ولادة متعثرة للحكومة الفرنسية بعد مساومات ومناورات مستفيضة

ماكرون أبقى على 3 وزارات سيادية بين يديه

الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات وتعيين حكومة مشتركة بين معسكره واليمين التقليدي (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات وتعيين حكومة مشتركة بين معسكره واليمين التقليدي (إ.ب.أ)
TT

ولادة متعثرة للحكومة الفرنسية بعد مساومات ومناورات مستفيضة

الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات وتعيين حكومة مشتركة بين معسكره واليمين التقليدي (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات وتعيين حكومة مشتركة بين معسكره واليمين التقليدي (إ.ب.أ)

يتعين الاعتراف بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات البرلمانية، التي جرت جولتها النهائية يوم 7 يوليو (تموز) لصالحه، رغم الهزيمة التي لحقت بمعسكره الذي فقد في البرلمان الجديد نحو 100 نائب، ومعها خسر الأكثرية المطلقة. ويكفي النظر للحكومة الجديدة التي أعلن تشكيلها برئاسة المفوض الأوروبي ميشال بارنييه، بعد مشاورات ومناورات دامت أسبوعين، ليتبين أن ما حصل ليس حكومة جديدة، بل هي أقرب إلى تعديل وزاري.

والدليل على ذلك أن الوزارات الرئيسية، الخارجية والدفاع والاقتصاد، يشغلها وزراء ينتمون إلى المعسكر الرئاسي. والاستثناء الوحيد، على مستوى الوزارات السيادية، يكمن في إيكال وزارة الداخلية وما وراء البحار إلى برونو ريتايو، رئيس مجموعة اليمين التقليدي في مجلس الشيوخ، وهو الأبرز بين الوزراء الذين ينتمون لتياره. وكان أحد الأثمان التي قبل إيمانويل ماكرون وبارنييه بدفعها لحزب «اليمين الجمهوري» (سابقاً الجمهوريون) لقبول الانضمام للحكومة.

عملياً، ونظراً للتحالف الحكومي بين الأحزاب الداعمة لماكرون؛ وهي «معاً من أجل الجمهورية» و«هورايزون» و«الحركة الديمقراطية» و«اليمين الجمهوري» يكون ماكرون قد حقّق ما كان يريد تحقيقه منذ أكثر من سنتين، وهو قيام تحالف بين هذين المكونين. ووفق المحللين كافة، فإن الحكومة الجديدة هي الأكثر يمينية، بل إن بعض طروحات وزرائها، وعلى رأسهم وزير الداخلية الجديد، تدفع بها إلى اليمين المتشدد، فضلاً عن أن بارنييه، الذي أخذ الفرنسيون يعدّونه «الشخصية المفضلة» لديهم، ليس وسطياً.

وما تناوله خلال الأسبوعين الماضيين ينم عن يمينيته، خصوصاً بشأن ملفي الهجرات والأمن والمسائل الاجتماعية، مثل قانون التقاعد. ومنذ تعيينه، لم يتردد معارضوه من العودة إلى برنامجه عندما كان مرشحاً رئاسياً عام 2022، حيث قدّم طروحات محافظة للغاية.

حكومة يمينية بامتياز

صورة مركبة للوزراء الرئيسيين في الحكومة الجديدة التي ولدت بعد 15 يوماً من المشاورات (أ.ف.ب)

تفيد الأرقام أن الحكومة الجديدة تحظى بدعم ما بين 215 و230 نائباً في البرلمان، بينما الأكثرية المطلقة تتطلب 289 نائباً، فيما بقية المجلس تتشكل من نواب «الجبهة الشعبية الجديدة» (أي أحزاب اليسار والخضر)، ونواب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن. والحال أنه من غير الضوء الأخضر الذي أعطته لوبن لترشيح بارنييه، ما كان هذا الأخير سيكلف تشكيل الحكومة. ولكن لوبن، التي وعدت مباشرة أو بالواسطة، الرئيس ماكرون بأن نوابها لن ينضموا إلى نواب اليسار لسحب الثقة من الحكومة لدى أول مناسبة، تريد «ثمناً» لتسامحها يتعين أن تقبضه من خلال «تناغم» سياسات بارنييه في ملفات الهجرات والأمن والمطالب الأخرى. من هنا، تفهم الأسباب التي دفعت ماكرون وبارنييه إلى تسليم حقيبة الداخلية إلى روتايو، كدليل على التجاوب الضمني مع ما تريده لوبن.

بالنظر إلى ما سبق، فإن حكومة بارنييه تواجه ألغاماً وتحديات كثيرة، وتفتقد الانسجام والدعم المطلق حتى من نواب المعسكر الماكروني. وبأي حال، ثمة قناعة راسخة أن ماكرون لن يتردد، الصيف المقبل، في حل البرلمان مرة جديدة من أجل تغيير التوازنات الحالية داخله، حيث تشكّل 3 مجموعات كبيرة؛ أولاها مجموعة اليسار، تليها مجموعة المعسكر الماكروني، وثالثتها مجموعة اليمين المتطرف.

ومنذ اليوم الأول من عمر الحكومة، وصف أوليفيه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي، الحكومة بأنها «رجعية تشكل استهزاء بالديمقراطية»، مؤكداً أن حزبه سيعمد إلى طرح الثقة بالحكومة سريعاً، فيما عدّها زعيم حزب «فرنسا الأبية» والمرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون «فاقدة للشرعية السياسية»، داعياً إلى التخلص منها «بأسرع وقت».

وحثّ الرئيس (الاشتراكي) السابق فرنسوا هولند، المعروف باعتداله، رفاقه في الحزب إلى عدم التأخر في طرح الثقة. وبانتظار أن يعود مجلس النواب إلى الالتئام، وأن يستمع النواب إلى البرنامج الذي من المفترض ببارنييه أن يقدّمه في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، فإن تعبير اليسار عن رفض ما يسمونه «سرقة نتائج الانتخابات» يتخذ 3 أشكال؛ أولها مسار تنحية ماكرون في البرلمان بالاستناد إلى النصوص الدستورية. وثانيها تواصل المظاهرات كل يوم سبت في باريس وكثير من المدن الكبرى والمتوسطة، وثالثها سحب الثقة من الحكومة.

مخاطر السقوط في البرلمان

رئيسا الحكومة السابق والحالي غابرييل أتال وميشال بارنييه لدى احتفالية التسلم والتسليم يوم 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

بيد أن ماكرون مطمئن بالنسبة للمسار الأول بالغ التعقيد قانونياً، الذي يتطلب تبنيه تصويت ثلثي النواب والشيوخ لصالحه. والحال أن أمراً كهذا غير متوافر. كذلك، فإن المظاهرات لن تُفضي إلى إسقاط الحكومة أو استقالتها، لأنها حتى اليوم لم تحشد ما يكفي من الدعم الشعبي، خصوصاً أن نسبة من المواطنين تريد أن تعطيها الفرصة لكي تبدأ العمل، وأن تنظر لاحقاً في النتائج.

وبأي حال، يعدّ المحللون أن سقوط بارنييه سيوجد مشكلة مستعصية، وسيعيد الأزمة السياسية إلى المربع الأول، باعتبار أن توازنات البرلمان لن تتغير، وأنه لن يحق لماكرون، وفق النصوص الدستورية، حل مجلس النواب مجدداً قبل مرور عام كامل على حلّه المرة الأولى. أما تضافر اليسار واليمين المتطرف لإسقاط الحكومة، فإنه مستبعد أقله على المدى المنظور، لأن لوبن ستمثل، بدءاً من أول أكتوبر (تشرين الأول) أمام محكمة الجنايات في باريس مع 26 من زملائها، للاشتباه في اختلاس أموال أوروبية مخصصة لتوظيف مساعدين برلمانيين من أجل دفع رواتب موظفي التجمع الوطني. وتطعن زعيمة الحزب في التهم الموجهة إليها. ولذا، سيكون من الصعب عليها وعلى نوابها أن يخوضوا معركتين في وقت واحد: سياسية وقضائية. من هنا، فإن سقوط الحكومة السريع ليس مرتقباً.

كثيرة هي التحديات التي تواجهها حكومة بارنييه، وأوّلها إيجاد الانسجام بين مكوناتها ودعمها للعمل بوجهة واحدة. وتحديها الثاني عنوانه إقرار ميزانية عام 2025، التي تأخر إيصالها إلى مكتب البرلمان ليبدأ النظر في فقراتها، علماً أنه يتعين على وزارة المالية أن تعمد إلى اقتطاع مخصصات بالمليارات. والحال أن فرنسا بعيدة جداً عن معاييير الاتحاد، الذي يفرض على أعضائه ألا يزيد عجز الميزانية عن 3 بالمائة، فيما عجز فرنسا يجاور 6 بالمائة. وتجدر الإشارة الى أن ديون فرنسا تزيد على 3 آلاف مليار يورو.

الحقائب السيادية بيد ماكرون

تفتقر الحكومة الجديدة إلى شخصيات سياسية وازنة، لأن أنظار هذه الشخصيات شاخصة نحو الاستحقاقات الانتخابية، ولا تريد أن «تحرق أجنحتها» في حكومة قصيرة العمر. ونجح ماكرون في الإبقاء على وزير الدفاع سيباستيان لوكورنو في منصبه، وعيّن في الخارجية جان نويل بارو، الذي كان سكرتير دولة للشؤون الأوروبية في الحكومة السابقة. وينتمي بارو إلى «الحركة الديمقراطية» الوسطية، ولا تعرف عنه مواقف محددة، ولا شك أنه سيكون أداة طيعة بيدي ماكرون كما حال لوكورنو.

وعيّن بنجامين حداد وزيراً للشؤون الأوروبية، وكان انتخب نائباً في الانتخابات الأخيرة على اللائحة الرئاسية. بيد أن حداد معروف بميوله الأطلسية وبتأييده المطلق لأوكرانيا وإسرائيل. وسبق له أن عمل في واشنطن لصالح المركز اليميني المعروف «أتلانتيك كاونسل». أما أنطوان أرماند، فتسلّم حقيبة المالية، وهو بالغ من العمر 33 عاماً. وقد انتخب على اللائحة الرئاسية نائباً مرتين، وكان يفترض به أن يترأس اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب لو لم يعطَ حقيبة المالية، التي هي الأخطر في الوقت الراهن. وعُيّن إلى جانبه لوران سان مارتان، بصفته سكرتير دولة.

وإلى جانب وزراء الوسط واليمين، هناك وزير «يساري» واحد هو وزير العدل ديديه ميغو، الاشتراكي السابق البالغ من العمر 72 عاماً، وسبق له أن تقلد مناصب إدارية رفيعة، وانتخب نائباً لفترات طويلة.


مقالات ذات صلة

ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

العالم لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز) p-circle

ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

يعتزم الرئيس الفرنسي خلال لقائه المرتقب مع نظيره الأميركي، الاثنين، التحدث معه «بصراحة» لمحاولة «توجيهه نحو القرارات الصائبة»، ولا سيما في شأن أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في قصر الإليزيه (رويترز)

خطة فرنسية لتحرير الملاحة في «هرمز» 6 أشهر

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجتمع بالرئيسين الأميركي والإيراني في نيويورك لبحث مقترح فرنسي لتحرير الملاحة في مضيق هرمز لفترة 6 أشهر.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)

في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

يزور إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا أرخبيل سان بيير وميكلون اليوم (الأحد)، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في ختام مؤتمر صحافي مشترك بكييف يوم 6 سبتمبر الحالي (أ.ب) p-circle

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية... وماكرون يهدد بالرد على «الهجمات الهجينة»

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية، وماكرون يهدد بالرد على الهجمات الهجينة، وروسيا تتعرض لهجوم بمئات المسيّرات مع بدء الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (كييف - لندن)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الشرق الأوسط)

محمد بن سلمان وماكرون يبحثان جهود تعزيز أمن المنطقة

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال اتصالٍ هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)

الكرملين منفتح على محادثات مع «البديل من أجل ألمانيا»

دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)
دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)
TT

الكرملين منفتح على محادثات مع «البديل من أجل ألمانيا»

دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)
دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)

أعربت روسيا اليوم الثلاثاء عن استعدادها لإجراء محادثات مع «حزب البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، في أعقاب النجاح الكبير الذي حققه الحزب الموالي للكرملين في انتخابات الولايات الأخيرة، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وقال دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين في تصريحات نقلتها وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء إن تصريحات «حزب البديل من أجل ألمانيا» بشأن استئناف العلاقات مع روسيا «تثير إعجابنا».

وفاز حزب «البديل من أجل ألمانيا» المناهض للمهاجرين، في الانتخابات الإقليمية التي جرت في ولاية مكلنبورج - فوربومرن شمال شرقي ألمانيا أول من أمس الأحد، محققاً أكثر من ضعف نتائجه السابقة.

كما حقق الحزب مكاسب كبيرة في برلين، بعد أسبوعين من فوزه في الانتخابات في ولاية ساكسونيا - أنهالت القريبة، حيث يجري محادثات لتشكيل أول حكومة يمينية متطرفة في ألمانيا منذ الحقبة النازية.

وأفاد بيسكوف بأن النجاح الانتخابي الأخير الذي حققه الحزب يظهر أنه يتمتع بشعبية متزايدة بشكل مطرد بوصفه قوة سياسية، ورحب كذلك باستعداده لبناء علاقات مع موسكو.

وذكر: «بالطبع، تبدو مثل هذه التصريحات أكثر ملاءمة بالنسبة لنا من تلك التي أدلى بها (المستشار الألماني فريدريش) ميرتس، الذي لم يميز نفسه بشكل أساسي إلا من خلال تصريحات المواجهة الموجهة إلى الاتحاد الروسي».

وسخرت القيادة الروسية بشكل متكرر من المستشار الألماني ميرتس ووصفته بأنه «داعية للحرب» و«كاره لروسيا» بسبب دعم بلاده لأوكرانيا.

وعلى الجانب الآخر، يدعو «حزب البديل من أجل ألمانيا» إلى إنهاء عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا وكذلك وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا.


هجمات روسية أوكرانية تسبق لقاء نيويورك... هدنة الطاقة و«باتريوت» على الطاولة

رد فعل بائع كتب بينما يحاول رجال الإطفاء إخماد حريق في سوق كتب استهدفها هجوم صاروخي روسي على كييف (أ.ب)
رد فعل بائع كتب بينما يحاول رجال الإطفاء إخماد حريق في سوق كتب استهدفها هجوم صاروخي روسي على كييف (أ.ب)
TT

هجمات روسية أوكرانية تسبق لقاء نيويورك... هدنة الطاقة و«باتريوت» على الطاولة

رد فعل بائع كتب بينما يحاول رجال الإطفاء إخماد حريق في سوق كتب استهدفها هجوم صاروخي روسي على كييف (أ.ب)
رد فعل بائع كتب بينما يحاول رجال الإطفاء إخماد حريق في سوق كتب استهدفها هجوم صاروخي روسي على كييف (أ.ب)

سبقت موجة جديدة من الضربات المتبادلة على منشآت صناعية وطاقة، اللقاء المرتقب في نيويورك بين الرئيسين دونالد ترمب وفولوديمير زيلينسكي، لتعيد مسألة حماية البنية الأساسية إلى مقدمة الاتصالات الدبلوماسية. وبينما تسعى كييف إلى اتفاق متبادل يخفف الهجمات، تركز واشنطن أيضاً على تداعيات استهداف المصافي الروسية على سوق الوقود.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يحضر فعالية في منطقة إيفانو فرانكيفسك بأوكرانيا 18 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

ومن المقرر أن يلتقي زيلينسكي عدداً من قادة العالم، من بينهم الرئيس ترمب، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ويسعى زيلينسكي إلى حشد الدعم لإنهاء الغزو الروسي الشامل لبلاده، الذي دخل عامه الرابع ونصف العام تقريباً. وفي المقابل، لن يحضر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه الفعالية السنوية. وخلفت الحرب، التي يقول مسؤولون غربيون إنها أودت بحياة أكثر من 500 ألف جندي روسي، تداعيات عالمية واسعة.

وأفادت «رويترز»، الثلاثاء، بأن زيلينسكي سيبحث هدنة الطاقة، وإمدادات صواريخ «باتريوت» استعدادا للشتاء إذا تعذرت الهدنة. كما أشارت أيضاً إلى لقاء مقرر بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيره الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في ختام مؤتمر صحافي مشترك بكييف يوم 6 سبتمبر الحالي (أ.ب)

وأكد نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر أليموف، الثلاثاء، أن روسيا «لا تعتبر، ولم تعتبر قط»، الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وسيطاً جاداً فيما يتعلق بأوكرانيا. وقال أليموف: «نحن لا نعتبر غوتيريش ولم نعتبره قط وسيطاً جاداً»، بحسب ما ذكرته وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف صرح في مؤتمر صحافي عقد في شهر يونيو (حزيران) الماضي بأن الأمين العام الحالي للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، «يجاري الغرب علناً، بما في ذلك فيما يتعلق بمسألة أوكرانيا». وتنتهي ولاية غوتيريش في 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

المصافي تضغط

وقالت ثلاثة مصادر صناعية إن معالجة الخام في مصفاة تابعة لشركة «غازبروم نفت» بموسكو، توقفت بعد هجوم الأحد. وقالت المصادر إن النيران أصابت وحدتي التقطير الرئيسيتين، وإن الإصلاح قد يستغرق أسابيع. ولم تقدم الشركة تعليقاً فورياً.

وترى إيفانا سترادنر، الباحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن أهمية الضربة تتجاوز الضرر الصناعي إلى صورتها السياسية. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحسب تعبيرها، يريد الظهور بمظهر «قيصر حديث» يجسد القوة والسيطرة المطلقتين. لكن إصابة مصفاة قرب موسكو يوم الانتخابات هزت هذه الصورة، وأظهرت أن الهجمات يمكن ان تصل إلى الداخل الروسي. وتعتبر سترادنر استهداف ما تصفه بأنه «مركز ثقل روسيا» خطوة تخدم موقف كييف، وتحمّل بوتين مسؤولية بدء الحرب. وهذا تقييم لدلالة الضربة السياسية. أما أثرها الاقتصادي والعسكري فيتوقف على مدة التعطيل وإمكان تعويض الإنتاج، ولا يكفي توقف منشأة واحدة لتقدير الضرر في القطاع كله.

عناصر الإنقاذ وهم يخمدون حريقاً في مستودع تضرر من جراء غارة جوية في بروفاري بمنطقة كييف (أ.ف.ب)

في المقابل، أورد «أكسيوس»، نقلاً عن مصدر مطلع، أن ترمب طلب من زيلينسكي وقف ضربات المصافي بسبب أسعار الديزل. ويكشف ذلك عن اختلاف في الأولويات: كييف تريد إضعاف قدرة خصمها على مواصلة الحرب، بينما تنظر واشنطن أيضاً إلى تداعيات تراجع إمدادات الوقود خارج ساحة القتال.

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، إنه بحث مع الرئيس ترمب مبادرات تهدف إلى التوصل إلى وقف مؤقت للهجمات المرتبطة بقطاع الطاقة بين أوكرانيا وروسيا. وفي حديث للصحافيين عقب الاجتماع، ذكر ماكرون أنهما أجريا محادثات «جيدة للغاية» و«بناءة جداً» حول الصراع، واتفقا على ضرورة مساعدة كييف في تعزيز دفاعاتها. وأضاف ماكرون: «أجرينا نقاشاً مطولاً حول أوكرانيا وروسيا، وضرورة مساعدة أصدقائنا الأوكرانيين بشكل أسرع وأقوى فيما يتعلق بالصواريخ الاعتراضية، لأن هذه هي القضية الأساسية من وجهة نظر دفاعية».

ودون الخوض في التفاصيل، قال ماكرون إنهما ركزا على فكرة وقف الضربات على قطاع الطاقة، وهو موضوع سيتطرق إليه كذلك في لقاء مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

على جدول ترمب لقاء مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي فيما وقّع في 18 سبتمبر مشروع قانون يجيز فرض عقوبات جديدة على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا (أ.ف.ب)

الميدان مستمر

قال مسؤولون أوكرانيون، الثلاثاء، إن ضربات روسية أصابت منشآت صناعية في دنيبرو وكريفي ريه وبافلوهراد. وأعلنوا مقتل 4 أشخاص وإصابة 6 في دنيبرو، فيما انقطعت الكهرباء عن نحو 100 ألف مشترك في منطقة تشيرنيهيف عقب استهداف منشأة للطاقة. وذكرت القوات الجوية الأوكرانية أن الهجوم شمل 212 مسيّرة وصواريخ من أنواع مختلفة.

وفي الرواية الروسية، قالت وزارة الدفاع إن قواتها استهدفت منشآت صناعية وعسكرية وقطاع الوقود والطاقة ومرافق موانئ وسفناً تخدم الجيش الاوكراني، وأعلنت ضرب مصفاة في كريمنشوك. وأفاد حاكم سامارا الروسي بمقتل شخص وإصابة 4 في هجوم أوكراني، فيما أعلنت وزارة الدفاع اعتراض 297 مسيّرة خلال الليل.

وفي شمال دونيتسك، أعلن الفيلق الثالث الأوكراني، الأحد، استعادة 40 كيلومتراً مربعاً إضافية ضمن عملية «فيفالدي» قرب ليمان. وقال إن قواته استعادت شاندريهولوفه وديريلوفه، وإن دروبيشيفه أصبحت تحت السيطرة الأوكرانية الكاملة. وتظل هذه الحصيلة وروايات صادرة عن طرفي الحرب، مع صعوبة التحقق المستقل من طبيعة الأهداف وحجم الأضرار.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (يسار) والرئيس الصيني شي جينبينغ (وسط) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقطون صورة تذكارية في نيودلهي (أ.ب)

لكن آنا بورشيفسكيايا، الباحثة في معهد واشنطن، تميز في حديث مع «الشرق الأوسط»، بين نجاح العمليات وتغير ميزان الحرب. وتقول إن الاوكرانيين أظهروا ابتكاراً ونجاحاً لافتين وفهماً جيداً للتعامل مع الروس، لكنهم «لم يحوّلوا ميزان الميدان بعد إلى أفضلية حاسمة». وتضيف أن روسيا ما زالت تتفوق عددياً في إنتاج المسيّرات، وأن اقتراب الشتاء واستهداف منشآت الطاقة يجعلان المرحلة المقبلة صعبة خصوصاً على أوكرانيا. وترى أن كييف تحتاج إلى دعم غربي لتوسيع إنتاج المسيّرات، بما يجعل ضرباتها أكثر تأثيراً واستدامة. ويضع تقييمها مسألة القدرة على مواصلة العمليات إلى جانب نتائج الضربات المنفردة.

هدنة بشروط

وجدد زيلينسكي، الاثنين، ربط خفض التصعيد من جانب بلاده بتوقف استهداف قطاع الطاقة والبنية الحيوية والصادرات الغذائية الأوكرانية.

ويطوّر هذا الموقف طرحه السابق لهدنة جزئية تشمل الطاقة والملاحة في البحر الأسود عند تعذر التوصل إلى وقف شامل للنار.

ومن موسكو، قال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الاثنين، إن المفاوضات لم تحقق تقدماً، معرباً عن الأمل في استئناف المحادثات الثلاثية بمشاركة الولايات المتحدة وأوكرانيا، من دون تحديد موعد. ونقلت «كييف بوست» تصريحاته عن وسائل الإعلام الرسمية الروسية.

ويفسر جون هاردي الباحث في الشأن الروسي، صعوبة التوصل إلى هدنة من زاوية حسابات الطرفين. ويقول في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن الضربات الأوكرانية البعيدة المدى على المصافي وأهداف أخرى في العمق «منحت كييف أوراق ضغط إضافية». لكن المشكلة، في تقديره، أن بوتين يبدو مقتنعاً بقدرته على توجيه ضربات أشد إلى أوكرانيا، مشيراً إلى تفاخره بذلك الشهر الماضي. ويرى هاردي أن بوتين يراهن على أن تكثيف قصف البنية التحتية للطاقة الأوكرانية خلال الشتاء، قد يساعده على إخضاع كييف لإرادته. ويضيف قائلاً: «أرجح أن هذا هو سبب مقاومة روسيا لهدنة في قطاع الطاقة»، مقدماً ذلك بوصفه تفسيراً محتملاً للموقف الروسي.

وتبدي سترادنر تشككاً في استعداد بوتين للتفاوض بحسن نية، وترى أنه يستخدم الدبلوماسية لكسب الوقت، وأن «القوة هي اللغة التي يستجيب لها». ويختلف تقييمها عن الموقف الروسي المعلن يشأن استئناف المحادثات، فيما يبقى اختبار أي تفاهم رهن الالتزامات التي يقبلها الطرفان وتنفيذها.

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ خلال اجتماع منظمة «بريكس» في نيودلهي بالهند (أ.ب)

المجر تنفي انضمامها إلى «كارباتيان إيت»

قالت المجر، الثلاثاء، إنها رفضت الانضمام إلى مبادرة للتعاون الإقليمي أطلقتها جارتها أوكرانيا، في مؤشر إلى استمرار التوتر بين البلدين رغم رحيل حكومة فيكتور أوربان المقربة من روسيا. وافتتح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أول قمة لدول منطقة غرب أوكرانيا، معلناً أنّ ممثلين عن سبع دول في المنطقة شاركوا فيها، بينها المجر. لكن وزارة الخارجية المجرية نفت الانضمام إلى التجمع الذي قال زيلينسكي إنه يركز على التعاون الاقتصادي والأمن.

وقالت الوزارة في بيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»: «المجر ليست عضواً في مبادرة التعاون الإقليمي +كارباتيان إيت+ التي أطلقها الرئيس زيلينسكي، لكنها تتابع من كثب تأسيس المبادرة وتطوّرها».

وفي معرض تعليقه على اجتماع المجموعة قال رئيس الوزراء المجري المؤيد للاتحاد الأوروبي بيتر ماديار أمام البرلمان: «لقد دُعينا، لكننا لم نذهب، ولسبب وجيه».

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيغا عبر منصة «إكس»، إن كييف «فوجئت بالتصريحات الصدامية غير الضرورية لرئيس الوزراء المجري تجاه أوكرانيا». وأضاف: «لا تزال أسباب هذا الرفض القاطع من جانب المجر مجهولة».


تحطم طائرة عسكرية قرب قاعدة أميركية في غرب ألمانيا وإصابة شخص

أجزاء من طائرة مقاتِلة أميركية تظهر بجوار المدرج في قاعدة شبانغدالم الجوية الواقعة بمنطقة آيفل جنوب غربي ألمانيا (أ.ف.ب)
أجزاء من طائرة مقاتِلة أميركية تظهر بجوار المدرج في قاعدة شبانغدالم الجوية الواقعة بمنطقة آيفل جنوب غربي ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

تحطم طائرة عسكرية قرب قاعدة أميركية في غرب ألمانيا وإصابة شخص

أجزاء من طائرة مقاتِلة أميركية تظهر بجوار المدرج في قاعدة شبانغدالم الجوية الواقعة بمنطقة آيفل جنوب غربي ألمانيا (أ.ف.ب)
أجزاء من طائرة مقاتِلة أميركية تظهر بجوار المدرج في قاعدة شبانغدالم الجوية الواقعة بمنطقة آيفل جنوب غربي ألمانيا (أ.ف.ب)

تحطمت طائرة عسكرية في محيط قاعدة شبانجدالم الجوية الأميركية بمنطقة آيفل في ولاية راينلاند بفالتس الواقعة غرب ألمانيا، وأعلنت السلطات المحلية في المنطقة، اليوم الثلاثاء، أن شخصاً واحداً أُصيب في الحادث، وفقاً للنتائج الأولية، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت السلطات أن فِرق الإطفاء والحماية من الكوارث انتشرت في موقع الحادث.

وقالت إدارة الإقليم: «لا يمكن للإقليم، في الوقت الراهن، تقديم أي معلومات بشأن ملابسات الحادث أو تفاصيل أخرى تتعلق به». ورفضت القوات الجوية الأميركية الرد على استفسار عن الحادث.

ويتمركز في شبانغدالم سِرب من مقاتلات «إف-16» الأميركية يضم نحو 20 طائرة. ويمثل السرب، الذي يدعم عمليات القوات الجوية الأميركية وحلف شمال الأطلسي «ناتو» في أنحاء العالم، العنصر الأساسي للقاعدة الجوية. ويعمل في القاعدة، وفقاً لأحدث البيانات، نحو 5 آلاف موظف عسكري ومدني، إضافة إلى أفراد أُسرهم. كما توفر القاعدة الجوية الأميركية فرص عمل لما يتراوح بين 700 و800 ألماني.