مطاعم مصرية «كاملة العدد» رغم الغلاء المتصاعد

بعض المحلات يتطلب قوائم انتظار رغم الغلاء (الشرق الأوسط)
بعض المحلات يتطلب قوائم انتظار رغم الغلاء (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم مصرية «كاملة العدد» رغم الغلاء المتصاعد

بعض المحلات يتطلب قوائم انتظار رغم الغلاء (الشرق الأوسط)
بعض المحلات يتطلب قوائم انتظار رغم الغلاء (الشرق الأوسط)

اصطحب محمود عبد الفتاح، موظف في بنك (على المعاش)، أسرته إلى مطعم مشهور في شبرا يقدم وجبات لحوم ومشويات، إلا أنه حسبما قال لـ«الشرق الأوسط»، وجد نفسه ضمن قائمة انتظار تتعدى 15 فرداً؛ «ذهبت إلى مشوار آخر ثم عدت للمطعم بعد ساعة وفق حجزي لأنني حريص على تجربة طعامه بعد أن سمعت عنه كثيراً، رغم أسعاره المرتفعة».

وعلى الرغم من أن هذه المطاعم لا تقدم وجبات شعبية أو رخيصة، إذ إن أسعار وجباتها تبدأ بـ200 جنيه (الدولار يعادل 48.50 جنيه مصري)، فإنها تجد زبائن كُثراً سواء ممن يهوون الطعام الجيد أو من الذين يذهبون إليها بسبب «السمعة»، أو بوصفها نوعاً من النزهة والرفاهية.

وفي ظل أزمة الغلاء التي تعاني منها مصر خلال الفترة الأخيرة، فإنّ هناك مطاعم ترفع لافتة «كامل العدد» في أحيان كثيرة، وتضع روّادها على قائمة انتظار قد تستمر لساعات.

كثير من المحلات في مصر يشهد إقبالاً كثيفاً رغم الغلاء (الشرق الأوسط)

وترى أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر، أن «قوائم الانتظار في بعض المحلات ترتبط عادة بمواسم أو شهر رمضان، كما أنها ترتبط بفئة اجتماعية قادرة تتعامل مع هذه المطاعم بوصفها فسحة ترفيهية، وتُعدّ تناول وجبة في مثل هذه المحلات ذات قوائم الانتظار، تعويضاً عن الذهاب إلى المصيف».

ويوضح عبد الفتاح: «راتبي التقاعدي يصل إلى 10 آلاف جنيه، والوجبة في محل كهذا قد تكلّف نحو ألفي جنيه لأسرة مكونة من 4 أفراد، لذلك لا يمكننا الذهاب إليه كثيراً، ويقتصر الأمر عادة على المناسبات فقط».

وارتفعت أسعار السلع والخدمات في مصر منذ مارس (آذار) الماضي، بعد تخفيض قيمة الجنيه المصري إلى نحو 49.50 مقابل الدولار الأميركي، من مستوى 30.85 جنيه ظل ثابتاً عليه لعام سابق. وتضمّنت موجة الغلاء وارتفاع الأسعار زيادة في أسعار تذاكر المترو ووسائل النقل العام، بعد زيادة أسعار البنزين، ورفع سعر رغيف الخبز المدعم من 5 قروش إلى 20 قرشاً.

ويفسر الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، رئيس مركز «العاصمة للدراسات الاقتصادية»، قوائم الانتظار في بعض المطاعم، بـ«وجود بذخٍ في بعض قطاعات المجتمع، ممن يحبون التباهي»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «ارتفاع الأسعار أو معدل التضخم والتفاوت الكبير بين متوسط دخل الفرد والأسعار، جعل من الصعب على فئات معينة؛ سواء كانوا موظفي الحكومة أو القطاع الخاص، توفير وجبة طعام واحدة من أحد هذه المطاعم، التي تخرج بالصواني المليئة باللحوم التي نشاهد إعلاناتها، ولكنّ هناك تفاوتاً بين طبقات المجتمع، حيث إن الطبقة المرفهة تتزاحم على مثل هذه المطاعم».

محلات أكلات شعبية تتطلّب أحياناً الوقوف في قوائم انتظار (الشرق الأوسط)

وتصل أسعار بعض الصواني (الوجبات العائلية أو الجماعية) في محلات بها قوائم انتظار، إلى 3 آلاف جنيه، ولا تقتصر قوائم الانتظار على المطاعم مرتفعة الأسعار فقط، بل تمتد إلى بعض المطاعم العادية أو مطاعم الوجبات الخفيفة صاحبة التوكيلات الأجنبية، وتصل أحياناً إلى مطاعم الكُشري الشهيرة ومحلات الحلويات.

ويقول محمد السيد، مسوّق عقارات (42 عاماً)، إنه ذهب لمحل كُشري شهير في وسط القاهرة رفقة صديق، وفوجئ بالزحام الشديد، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «اضطررنا للانتظار فترة حتى وجدوا لنا مكاناً». وأوضح: «على الرغم من أنّ أسعار المحل ليست رخيصة بالنسبة لأسعار الكُشري في مصر، فإن سمعته وطعمه هما اللذان يؤديان للزحام عليه لدرجة الوقوف في قائمة انتظار».

ويتراوح سعر طبق الكُشري في بعض المحلات بين 35 و60 جنيهاً، وفي المحلات التي تشهد زحاماً تبدأ الأسعار تقريباً من 50 جنيهاً للوجبة، في حين تبدأ أسعار علب الكشري في المناطق الشعبية من 20 جنيهاً.

ويرى الخبير الاقتصادي أن «هناك فئات من العرب الموجودين في مصر، سواء للسياحة أو بسبب النزوح، أسهموا في صناعة هذه الظاهرة، باعتمادهم على المطاعم الفاخرة والتزاحم عليها، ومن ثمّ منحها رخصة ضمنية بالمغالاة في الأسعار».

وعاد محمد السيد ليوضح نقطة مهمة يلجأ إليها بعض المطاعم كنوع من الدعاية أو إثبات الجودة؛ «وهي افتعال قوائم انتظار تتمثل في طوابير أمامها أو داخلها، حتى يبدو للمارة أن الإقبال عليها كبير، في حين أنها في الحقيقة يمكنها إنجاز طلبات الزبائن من دون الحاجة للانتظار».

هناك محلات تعتمد على روّادٍ من طبقات وشرائح معينة (الشرق الأوسط)

وتقدر شركة «فودكس مصر»، وهي شركة برمجيات لتكنولوجيا المطاعم، عدد المنشآت التي تعمل ضمن قطاع المطاعم والكافيهات بـ400 ألف منشأة، عادّة «السوق المصرية واعدة وضخمة»، وهو ما دفعهم للاستثمار فيها.

وتلفت أستاذة علم الاجتماع إلى أن «بعض الأُسر يتفاخر ويتباهى بالذهاب لمطاعم غالية، وتعدّ هذا ميزة طبقية، ويكون ذلك بعد سماع أن هذا المطعم يقدّم طعاماً جيداً أو ترتاده الصفوة، ومن هنا تظهر القوائم رغم ارتفاع أسعار هذه المطاعم التي عادة ما تبالغ في أسعارها بحجة خصوصيتها وتوجهها لزبائن بعينهم».

وتضمّ مصر 1500 مطعم سياحي مرخص، وفق تصريحات لمسؤولي وزارة السياحة في مصر، كما تضمّ كثيراً من المطاعم ذات التوكيلات الأجنبية التي تصل فروع بعضها إلى المئات، وتبدأ أسعار وجباتها من 150 جنيهاً.

ووصف محمود العسقلاني، رئيس «جمعية مواطنون ضد الغلاء»، هذه المطاعم بأنها «تخاطب شريحة معينة من المجتمع المصري»، وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفقراء الذين يعيشون على الخبز المدعم لا يقفون في هذه القوائم، فزبائن هذه القوائم ليسوا حتى من الطبقة المتوسطة، بل من كريمة الطبقة المتوسطة وطبقة الأثرياء التي لديها فائض من المال».

ويرصد مصباح قطب، الخبير الاقتصادي المصري، أكثر من مطعم ومكان به قوائم انتظار مثل «المنوفى الكبابجى» في شارع التسعين بالتجمع، وهناك مطعم وكافتيريا قرب الهرم تتطلب الحجز قبلها بيومين، وأيضاً تتطلب الانتظار عند الحضور.

ويؤكد قطب أن «هناك عوامل متداخلة تفسر هذه الظاهرة؛ منها أن النّخبة المصرية القادرة على ارتياد مطاعم ومرافق خدمية ذات أسعار مرتفعة للغاية تصل إلى نحو 5 في المائة من السكان، أي نحو 5 ملايين نسمة، يشكلون بحدّ ذاتهم دولة تحتاج إلى كثير من هذا النوع من الخدمات».

ويختم حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «إلى جانب سياحة الأغنياء التي تجعل الطّلب كبيراً على هذه المحلات، فهناك أيضاً بعض الأسر فوق المتوسطة، التي تحبّ ارتياد هذه المطاعم مرة أو اثنتين في العام، بوصفها مطاعم مضمونة الجودة وأحياناً للتباهي أو الترفيه».


مقالات ذات صلة

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

يوميات الشرق على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

مرَّ زمن طويل على اختفاء كثيرين. كَبِرَ أبناؤهم وشاخ آباؤهم ومات بعض الذين انتظروا قبل أن يسمعوا الجواب...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق حسام حسن وزوجته الثانية دان (فيسبوك)

مشاجرة أسرة حسام حسن تثير استياءً وانتقادات بمصر

بعد نحو شهر من تصدر اسم حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، المشهد الرياضي، إثر قيادته «الفراعنة» في كأس العالم، عاد اسمه للصدارة في مشاجرة.

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق ضبط مصنع بسكويت يستخدم الفحم لتلوين البسكويت (محافظة القليوبية على «فيسبوك»)

ضبط مصنع يلوّن البسكويت بالفحم الأسود يثير قلقاً في مصر

أثارت واقعة ضبط أحد مصانع إنتاج «البسكويت» بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة) يستخدم الفحم الأسود بدلاً من الشوكولاته قلقاً واسعاً.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق  المولات التجارية بالقاهرة تشهد زخماً في الزوار (إكس)

واقعة بمول تجاري في مصر تثير جدلاً حول الصلاة بالأماكن العامة

أثارت واقعة منع سيدتين من الصلاة في مطعم بأحد المراكز التجارية بالقاهرة الكبرى، جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق المذيعة المصرية سارة خليفة (منصة إكس)

سارة خليفة تجدد سيرة مشاهير مصريين واجهوا الإعدام

أعاد قرار إحالة أوراق المذيعة المصرية سارة خليفة إلى مفتي الجمهورية في القضية المعروفة إعلامياً بـ«المخدرات الكبرى» إلى الأذهان عدداً من القضايا.

منى أبو النصر (القاهرة )

لماذا تزداد الرغبة في تناول الحلويات عند التوتر؟

تمنح الحلويات شعوراً مؤقتاً بالراحة والمتعة (بيكسباي)
تمنح الحلويات شعوراً مؤقتاً بالراحة والمتعة (بيكسباي)
TT

لماذا تزداد الرغبة في تناول الحلويات عند التوتر؟

تمنح الحلويات شعوراً مؤقتاً بالراحة والمتعة (بيكسباي)
تمنح الحلويات شعوراً مؤقتاً بالراحة والمتعة (بيكسباي)

تُعد الرغبة الشديدة في تناول السكر والحلويات والشوكولاته والمعجنات وغيرها من الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية من الأعراض الشائعة للقلق، بما في ذلك أعراض نوبات القلق والهلع، وفق ما ذكره موقع «anxiety centre» المعني بأخبار الصحة العقلية.

ويميل الكثير من الأشخاص الذين يعانون القلق والتوتر إلى الرغبة في تناول أطعمة غنية بالسكر عند شعورهم بالقلق. ويمكن للرغبة في تناول السكر أن تحدث بشكل عرضي أو متكرر أو مستمر. كما يمكن أن تسبق تفاقم أعراض القلق أو تصاحبها أو تليها، وتتراوح حدتها بين الخفيفة والمتوسطة والشديدة.

فلماذا تزداد الرغبة في تناول الحلويات عند التوتر؟

استجابة التوتر

تُحفِّز السلوكيات المرتبطة بالقلق، مثل الانشغال بالهموم، «استجابة التوتر»؛ إذ تُفرز هرمونات التوتر في مجرى الدم لتنتقل إلى أماكن محددة، مُهيِّئةً الجسم فوراً لاتخاذ إجراء طارئ: إما القتال وإما الهروب. وتتناسب شدة «استجابة التوتر» طردياً مع درجة القلق؛ فكلما زاد شعورك بالقلق زادت حدة استجابة التوتر والتغيرات المصاحبة لها.

ونظراً إلى أن استجابات التوتر تدفع الجسم إلى تجاوز حالة توازنه الداخلي، فإنها تضع الجسم تحت ضغط وإجهاد؛ وعليه، فإن القلق يُشكِّل ضغطاً وإجهاداً على الجسم. وقد تمنح الحلويات شعوراً مؤقتاً بالراحة والمتعة، مما يعزّز الميل إلى تناولها خلال فترات الضغط النفسي.

فرط التحفيز

إن التنشيط المتكرر لاستجابة الجسم للتوتر، كما يحدث نتيجة السلوكيات المرتبطة بالقلق المفرط، قد يضع الجسم في حالة تأهب مستمر تشبه حالة الاستجابة للتوتر، وهي حالة يُطلق عليها اسم «فرط تحفيز استجابة التوتر». وتُعدّ هرمونات التوتر محفزات قوية للجسم.

وتُعد الرغبة الشديدة في تناول الأطعمة الغنية بالسكر عرضاً شائعاً للتوتر، لأن التوتر يستنزف موارد الطاقة في الجسم بمعدل يفوق المعدل الطبيعي، ومع تزايد مستويات التوتر في الجسم، يزداد احتياجه إلى الوقود اللازم لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة، وتكون الأطعمة الغنية بالسكر هي هذا الوقود.

هرمون الكورتيزول

كما ذكرنا، يخلق التوتر الحاجة إلى الطاقة، وإذا لم تتناول الطعام فسوف يوفّر الجسم هذه الطاقة عن طريق إفراز هرمون الكورتيزول، الذي يتحول بسرعة إلى سكر في الدم.

ويمكن لتناول الأطعمة الغنية بالسكر أن يقلل من الحاجة إلى الكورتيزول. لذلك، عند الشعور بالتوتر، يلبي تناول الأطعمة السكرية حاجة الجسم من الطاقة ويقلّل إنتاج الكورتيزول، مما قد يمنح الشخص شعوراً بالتحسن.

مستويات السيروتونين

يؤدي التوتر إلى استنزاف الناقل العصبي «سيروتونين»، الذي يُعرف بكونه الناقل العصبي المسؤول عن الشعور بالسعادة والراحة النفسية. ومع ازدياد التوتر، تسوء حالتنا المزاجية. وفي المقابل، يعمل تناول السكر على زيادة السيروتونين، مما يجعلنا نشعر بتحسن.


موجة دعم نفسي لأحمد الفيشاوي في مصر بسبب تأثره برحيل والدته

أحمد الفيشاوي كان يعتبر والدته الراحلة سنده الحقيقي (حسابه على فيسبوك)
أحمد الفيشاوي كان يعتبر والدته الراحلة سنده الحقيقي (حسابه على فيسبوك)
TT

موجة دعم نفسي لأحمد الفيشاوي في مصر بسبب تأثره برحيل والدته

أحمد الفيشاوي كان يعتبر والدته الراحلة سنده الحقيقي (حسابه على فيسبوك)
أحمد الفيشاوي كان يعتبر والدته الراحلة سنده الحقيقي (حسابه على فيسبوك)

أثار أحدث ظهور إعلامي للفنان المصري أحمد الفيشاوي بعد فترة غياب، تعاطف كثيرين معه بعد إعلانه تأثره نفسياً برحيل والدته الفنانة سمية الألفي، وأنه يعاني من فقد الشغف تجاه التمثيل، إلى جانب مقاومته لفكرة التخلص من حياته.

وقال أحمد الفيشاوي، الذي تحدث بشجن عبر بودكاست «unwritten stories»: «والدتي علمتني الالتزام وكانت صارمة في تربيتي، وفقدت الشغف بعد رحيلها»، كما عبّر الفيشاوي عن امتنانه لدعم شقيقه المونتير عمر الفيشاوي، وخاله وغيرهم، مشدداً على أنه يواصل ويتعامل مع الحياة رغم تشابه الألوان أمامه.

وكشف الفيشاوي أنه يعمل في الفن بنصائح والديه، فبينما شدد والده على ضرورة صدقه في التمثيل، دعته والدته إلى الالتزام بالمواعيد.

ووصف الفيشاوي نفسه بأنه «متمرد بطبعه»، وأن والدته التي توفيت قبل نحو 9 أشهر، كانت تؤثر عليه بطريقة عاطفية، وقال إنه لو كانت عاملته بقسوة لتمرد أكثر، لافتاً إلى أنه «يحاول احترام مرحلته العمرية الحالية والميل إلى الهدوء، كما أنه يفكر في التوبة، ويتمنى أن يدعو الناس له بذلك».

ويُعد الفيشاوي أحد أكثر الممثلين المصريين إثارة للجدل عبر تصريحاته الجدلية وحياته الشخصية غير المستقرة.

الفيشاوي مع والديه الراحلين خلال العرض الخاص لفيلم «القرد بيتكلم» (حسابه على فيسبوك)

وتعليقاً على تصريحات أحمد الفيشاوي عن فقدان الشغف بالتمثيل بعد رحيل والدته وتفكيره في التخلص من حياته، أكد الكاتب المصري فتحي المزين، مؤلف كتاب «التعافي من الفقد»، «أن الفقد له تأثيرات مختلفة ومتنوعة حسب كل حالة، موضحاً أن حالة الفيشاوي هي (حالة البحث عن الذات) وعن الطريق الذي يساعده على التخطي، خصوصاً أن علاقته بوالدته كانت قوية للغاية».

وأضاف فتحي المزين لـ«الشرق الأوسط»: «على المقربين من الفيشاوي مساعدته في تبني الطريق الذي يروق له لعله يجد نفسه وروحه، ويجب ألا يضغط عليه أحد؛ فهو يحتاج إلى الدعم في قراراته حتى يصل إلى محطة السلام، ويصبح أكثر طمأنينة وأقل معاناة».

وتفاعل كثيرون عبر «السوشيال ميديا» مع حديث الفيشاوي، وتضامنوا معه وقدموا له الدعم عبر تعليقات ومشاركات لمقاطع من لقائه، مؤكدين أنه فنان متمكن، ويشعرون وكأنه فرد من عائلتهم، كما توالت الدعوات له؛ إذ طالب الشيخ محمد أبو بكر بالدعاء له بالتوبة والعمل النافع، فيما كتب أمين الفتوى الدكتور هشام ربيع أن «التوبة هي انتصار للروح».

وبدورها كشفت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن العلاقات الإنسانية مطبوعة في القلب والنفس والروح ولا يمكن محوها، خصوصاً علاقة الأب أو الأم، مشيرة إلى أن العلاقات الشخصية القوية مثل علاقة الفيشاوي بوالدته الراحلة كانت مهمة جداً ومؤثرة.

وأضافت سامية خضر لـ«الشرق الأوسط»: «ضغوط الحياة الحالية والأنشطة الكثيرة قد تجعلنا لا نسمع كثيراً عن بعض المشاعر الإنسانية كما في السابق، لافتة إلى أن الحل ليس في النسيان ولكن في تعافي الشخص من اليأس و(السوداوية المزعجة) التي يشعر بها بعد الفقد، وهذا الأمر يأتي مع مرور الوقت».

أحمد الفيشاوي (حسابه على موقع إنستغرام)

وعن أفضل نصيحة للتعامل مع الحزن والفقد، رفضت أستاذة علم الاجتماع «فكرة العزلة والابتعاد عن الناس، وطالبت بالسفر والانغماس في العمل الذي تعده الأساس والعلاج، إلى جانب الانشغال بالأنشطة المختلفة التي تساعد على امتصاص بعض الحزن والزهد والشعور بالوحدة».

ويُعد الفنان أحمد الفيشاوي من أبرز نجوم جيله في السينما والدراما المصرية، وقد قدم العديد من الأعمال المهمة على غرار «حديث الصباح والمساء»، و«عفاريت السيالة»، و«تامر وشوقية»، وأفلام «الحاسة السابعة»، و«ولاد رزق»، و«القرد بيتكلم».


«جذور وأجنحة»... تحليق دائم مستلهم من صفحات الحياة

يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)
يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«جذور وأجنحة»... تحليق دائم مستلهم من صفحات الحياة

يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)
يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)

في أعمال التشكيلية المصرية ماجي الشاويش تبدو الشخوص في طريقها إلى شيء آخر، وانفعالات مغايرة؛ فهي لا تلتقط المشهد بقدر ما تستعيد ما سبقه وما سيأتي بعده.

إذ تلتقي على مسطح لوحاتها بطفلة تجري، وأخرى تلتفت، وطفل يراقب ما حوله، وأجساد تتحرك في أكثر من اتجاه، فتبدو الشخصيات وكأنها ترفض الاستقرار في لحظة واحدة أمام عين المتلقي.

وفي معرضها الجديد المقام في مركز «كرمة بن هانئ» الثقافي بمتحف أحمد شوقي؛ تواصل الشاويش تقديم تجربتها الفنية المختلفة عبر عنوان يختصر جانباً من رؤيتها، وهو «جذور وأجنحة».

يتحرك المتلقي بين جذور تجربة تشكلت عبر سنوات من العمل، وأجنحة تفتح للخيال والحركة والتحليق، يزيدها تنوعاً وثراءً ما يضمه المعرض أيضاً من لوحات مجموعة من الأطفال الذين تُشرف الفنانة على تدريبهم.

كما يبرز في تجربة الشاويش تأثرها بالمدرسة المستقبلية التي ظهرت في إيطاليا مطلع القرن العشرين، واحتفت بالحركة والديناميكية وطاقة العالم الحديث.

جانب من أعمال الأطفال المشاركين في المعرض (الشرق الأوسط)

تشعر في أعمال الشاويش أنك لست أمام مشاهد ساكنة، أو رصد للحظة آنية، إذ ستجد نفسك أكثر قرباً من اللحظة التي تتغير فيها الأشياء، وتتصاعد خلالها الانفعالات.

كما أن الحركة تتجاوز كونها تفصيلاً جمالياً يمكن أن يضاف إلى أعمال الشاويش، إلى لغة أساسية في تجربتها، تستعين بها لالتقاط المشاعر وهي في طريقها إلى التكون.

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «بدأ تأثري بالمدرسة المستقبلية منذ سنوات الدراسة في كلية التربية الفنية، ثم تحول مع الوقت إلى اختيار فني أرى أنه الأقرب إلى شخصيتي».

وتوضح: «كنت في البداية أميل إلى الطبيعة الصامتة، لكن بعد أن تعمقت في المدرسة المستقبلية، وقرأت عنها وشاهدت أعمالاً عالمية في مجالها، قررت أن أتبعها، وأرسم كل أعمالي بتقنياتها».

وتقوم الفكرة بالنسبة إليها على أن المشهد الواحد لا يرى في لحظة واحدة، وإنما يتكرر داخل اللوحة، بحيث تصبح الحركة نفسها موضوعاً بصرياً؛ لهذا يمكن أن تتحول حركة طائر إلى سلسلة من الأجنحة المتتابعة، أو تتحول التفاتة امرأة إلى أكثر من وضع جسدي واحد، فتظهر الشخصية وكأنها تتحرك عبر مسطح اللوحة.

تقول: «حتى لو رسمت طيوراً أرسمها بحركاتها، أجعل الجناح يتحرك، ويتطور كأنها مشاهد متتابعة في عمل درامي».

الفنانة المصرية ماجي الشاويش (الشرق الأوسط)

تبحث الشاويش في الحركة عما يتجاوز تسجيل الجسد؛ فهي تريد أن تترك للمتلقي مساحة للتخمين والتأمل، وأن تجعله يسأل عن اللحظة التي لا تظهر في اللوحة.

تقول: «يتفاعل المتلقي المصري مع هذا النوع من الأعمال؛ لأن الحركة تثير فضوله، فعلى سبيل المثال في حالة تجسيدي لفتاة تتحرك على مسطح اللوحة، فإن ذلك يدفعه للتساؤل: من تكون؟ وماذا هي بصدد أن تفعل؟ هل تجري هرباً من شخص ما، أم أنها تجري في حالة من الانطلاق والسعادة؟! وهكذا تكتسب الشخصية شيئاً من الدراما؛ وتساهم في تقديم حكاية مستمرة لا تقدم إجابة واحدة».

وهي ترى أن المتلقين يعيشون داخل اللوحة وينفعلون بشخصيتها، معتبرة أن هذا التفاعل هو ما يجعلهم يتوقفون أمام أعمالها، ويتذوقونها بدلاً من الاكتفاء بمرورهم البصري السريع.

ورغم أن الحركة هي أحد المفاتيح الأساسية في تجربتها، فإنها ليست حركة قلقة أو صاخبة بالضرورة؛ ففي لوحات الشاويش مساحة واضحة للمرح والبهجة، خصوصاً عندما تختار الأطفال موضوعاً لمشاهدها.

تقول إن أعمالها المعروضة حتى 29 أغسطس (آب) الحالي تستند إلى مشاهد التقطتها من الحياة، ثم أعادت صياغتها من خلال لغتها الخاصة، بحيث تصبح الحركة وسيلة للوصول إلى الشعور.

في لوحة «البوستر» على سبيل المثال، تتحول لحظة عائلية عابرة إلى مشهد من البهجة والحركة؛ إذ تظهر شقيقة الفنانة وهي تجري مرتدية ملابس السباحة، وتتصاعد خلال ذلك فرحتها.

لم تكن الشاويش تبحث عن هيئة مثالية، وإنما عن ذلك الشعور الصادق الذي رأته أمامها، كما تقول: «كنت سعيدة بمشاعرها في السباحة، فقررت أن أرسمها وأجسد أحاسيسها الصادقة والضحك من القلب».

البوستر... مشاعر صادقة تتحول إلى حركة على سطح اللوحة (الشرق الأوسط)

أما في لوحة «الاحتياج» فتتوقف أمام طفل رضيع جالس على كرسي، ترصد نظراته وحركاته ورغبته في تناول الطعام، بينما تستعيد لوحة «اللعب» عالماً أكثر تلقائية لطفلتين داخل غرفتهما.

وفي «شخبطة على الحيطة» يصبح فعل الرسم نفسه جزءاً من الحكاية؛ حيث أطفال يلونون على الجدار، في مشهد يجمع الفوضى البريئة بالفرح، ويمنح اللون دوراً لا يقل أهمية عن الشخصيات.

ربما لهذا السبب تبدو علاقة الشاويش بالأطفال أكثر من مجرد اختيار لموضوع متكرر في أعمالها؛ فهي ترى في الطفل حالة فنية غنية؛ جسد لا يعرف السكون طويلاً، ووجه تتغير ملامحه بسرعة، ومشاعر تظهر من دون حسابات مسبقة.

وتقول: «أحب الحركة والتلقائية والانطلاق، وهي صفات تجمع بين رؤيتي الفنية وعالم الأطفال؛ ولذلك يبرز حضورهم في أعمالي بصورة متكررة».

وتستخدم الفنانة ألوان الزيت على التوال، وهي الخامة التي تقول إنها تشعر براحة خاصة في التعامل معها، لأنها «لا تجف سريعاً، بما يسمح لي ببناء طبقات اللون، والعودة إلى اللوحة في اليوم التالي».

لوحة «اللعب»... طفلتان تنغمسان في اللعب بعفوية (الشرق الأوسط)

وفي أعمالها تتحول الألوان إلى جزء من الإيقاع العام للعمل، خصوصاً مع المشاهد التي تحمل مشاعر الفرح واللعب.

ومثلما يمكن أن تُقرأ الكلمة الأولى من عنوان معرضها «الجذور» باعتبارها ما راكمته الفنانة من تجربة وتكوين ورؤية، فإن كلمة «الأجنحة» تتيح مساحة أوسع للخيال والحركة، وهو ما يلتقي مع اهتمامها بالأطفال وتجاربهم البصرية.

ومن هنا جاء قرارها بأن تدمج في تجربتها جانباً من أعمال الأطفال الذين تُشرف على تدريبهم من خلال ورش عمل تنظمها في مرسمها بالقاهرة، في محاولة لخلق حوار بين تجربتها الفنية وبين البدايات الأولى لمواهب صغيرة.

يضم المعرض كذلك 60 لوحة لنحو 20 طفلاً، تتراوح أعمارهم بين 5 و13 عاماً، واللافت أن هذه اللوحات أيضاً لا تعرف أو تعترف بالسكون.