الشرق الأوسط» سلطان المريشد في حديث خاص، وطرحت عليه ثلاثة أسئلة حول موقع المملكة في سباق بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت الأخلاقيات والحوكمة يجب أن تصبحا جزءاً أصيلاً من هذه البنية، وإلى أين يمكن أن تصل المملكة خلال السنوات الخمس المقبلة؟
السعودية الأولى في المنطقة
وفي إجابته عن السؤال الأول، قال المريشد إن المملكة تمكنت خلال السنوات الأخيرة، وفي إطار تحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، من بناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي، مضيفاً: «أستطيع أن أقول إننا نعدّ الأول في المنطقة، والثالث عالمياً بعد الولايات المتحدة، والصين».
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
وعندما سألته «الشرق الأوسط» عما إذا كانت أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تعد جزءاً من هذه البنية التحتية، أجاب أن «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون جزءاً مهماً من البنية التحتية لأي ذكاء اصطناعي». وأشار إلى تجربة شركة «البحر الأحمر»، موضحاً أن مشاريع الذكاء الاصطناعي لديها تقترن باختيار جهة متخصصة تتولى تنظيم الجوانب المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
أما السؤال الثالث، فتوجه إلى المستقبل: أين يمكن أن تكون المملكة بعد خمس سنوات؟ وأوضح المريشد أن شركة «البحر الأحمر» تمكنت من إنجاز مشاريع كبيرة في الذكاء الاصطناعي، شملت العمل على الوكلاء، والبنية التحتية لمشاريع الذكاء الاصطناعي، قبل أن يضيف: «أعتقد أنه بعد خمس سنوات ستكون المملكة الأولى عالمياً في امتلاك أقوى بنية تحتية للذكاء الاصطناعي».
معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي
وتكشف إجابات المريشد عن معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فهي لم تعد تقتصر على مراكز البيانات، والرقائق، والقدرة الحاسوبية، والاتصال، بل تمتد إلى الحوكمة، والأخلاقيات، وآليات الرقابة البشرية. فكلما ازدادت قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الانتقال من تقديم الإجابة إلى اتخاذ الفعل، أصبح بناء الضوابط التي تحكم ذلك الفعل جزءاً من البنية التحتية نفسها، لا إضافة تنظيمية تأتي بعد اكتمالها.
لكن ما يُناقش هنا بوصفه تحولاً في مستقبل المؤسسات قد تكون له دلالة أعمق في الرعاية الصحية. فالمستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في قراءة الصور، والتنبؤ بالمخاطر، والفرز السريري، وإدارة تدفق المرضى؛ لا يضيف مجموعة من الأدوات الرقمية المنفصلة فحسب؛ إنه يبدأ، تدريجياً، في بناء طبقة من الذكاء داخل بنيته التشغيلية.
وهنا بدأت الأدبيات العلمية تطرح سؤالاً مختلفاً. فالتحدي لم يعد تطوير خوارزمية أكثر دقة، أو جمع مزيد من البيانات فقط، وإنما بناء البيئة التي تستطيع تشغيل هذه الأنظمة، ومراقبتها، والتحقق من أدائها، والتعلم منها باستمرار دون أن تفقد المؤسسة القدرة على التدخل، والمساءلة.
حين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من عقل المستشفى... الحوكمة نفسها تتحول إلى بنية تحتية
تحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي
وفي دراسة حديثة نشرتها مجلة «npj Health Systems»، طرح الباحثون مفهوم «مرفق التعلّم» (Learning Utility)، معتبرين أن أحد أهم الاختناقات أمام الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي لم يعد نقص البيانات، أو الخوارزميات، بل غياب البنية التقنية، والبشرية، والثقافية التي تسمح بتحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي.
وهنا يصبح الفرق أساسياً: امتلاك الذكاء الاصطناعي شيء، وبناء مؤسسة قادرة على التعلم منه والتحكم به شيء آخر تماماً.
المستشفى لا يحتاج خوارزمية فقط
وهنا تتغير الطريقة التي ينبغي أن ننظر بها إلى دخول الذكاء الاصطناعي إلى المستشفى. فشراء نظام متطور، مهما بلغت دقته، لا يجعل المؤسسة «ذكية» تلقائياً؛ لأن القيمة الحقيقية للخوارزمية لا تتحدد بما تستطيع فعله في يوم تشغيلها الأول، بل بقدرة المستشفى على معرفة ما إذا كانت ستظل آمنة وموثوقة بعد أشهر وسنوات من الاستخدام.
إن المرضى يتغيرون، والبيانات تتغير، والممارسات السريرية تتطور، وحتى البيئة التي تعمل فيها الخوارزمية قد تختلف عن تلك التي اختُبرت فيها أصلاً. وقد يتراجع الأداء تدريجياً من دون أن يكون ذلك واضحاً للطبيب الذي يستخدم النظام في عمله اليومي. ولهذا يحتاج المستشفى إلى ما هو أبعد من شراء التقنية: آليات لمراقبة الأداء، واكتشاف تراجع الدقة، والتعامل مع الأخطاء، وحماية البيانات، وتحديد المسؤولية، وتدريب العاملين، والأهم من ذلك امتلاك القدرة على التدخل عندما لا يعمل النظام بالطريقة المتوقعة.
مراقبة مستمرة لأداء الذكاء الاصطناعي
وتدعم هذا الاتجاه دراسة نشرتها «npj Digital Medicine» في فبراير (شباط) 2026، إذ قدمت إطاراً ينظر إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي بوصفها منظومة مترابطة، وليست قراراً تقنياً منفرداً. وتبرز أهمية هذا المنظور في أن مسؤولية المؤسسة لا تنتهي عند اختبار النظام، والموافقة على استخدامه؛ فبعد دخوله البيئة السريرية تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية، هي المراقبة المستمرة لأدائه، ورصد التغيرات التي قد تظهر مع الاستخدام الفعلي.
وهذا ربما يكون أحد أهم الفروق بين شراء الذكاء الاصطناعي وبناء مستشفى قادر على استخدامه بأمان. فالأول يمكن أن يحدث بقرار شراء وتركيب نظام، أما الثاني فإنه يحتاج إلى معرفة بشرية، وعمليات واضحة، ومراقبة مستمرة، وثقافة تسمح بالتساؤل، والاعتراض، والتدخل.
وهنا تظهر إحدى مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي: يمكن للمستشفى أن يشتري خوارزمية متقدمة، لكنه لا يستطيع شراء الجاهزية المؤسسية معها في الصندوق نفسه.
عندما تصبح البنية الذكية خطراً نظامياً
لكن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية يغيّر أيضاً طبيعة الخطأ الطبي نفسه. فالطبيب قد يخطئ في تشخيص حالة، أو اتخاذ قرار، ويبقى أثر الخطأ -في العادة- محصوراً بعدد المرضى، والقرارات التي يستطيع التعامل معها. أما عندما يكون الخطأ مدمجاً داخل نظام ذكي يعمل عبر مستشفى كامل، أو شبكة من المستشفيات، فقد لا يحدث مرة واحدة؛ بل يمكن أن يتكرر آلياً عبر آلاف الحالات، وبسرعة يصعب على الإنسان مجاراتها.
وهذه القدرة على التوسع هي في الوقت نفسه إحدى أعظم نقاط قوة الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت الخوارزمية جيدة، فإنه يمكنها أن تنشر المعرفة، وتدعم قرارات سريرية متسقة على نطاق لم يكن ممكناً من قبل. وإذا كانت المشكلة كامنة داخلها، فإن النطاق نفسه يستطيع تضخيمها.
وهنا تكمن المفارقة: ما يمنح الذكاء الاصطناعي قدرته على توسيع الفائدة، يمنحه أيضاً القدرة على توسيع الخطأ.
اكتشاف أخطاء النظم الذكية
وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع ظهور النماذج العامة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث قد لا يبقى النموذج محصوراً في مهمة واحدة، بل تُستخدم القدرات نفسها عبر تطبيقات متعددة. ولهذا اقترح باحثون في «npj Digital Medicine» في مايو (أيار) الماضي نهجاً جديداً للمراقبة يركز على قدرات النموذج، وليس فقط على المهمة المحددة التي يؤديها، بهدف اكتشاف الأخطاء النظامية، والسلوكيات الناشئة التي قد تمتد آثارها عبر أكثر من استخدام.
وهذا يفرض تحولاً مهماً في مفهوم السلامة. فمراقبة أداء نظام واحد في مهمة واحدة قد لا تعود كافية عندما تكون القدرة الذكية نفسها مشتركة بين عشرات التطبيقات.
فحين تتوسع قدرة الذكاء الاصطناعي يجب أن تتوسع معها قدرة النظام الصحي على مراقبته.
الحوكمة نفسها يجب أن تصبح بنية تحتية
وهنا نصل إلى السؤال الذي ربما يكون أكثر أهمية من التقنية نفسها: هل إذا أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً دائماً من البنية التي تعمل من خلالها الرعاية الصحية، فهل يمكن أن تظل حوكمته نشاطاً دورياً: لجنة تجتمع عند الحاجة، أو سياسة تُكتب عند اعتماد النظام، ثم يُفترض أنها ستظل صالحة بينما تتغير التكنولوجيا من حولها؟
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ذلك لن يكون كافياً. ففي يوليو (تموز) 2026، أكد باحثون في «npj Digital Medicine» أن مجرد وجود الطبيب «داخل الحلقة» لا يضمن بالضرورة رقابة بشرية فعالة. فوجود الإنسان يصبح بلا قيمة حقيقية إذا لم يمتلك المعرفة التي تسمح له بفهم ما يفعله النظام، والوقت الكافي للتفكير في توصيته، والسلطة للاعتراض على التوصية، والقدرة العملية على التدخل عندما يكون القرار غير مناسب للمريض.
الحوكمة يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية
وهنا يتغير معنى الحوكمة نفسها. فهي لم تعد مجرد مجموعة من القواعد التي تسبق استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت قدرة تشغيلية مستمرة ترافق النظام طوال دورة حياته: من اختياره، والتحقق منه قبل الاستخدام، إلى مراقبة أدائه بعد دخوله العيادة، واكتشاف التغيرات، والأخطاء، وتحديد من يملك سلطة التدخل، وصولاً إلى إيقافه عندما تصبح سلامة المريض موضع شك.
وهذا يقود إلى فكرة قد تبدو غير مألوفة اليوم، لكنها قد تصبح بديهية في المستشفى الذكي مستقبلاً: الحوكمة نفسها يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية.
فكما لا يستطيع المستشفى الحديث أن يعمل من دون الكهرباء، والمياه، والشبكات، والأنظمة الرقمية، فإن المستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي قد لا يستطيع استخدامه بأمان من دون بنية دائمة للمراقبة، والتحقق، والمساءلة، والتدخل البشري. والفرق أن هذه البنية الجديدة لا تنقل الكهرباء، أو البيانات، بل تحمي شيئاً أكثر حساسية: الثقة في القرارات التي تمس صحة الإنسان.
وكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر اندماجاً في عمل المستشفى، لم يعد السؤال فقط كيف نحكم الخوارزمية... بل كيف نبني الحوكمة داخل النظام الذي أصبحت الخوارزمية جزءاً منه.
من «ليب» إلى المستشفى
وسط ما يعرضه «ليب 2026» من نماذج أكثر قدرة، وأنظمة أكثر استقلالية، ورؤية لمستقبل تصبح فيه البنية التحتية نفسها أكثر ذكاءً، يبرز سؤال ربما يكون أكثر أهمية للرعاية الصحية من السؤال عن قدرات الخوارزمية: هل أصبحت المؤسسات التي ستستخدم هذا الذكاء أكثر استعداداً للتحكم به؟ فالانتقال من الخوارزمية إلى البنية التحتية لا يغير طريقة استخدام التقنية فحسب، بل يغير طبيعة المسؤولية عنها. وعندما تصبح الأنظمة الذكية جزءاً من التشخيص، والفرز، والمراقبة، وتوزيع الموارد، والقرارات التشغيلية اليومية؛ فإنه لا يمكن أن تبقى الحوكمة مرحلة تأتي بعد الابتكار؛ بل يجب أن تتطور بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرة هذه الأنظمة، وتأثيرها.
وقد لا يكون السباق الحقيقي في السنوات المقبلة بين المؤسسات التي تمتلك أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي فقط، بل بين تلك التي تستطيع تحويل هذه النماذج إلى قيمة حقيقية من دون أن تفقد القدرة على مراقبتها، ومساءلتها، والتدخل عندما تخطئ.
ومن هنا، فإن ما نشاهده اليوم في «ليب» لا يتعلق فقط بمستقبل التقنية. إنه يفتح نقاشاً أوسع حول شكل المؤسسة الذكية نفسها: مؤسسة لا تكتفي بامتلاك الذكاء الاصطناعي، بل تمتلك أيضاً المعرفة، والأنظمة، والمسؤولية اللازمة للتحكم به.
وإذا كان الجيل المقبل من التقنية يبني بنية تحتية ذكية، فإن الرعاية الصحية ستحتاج، بالتوازي معها، إلى بنية تحتية للحوكمة، فالذكاء الاصطناعي قد يصبح جزءاً من عقل النظام الصحي... لكن مسؤولية التحكم بذلك العقل يجب أن تبقى بشرية.