اليابان والخليج يواصلان مناقشات اتفاقية التجارة الحرة

سفيرها لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: عازمون على تطوير علاقاتنا وتعاوننا مع المملكة

الاتصال المرئي في مايو الماضي بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء اليابان فوميو كيشيدا (واس)
الاتصال المرئي في مايو الماضي بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء اليابان فوميو كيشيدا (واس)
TT

اليابان والخليج يواصلان مناقشات اتفاقية التجارة الحرة

الاتصال المرئي في مايو الماضي بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء اليابان فوميو كيشيدا (واس)
الاتصال المرئي في مايو الماضي بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء اليابان فوميو كيشيدا (واس)

في ظل ترقب إطلاق مزيد من المشاريع المشتركة مستقبلاً، شدد دبلوماسي ياباني على استراتيجية العلاقات بين الرياض وطوكيو، كاشفاً أن بلاده تدرس مع الجانب الخليجي حالياً عدداً من المشاريع المحتمل تنفيذها، مشيراً إلى مواصلتهما مناقشاتهما حول اتفاقية التجارة الحرة «FTA» بين اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي.

وقال سفير فوق العادة ومفوض اليابان لدى السعودية، فوميو إيواي، لـ«الشرق الأوسط»، إن البلدين دأبا، بوصفهما شريكين استراتيجيين، على توسيع أُطر علاقاتهما الثنائية لتشمل مجالات جديدة مثل قطاعات التحول الرقمي والمعلومات والاتصالات والرعاية الطبية والفضاء والرياضة والترفيه والثقافة والسياحة والتبادل الأكاديمي.

وأضاف إيواي: «يحتفي البلدان، في عام 2025، بمرور 70 عاماً على تأسيس علاقاتهما الدبلوماسية عازمين على المُضي قدماً في تطويرها على جميع المستويات، بما يسهم في تحقيق مستهدفات التنمية المستدامة التي يسعى إليها كلا الطرفين».

علاقات تاريخية

وقال إيواي: «بمناسبة الذكرى الرابعة والتسعين لليوم الوطني السعودي، أقدِّم أسمى آيات التهاني والتبريكات لمقام خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز ، وللأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وللشعب السعودي الكريم».

وتابع: «إن العلاقات الدبلوماسية بين اليابان والسعودية تاريخية تعود إلى عام 1955 حين شهد بريق الصداقة، التي جمعت العائلة الإمبراطورية اليابانية والعائلة المالكة السعودية، وتطورت بشكل ملحوظ عاماً بعد عام، مرتكزة على قطاع الطاقة، ومتمثلة بتجارة النفط وتطوير صناعة البتروكيميائيات».

سفير فوق العادة ومفوض اليابان لدى السعودية فوميو إيواي (الشرق الأوسط)

وزاد: «بعد إطلاق (رؤية 2030)، كان لا بد للعلاقات السعودية اليابانية أن تُواكب هذه الرؤية الطَّموح، فأطلق البلدان الرؤية السعودية اليابانية 2030، خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حينما كان ولياً لولي العهد في عام 2016، لتؤكد اليابان دعمها الكبير للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي تبنّتها المملكة».

أحدث التطورات في العلاقات الثنائية

ووفق إيواي، تعاقبت الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين، والاتصالات بين قادة الدولتين، كان آخِرها الاجتماع الافتراضي، الذي عقده الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء اليابان فوميو كيشيدا في مايو (أيار) 2024، حيث اتفقا على إنشاء «مجلس الشراكة الاستراتيجية»، برئاستهما؛ لتعزيز التعاون والتنسيق الثنائي في جميع المجالات.

وأشار إيواي إلى الزيارة التي قام بها وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني كين سايتو، ونائب وزير الخارجية البرلماني يويتشي فوكازاوا إلى المملكة، في ديسمبر (كانون الأول) 2023. بدوره، قام تارو كونو، وزير التحول الرقمي، بزيارة إلى نيوم وجدة في مايو (أيار) 2024.

استقطاب الاستثمارات

وقال إيواي: «إن اليابان أصبحت إحدى أكثر الوجهات الاستثمارية استقطاباً للمستثمرين السعوديين في عام 2022، كما نشهد حالياً تطوراً للعلاقات بين البلدين في مجال القوى الناعمة، منها قطاعات الثقافة والسياحة والرياضة والترفيه والألعاب الإلكترونية والقطاع الأكاديمي».

واستناداً إلى العلاقات السعودية اليابانية الودية، وفق إيواي، «فإن الجهات العامة والخاصة العاملة في كل القطاعات تقوم بتوسيع أعمالها، ما يسهم في تعزيز أواصر الصداقة والنيات الحسنة بين البلدين»، متطلعاً إلى أن «تصبح العلاقات الثنائية أكثر شمولية واتساعاً، خصوصاً مع احتفالنا، في العام المقبل، بالذكرى الـ70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا الصديقين».

التجارة والشراكات الثنائية

ولفت إيواي إلى أن العلاقات التجارية والشراكات الثنائية تشهد تطوراً كبيراً، حيث تجاوزت قيمة الصادرات اليابانية إلى المملكة 892.5 مليار ين عام 2023، وبزيادة بنسبة 33.6 في المائة، مقارنة بعام 2022، في حين بلغت الواردات من السعودية إلى اليابان 4836.6 مليار ين عام 2023، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 14.4 في المائة، مقارنة بعام 2022.

وأضاف إيواي: «إن عدد الشركات اليابانية العاملة في المملكة يتجاوز حالياً 120 شركة، تتمركز في الرياض وجدة والدمام. ومنذ إطلاق (رؤية السعودية 2030)، افتتحت عدة شركات يابانية عاملة في عدد من القطاعات الحيوية مكاتب لها بالمملكة».

وتابع: «من المجالات التي تعمل فيها الشركات اليابانية بالمملكة، قطاعات الرعاية الصحية والتحول الرقمي، حيث افتتحت مكاتب ومصانع جديدة لها بالمملكة، وبدأت عملياتها التجارية، أذكر منها HIS، وFujifilm Healthcare، وMonstarlab، وCannon Medical Systems، وTakeda Pharmaceutical، وAvex، وAIZAWA Concrete، وSYSMEX».

العلاقات الاقتصادية

وأشار إيواي إلى أن من أهم المشاريع التي أطلقتها الدولتان عام 2023، مبادرة «منار» للتعاون في مجال الطاقة النظيفة، و«التي تدعم اليابان من خلالها الجهود السعودية المستمرة، لتصبح مركزاً للطاقة النظيفة والموارد المعدنية وسلاسل الإمداد».

وقال: «في السنوات الأخيرة، ازداد التعاون في مجال تطوير الطاقة النظيفة مثل الهيدروجين والأمونيا، بالإضافة إلى الموارد المعدنية، حيث وقَّع وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، في ديسمبر 2023 مذكرة تعاون في مجال الموارد المعدنية لتبادل المعلومات وتنمية الموارد البشرية».

وأشار إلى منتدى أعمال الرؤية السعودية اليابانية 2030، الذي أقيم في طوكيو 21 مايو 2024، بحضور 330 مشارِكاً يابانياً وسعودياً، والذي ركز على تعزيز العلاقات بين البلدين في أربع مجالات شملت التصنيع والاقتصاد الدائري والرعاية الصحية والترفيه والألعاب، وجرى خلاله توقيع أكثر من 30 مذكرة تفاهم بين شركات ومؤسسات يابانية من جهة، وجهات سعودية من القطاعيْن العام والخاص من جهة أخرى.

في سياق آخر، قال إيواي إنه جرى إطلاق عدد من المشاريع المشتركة للاستفادة من العلوم والتقنية والمعرفة اليابانية في مجالات جديدة، مثل الفضاء والتحول الرقمي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والرعاية الصحية.


مقالات ذات صلة

صندوق الثروة السيادي القطري يستثمر 75 مليون دولار في «دونكاسترز»

الاقتصاد عامل يقوم بعملية تسخين لأحد المكونات الدقيقة في صناعة الطائرات داخل مصنع «دونكاسترز» (الموقع الإلكتروني لـ«دونكاسترز»)

صندوق الثروة السيادي القطري يستثمر 75 مليون دولار في «دونكاسترز»

يستثمر صندوق الثروة السيادي القطري 75 مليون دولار في شركة «دونكاسترز» المتخصصة في تصنيع مكونات الطائرات، وذلك قبل طرح أسهمها للتداول في البورصة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا جانب من اجتماع الوفد الروسي في المنطة الحرة بمصراتة يوم الاثنين (منصة «حكومتنا» التابعة لحكومة «الوحدة»)

وفد روسي يبحث فرص الاستثمار مع «الوحدة» الليبية

تكثف روسيا من نشاطها الدبلوماسي والاقتصادي في العاصمة الليبية طرابلس عبر اجتماعات تهدف إلى تعزيز التعاون مع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مبنى «فرانكلين تمبلتون» في الولايات المتحدة (موقع الشركة)

«فرانكلين تمبلتون» تفتتح مكتباً في العاصمة السعودية

افتتحت شركة «فرانكلين تمبلتون» العالمية لإدارة الأصول مكتباً جديداً لها في مركز الملك عبد الله المالي (كافد) بالرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يمر أمام شعار «تداول» (رويترز)

ملكية الأجانب في الأسهم السعودية ترتفع إلى 12.8 % وتلامس 110 مليارات دولار

ارتفعت نسبة ملكية المستثمرين الأجانب غير المؤسسين في السوق المالية السعودية، باستثناء «أرامكو السعودية»، إلى 11.32 في المائة من إجمالي القيمة السوقية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري مشاركون في لندن خلال «المسيرة الوطنية الرابعة للعودة إلى الاتحاد الأوروبي» يعبّرون عن دعمهم إعادة انضمام بريطانيا للاتحاد 20 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

تحليل إخباري بعد عقد على «بريكست»... الاقتصاد البريطاني يدفع ثمن الانفصال عن أوروبا

بعد مرور عشر سنوات على التصويت التاريخي الذي أخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لا يزال الجدل حول حصيلة «بريكست» محتدماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

في الكواليس... لماذا اجتاحت موجة البيع العالمية أسهم التكنولوجيا؟

رد فعل متداول في «بورصة نيويورك» على أداء المؤشرات وتحركها (رويترز)
رد فعل متداول في «بورصة نيويورك» على أداء المؤشرات وتحركها (رويترز)
TT

في الكواليس... لماذا اجتاحت موجة البيع العالمية أسهم التكنولوجيا؟

رد فعل متداول في «بورصة نيويورك» على أداء المؤشرات وتحركها (رويترز)
رد فعل متداول في «بورصة نيويورك» على أداء المؤشرات وتحركها (رويترز)

شهدت الأسواق المالية العالمية الثلاثاء موجة بيع واسعة وعنيفة، قادتها أسهم التكنولوجيا الكبرى والمؤشرات الأميركية الرئيسية، مثل «إس آند بي 500» و«ناسداك 100»، مدفوعة بحالة من «العزوف عن المخاطر (Risk-off)» بعد تحذيرات متتالية من بدء تفكك وتراجع الاستثمارات الضخمة والمزدحمة في قطاع الذكاء الاصطناعي.

ويرى المحللون أن هذا التراجع ليس وليد خبر مفاجئ خلال الساعات الماضية، بل هو نتيجة تراكم عوامل ومخاوف عدة استمرت أسابيع بشأن مدى استدامة تقييمات الشركات التكنولوجية:

* ما الذي حدث في الأسواق العالمية؟

1- آسيا في صدارة الهبوط: قادت الأسواق الآسيوية التراجع؛ إذ أغلق مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية متراجعاً بنسبة بلغت 10 في المائة، مدفوعاً بضربات قاسية لحقت بأكبر الرابحين من طفرة الذكاء الاصطناعي، مثل «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كي هاينكس». وحذر استراتيجيو بنك «سيتي» بأن المؤشر الكوري عاد إلى تسجيل مستويات متطرفة خطيرة.

2- أوروبا وأميركا تلحقان بالنزف: امتدت الخسائر سريعاً إلى الأسواق الأوروبية؛ حيث تراجع مؤشر «يورو ستوكس 600» بنسبة 1.1 في المائة، في حين عمّقت العقود الآجلة للمؤشرات الأميركية خسائرها؛ مما وضع «وول ستريت» على مسار افتتاح شديد القسوة، وتراجع مؤشر «ناسداك 100» بأكثر من 3 في المائة، خاسراً نحو 913 نقطة.

* تفسير الأزمة

استخدم استراتيجيو بنك «يو بي إس» تفصيلاً تفسيرياً مهماً يصف المخاطر المتراكمة منذ عام 2025 وحتى منتصف عام 2026، وأطلقوا عليه استعارة «ركوب الحافلة نفسها».

فما هذا المفهوم؟ يعبر هذا المصطلح عن التمركز الضخم والتركيز الهائل لرؤوس الأموال الاستثمارية والمؤسسية في نطاق ضيق ومحدود جداً من الشركات، وتشمل: مصممو أشباه الموصلات، ومزودو خدمات الحوسبة السحابية العملاقة، وصناع رقائق الذاكرة.

اليوم، بدأ المستثمرون يدركون هذا التكدس الخطير، وباتوا يتساءلون: كم بقي من فرص الصعود مقابل حجم المخاطر الهائلة؟ وعلى الرغم من أن الأسواق لا تزال تؤمن بالذكاء الاصطناعي بوصفه قصة «هيكلية طويلة الأجل»، فإن القناعة «التكتيكية» بدأت تتآكل؛ مما دفع بعض صناديق التحوط إلى تقليص حيازاتها وجني الأرباح، خصوصاً أن المراكز الشرائية كانت تحقق أرباحاً عميقة ومغرية للتسييل.

* ما محركات القلق الأساسية؟

ثمة عاملان رئيسيان يقفان وراء تراجع شهية الاستثمار في هذا القطاع:

1- بلوغ «حد السرعة» لإنفاق الشركات: تكمن المخاوف في أن التحديثات المتتالية للإنفاق الرأسمالي من قبل شركات التكنولوجيا العملاقة قد بدأت تتباطأ وتصل إلى سقفها. وإذا استقر هذا الإنفاق الضخم ولم يعد ينمو ويراجَع صعوداً، فإن المبرر الأساسي للتقييمات المرتفعة والمزدحمة لشركات سلاسل الإمداد يصبح ضعيفاً.

2- مأزق «العائد مقابل التكلفة»: تبحث الأسواق اليوم عن أدلة قاطعة تثبت أن العوائد المالية المباشرة، وتسييل أموال الذكاء الاصطناعي، يسيران بوتيرة أسرع من تكاليف البنية التحتية الباهظة التي تُضَخّ.

* ما التالي؟ الأنظار تتجه صوب «ميكرون»

المعادلة الراهنة تتوقف على ما إذا كانت عمليات البيع التكتيكية الحالية ستتحول فوضى غير منظمة، أم إن «صائدي الصفقات» سيتدخلون مجدداً لدعم أسهم التكنولوجيا بناءً على النظرة المستقبلية للقطاع.

وستعتمد غالبية هذا المسار على ظهور محفزات جديدة، مثل التزامات إنفاق جديدة من الشركات العملاقة. وفي هذا الصدد، تتجه أنظار المستثمرين عالمياً إلى شركة «ميكرون»، وهي من أفضل الشركات أداءً خلال الـ12 شهراً الماضية، ومن المقرر أن تعلن عن نتائجها المالية يوم الأربعاء بعد إغلاق السوق؛ حيث ستشكل نتائجها وتوقعاتها الاختبار الحقيقي الأول لمدى صمود طفرة الذكاء الاصطناعي.


تهاوي الجنيه يمهِّد لأزمة دواء في السودان

زبون يشتري دواء من صيدلية في الخرطوم (أرشيفية- رويترز)
زبون يشتري دواء من صيدلية في الخرطوم (أرشيفية- رويترز)
TT

تهاوي الجنيه يمهِّد لأزمة دواء في السودان

زبون يشتري دواء من صيدلية في الخرطوم (أرشيفية- رويترز)
زبون يشتري دواء من صيدلية في الخرطوم (أرشيفية- رويترز)

​تلاحق تقلبات أسواق الصرف وتهاوي قيمة الجنيه السوداني، المواطنين العائدين إلى العاصمة الخرطوم، لتضعهم أمام مواجهة قاسية مع قفزات أسعار الأدوية التي ارتفعت بنحو 30 في المائة خلال أسبوعين. وبينما يواجه آلاف المرضى وأسرهم تعقيدات معيشية متزايدة لتأمين تكلفة العلاج، في ظل نسب فقر قياسية تجاوزت 73 في المائة، تحبس الأوساط الطبية والشركات المستوردة أنفاسها، خشية حدوث ندرة في العقاقير الأساسية، بسبب لجوء بعض الموردين لتجميد البيع مؤقتاً لحماية مخزوناتهم، وسط مطالبات اقتصادية للحكومة بالتدخل العاجل، وإعادة تفعيل «محفظة السلع الاستراتيجية» لتمويل قطاع الدواء عبر حصائل صادر الذهب.

بيوت خاوية وعلاج شحيح

تختزل قصة الخمسينية مديحة عبد الرحمن واقعاً مأساوياً يعيشه آلاف السودانيين؛ فبصوت مخنوق وعينين تملؤهما الدموع، تروي لـ«الشرق الأوسط» كفاحها المرير لتوفير ثمن العقاقير لوالدها المنوَّم في غرفة العناية المكثفة، إثر إصابته بـ«جلطة في الرأس» ومضاعفات السكري. تقول مديحة: «استدنت راتب الشهر المقبل كاملاً، ولكنه نفد قبل شراء قائمة الأدوية... ليس لدينا ما نبيعه». وتوضح أنها عادت مع أسرتها إلى الخرطوم بعد استعادة الجيش للأنحاء، لتجد منزلها نهباً خالياً من الأثاث، قبل أن تجهش بالبكاء وتغادر الصيدلية.

ولا تبدو قصة مديحة استثناءً؛ إذ رصدت جولة ميدانية لـ«الشرق الأوسط» على صيدليات العاصمة، زيادات متوالية تراوحت بين 15 و30 في المائة، طالت تحديداً الفيتامينات، وعلاجات الأمراض النفسية، وأدوية الخصوبة، مع زيادات أقل نسبياً في أدوية الأمراض المزمنة. وأبدى عدد من المواطنين استياءهم من هذه الزيادات؛ بل واتهم بعضهم الصيدليات بتغيير الأسعار بصورة متكررة، دون مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة التي خلَّفتها الحرب.

وفي المقابل، قال أصحاب صيدليات إن بعض المرضى باتوا يشترون جزءاً من الوصفة الطبية، ويعجزون عن تحمل التكلفة الكاملة، وحذَّروا من لجوء البعض إلى الأعشاب وترك العلاج الطبي؛ خصوصاً مرضى السكري والكلى وارتفاع ضغط الدم، لما قد يشكله ذلك من مخاطر صحية.

صاحب صيدلية في حي الشهداء بأم درمان (الشرق الأوسط)

الدولار يشعل الأسعار

ويقول الدكتور معز بدوي، صاحب شركة توكيلات «أم درمان» لاستيراد الدواء، إن انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار، خلال الأيام الخمسة عشر الماضية، أدى إلى زيادة أسعار بعض الأدوية بنسبة وصلت إلى 30 في المائة.

واقترح بدوي عبر «الشرق الأوسط» عودة الدولة للآلية السابقة، عبر «محفظة السلع الاستراتيجية» التي تضمن توفير النقد الأجنبي للمستوردين دون اللجوء إلى السوق الموازية، من خلال تخصيص نسبة محددة من حصائل صادر الذهب لتمويل الدواء، مذكِّراً بالدعم الحكومي للمستوردين عقب اندلاع الحرب لحفظ استقرار الأسواق.

وتأتي هذه الزيادات في وقت تشير فيه تقديرات إلى أن نحو 73 في المائة من السودانيين يعيشون تحت خط الفقر، بينما تجاوز سعر الدولار حاجز 5 آلاف جنيه، ما ضاعف الضغوط على أصحاب الدخل المحدود.

وفي السياق نفسه، يقول الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ«الشرق الأوسط»، إن سعر شراء الدولار الأميركي ارتفع بنحو 26 في المائة خلال أقل من أسبوعين. ويوضح أن تراجع قيمة الجنيه السوداني ينعكس سريعاً على أسعار السلع والخدمات، وفي مقدمتها الأدوية.

من جهته، حذَّر أحد مستوردي الأدوية في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، طالباً عدم ذكر اسمه، من أن يؤدي استمرار انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني إلى ندرة بعض العقاقير، مشيراً إلى أن عدداً من المستوردين أوقفوا البيع مؤقتاً، واحتفظوا بمخزونهم انتظاراً لاستقرار سعر الصرف، خشية التعرض لخسائر.

تشديد الشروط ومخاوف الشح

وعلى أرض الواقع، يقول الدكتور محمد شرف الدين، الصيدلاني بسوق الشهداء في أم درمان، إن بعض الشركات المستورِدة ألغت نظام السداد الآجل الذي كان يمنح الصيدليات مهلة سداد تصل لأربعة أسابيع، وشجبت التعامل إلا بالدفع النقدي الفوري، لافتاً إلى أن أدوية السكري شهدت شحاً مؤقتاً قبل أن تعود للتوفر بأسعار أعلى.

في المقابل، طمأنت الصيدلانية دعاء محمد (صيدلية الرومي بأم درمان) بتوفر المحاليل الوريدية حالياً في الأسواق بعد فترات نقص حادة.

لكن هاشم محمد -وهو سائق مركبة عامة- يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يشتري شهرياً أدوية السكري والضغط لوالدته، ولكنه فوجئ بالزيادات الأخيرة، ويضيف متسائلاً: «إلى متى يستمر هذا الوضع؟».

المواطن هاشم محمد أعجزه سعر الدواء ويطالب بتدخل حكومي (الشرق الأوسط)

رئيس مجلس الأدوية يستبعد «الندرة»

ورغم التحذيرات من احتمال حدوث ندرة في الأدوية، استبعد رئيس المجلس القومي للأدوية والسموم، الدكتور محمد بشير، هذا السيناريو، وأكد أن مجلسه لا يعتمد أي زيادة جديدة في أسعار الدواء إلا بعد مرور شهر على الأقل، للتأكد من استقرار سعر الصرف، وفق اللوائح المنظمة للعمل.

وقال بشير لـ«الشرق الأوسط» إن المجلس ليس مسؤولاً عن أي زيادات جديدة طرأت على الأسعار، موضحاً أن تعديل التسعيرة يتم بعد التشاور مع شعبة المستوردين ووزارة الصحة.

وزفَّ بشير بارقة أمل بإعلانه نجاح عودة 9 مصانع أدوية سودانية محليَّة إلى الإنتاج الفعلي، من أصل 30 مصنعاً دمرت الحرب بنيتها التحتية، متوقعاً استئناف بقية المصانع العمل خلال الأشهر القليلة المقبلة، ما سيسهم في تخفيف الضغط على الاستيراد الأجنبي المعلَّق بتقلبات العملة الخضراء.


مسؤول في بنك إنجلترا: تمديد تثبيت الفائدة هو الردُّ الأمثل على ازدياد ضغوط الأسعار

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

مسؤول في بنك إنجلترا: تمديد تثبيت الفائدة هو الردُّ الأمثل على ازدياد ضغوط الأسعار

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

قال آلان تايلور، صانع السياسة النقدية في بنك إنجلترا، يوم الثلاثاء، إن «تمديد تثبيت» أسعار الفائدة هو الردُّ الأمثل على ازدياد ضغوط الأسعار الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط.

وأضاف تايلور، العضو الخارجي في لجنة السياسة النقدية، أنه يشكّ في إمكانية إشعال دورة جديدة من تضخم الأجور والأسعار بسبب التسعير «المعتدل» الحالي لأسعار الفائدة والطاقة في السوق المالية.

كما وصف الاقتصاد البريطاني بأنه «ضعيف للغاية» قبل اندلاع الحرب.

لكن تايلور، الخبير الاقتصادي الأكاديمي الذي أيَّد خفض أسعار الفائدة قبل الحرب الإيرانية، شدَّد على عدم وضوح الرؤية الاقتصادية، وعلى مدى استدامة السلام في الشرق الأوسط.

وقال تايلور في نص خطاب من المقرر إلقاؤه في فعالية تستضيفها «باركليز» ومركز بحوث السياسات الاقتصادية: «إلى أن تتضح الأمور أكثر، أرى أن الإبقاء على سعر الفائدة عند هذا المستوى فترة طويلة هو الاستجابة السياسية الصحيحة والمدروسة التي نحتاج إليها، بالنظر إلى توازن المخاطر».

وقدَّر تايلور أن سعر الفائدة الذي حدده بنك إنجلترا -والذي أبقاه عند 3.75 في المائة الأسبوع الماضي- كان أعلى بمقدار 0.75 نقطة مئوية من تقديره للمستوى المحايد، وهو مستوى سعر الفائدة الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يكبحه.