عراقجي: هجمات «البيجر» نابعة عن اليأس ولن نقع في فخ إسرائيل

أعلن استعداده لبدء محادثات نووية... ورفض لقاء نظيره الأميركي

عراقجي يلتقي المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون في نيويورك السبت (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يلتقي المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون في نيويورك السبت (الخارجية الإيرانية)
TT

عراقجي: هجمات «البيجر» نابعة عن اليأس ولن نقع في فخ إسرائيل

عراقجي يلتقي المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون في نيويورك السبت (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يلتقي المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون في نيويورك السبت (الخارجية الإيرانية)

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده «في كامل اليقظة، ولن تقع في فخ» إسرائيل، عادّاً تفجيرات أجهزة الاتصال في لبنان بأنها «قد تكون عملاً مهماً من الناحية الاستخباراتية، لكنها نابعة من اليأس».

وتطرّق عراقجي، في حديث لقناة تابعة لـ«الحرس الثوري»، إلى التطورات في لبنان بعد سلسلة انفجارات في أجهزة اتصال مقاتلي جماعة «حزب الله» اللبنانية، الموالية لإيران. وبشأن ما إذا كانت سترد إيران على تلك الهجمات، قال عراقجي: «نحن أيضاً في كامل اليقظة، ولن نقع في فخهم. زرع مواد متفجرة مسبقاً في أجهزة (بيجر) صغيرة وتفجيرها عشوائياً؛ تصرفات نابعة من اليأس».

وبُثّ حوار عراقجي على قناته على تطبيق «تلغرام»، اليوم (الاثنين)، بعد يومين من وصوله إلى نيويورك، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، في أول مشاركة دولية له بعد تولي منصب وزير الخارجية.

وقال عراقجي: «قد تكون تفجيرات (البيجر) من الناحية الاستخباراتية عملاً مهمّاً، لكن في ساحة المعركة بين المقاومة وإسرائيل، هذا يُعدّ عملاً من منطلق اليأس، يهدف إلى إلحاق إصابات أو إعاقة بعض الجنود». وأضاف: «من منظور أوسع، إسرائيل محاصرة من عدة جوانب. التكاليف الاقتصادية التي تحمّلتها في السنوات الأخيرة باهظة للغاية. كما أن المشكلات الاجتماعية التي تواجهها تتفاقم؛ الآن هناك نحو 700 - 800 ألف شخص من شمال إسرائيل، أي جنوب لبنان، أصبحوا نازحين».

وأعرب عراقجي عن اعتقاده أن «إسرائيل تواجه وضعاً صعباً للغاية... لهذا تلجأ إلى تحركات استفزازية من هذا النوع»، حسبما نقلت وكالة «إيسنا» الحكومية.

وبشأن اغتيال رئيس حركة (حماس) إسماعيل هنية في طهران، قبل نحو شهرين، قال عراقجي: «اغتيال هنیة بعد تنصيب الرئيس الإيراني كان محاولة لاستفزازنا وإغضابنا، بهدف جرّنا إلى صراع أكبر». وزاد: «كانت لهذه العملية تكلفة بشرية ومعنوية».

وبشأن الحرب في قطاع غزة، رأى عراقجي أن «إسرائيل قد تورّطت في مستنقع داخل غزة... قرابة عام مضى منذ دخولهم إلى غزة، التي هي من حيث المساحة الجغرافية صغيرة جداً. لقد دخلوا مع جيش مجهّز بأحدث الأسلحة بهدف معلن، وهو تدمير حركة (حماس). هذا ليس ادعاءً، بل هم أنفسهم أعلنوا أنهم جاءوا لاجتثاث (حماس). لكن، وبعد مرور عام، ما زالوا يقاتلون في مساحة ضيّقة ضد مجموعة حرب عصابات، ولم يتمكنوا بعد من تحقيق هدفهم».

وأضاف وزير الخارجية: «مجموعة صغيرة تقف في وجه جيش كبير، مجهّز ومتطوّر، ولكن في كثير من الجوانب تبيّن زيف قوته. لهذا السبب، نرى هذا التخبط في سلوكهم، الذي يعكس تصرفات شخص يائس. هم يعتقدون أن توسيع ساحة الحرب وإدخال أطراف أخرى فيها، خصوصاً الولايات المتحدة، ومحاولة إشراك الجمهورية الإسلامية؛ قد تساعدهم في الخروج من هذا المأزق الذي تورّطوا فيه».

في سياق آخر، قال عراقجي إن بلاده مستعدة لبدء مفاوضات نووية جديدة في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك؛ إذا «كانت الأطراف الأخرى راغبة في ذلك».

وانسحبت الولايات المتحدة في 2018 خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترمب من الاتفاق النووي الموقّع بين طهران وست قوى عالمية في 2015، الذي وضع قيوداً على برنامج إيران النووي مقابل رفع عقوبات دولية مفروضة عليها.
وتوقفت المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وطهران لإحياء الاتفاق، ولم تنسحب إيران منه؛ لكنها قلّصت التزاماتها بسبب العقوبات الأميركية التي أُعيد فرضها.

وقال عراقجي: «سأبقى في نيويورك لبضعة أيام أخرى بعد عودة الرئيس (الإيراني)، وسأعقد مزيداً من الاجتماعات مع عدد من وزراء الخارجية. سنركز جهودنا على بدء جولة جديدة من المحادثات حول الاتفاق النووي».
وأضاف عراقجي أنه جرى تبادل رسائل عبر سويسرا وإصدار «إعلان عام بالاستعداد»، لكنه حذّر من أن «الظروف الدولية الحالية تجعل استئناف المحادثات أكثر تعقيداً وأصعب من ذي قبل».
وأوضح عراقجي أنه لن يلتقي وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، قائلاً: «لا أرى أنه من المناسب عقد مثل هذا الحوار. حدثت هذه الاجتماعات من قبل، ولكن لا تتوفر الظروف المناسبة لها حالياً. ما زلنا بعيدين جداً عن عقد محادثات مباشرة».
ومنذ تجديد العقوبات الأميركية خلال عهد ترمب رفضت طهران التفاوض مباشرة مع واشنطن، وعملت من خلال وسطاء أوروبيين أو عرب.
ويأمل قادة طهران في تخفيف العقوبات الأميركية التي ألحقت ضرراً كبيراً باقتصاد البلاد.

وقال عراقجي إن الانتخابات الأخيرة كانت «محاولة من الشعب لفتح نوافذ جديدة للبلاد»، معرباً عن أمله في أن يُفتح مزيد من الفرص.
وساءت علاقات طهران مع الغرب منذ هجوم حركة (حماس) المدعومة من إيران على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، ومع زيادة دعمها لحرب روسيا في أوكرانيا.
وقالت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إن واشنطن ليست مستعدة لاستئناف المحادثات النووية مع إيران.

تقليل تكاليف العداء

ودعا عراقجي إلى اتخاذ مسارات لتقليل تكاليف عداء بلاده مع أميركا. وقال: «لدينا خلافات مع الأميركيين، بعضها أساسي للغاية؛ إذ يصعب حقاً إنهاء العداء في هذه المجالات. نحن نعارض سياسات الهيمنة للولايات المتحدة، ونرفض وجودها في عديد من مناطق العالم، بما في ذلك منطقتنا. كما أننا نعارض كثيراً من سياسات واشنطن وتعسفها، وهم بدورهم يعارضون روح الاستقلال والعزة التي تتحلى بها الجمهورية الإسلامية، وسياساتنا الإقليمية. قد لا يكون من الممكن حل هذه الخلافات تماماً، أو قد يكون الأمر صعباً للغاية، أو على الأقل ليس وقته الآن، وبعضها قد لا يكون قابلاً للحل أصلاً».

وأضاف: «وجهة نظري هي أنه إذا كان إنهاء العداء غير ممكن، يمكننا على الأقل تقليل تكاليفه. صحيح أن هناك عداء، ولكن لا ينبغي أن يتحمّل شعبنا جميع التكاليف أو يعاني كل الضغوط. بصفتنا منفذين للسياسة الخارجية، يجب أن نسلك طرقاً، ونستخدم أدوات مختلفة لتقليل تكاليف هذا العداء».

وعدّ عراقجي الاتفاق النووي النموذج البارز على إدارة العداء مع الولايات المتحدة. وقال: «إذا كان بإمكاننا في بعض الأحيان توفير مساحة للتنفس، أو تأجيل بعض التحديات، أو حتى تقليل حجم التهديدات، فلماذا لا نفعل ذلك؟».

وأكد عراقجي: «سنواصل هذا المسار بكل تأكيد، وسنفعل كل ما في وسعنا لتخفيف العبء عن كاهل الشعب والبلاد. ولن نتردد في إزالة أي عقبات تعترض اقتصادنا وشعبنا، ولكن بالطبع، سنعتمد على أدوات ومسارات شريفة. لن نقوم بأي شيء على حساب كرامة هذا الشعب وعزته واحترامه».

معاداة روسيا

أشار عراقجي إلى أن بعض التحركات الروسية «قد تكون ضد المصالح الوطنية الإيرانية»، ولكنه رفض أن تكون مؤشراً على ابتعاد الروس عن إيران، قائلاً إن «علاقاتنا مع روسيا قوية ومستقرة. نحن نتعاون في مجالات متعددة، وفي مجالات الأمن الوطني والمصالح الوطنية، نحن متوافقون. نطاق تعاوننا واسع جداً... لكن هناك أيضاً اختلافات، وهذا أمر طبيعي تماماً».

وحذّر عراقجي من الازدواجية في السياسة الخارجية، والوقوع في «فخ الحركات المناهضة لروسيا» في الداخل، مشدداً على أنها «تُخرج العلاقات عن مسارها، وتضخّم تلك الخلافات بشكل غير متناسب».


مقالات ذات صلة

غوتيريش يحض السلطات الإيرانية على ضبط النفس

شؤون إقليمية تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

غوتيريش يحض السلطات الإيرانية على ضبط النفس

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأحد عن «صدمته» إزاء تقارير عن الاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين في إيران، داعياً السلطات إلى ضبط النفس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)

إيران تستعد لحرب محتملة في ظل تصاعد الاحتجاجات

هددت إيران، الأحد، باستهداف إسرائيل والقواعد والمراكز والسفن العسكرية الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لضربة أميركية، في وقت دخلت فيه الاحتجاجات أسبوعها الثالث.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس (أ.ب)

طهران في مرمى التحذيرات الأميركية… وإسرائيل ترفع الجاهزية

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الأحد، دعم بلاده لما وصفه بـ«نضال الشعب الإيراني من أجل الحرية»، في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات داخل إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - تل أبيب: «الشرق الأوسط»)
المشرق العربي نضال علي سليمان أحد عناصر «الفرقة الرابعة» خلال فترة حكم النظام السابق

بعد انسحاب آخر دفعة من «قسد»... حلب تستعيد أحياءها وتنظّفها من آثار الدمار

كشفت وزارة الداخلية السورية عن اعتقال أحد عناصر «الفرقة الرابعة» خلال فترة حكم النظام السابق قالت إنه متورط بتهريب السلاح لـ«قسد».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)

عراقجي رفض تفتيش 4 «حقائب يد» في مطار بيروت فأعيدت إلى الطائرة

اضطر عراقجي إلى إعادة 4 حقائب يد، كانت بحوزته والفريق المرافق له، إلى الطائرة التي أقلته من طهران إلى بيروت، على خلفية رفضه إخضاعها للتفتيش لتبيان ما بداخلها.

محمد شقير (بيروت)

إسرائيل توقّع اتفاقية أمنية مع ألمانيا بشأن مكافحة الإرهاب والدفاع السيبراني

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت يوقّعان اتفاقية أمنية (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت يوقّعان اتفاقية أمنية (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
TT

إسرائيل توقّع اتفاقية أمنية مع ألمانيا بشأن مكافحة الإرهاب والدفاع السيبراني

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت يوقّعان اتفاقية أمنية (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت يوقّعان اتفاقية أمنية (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)

وقّعت إسرائيل وألمانيا، الأحد، اتفاقية أمنية لتوسيع نطاق التعاون في مكافحة الإرهاب والدفاع السيبراني، وفق ما أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيراً إلى تهديدات تشكّلها إيران وحلفاؤها.

وجاء في بيان أصدره مكتب نتنياهو أن «إيران ووكلاءها؛ (حزب الله) و(حماس) والحوثيين، لا يهدّدون إسرائيل فحسب، بل أيضاً الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي».

وتابع البيان: «إن الإعلان الذي وُقّع اليوم يرسّخ تعاوناً عميقاً مع ألمانيا في مجالات الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب والتقنيات المتقدمة».

وأضاف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «على أعداء إسرائيل أن يعلموا أنهم تحت أعيننا في كل وقت وفي كل مكان».

الإعلان وقّعه نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت الذي يجري زيارة إلى إسرائيل.

وقال نتنياهو، في بيان منفصل: «أعتقد أن ألمانيا وإسرائيل هما شريكان طبيعيان. لقد تعاونّا في مشروع (حيتس 3) - السهم 3 - كما تعاونّا في مجالات عدة».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت خلال زيارته إلى إسرائيل (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)

وأوضح البيان أن المبادرة تُضفي الطابع الرسمي على شراكة أمنية واسعة النطاق بين الأجهزة الأمنية في البلدين.

وفي الشهر الماضي، وقّعت ألمانيا وإسرائيل عقداً بـ3.1 مليار دولار لتوسيع نطاق منظومة الدفاع المضادة للصواريخ الباليستية «حيتس 3» (آرو 3)، وهي منظومة إسرائيلية الصنع تم تطويرها بدعم أميركي. العقد الذي وُقّع أصلاً في عام 2023، باتت قيمته نحو 6.5 مليار دولار. وتقول إسرائيل إنه أكبر عقد تصدير عسكري في تاريخ البلاد.

في وقت سابق الأحد، أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر محادثات مع دوبريندت، دعا خلالها الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف «الحرس الثوري» الإيراني «منظمة إرهابية».

وجاءت الدعوة في حين تشهد إيران احتجاجات بدأت في 28 ديسمبر (كانون الأول) بإضراب نفّذه تجار في بازار طهران على خلفية تدهور سعر صرف العملة والقدرة الشرائية، وسرعان ما تحوّلت إلى حراك يرفع شعارات سياسية مناهضة لسلطات إيران القائمة منذ عام 1979.


غوتيريش يحض السلطات الإيرانية على ضبط النفس

تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
TT

غوتيريش يحض السلطات الإيرانية على ضبط النفس

تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأحد عن «صدمته» إزاء تقارير عن الاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين في إيران، داعياً السلطات إلى ضبط النفس.

وأعرب ستيفان دوجاريك المتحدث باسم غوتيريش في بيان عن «صدمة» الأمين العام إزاء تقارير تفيد بـ«ممارسة العنف واستخدام السلطات الإيرانية المفرط للقوة ضد محتجين»، داعياً إلى «ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن الاستخدام غير الضروري أو المفرط للقوة».

وحض غوتيريش طهران على إعادة خدمات الاتصالات والإنترنت فوراً، مؤكداً أن قطعها «يعرقل تدفق المعلومات ويقوّض الحقوق الأساسية»، وشدد على أنه «يجب أن يتمكن جميع الإيرانيين من التعبير عن مظالمهم سلمياً ومن دون خوف»، مع ضرورة احترام وحماية حرية التعبير وحقوق تكوين الجمعيات والتجمع السلمي.

ويأتي موقف غوتيريش متسقاً مع ما خلص إليه تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن إيران، التي أعربت عن قلق بالغ إزاء معلومات موثوقة تفيد باستخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين، واعتقالات واسعة شملت أطفالاً، وبث «اعترافات» من مراكز احتجاز.

ودعت البعثة إلى وقف أي استخدام غير ضروري أو غير متناسب للقوة، والإفراج عن جميع المحتجزين تعسفياً، وإعادة الوصول الكامل إلى الإنترنت والهاتف المحمول، مع الالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان وضمان المساءلة عن الانتهاكات الموثقة.


إيران تستعد لحرب محتملة في ظل تصاعد الاحتجاجات

متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)
متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)
TT

إيران تستعد لحرب محتملة في ظل تصاعد الاحتجاجات

متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)
متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)

هددت إيران، الأحد، باستهداف إسرائيل والقواعد والمراكز والسفن العسكرية الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لضربة أميركية، في وقت دخلت فيه الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) أسبوعها الثالث وسط انقطاع واسع للاتصالات، وصعوبة التحقق من حجم العنف وعدد الضحايا.

وفي وقت تواجه فيه المؤسسة الحاكمة في إيران أكبر احتجاجات مناهضة للحكومة منذ 2022، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الأيام القليلة الماضية مراراً بالتدخل، محذراً القادة الإيرانيين من مغبة استخدام القوة مع المتظاهرين.

وحذر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الولايات المتحدة من «سوء التقدير». وقال في كلمة بثها التلفزيون الرسمي من داخل البرلمان، إن «الأراضي المحتلة» في إشارة إلى إسرائيل، إضافة إلى «جميع القواعد والسفن الأميركية» في المنطقة، ستكون «أهدافاً مشروعة» في حال وقع هجوم على إيران، مخاطباً «الرئيس الأميركي المتوهم».

وردد نواب داخل البرلمان هتافات «الموت لأميركا والموت لإسرائيل»، وفق البث المباشر للجلسة. وأضاف أن طهران «لا تحصر» ما وصفه بـ«الدفاع المشروع» في الرد بعد وقوع الفعل، وأنها ستتحرك بناءً على «مؤشرات موضوعية» على وجود تهديد.

أعضاء البرلمان الإيراني يهتفون حول قاليباف وهو يتحدث عن رد إيران على الهجمات الأميركية المحتملة (رويترز)

في الوقت نفسه، اتهم الرئيس مسعود بزشكيان الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء «زرع الفوضى والاضطراب» عبر التحريض على أعمال شغب، ودعا الإيرانيين إلى النأي بأنفسهم عمن وصفهم بـ«المخربين والإرهابيين».

وقال بزشكيان في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي إن «الاحتجاج حق»، لكنه شدد على «عدم السماح» لمجموعة من مثيري الشغب بـ«تدمير المجتمع بأسره». مضيفاً أن أعداء إيران استقدموا «إرهابيين... أضرموا النيران في مساجد، وهاجموا البنوك والممتلكات العامة».

وأضاف أن الحكومة مستعدة للاستماع إلى مطالب الناس ومعالجة القضايا الاقتصادية التي فجرت الاحتجاجات، لكنه اعتبر أن حرق الممتلكات العامة والمصارف والمساجد «لا علاقة له بالاحتجاج». وتابع «إذا كان للشعب هواجس سنسمعها، من واجبنا أن نسمعها ونحل مشكلاته. لكن واجبنا الأكبر يقضي بعدم السماح لمثيري شغب بزرع الفوضى في المجتمع».

وتحدث بزشكيان أيضاً عن إجراءات حكومية قال إنها تستهدف استقرار السوق، وتعزيز الإنتاج، وزيادة القوة الشرائية ضمن «خطة لإصلاح نظام الدعم»، وفق ما عرض في حديثه التلفزيوني.

بزشكيان يخاطب الإيرانيين عبر التلفزيون الرسمي (رويترز)

نجحت السلطات الإيرانية في احتواء احتجاجات سابقة، لكن الاحتجاجات الأحدث ‌تأتي في وقت لا تزال فيه طهران تتعافى من حرب العام الماضي وفي ظل ‍تراجع نفوذها في المنطقة بعد ضربات تلقاها حلفاؤها، مثل جماعة «حزب ‍الله» اللبنانية، منذ أن شنت (حماس) هجمات على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وتأتي الاضطرابات في ‍إيران في وقت يستعرض فيه ترمب قوة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، بعد إطاحته بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتلميحه إلى ضم محتمل لجزيرة غرينلاند سواء بصفقة شراء أو استخدام القوة.

تجمعات ليلية في طهران

ميدانياً، تداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر تجمعات ليلية في أحياء من طهران، بينها حي بونك، مع هتافات، وقرع أجسام معدنية، وتلويح بهواتف مضاءة.

وأظهر مقطع فيديو تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، السبت، حشوداً كبيرة تجمعت في حي بونك في طهران ليلاً، وهي تقرع الحاجز المعدني لأحد الجسور وأجساماً معدنية تعبيراً عن الاحتجاج. وأظهر مقطع ⁠فيديو آخر حشوداً غفيرة تسير في أحد شوارع طهران ليلاً، وهم يصفقون ويهتفون. وسُمع رجل يقول: «لا بداية ولا نهاية لهذا الحشد»، وذكرت «رويترز» أنها تأكدت من الموقعين.

وأظهرت مقاطع أخرى مواجهات متناثرة في مدن بينها مشهد ثاني كبريات المدن الإيرانية، إضافة إلى تقارير عن احتجاجات في كرمان ومدن أخرى، لكن التحقق من كثير من المواد بقي محدوداً بسبب انقطاع الاتصالات.

وحسب روايات متداولة، فإن طائرات مسيرة حلقت فوق مناطق في طهران تجمع محتجين في العاصمة لرصد التحركات. وقالت منظمة نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) إن نمط الاحتجاجات في العاصمة اتخذ شكل تجمعات متفرقة وقصيرة الأمد، استجابة للوجود الأمني المكثف والضغط الميداني.

ورفع بعض المتظاهرين العلم الرسمي للبلاد في زمن الشاه الذي أطاحت به ثورة 1979، وحملوا أيضاً صوراً لنجل الشاه، رضا بهلوي، أحد أبرز الأصوات في صفوف المعارضة المنقسمة.

نيران مشتعلة وسط شارع خلال احتجاجات في شمال طهران (تلغرام)

وكتب بهلوي، المقيم في الولايات المتحدة، في منشور على منصة «إكس»: «لا تغادروا الشوارع». وانطلقت الاحتجاجات في 28 ديسمبر على خلفية انهيار العملة الإيرانية، التي تجاوز سعر الدولار فيها 1.4 مليون ريال، في ظل اقتصاد يرزح تحت وطأة العقوبات الدولية، قبل أن تتوسع المطالب لتتحول إلى تحدٍ مباشر لنظام الحكم في الجمهورية الإسلامية

الرواية الرسمية للمستجدات

ظهر مراسلو التلفزيون الإيراني الرسمي، صباح الأحد، في شوارع عدة مدن لإظهار مناطق وُصفت بالهادئة، مع عرض تاريخ على الشاشة، من دون أن تشمل اللقطات طهران أو مشهد.

ومنذ بدء الاحتجاجات، اتهمت السلطات الإيرانية الولايات المتحدة وإسرائيل بتأجيج الاضطرابات، بينما تحدث مسؤولون عن «مثيري شغب» و«إرهابيين» وعمليات منظمة تستهدف الأمن الداخلي.

ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني قوله، الأحد، إن «أعمال التخريب» آخذة في الانحسار. وقال: «الأوضاع الأمنية في البلاد هي الآن مستقرة ومناسبة بفعل جهود جميع الأجهزة المعنية، خصوصاً قوات حفظ الأمن، والتوترات وأعمال التخريب نحو الانحسار». وفي تصريحات للتلفزيون الرسمي، مساء السبت، أكد مؤمني أن «من يقودون الاحتجاجات نحو التدمير والفوضى والأعمال الإرهابية لا يدَعون صوت الشعب يُسمع».

وفي هذا السياق، قال قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان إن قوات الأمن شددت مستوى التعامل مع ما سماهم «مثيري الشغب» في إطار «تنسيق» بين الأجهزة الأمنية والشرطية.

وأضاف رادان أن «اعتقالات مهمة» نُفذت خلال الليل بحق أشخاص وصفهم بأنهم «عناصر رئيسية» في أعمال الشغب، من دون ذكر أعداد أو أسماء.

وزعم رادان، استناداً إلى ما قال إنها تقارير للطب الشرعي، أن «جزءاً ملحوظاً» من الضحايا سقطوا نتيجة «أسلحة بيضاء» وطعنات، وأن بعض حوادث إطلاق النار جرت من مسافات قريبة جداً، معتبراً أن ذلك يشير إلى أن المسؤولية ليست على قوات الأمن بل على «عناصر مدربة وموجهة»، بحسب قوله.

ونشرت وسائل إعلام رسمية روايات عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف قوات الأمن خلال الأيام الماضية في طهران ومدن أخرى.

وبث التلفزيون الرسمي لقطات لجنائز عناصر أمن في مدن بغرب البلاد، كما عرض مشاهد لاحتراق مبانٍ ومركبات، وقالت تقارير رسمية إن «مثيري الشغب» أحرقوا مسجداً في مدينة مشهد.

ونقلت وسائل إعلام رسمية أيضاً تقارير عن مقتل عناصر أمن في كرمانشاه، وسقوط ضحايا في محافظات أخرى، من دون إعلان حصيلة إجمالية رسمية.

صورة نشرتها وكالة «تسنيم» من تشييع ضابط في الجيش الإيراني في كرمانشاه غرب البلاد

وأفاد التلفزيون الرسمي بأن 30 عنصراً من قوات الأمن سيدفنون في مدينة أصفهان وسط البلاد، وأن 6 من عناصر الأمن قُتلوا على يد «مثيري شغب» في كرمانشاه غرب البلاد، إضافة إلى سقوط 13 قتيلاً في محافظة فارس، و7 من قوات الأمن في خراسان الشمالية.

وزعمت وكالة «تسنيم»، نقلاً عن «مصدر مطّلع»، أنه خلال «الليالي الماضية في طهران ومدن أخرى»، كان عدد عناصر القوات الأمنية الذين قضوا بعد اشتباكات مع محتجين «ملحوظاً».

أكثر من 500 قتيل

في المقابل، قالت «وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان» في إيران «هرانا»، وهي منظمة مقرها الولايات المتحدة، وتعتمد على شبكة ناشطين داخل البلاد للتحقق من المعلومات، إن عدد القتلى ارتفع إلى 538 شخصاً.

وأضافت «هرانا» أن غالبية القتلى من المتظاهرين، وأن بين الضحايا 48 من أفراد القوات العسكرية والأمنية، وأن أكثر من 10 آلاف و600 شخص أوقفوا، مع تلقي ادعاءات بأعداد أكبر من القتلى لا تزال قيد التحقق، وفق حصيلة تداولتها تقارير وكالات.

إيرانيون يبكون بجانب الجثث الموضوعة في أكياس خارج مركز كهريزك للطب الشرعي في جنوب طهران (رويترز)

ولم تصدر الحكومة الإيرانية أرقاماً رسمية شاملة عن ضحايا الاحتجاجات. وأكدت منظمة «سنتر فور هيومن رايتس أن إيران» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً أنها تلقت «إفادات شهود عيان وتقارير موثوقاً بها تُشير إلى مقتل مئات المتظاهرين في أنحاء إيران خلال انقطاع الإنترنت الحالي»، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وجاء في البيان أن «مجزرة تجري في إيران، وعلى العالم أن يتحرك الآن لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح». وأشارت إلى أن المستشفيات «مكتظة»، وأن مخزون الدم آخذ في النفاد، ملاحِظَة أن متظاهرين كثراً أُصيبوا في عيونهم بفعل أساليب تتعمد قوات الأمن اتباعها في مكافحة المظاهرات.

وقالت «منظمة حقوق الإنسان في إيران» ومقرها النرويج إنها وثقت منذ بدء الاحتجاجات مقتل ما لا يقل عن 192 متظاهراً، بينهم 9 دون الثامنة عشرة.

ومع استمرار انقطاع الإنترنت وقيود الاتصال، قالت جهات حقوقية وإعلامية إن الوصول إلى بيانات مستقلة حول حجم الاحتجاجات والضحايا يواجه صعوبات كبيرة.

وقالت منصة «نت بلوكس» المعنية بمراقبة الإنترنت إن الاتصال بالشبكة في إيران بقي عند نحو 1 في المائة من المستويات المعتادة مع استمرار الحجب أكثر من 60 ساعة.

وتسربت مقاطع الفيديو على ما يبدو عبر خدمة «ستارلينك» رغم الحجب التام للإنترنت الذي تشهده إيران، ويجعل التواصل الطبيعي مع العالم الخارجي مستحيلاً، سواء عبر تطبيقات المراسلة أو حتى خطوط الهاتف.

وتصاعدت حدة الخطاب الرسمي بالتوازي مع المشاهد الميدانية، إذ قال علي لاريجاني، الموصوف بأنه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، إن على القضاء التعامل بحزم مع من وصفهم بـ«صانعي انعدام الأمن».

متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)

وميز لاريجاني بين احتجاجات اقتصادية قال إنها «مفهومة» وبين أعمال «شغب» عدها منظمة وعنيفة، واتهم منفذيها بارتكاب أعمال قال إنها تشبه «أساليب داعش»، بما في ذلك القتل والحرق.

كما قال سعيد جليلي، ممثل المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي إن الخصوم يسعون إلى تحقيق أهدافهم عبر اضطرابات داخلية، ورأى أن ما يجري امتداد لـ«حرب» لم تحقق أهدافها خلال الأشهر الماضية، وفق ما نقلت وسائل إعلام إيرانية.

المشرحة

وبثت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، التي تعد من بين قلة من وسائل الإعلام الحكومية التي ما زالت تملك إمكانية الوصول إلى الإنترنت، تقريراً مصوراً، يوم الأحد، من داخل عنبر كبير في طهران ظهرت فيه جثث كثيرة، وزعمت أن مقتلهم مرتبط بأعمال نفذها «معترضون».

ولم يحدد التقرير موقع العنبر أو الجهة التابعة لها، كما لم يتضمن اسم الطب الشرعي أو تفاصيل رسمية عن هويات الضحايا أو أسباب الوفاة.

وجاء ذلك بعد تداول صور ومقاطع قيل إنها التقطت في محيط الطب الشرعي ومشرحة كهريزك، تظهر عائلات داخل قاعة كبيرة تبحث بين الجثامين عن أقاربها، وبعضها يشارك في

التعرف إلى الضحايا.

وأكدت هيئة الإذاعة والتلفزيون صحة تلك الصور في تقرير لاحق، لكنها نسبت مقتل «غالبية» الظاهرين فيها إلى «معارضي الحكومة»، وفق ما نُقل عنها.

في السياق نفسه، تداولت تقارير إعلامية وشهادات من داخل إيران روايات عن اكتظاظ بعض المستشفيات بالمصابين، لكن التحقق المستقل من التفاصيل بقي محدوداً.

تصاعد الدخان مع تجمع المتظاهرين وسط احتجاجات مناهضة للحكومة في مشهد (رويترز)

مطالب دولية

على المستوى الدولي، أشار البابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان إلى إيران بوصفها مكاناً «تستمر فيه التوترات في حصد أرواح كثيرة». وقال إنه يأمل ويصلي من أجل أن يُرعى «الحوار والسلام» بصبر سعياً إلى «الصالح العام للمجتمع بأسره»، وفق ما نقل عن كلمته.

كما دعت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران السلطات إلى استعادة الوصول إلى الإنترنت والهاتف المحمول «فوراً»، ووقف القمع العنيف للاحتجاجات الجارية. وقالت إنها تلقت معلومات وصفتها بالموثوق بها تشير إلى أن المجلس الأعلى للأمن القومي أصدر توجيهاً لقوات الأمن بشن حملة «حاسمة» لإنهاء الاحتجاجات.