فرنسا تُكرّم تضحيات جنودها الأفارقة بعد عقود على تغييب دورهم

في ذكرى إنزال قوات الحلفاء على شاطئها المتوسطي قبل ثمانين عاماً

الرئيس الفرنسي يقلد الجندي المغربي العربي جوى الذي شارك في عدد من معارك الجيش الفرنسي وسام جوقة الشرف (أ.ب)
الرئيس الفرنسي يقلد الجندي المغربي العربي جوى الذي شارك في عدد من معارك الجيش الفرنسي وسام جوقة الشرف (أ.ب)
TT

فرنسا تُكرّم تضحيات جنودها الأفارقة بعد عقود على تغييب دورهم

الرئيس الفرنسي يقلد الجندي المغربي العربي جوى الذي شارك في عدد من معارك الجيش الفرنسي وسام جوقة الشرف (أ.ب)
الرئيس الفرنسي يقلد الجندي المغربي العربي جوى الذي شارك في عدد من معارك الجيش الفرنسي وسام جوقة الشرف (أ.ب)

لا سبيل للمقارنة بين احتفالات إنزال الحلفاء في منطقة النورماندي الفرنسية بمناسبة مرور 80 عاماً على حصوله في يونيو (حزيران) عام 1944، والاحتفال المشابه الذي جرى، الخميس، في مقبرة بولوريس القريبة من مدينة سان رافاييل على الريفييرا، لتكريم ذكرى القوات التي نزلت على الشاطئ الفرنسي المتوسطي يوم 15 أغسطس (آب)، ونجحت خلال 4 أسابيع في تحرير كل الجنوب الفرنسي، بما فيها مدن رئيسية، مثل مرسيليا وتولون ومونبلييه وغيرها.

في بداية الصيف، توافد كبار قادة الدول الحليفة منهم ملك بريطانيا ورئيس حكومته، والرئيس الأميركي، ورئيس الوزراء الكندي، ونظيره الأسترالي، وعشرات من القادة الآخرين للاحتفال بالحدث الذي غيّر صورة العالم من خلال التسريع بإنزال الهزيمة بقوات ألمانيا النازية، وتحرير قسم كبير من الأراضي الفرنسية، بما فيها باريس العاصمة، ما عدّه مقدمة لانهيار الجيوش الألمانية ونهاية أدولف هتلر.

بالمقابل، اتسمت احتفالات سان رافاييل بالتواضع. ومن أصل نحو 20 رئيس دولة وحكومة مدعوين للمشاركة في الاحتفالات، غالبيتهم العظمى من الأفارقة، لم يحضر سوى 6 رؤساء؛ من الكاميرون وتوغو ووسط أفريقيا والغابون وجزر القمر ورئيس الحكومة المغربية، في حين دول أخرى مثل ساحل العاج وجيبوتي وغينيا والسنغال تمثلت على المستوى الوزاري.

واللافت أن الجزائر واثنتين من دول الساحل؛ هما مالي والنيجر، لم ترسل ممثلين عنها، فيما تشاد وبنين تمثلت على مستوى السفراء، وأرسلت بوركينا فاسو القائم بأعمال سفارتها في باريس.

ويعكس هذا الواقع، وفق المراقبين، تراجع النفوذ الفرنسي في أفريقيا بشكل عام وفي بلدان الساحل على وجه الخصوص. وغياب الجزائر، رغم الدور الذي لعبه مقاتلوها، يعكس الأزمة المستجدة أخيراً بين باريس والجزائر، بسبب التقارب بين فرنسا والمغرب بشأن ملف الصحراء.

مساهمة الأفارقة في تحرير فرنسا

ماكرون في صورة تذكارية إلى جانب قدامى مقاتلين أفارقة ساهموا في معارك الإنزال قبل 80 عاماً على شاطئ فرنسا المتوسطي (أ.ف.ب)

بيد أن الأهم ليس التمثيل بحد ذاته بقدر ما هو الاعتراف بالمساهمة التي قدمها الأفارقة من بلدان المغرب العربي بداية، ومن المستعمرات الأفريقية الأخرى في تحرير فرنسا من النير النازي. من هنا، أهمية الكلمة التي ألقاها رئيس الكاميرون بول بيا، في بداية حفل التكريم في مدافن بولوريس التي تضم رفات 464 جندياً، سقطوا في معارك الجنوب. وجاء فيها: «ما كان لانتصار الحلفاء أن يحصل من غير المساهمة التي قدمتها الشعوب الأخرى (من غير الدول الحليفة)، ومن دون الأجانب، ومن دون السود، ومن غير المقاتلين الأفارقة الآخرين».

وأضاف بيا: «هذه الحرب قمنا بها معاً من أجل الدفاع عن قيم ومثل السلام والعدالة»، مشدداً على أن هؤلاء المقاتلين هم «ورثة التقاليد الحربية (الأفريقية)، شجاعتهم محل إعجاب، وكذلك جرأتهم وولاؤهم».

جاءت كلمة ماكرون شاعرية إلى حد بعيد، وقال متحدثاً عن هؤلاء المقاتلين الذين وصفهم بـ«الأبطال»: «هؤلاء، ضباط الإمبراطورية (الفرنسية)، أبناء الصحراء، منهم من جاء من كازامانس (حالياً في السنغال) أو من مدغشقر أو من غيرهما من البقاع الأفريقية، لم يكونوا من جيل واحد، أو من ديانة واحدة، لكنهم كانوا جيش الأمة (الفرنسية) الأكثر شجاعة والأكثر تنوعاً».

ومرة أخرى، شدّد ماكرون على انتماء هؤلاء المقاتلين، الذين انخرط الكثيرون منهم إرادياً في صفوف القوات الفرنسية، فيما آخرون جرى تجنيدهم إلى «الأمة» للدفاع عن «مصالحها». ولهؤلاء «الأبطال»، جدد ماكرون «اعتراف فرنسا الذي لا يزول بفضلهم عليها، وامتنانها» الدائم لما قدموا لها من تضحيات.

وخلاصته أن فرنسا «لن تنسى أبداً تضحيات المقاتلين الذي جاءوا من الكونغو وبنين أو من بوركينا فاسو ومالي والنيجر (وهي الدول التي تلاشت علاقتها بفرنسا)، أو من الدول البلدان الأخرى. كلا. لا شيء من ذاكرة هؤلاء الرجال لن ينسى». وبوصفها بادرة عملية، دعا ماكرون إلى مواصلة إعطاء أسماء هؤلاء المقاتلين لشوارع وساحات في جنوب البلاد، إذ يجب مواصلة هذا العمل «لتخليد آثارهم التي لا تمحى في تاريخنا».

عودة إلى التاريخ وعملية «التنين»

أراد ماكرون أن يقرن الكلمة بالفعل. من هنا، عمد إلى تكريم 6 أشخاص من الذين ساهموا في تحرير جنوب البلاد، بمنحهم وسام جوقة الشرف. لكن لم يكن بينهم سوى «أجنبيين»: الأول، اسمه بيار سالسيدو، وقد ولد في تونس، والثاني مقاتل من المغرب اسمه العربي جوى، وعمره حالياً 98 عاماً. وهذا المقاتل شارك في إطار الجيش الفرنسي «الفرقة ب»، في معارك في إيطاليا؛ بعدما جرح في معركة «جبل كاسينو» الشهيرة، ثم في جنوب فرنسا، ولاحقاً شارك في معارك الجيش الفرنسي في السنوات بين 1950 - 1955 في الهند - الصينية الفرنسية، التي كانت تضم فيتنام ولاوس وكمبوديا، والتي خسرتها فرنسا، واضطرت بنتيجتها إلى الانسحاب من هذه المناطق. والعربي جوى واحد من «الجيش ب» الذي تشكل في المستعمرات الأفريقية، والذي كان يقوده المارشال الفرنسي الشهير دو لاتر تاسنيي. وتفيد أرقام وزارة الدفاع أن عديده وصل إلى 250 ألفاً، أكثريته من الأفارقة الذين جيء بهم من المستعمرات الفرنسية ليقاتلوا على الأراضي الفرنسية في الأسابيع الأولى، وأطلق عليهم اسم «الجيش الأسود».

ماكرون وأمير موناكو والرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي خلال احتفال قرب مدينة سان رافاييل (أ.ب)

وخلال المعارك، بيّن الجنود القادمون من 20 بلداً (حالياً) على رأسها بلدان المغرب العربي، عن شجاعة استثنائية. إلا أنه بعد النجاحات الأولى لـ«الجيش الأسود» وانسحاب الألمان من المدن الساحلية؛ حيث حصلت أولى المعارك، جرى استبدال مقاتلين أوروبيين (فرنسيين بالدرجة الأولى) من «البيض» بالغالبية منهم، عن قصد، الأمر الذي أوجد لدى أولئك شعوراً بالإحباط.

والغرض من عملية الاستبدال كان إعطاء الانطباع بأن الفرنسيين، وليس الأفارقة، هم من لعبوا الدور الأول في تحرير بلادهم، وليس المقاتلين من دول أفريقيا، وهذا وارد في وثائق رسمية. ولذا، فإن التكريم الذي حظوا به «أخيراً» كان من باب تصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكب بحقهم، والإجحاف الذي لحق بهم طيلة عقود طويلة.

ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها، أمس، شهادة مقاتل كاميروني جاء فيها: «فرنسا نسيتنا لعقود، لكنها تحاول (اليوم) استلحاق ما فات». وقال زميل له واسمه دونغو ديانغ، «إنه إذا نجحت فرنسا في المحافظة على شعارها حرية مساواة وإخاء، فإن الفضل في ذلك يعود للمقاتلين الأفارقة».

وكان من المقرر، في أوساط الحلفاء، أن يكون إنزال النورماندي (أوفرلورد) متزامناً مع إنزال المتوسط (عملية التنين)، أي الاثنتين يوم 6 يونيو 1944. بيد أن العملية الثانية لم تحصل بسبب النقص في الإمكانيات، ما جعلها تتأخر أكثر من شهرين بقليل. ولم تواجه القوات الحليفة، وبينها بشكل خاص القوات الأميركية، سوى مواجهة محدودة باستثناء في معركتي مرسيليا وكولون، بعدما أمر هتلر قواته بالقتال حتى آخر طلقة.

الرئيس الفرنسي يصافح نظيره الكاميروني بول بيار الذي عدّ أن انتصار الحلفاء «ما كان ليتم» من غير مساهمة القوات الأفريقية (أ.ف.ب)

وبعكس معارك النورماندي الهائلة التي شهدت مقتل آلاف المقاتلين من الحلفاء، فإن خسائر اليومين الأولين في معارك المتوسط بقيت محدودة، إذ سقط، وفق وزارة الدفاع الفرنسية، نحو 1300 جندي. وأهمية الإنزال، الذي شمل في أيامه الأولى 260 ألف رجل، بينهم 100 ألف أميركي، أنه حرر واجهة فرنسا المتوسطية من الحضور الألماني، وحرم القوات الألمانية من استخدام موانئها، وعلى رأسها ميناء تولون الرئيسي.

وجاء تقدّم القوات الحليفة سريعاً إلى درجة أنها نجحت في ملاقاة قوات نزلت في النورماندي في شهر سبتمبر (أيلول)، أي بعد شهر واحد من نزولها في مقاطعة بورغوني الواقعة جنوب شرقي باريس.

وفي أوجها، عبّأت «عملية التنين» ما لا يقل عن 350 ألف رجل، بينهم 250 ألفاً تحت العلم الفرنسي، وجرى إنزال الجنود في 18 موقعاً على ساحل منطقة فار، و10 آلاف مظلي وراء الخطوط الألمانية.


مقالات ذات صلة

ماكرون يدعو إلى إنشاء سوق أوروبية موحدة للطاقة

الاقتصاد ماكرون يلقي خطاباً خلال قمة الصناعة الأوروبية في أنتويرب - بلجيكا 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إلى إنشاء سوق أوروبية موحدة للطاقة

​دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، إلى إنشاء ‌سوق ‌أوروبية موحدة ​للطاقة ‌وشبكة ⁠كهرباء ​متكاملة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة مدمجة تظهر الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

روسيا تعلن استعدادها لاستئناف الحوار مع فرنسا على المستوى الرئاسي

أعلنت روسيا أنها مستعدة لاستئناف الحوار مع فرنسا على المستوى الرئاسي، بينما أعرب الرئيس الفرنسي عن اعتقاده أن على أوروبا استئناف الحوار مباشرة مع الرئيس الروسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

ماكرون: برنامج الطائرات الحربية مع ألمانيا وإسبانيا لم يمت

كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أن برنامج ​الطائرات الحربية المشترك مع ألمانيا وإسبانيا لم يمت بعد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ⁠استحداث ​وسيلة ‌للاقتراض المشترك من خلال سندات باليورو لتحدي هيمنة الدولار (رويترز)

فرنسا تدعو لتحدي هيمنة الدولار بالاعتماد على سندات اليورو

قال ​الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ‌إنه يتعين على ‌الاتحاد ‌الأوروبي ⁠استحداث ​وسيلة ‌للاقتراض المشترك، من خلال سندات باليورو على سبيل المثال؛ لتحدي الدولار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ) p-circle

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز و«ستارلينك» تحجب خدمة الإنترنت عن القوات الروسية

رائد جبر (موسكو) إيلي يوسف (واشنطن)

نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
TT

نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)

أظهرت نتائج تشريح اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء أن معظم المهاجرين الأفغان البالغ عددهم 15، الذين لقوا حتفهم قبالة جزيرة خيوس اليونانية الأسبوع الماضي عندما اصطدم قاربهم بسفينة تابعة لخفر السواحل، ماتوا متأثرين بجروح في الرأس، وليس نتيجة الغرق.

وفتح تحقيق جنائي في حادث التصادم الذي وقع في الثالث من فبراير (شباط)، وهو أحد أكثر حوادث المهاجرين دموية في اليونان منذ سنوات، حيث اصطدمت سفينة تابعة لخفر السواحل بزورق مطاطي كان يحمل نحو 39 شخصاً، ما تسبب في انقلابه.

وقال خفر السواحل إن زورق المهاجرين كان يسير دون أضواء ملاحة وتجاهل تحذيرات التوقف. وأضاف أن القارب المطاطي غيّر مساره فجأة واصطدم بسفينة الدورية، ما أدى إلى سقوط الركاب في البحر.

لكن شهادات خمسة ناجين، اطلعت عليها «رويترز»، تتعارض مع الرواية الرسمية. وقالوا إن خفر السواحل لم يصدر أي تحذير مسبق، وإن الزورق المطاطي لم يغيّر مساره. وفي وقت لاحق، عثر غواصون على جثث داخل القارب.

ومن المرجح أن تتيح نتائج التشريح نظرة أكثر حدة لدى المحققين فيما يتعلق بقوة الاصطدام وطبيعته.

ونصت إحدى الوثائق القضائية التي اطلعت عليها «رويترز»، الأربعاء، على أن «سبب الوفاة إصابات خطيرة في الجمجمة والدماغ»، بينما أشارت وثائق أخرى إلى إصابات مصاحبة في الصدر.

وقالت وثيقة أخرى: «إصابات في الجمجمة والدماغ ثم الغرق».

وأظهرت صور خفر السواحل التي التقطت بعد الاصطدام خدوشاً طفيفة على سفينتها. وأصيب في الحادث ثلاثة من أفراد طاقم خفر السواحل و24 مهاجراً.


تركيا واليونان في مسعى جديد من أجل إزالة التوتر حول القضايا الخلافية المزمنة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مستهل مباحثاتهما بأنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مستهل مباحثاتهما بأنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
TT

تركيا واليونان في مسعى جديد من أجل إزالة التوتر حول القضايا الخلافية المزمنة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مستهل مباحثاتهما بأنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مستهل مباحثاتهما بأنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

بحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس تطور العلاقات الثنائية بين البلدين وقضايا إقليمية ودولية، في مقدمتها التطورات في الشرق الأوسط وإيران والحرب بين روسيا وأوكرانيا.

وعقد إردوغان وميتسوتاكيس جلسة مباحثات سبقت الاجتماع السادس لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، بحضور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونظيره اليوناني، جيورجوس جيرابتريتيس، وكبير مستشاري رئاسة الجمهورية التركية عاكف تشاغطاي كيليتش، وتم تناول القضايا الثنائية والنزاعات في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط، وملفات الهجرة والتجارة والجريمة المنظمة.

جانب من اجتماع إردوغان وميتسوتاكيس قبل انعقاد المجلس الاستراتيجي في أنقرة (الرئاسة التركية)

ورافق ميتسوتاكيس وزراء الخارجية والمالية والتنمية والهجرة، للمشاركة في اجتماع المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى، برئاسة إردوغان وميتسوتاكيس، في مسعى جديدة من أجل دفع مسار الحوار بين البلدين الجارين العضوين في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

خلافات جوهرية

وتلقي خلافات جوهرية على العلاقات بين أنقرة وأثينا بشأن السيادة البحرية وترسيم الحدود في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط بظلال سلبية ثقيلة على العلاقات الثنائية، رغم ما شهدته الفترة الأخيرة من تهدئة نسبية واستئناف لقنوات التواصل.

ويفاقم هذه الخلافات المعقدة سباق تسلح متواصل وتبادل تحذيرات سياسية وأمنية بين البلدين، في وقت لجأت اليونان، بدعم من قبرص التي تتولى الرئاسة الدورية الحالية للاتحاد الأوروبي، إلى توظيف خلافاتهما مع تركيا داخل مؤسسات الاتحاد.

إردوغان استقبل ميتسوتاكيس بمراسم رسمية بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)

وفي الوقت ذاته، يعمل البلدان على توسيع دائرة التحالفات الإقليمية لتعزيز مواقعهما في صراع النفوذ وتقاسم موارد شرق البحر المتوسط، حيث عززت اليونان شراكتها مع قبرص وإسرائيل، في الوقت الذي عملت تركيا على مزيد من التقارب مع مصر للحصول على دعمها في تسهيل تعاون تركيا مع شرق ليبيا في ملفات الغاز وترسيم الحدود البحرية.

وسبق انعقاد المجلس الاستراتيجي في أنقرة وجود توتر مع أثينا عبر تبادل رسائل سياسية حادة، وتصريحات لميتسوتاكيس، أكد فيها أن من حق اليونان توسيع مياهها الإقليمية في بحر إيجه إلى 12 ميلاً بحرياً متى رأت ذلك مناسباً، وهو ما ترفضه تركيا لأنه يشكل مساساً بأمنها القومي.

تحذيرات تركية

وحذرت وزارة الدفاع التركية من أي خطوات أحادية في هذا الملف، وقال وزير الدفاع، يشار غولر، إن أي محاولة تهدف إلى إقصاء أنقرة عن بحر إيجه وشرق المتوسط أو تجاهل حقوقها ومصالحها المشروعة فيهما محكوم عليها بالفشل.

وشدّد على أن بلاده تواصل أنشطتها في بحر إيجه وشرق المتوسط بما ينسجم مع مصالحها الوطنية، مع تبني موقف بنّاء ومسؤول يستند إلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن أنقرة وأثينا تواصلان منذ فترة طويلة «جهوداً صادقة» تهدف إلى حل القضايا الثنائية عبر الحوار والدبلوماسية، والعمل على تحويل بحر إيجه إلى منطقة سلام وتعاون.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

وتحدثت تقارير عن توقيع اتفاقيات بين اليونان وإسرائيل وقبرص، وما إذا كانت تشكل تهديداً لتركيا، ونفى غولر ذلك، لافتاً إلى أن تركيا، بدورها، توقع اتفاقيات مع كثير من الدول دون أن تكون موجهة ضد دولة بعينها.

وعن نية اليونان وقبرص نشر أنظمة دفاع جوي إسرائيلية في الجزر منزوعة السلاح في بحر إيجه، أكد أن هذه الجزر مصنّفة قانونياً بوصفها جزراً منزوعة السلاح، ولا يجوز تسليحها وفق القوانين والاتفاقيات الدولية، وأن تركيا تقوم بالتحضيرات والتدابير اللازمة للتعامل مع هذا الملف بما يحفظ حقوقها وأمنها القومي.

بدوره، قال وزير الخارجية، هاكان فيدان، إن بلاده ترفض السياسات الرامية إلى تطويقها، مؤكداً أن ذلك ليس في مصلحة أحد ويعمق الانقسامات الإقليمية، وأن بلاده تتابع من كثب القضايا المتعلقة بأمنها القومي المرتبطة بالتعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل في المنطقة.

استمرار الأجندة الإيجابية

وعلى الرغم من التصريحات الحادة المتبادلة، عقدت في أثينا في 21 يناير (كانون الثاني) الماضي، الجولة التاسعة من محادثات «خطة العمل المشتركة للأجندة الإيجابية بين تركيا واليونان»، برئاسة نائب وزير الخارجية التركي ورئيس الشؤون الأوروبية محمد كمال بوزاي، ونائب وزير الخارجية اليوناني هاريس ثيوخاريس.

جانب من اجتماع الأجندة الإيجابية بين تركيا واليونان في أثينا 21 يناير الماضي (الخارجية التركية)

وناقش الجانبان مشاريع وبرامج تخدم المصالح المشتركة للبلدين في مجالات متعددة، أبرزها التعاون في قطاعات التجارة والاقتصاد والجمارك والسياحة والنقل والابتكار والعلوم والتكنولوجيا والزراعة، إلى جانب مجالات حماية البيئة والضمان الاجتماعي والصحة والشباب والتعليم والرياضة، فضلاً عن التعاون بين أوساط رجال الأعمال في البلدين.

وبدأت تركيا واليونان، منذ عام 1999، تطوير آليات للتواصل ومعالجة مختلف التطورات في علاقاتهما عبر الحوار، منها مجلس التعاون رفيع المستوى، والحوار السياسي، والمشاورات الاستكشافية، ومبادرة الأجندة الإيجابية أو خطة العمل المشتركة، إضافة إلى تدابير بناء الثقة.


بزعم استهدافها إسرائيل... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
TT

بزعم استهدافها إسرائيل... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)

دعت فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى استقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، على خلفية ما وصفته بأنه «تصريحات شائنة ومستهجنة» أدلت بها ألبانيزي في مؤتمر عُقد السبت، وفق ما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم (الأربعاء).

وقال بارو أمام أعضاء البرلمان: «تدين فرنسا بلا تحفظ التصريحات الشائنة والمستهجنة التي أدلت بها فرانشيسكا ألبانيزي والتي لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية، التي يمكن انتقاد سياساتها، بل إسرائيل كشعب وكأمة، وهو أمر غير مقبول بتاتاً».

وكانت ألبانيزي قد حذرت من خطورة القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أنها تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة.