ممثل «فاو»: إنهاء المجاعة في السودان ممكن إذا توقفت العدائيات

الواعر قال لـ«الشرق الأوسط» إن 755 ألف شخص يعانون مستويات كارثية من الجوع الحاد

المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي عبد الحكيم الواعر يتوسط الصورة (الشرق الأوسط)
المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي عبد الحكيم الواعر يتوسط الصورة (الشرق الأوسط)
TT

ممثل «فاو»: إنهاء المجاعة في السودان ممكن إذا توقفت العدائيات

المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي عبد الحكيم الواعر يتوسط الصورة (الشرق الأوسط)
المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي عبد الحكيم الواعر يتوسط الصورة (الشرق الأوسط)

يواجه السودان راهناً أزمة أمن غذائي غير مسبوقة تسجل أسوأ المستويات تاريخياً، حسب تصنيفات أممية؛ أحد تجليات الأزمة يظهر في مجاعة يواجهها سكان مخيم «زمزم» للنازحين داخلياً والمقدَّر عددهم بأكثر 500 ألف شخص بالقرب من مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور.

ووفق تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الذي أصدرته «منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)» فإن «خطر استمرار المجاعة يظل مرتفعاً بشكل يدعو للقلق».

ونشبت الحرب في السودان بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» التي يديرها محمد حمدان دقلو (الشهير بحميدتي) في أبريل (نيسان) من عام 2023، وامتدت إلى غالبية الولايات السودانية وتسببت في فرار ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً، ومقتل وإصابة الآلاف.

عائلات نازحة من ولايتي الجزيرة وسنار في مخيم للنزوح بولاية كسلا (شرق) يوليو الماضي (رويترز)

وفي مسعى أممي للوقوف على التطورات المعيشية والإنسانية، زار المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا، عبد الحكيم الواعر، السودان، الأسبوع الماضي، وتحدث إلى «الشرق الأوسط» عن تقييمه للأوضاع التي عبّر عن جانب منها بالقول: «سرعة ونطاق تدهور انعدام الأمن الغذائي (في السودان) أمر مثير للقلق».

وفي إطار الاستجابة لتلك المخاوف، كشف الواعر عن أن «فاو» تسعى «في جميع الاتجاهات، وتتواصل مع الجهات كافة من أجل ضمان استمرار الدعم وسد الفجوة التمويلية لأنشطة الإغاثة فيما يتعلق بالأمن الغذائي في السودان، والدعوة إلى مؤتمر دولي لشحذ الدعم العالمي لمواجهة أوضاع انعدام الأمن الغذائي».

من جولة المدير العام المساعد لـ«فاو» في السودان (الشرق الأوسط)

يشرح الواعر أنه على النحو الوارد في تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر في أواخر يونيو (حزيران) الماضي، فإنه بعد مرور 15 شهراً على النزاع المستمر، يواجه أكثر من نصف السكان تقريباً (25.6 مليون نسمة) حالة الأزمة أو ظروفاً أسوأ (المرحلة الثالثة من التصنيف أو أعلى) بين يونيو وسبتمبر (أيلول) 2024.

ووفق المسؤول الأممي فإن 8.5 مليون شخص (18 في المائة من السكان) يواجهون حالة الطوارئ (المرحلة 4 من التصنيف)، حيث يشهد السودان أزمة أمن غذائي غير مسبوقة، حيث سجلت البلاد أسوأ مستويات في تاريخها لانعدام الأمن الغذائي الحاد.

وعلى نحو خاص، يذكر الواعر أنه «بشكل قطعي، فإن ظروف المجاعة التي يعاني منها سكان مخيم زمزم للنازحين داخلياً، الذي يستضيف أكثر من 500 ألف شخص بالقرب من مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، لا تزال مستمرة»، منوهاً إلى أن اللجنة المعنية بإعداد التقرير الخاص بأوضاع السودان أشارت إلى أن حالة المجاعة أو المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي أسوأ أشكال الجوع، مستمرة في مخيم زمزم للنازحين، اعتباراً من يونيو ويوليو (تموز) 2024، ومن المرجح أن تستمر حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

مستويات كارثية

ويؤكد الواعر أنه للمرة الأولى على الإطلاق في تاريخ التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي في السودان، يواجه 755 ألف شخص مستويات كارثية من الجوع الحاد (المرحلة 5 من التصنيف)، والتي تمتد إلى 10 ولايات بما في ذلك العاصمة الخرطوم والجزيرة، التي كانت ذات يوم سلة الخبز للسودان.

وبشأن الزيارة الأخيرة للسودان، يقول الواعر: «هي بغرض تقييم الوضع الميداني، وحث بلدان العالم لإيجاد حل للأزمة المتفاقمة في البلاد ودعم تدخلات المنظمة، حيث إن سرعة ونطاق تدهور انعدام الأمن الغذائي أمر مثير للقلق، كما أن التحديات التي تواجه إمكانية الوصول إلى السكان المتضررين تزداد يوماً بعد يوم. ومع ذلك، لا يزال هناك مجال للعمل إذا ما وحَّدنا جهودنا واتخذنا إجراءات فورية»، مضيفاً أن «هناك حاجة ملحّة إلى إيصال المساعدات في الوقت المناسب، ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو) وشركاؤها ملتزمون بضمان إيصال المساعدات الزراعية في الوقت المناسب إلى جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق الأكثر تضرراً، حيث تكون الحاجة أكبر، مع تأكيد أن المنظمة لا تدّخر جهداً لمعالجة هذه الأوضاع الحرجة».

الواعر يتحدث مع مواطنين سودانيين في قرية توبين (الشرق الأوسط)

وعندما سألت «الشرق الأوسط» الواعر، عن المناطق الأكثر تعرضاً للمجاعة، أفاد بأن الأزمة الحالية تمتد إلى 10 ولايات بما في ذلك العاصمة الخرطوم والجزيرة، التي كانت ذات يوم سلة الخبز للسودان، إلى جانب مناطق النيل الأزرق والنيل الأبيض ودارفور الكبرى وكردفان.

ويوضح الواعر أن «فاو» تعبّر عن جزعها الشديد إزاء الوضع المؤسف الذي يعيشه سكان مخيم زمزم وغيره من المخيمات والمناطق في جميع أنحاء السودان، وتعرب عن قلقها البالغ إزاء احتمال وجود ظروف مماثلة في مخيمات النازحين داخلياً أو اللاجئين في منطقة الفاشر، خصوصاً مخيمي أبو شوك والسلام والمناطق المتضررة من النزاع، والمنتشرة بشكل خاص في 14 منطقة مختلفة في ولايات شرق وغرب ووسط وجنوب دارفور، وولاية جنوب كردفان، وولاية الخرطوم وولاية الجزيرة، التي تواجه خطر المجاعة في حال استمرار النزاع وصعوبة الوصول الإنساني إليها.

إنهاء المجاعة

ويذهب الواعر إلى أن «إنهاء المجاعة في السودان أمر ممكن» لكنه يَرهن تحقيق ذلك بـ«جهود فورية متضافرة من جميع الجهات المعنية؛ إذ إنه وفقاً لتقرير لجنة مراجعة المجاعة التابعة لمبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يجب على أطراف النزاع والمنظمات الإغاثية والمجتمع الدولي الاستجابة بشكل عاجل لأزمة الجوع المتصاعدة من خلال حشد الموارد اللازمة وإظهار الإرادة السياسية لمعالجة العوامل الرئيسية التي تقف وراء المجاعة. إن الوقف الفوري للأعمال العدائية هو الخطوة الأولى الحاسمة نحو تحقيق ذلك».

متطوعون يوزّعون الطعام بالعاصمة السودانية في سبتمبر من العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

ويؤكد الواعر أن «كل دولار يُستثمر في تعزيز سبل العيش الريفية يمكن أن يسهم في توفير ما يصل إلى 7 - 8 دولارات من المساعدات الإنسانية إلى جانب دعم الأسواق المحلية».

ويقول إنه في حين أن «توسيع نطاق المساعدات الغذائية والنقدية المنقذة للحياة أمر بالغ الأهمية للسكان الذين يواجهون نقصاً غذائياً حاداً، إلا أن هذا وحده لن يكون كافياً لسد الفجوات الناجمة عن انخفاض الإنتاج الغذائي المحلي. فلمعالجة هذه المشكلة، تعكف المنظمة على توزيع البذور على 1.2 مليون أسرة زراعية لموسم الزراعة الرئيسي، الذي بدأ في يونيو (حزيران)».

واستدرك: «المنظمة تركز في حملتها على توزيع البذور على نحو 6 ملايين مزارع في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق التي تشهد أسوأ مستويات انعدام الأمن الغذائي. وفي حال جرى تنفيذ حملة البذور التابعة للمنظمة على النحو المخطط له بشكل كامل، فمن المتوقع أن يتمكن المزارعون هناك من إنتاج محصول يتراوح بين 2.4 و3.6 مليون طن من حبوب الذرة الرفيعة».

حصاد الذُّرة في «مشروع الجزيرة» السوداني للزراعة (أرشيفية)

وليست البذور فقط هي ما تركز عليه «فاو»، إذ يوضح الواعر أن «استجابة المنظمة تتضمن دعماً واسع النطاق للثروة الحيوانية ومصائد الأسماك، عبر تزويد الأسر بإمدادات الثروة الحيوانية ومصائد الأسماك الطارئة، وتجديد الثروة الحيوانية المفقودة، وتطعيم الماشية وعلاجها، وتوزيع اللعاقات المعدنية اللازمة لتغذية الحيوانات، إذ قدمت المنظمة وشركاؤها خلال العام الحالي التطعيمات لما يقرب من 2.8 مليون حيوان ضد الأمراض الشائعة».

الحرب سبب أول

ويرى المسؤول الأممي أنه ما من شك في أن «النزاع القائم حالياً هو أحد الأسباب الرئيسية للوضع الحالي في السودان، كما هو الحال في عديد من الدول التي تعاني من صراعات ونزاعات؛ فالحروب والنزاعات هي السبب الأول والرئيسي لانعدام الأمن الغذائي في البلدان المتضررة، ولكن تُضاف في حالة السودان الظواهر والأوضاع المناخية المتطرفة بما تشمله من فيضانات وجفاف وارتفاع حاد في درجات الحرارة، وهو ما يسهم أيضاً في تفاقم الأزمة ويُعرِّض جهود الدعم والمساندة لتحديات كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق باستمرار الأنشطة الزراعية وتربية الحيوانات بشكل مستدام».

ويؤكد الواعر أن «اتساع النزاع في السودان والتحديات التي تواجه إمكانيات الوصول إلى المتضررين والفيضانات واسعة النطاق تعوق بشدة جهود الاستجابة الطارئة للمنظمة في أنحاء البلاد كافة، وهو ما يفاقم بشدة أزمة انعدام الأمن الغذائي هناك».

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري أُقيم بمناسبة يوم الجيش في القضارف 14 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

ومع ملاحقة شبح المجاعة أجزاء أخرى من البلاد، فإن «هناك حاجة ماسة إلى الموارد لتلبية الاحتياجات المتزايدة والحد من انعدام الأمن الغذائي، واستئناف الإنتاج الغذائي المحلي. وحتى هذا التاريخ، حشدت منظمة الأغذية والزراعة 32.2 مليون دولار لتمويل خطتها للاستجابة للاحتياجات الإنسانية لعام 2024، التي تبلغ تكلفتها 104.1 مليون دولار، مما يترك فجوة بقيمة 71.9 مليون دولار»، وفق الواعر.

وكشف الواعر عن مساعٍ «لضمان استمرار الدعم وسد الفجوة التمويلية لأنشطة الإغاثة الغذائية في السودان» مؤكداً أن «الدعوة إلى مؤتمر دولي لشحذ الدعم العالمي لمواجهة أوضاع انعدام الأمن في الغذائي للسودان هي إحدى الأولويات، مع العمل على التوصل إلى سلام دائم بين الأطراف المتنازعة، وهو الأمر الذي سيؤدي بشكل كبير إلى التغلب على تحديات انعدام الأمن الغذائي في السودان».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: أكثر من مائة ألف نازح من كردفان في ثلاثة أشهر

شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ في الدبّة بولاية شمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

الأمم المتحدة: أكثر من مائة ألف نازح من كردفان في ثلاثة أشهر

نزح أكثر من مائة ألف شخص من منطقة كردفان في السودان في غضون ثلاثة أشهر ونيف، بحسب الأمم المتحدة، في ظل ارتفاع وتيرة العنف بين الجيش وقوات «الدعم السريع» مع…

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون (مجلس السيادة) p-circle

وزير الدفاع السوداني: الهزيمة الوشيكة لـ«الدعم السريع» ستفتح الباب أمام انتقال سياسي

قال وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون إن القوات المسلحة السودانية استعادت زمام المبادرة في مواجهة «قوات الدعم السريع».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء ​السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.