إشكاليّة النصوص الأدبيّة المنشورة بعد وفاة مؤلّفيها

أسئلة شائكة تثار حولها

إشكاليّة النصوص الأدبيّة المنشورة بعد وفاة مؤلّفيها
TT

إشكاليّة النصوص الأدبيّة المنشورة بعد وفاة مؤلّفيها

إشكاليّة النصوص الأدبيّة المنشورة بعد وفاة مؤلّفيها

يناقش الكاتب الأسئلة الشائكة التي تثار حول نشر أعمال إبداعية بعد وفاة مؤلفيها، وما يصيبها من تغيير من قبل المحررين ودور النشر، الأمر الذي قد يفقدها المصداقية ويجعلها تبدو غريبة عن أسلوب وعوالم مؤلفيها، مما يشكّل صدمة أدبية للقراء المتابعين لهم.

عندما يتمّ نشر أعمال أدبيّة بعد وفاة أصحابها، تثار أسئلة عديدة عنها، من قبيل: كيف يؤثّر غياب الكاتب على عملية تحرير النصّ؟ هل يعتبر نشر الرواية بعد وفاة الكاتب محاولة لاستثمار إرثه الأدبيّ أم رغبة في تقديم رؤيته الأخيرة؟ كيف يتفاعل القارئ مع نصوص قد لا تعكس الصوت الحقيقيّ للكاتب؟ إلى أيّ حدّ يعتبر النصّ الذي لم يشرف عليه الكاتب بنفسه نصّاً أصيلاً؟

لا يخفى أنّ الروايات التي تُنشر بعد وفاة أصحابها تكون قد تعرّضت لتعديلات - كثيرة أو قليلة - من قبل المحرّرين أو الناشرين. هذه التعديلات قد تشمل تغييرات في الأسلوب، أو إضافة عناصر جديدة، أو حتّى تغيير في بناء العمل أو فكرته الرئيسة - مَن يدري! -. مثل هذه التعديلات يمكن أن تؤثّر بشكل كبير على الأصالة الفنّيّة للنصّ، وتجعل القارئ يتساءل عما إذا كان النصّ النهائيّ يعكس الرؤية التي كان الكاتب ينوي تقديمها.

وهذا بدوره متروك لأمانة المحرّر والناشر، وقد يكون هذا المفهوم نسبيّاً، وتتداخل عوامل متعدّدة فيه. ولا يمكن إغفال الجوانب التجاريّة كذلك. ففي عالم النشر، تُعتبر أمانة المحرّر والناشر إحدى القيم الجوهريّة التي تعزّز مصداقية الدار وتوجّهاتها، غير أنّ هذا المفهوم، رغم أهمّيّته، لا يمكن فصله عن جوانب تجاريّة قد تؤثّر عليه بطرق متعددة.

إنّ مفهوم الأمانة التحريريّة ليس ثابتاً؛ إذ تختلف القيم والمبادئ التحريرية من ناشر إلى آخر، ومن محرّر إلى آخر. قد يجد البعض أنّ الحرّية الأدبيّة والتعبيريّة تتطلّب بعض المرونة، بينما يرى آخرون أنّ القواعد الصارمة هي السبيل الوحيد لضمان الجودة والأمانة. في هذا السياق، يصبح من الضروريّ التذكير بأنّ الأمانة، بالإضافة إلى كونها مسألة أخلاقية، هي عملية تتأثّر بتوازن دقيق بين المبادئ والقيم والمصالح التجارية.

ومن الطبيعيّ أن تلعب الجوانب التجاريّة دوراً في عالم النشر، ولكن علينا أن ندرك كيف يمكن أن تؤثّر على جودة العمل الأدبيّ. قد تكون هناك محاولات لتعديل النصوص بما يتماشى مع التوجّهات الرائجة أو المبيعات المتوقّعة، ما يطرح تساؤلات حول مدى تعارض هذه التعديلات مع رؤية الكاتب والرسالة التي يحملها نصّه. وهذه المعادلة تتطلّب إدراكاً مسؤولاً لطبيعة الأدب وتقديراً لمبادئه الأساسيّة، جنباً إلى جنب مع القدرة على الاستجابة للعوامل الأخرى دون المساس بسلامة النصوص وقيمتها الأدبيّة.

ومن البديهيّ أنّ الكاتب، أثناء حياته، يراجع نصّه ويقدّم موافقته النهائية على الشكل الذي سيصدر به، ولكن عندما يُنشر عمل له بعد وفاته، فإنّ غياب توقيعه وغياب موافقته النهائيّة يثيران تساؤلات حول مدى تطابق النصّ المنشور مع ما كان سيقدّمه لو كان حيّاً. هذا النقص في التحقّق النهائيّ يمكن أن يؤثّر على كيفية تلقّيه من قبل القرّاء والنقّاد ودارسي الأدب.

من الممكن أنّ غياب الكاتب قد يسمح للمحرّرين بإجراء تغييرات على النصّ، ممّا قد يؤدّي إلى تباين بين النصّ النهائيّ وما كان الكاتب ينوي تقديمه. ومن الممكن أن يكون نشر المسوّدات والنصوص غير المكتملة محاولة للاستثمار التجاريّ أكثر من كونه تقديراً حقيقيّاً لإرث الكاتب. وقد يشعر القارئ بخيبة أمل إذا اكتشف أنّ النصّ الذي يقرأه لا يعكس الرؤية الأدبيّة الحقيقيّة للكاتب بسبب التعديلات التي أجريت عليه.

يمكن أن نستشهد على نشر أعمال لمؤلّفين راحلين، مثلاً، رواية «نلتقي في أغسطس» التي صدرت بعد عشر سنوات من وفاة الكولومبيّ غابرييل غارسيا ماركيز (1927 - 2014) تثير تساؤلات حول مدى توافقها مع رؤية الكاتب لمشروعه الروائيّ. ماركيز، الذي يُعرف بإبداعه الساحر وصوته الأدبيّ المميّز، لم يكن موجوداً ليشرف على عملية تحرير الرواية أو يضع توقيعه النهائيّ عليها، وقد تكون الرواية قد خضعت لتعديلات أو تصحيحات من قبل المحرّرين أو الناشرين، ما يثير السؤال: هل كانت الرواية ستبدو كما هي عليه الآن لو كان ماركيز حيّاً؟

الرواية التي جاءت مخيّبة لآمال وتوقّعات قرّاء ماركيز يمكن أن تكون قد شهدت تغييرات لا يمكننا الجزم بأنها تتماشى مع رؤية ماركيز كما يعهدها قرّاؤه ودارسوه في أعماله السابقة، ما قد يكون تسبّب بخلق تباين بين النصّ المنشور وما كان يطمح الكاتب لتقديمه.

وكذلك الحال مع رواية «سمك ميّت يتنفّس قشور الليمون» للسوريّ خالد خليفة (1964 - 2023)، التي صدرت بعد وفاته بعام عن دار نوفل، ومثل حالة ماركيز، لم يتمكّن خليفة من مراجعة نصّه النهائيّ أو تقديم موافقته الشخصيّة على الشكل الذي نُشر به، والتعديلات التي قد تكون أجريت على الرواية قبل نشرها يمكن أن تؤثّر على التجربة الروائيّة التي كان ينوي تقديمها، ولا سيما أنّه لم يعلن عنها قبل رحيله، وهو الذي كان معروفاً بأنّه يعرض مسوّداته على عدّة أشخاص قبل دفعها للنشر.

في حالات النشر بعد رحيل المؤلّفين تحضر إشكالية أخرى تتمثّل في أنّه إذا كان هناك اختلاف بين النصّ المنشور وتجارب الكاتب السابقة، فقد يشعر القرّاء بخيبة أمل إذا اكتشفوا أن العمل قد لا يعكس تماماً ما كان الكاتب ينوي تقديمه. وهنا من الضروريّ أن يُشار إلى أنّ العمل المنشور لم يكن مكتملاً وليس عليه توقيع الكاتب بصورته النهائيّة المحرّرة؛ لأنّ هذا يعزّز من نزاهة العمليّة الأدبيّة ويضمن الحفاظ على سمعة الكاتب وتقدير إرثه الأدبيّ بشكل صحيح، ويوفّر للقرّاء فهماً واضحاً للطبيعة غير المكتملة للعمل.

وعلى الرغم من الجدل حول التعديلات، تبقى أهمّيّة نشر النصوص التي كتبها الأدباء بعد وفاتهم في كونها تعبيراً عن جزء من إبداعهم. ولا شكّ أنّ هناك أهمية أدبيّة وتاريخيّة في نشر المخطوطات الأصلية بجانب النصوص المحرّرة، وذلك في سياق نشر أعمال الراحلين بعد وفاتهم، وذلك لتوفير نظرة شاملة حول تطوّر العمل الأدبيّ، وتوفير موادّ قيّمة للدارسين والباحثين لمقارنة النسخ المختلفة.

ولعلّ نشر المخطوطات/المسوّدات يمكن أن يساهم في تمكين القراء والباحثين من الاطلاع على النصوص كما اقترحها صاحبها قبل أن يتدخّل المحرّرون أو الناشرون. وهذا يمكن أن يكشف عن العناصر الأدبيّة التي قد تكون قد أزيلت أو عدّلت، ممّا يساعد في فهم أعمق للعمل الأدبيّ، ولعملية التحرير والتعديل نفسها، وقد يمنح فرصة لفتح مجال لدراسات أدبيّة جديدة في ميدان لا يزال مغلّفاً بالتكتّم والتعتيم، كما قد يمنح فرصة تحليل وتقييم تطوّر النصوص الأدبية عبر مراحل زمنية مختلفة، بحيث يمكن تتبع التغييرات التي أجريت على النصوص وكيفية تأثيرها على التجربة الأدبية والقيم الفنّيّة للعمل.

ويمكن أن يساهم نشر المخطوطات بصيغتها المسوّدة المكتوبة من قبل الكاتب بجانب النصوص المحرّرة من قبل دار النشر في الحفاظ على سجلّ أدبيّ دقيق. هذا يضمن الحفاظ على إرث الكاتب كما هو من جهة، ويتيح أيضاً للدارسين وللأجيال القادمة الاطّلاع على النصوص غير المكتملة والنسخ المبكّرة التي تعكس تطوّر البناء الهندسيّ والفكريّ للعمل.

وهنا سيكون من الضروريّ أن يتضمّن النشر إشارة واضحة إلى أن النصوص المقدّمة هي مسوّدة أو غير مكتملة ولم تخضع لتعديلات من الكاتب نفسه. هذا يعزز من الشفافية ويوفّر للقراء فهماً أدقّ عن طبيعة النصوص التي يدرسونها، ويحافظ على النزاهة الأدبية ويوفّر قيمة علمية وتاريخية. وبتوضيح حالة النصوص كمسوّدة، يتمكّن الباحثون من تقييم النصوص في سياق تاريخيّ وأدبيّ صحيح.

يمكن اعتبار النصوص المنشورة بعد وفاة مؤلّفيها انعكاساً غير مكتمل لصوت الكاتب ورؤيته، لكنّها تفتح كذلك نافذة للتأمّل في العلاقة بين النصّ وخلوده، لأنّها تحثّ القرّاء على طرح تساؤلات تتجاوز الاعتبارات الفنّيّة والتجارية، ويتجدّد السؤال عن قدرة الأدب على الاستمرار والتحوّل في غياب صاحبه. كما يمكن النظر إليها كنوع من الحوار الصامت بين ما كتبه الكاتب وما قدّمه المحرّرون أو الناشرون. ورغم أنّ هذا الحوار قد يفتقد لصوت المؤلّف بالصيغة التي ألفها قرّاؤه، فإنّه يظلّ مجالاً مفتوحاً للتأويلات والتفسيرات المتجدّدة؛ لأنّ أيّ نصّ، بقدر ما هو عمل فنيّ، فهو كائن حيٌّ يتأثّر بتغيّرات الزمن وأعين القرّاء المختلفة، ويعيد إنتاج نفسه بصور وأشكال قد تتجاوز ما كان يسعى إليه المؤلّف أصلاً.

ناقد وروائيّ سوري مقيم في لندن



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».