تحشيد عسكري غرب ليبيا لـ«مواجهة محتملة» مع حفتر

اندلاع اشتباكات مسلحة شرق طرابلس أثناء صلاة الجمعة

جانب من تحرك قوات بـ«الجيش الوطني» الليبي باتجاه الجنوب الغربي (من مقطع فيديو لرئاسة أركان القوات البرية)
جانب من تحرك قوات بـ«الجيش الوطني» الليبي باتجاه الجنوب الغربي (من مقطع فيديو لرئاسة أركان القوات البرية)
TT

تحشيد عسكري غرب ليبيا لـ«مواجهة محتملة» مع حفتر

جانب من تحرك قوات بـ«الجيش الوطني» الليبي باتجاه الجنوب الغربي (من مقطع فيديو لرئاسة أركان القوات البرية)
جانب من تحرك قوات بـ«الجيش الوطني» الليبي باتجاه الجنوب الغربي (من مقطع فيديو لرئاسة أركان القوات البرية)

تصاعدت عمليات التحشيد العسكري في مدن غرب ليبيا، تحسباً لـ«مواجهة محتملة» مع قوات «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، التي تحركت باتجاه الجنوب الغربي لتنفيذ مهمة، وصفتها قيادته بأنها تدخل ضمن «خطة شاملة لتأمين الحدود وتعزيز الأمن القومي».

وعلى الرغم مما وصف بـ«تطمينات» القيادة العامة للجيش، المتمركز بشرق ليبيا، جاءت في بيان عسكري للمتحدث باسم «رئاسة أركان القوات البرية»، أكد أنها «لا تستهدف أحداً»، فإن جميع القوى الأمنية والعسكرية بغرب ليبيا تشهد حالة استنفار راهناً، وسط تجهيزات عسكرية واسعة في مصراتة والزاوية لمواجهة حفتر.

وفي ظل ترقب واسع لما ستسفر عنه الأوضاع المتوترة في الساعات المقبلة، حثت البعثة الأممية لدى البلاد، اليوم (الجمعة)، الأطراف كافة على «ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب أي أعمال استفزازية، من شأنها إخراج الأوضاع عن السيطرة، وتعريض الاستقرار الهش في ليبيا وسلامة المواطنين للخطر».

قوات بـ«الجيش الوطني» تتحرك باتجاه الجنوب الغربي (من فيديو لرئاسة أركان القوات البرية)

ولوحظ انتشار واسع للآليات العسكرية المصطفة في مصراتة، عقب توجيه «قوة العمليات المشتركة» بالمدينة نداء عاجلاً لمنتسبيها كافة للوجود «فوراً» إلى مقرها مع جميع تجهيزاتهم ومعداتهم.

وفي زمرة التوتر الذي ساد الأجواء، اجتمع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بممثلي بعض القوى الأمنية في المنطقة الغربية بطرابلس، مساء (الخميس)، ونقل مكتبه «تأييدهم لكل خطواته المقبلة، بهدف تحقيق الاستقرار بالمنطقة الغربية».

محمد المنفي التقى ممثلي بعض القوى الأمنية في المنطقة الغربية بطرابلس لتدارس الوضع الأمني (رويترز)

وكانت رئاسة الأركان العامة و«قوة العمليات المشتركة»، و«الجهاز الوطني للقوى المساندة»، التابعون لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، قد أعلنت رفع درجة الاستعداد والتأهب لجميع العناصر لمواجهة «أي خطر قادم».

ولطمأنة الليبيين عقب انتشار حالة من التوتر في غرب البلاد، سارعت القيادة العامة للتأكيد على أن هذا التحريك لقواتها يستهدف «تأمين الحدود الجنوبية، من خلال تكثيف الدوريات الصحراوية، والرقابة على الشريط الحدودي مع الدول المجاورة».

حفتر مع عدد من قادة قواته في بنغازي (الجيش الوطني)

وقالت رئاسة الأركان إن هذا التحرك يأتي «تنفيذاً لتعليمات المشير خلفية حفتر، في إطار تعزيز الأمن على الحدود، والتصدي لأي تهديدات قد تستهدف سلامة الوطن واستقراره»، مبرزة أن الوحدات العسكرية «انتقلت للمناطق المكلفة بتأمينها، وهي مدن: سبها وغات، وأباري ومرزق والقطرون، وبراك والشاطئ وأدري، والتي توجد فيها أساساً وحدات تابعة للقيادة العامة لتعزيز الأمن في تلك المناطق، وتثبيت ركائز الأمان».

وأصافت القيادة العامة أن هذا التحرك لقواتها يأتي «في ظل التوتر في دول الجوار، وإمكانية نشاط العصابات والجماعات المتطرفة»، مبرزة أنها رصدت ردود فعل على هذا التحرك «المنظم والمنضبط»، وأشارت إلى أن ما صدر من بيانات من بعض الأطراف «يأتي في إطار الابتزاز السياسي والمالي».

المجلس الأعلى للدولة أعلن رفضه لهذه التحركات ورآها «غير شرعية» (المجلس)

وسبق للمجلس الأعلى للدولة أن أعلن رفضه للتحركات التي وصفها بـ«غير الشرعية»، ورأى أنها «تسعى بشكل فاضح وواضح لزيادة النفوذ والسيطرة على منطقة استراتيجية مهمة مع دول الجوار».

ورأى المجلس أن هذه التحركات قد تسفر عن «العودة إلى الصراع المسلح الذي يهدد اتفاق وقف إطلاق النار، ومساعي توحيد المؤسسة العسكرية، ويقود إلى انهيار العملية السياسية»، داعياً المجلس الرئاسي بصفته القائد الأعلى للجيش إلى «رفع حالة التأهب والاستعداد للتصدي لأي خطر محتمل»، كما طالب البعثة الأممية والمجتمع الدولي بـ«موقف واضح تجاه هذه التحركات وإدانتها».

ويربط متابعون ليبيون بين التوترات الحاصلة قرب غدامس خلال الأسابيع الماضية، وهذا التحرك العسكري لقوات «الجيش الوطني»، وسط توقع برغبة حفتر في السيطرة على المناطق الحيوية، القريبة من الحدود التونسية - الجزائرية، بما فيها مطار غدامس.

ولم يستبعد المتابعون لهذه التطورات تحول المنطقة، الواقعة أقصى غرب ليبيا، إلى مسرح لأحداث ساخنة خلال الأيام المقبلة، بين تابعين لحكومة الدبيبة، وموالين لحفتر، ويرون أن «كل طرف يسعى لتعزيز قواته عبر حلفائه العسكريين في المنطقة، بقصد إحكام السيطرة على غدامس ومطارها، ومن ثم فتح نافذة حدودية جديدة على القارة».

ودخلت البعثة الأممية على خط الأزمة، وقالت إنها تتابع «بقلق» التحركات الأخيرة للقوات في مختلف أنحاء ليبيا، وخاصة في المناطق الجنوبية والغربية، وأشادت في المقابل بالجهود الجارية لتهدئة الوضع، ومنع المزيد من التوتر.

ودعت إلى مواصلة التواصل والتنسيق بين القوات التابعة لـ«الجيش الوطني»، وحكومة «الوحدة الوطنية»، وقالت إنها تشعر «بالأسف»؛ كون هذه التطورات تتزامن مع الذكرى الرابعة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي.

خوري في أنقرة مع نائب وزير الخارجية التركي وعدد من المسؤولين (البعثة الأممية)

وكانت البعثة الأممية قد قالت إن القائمة بأعمال رئيس البعثة، ستيفاني خوري، التقت في أنقرة، (الخميس)، بنائب وزير الخارجية برهان الدين دوران وفريقه، واستعرضت في اجتماعين منفصلين آخر المستجدات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا.

في غضون ذلك، اندلعت اشتباكات مسلحة بين فصيلين مسلحين في مدينة تاجوراء الساحلية (شرق العاصمة طرابلس)، قبيل وبعد صلاة الجمعة. وشوهدت أعمدة الدخان تتصاعد في ظل دوي طلقات الرصاص بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وفق شهود عيان لـ«الشرق الأوسط».

وفي ظل عدم تعقيب حكومة «الوحدة» على هذه الاشتباكات، أفادت التقارير الأولية بأن المواجهات اندلعت بين كتيبة «رحبة الدروع»، بقيادة خلف الله بشير، المعروف بـ«البقرة»، وكتيبة «الشهيدة صبرية»، الموالية لمفتي غرب ليبيا الصادق الغرياني.

وقالت كتيبة «رحبة الدروع» في تاجوراء، في بيان مقتضب، (الجمعة)، إن آمرها بشير خلف الله «نجا من محاولة اغتيال، وهو بصحة جيدة»، فيما انتشرت مقاطع فيديو لسيطرتها على معسكر «الشهيدة صبرية».

ووصف المدون الليبي، جعفر الحشاني، الوضع في مدينة تاجوراء بـ«الحرج»، مشيراً إلى أن مجموعة مسلحة حاولت اغتيال «البقرة»، فاتجهت «كتيبة رحبة الدروع» للأخذ بثأره، وهاجمت كتيبة «الشهيدة صبرية»، وأسرت 12 عنصراً منها بعد السيطرة عليها.


مقالات ذات صلة

«خلية طرابلس» تفجر «اتهامات وشكوكاً» بين أطراف الأزمة الليبية

شمال افريقيا وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)

«خلية طرابلس» تفجر «اتهامات وشكوكاً» بين أطراف الأزمة الليبية

فتحت «خلية طرابلس» باباً واسعاً للسجال وتبادل الاتهامات بين أطراف بالأزمة الليبية وسط تكتم رسمي على نتائج التحقيقات وتضارب الروايات بشأن الجهة التي تقف خلفها

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)

أمطار وسيول تضرب مدناً ليبية وتودي بحياة 3 أشخاص

ضربت أمطار وسيول غزيرة مناطق ليبية عديدة، ما أسفر عن وفاة 3 أشخاص من أسرة واحدة، وسط تحذيرات من استمرار التقلبات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر ووزير الكهرباء المصري محمود عصمت يتوسطان العاملين في مشروعات ليبية 23 سبتمبر (الصندوق)

بالقاسم حفتر يستعين بالخبرات المصرية لإنهاء أزمة الكهرباء في ليبيا

بحث بالقاسم حفتر، مدير «صندوق التنمية وإعادة الإعمار» في ليبيا، مع وزير الكهرباء المصري محمود عصمت، وضع «خطة عاجلة» لإنهاء أزمة الكهرباء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصنع قوارب للهجرة غير الشرعية عقب مداهمته في ليبيا (إدارة المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا)

«قوارب الموت»... صناعة سرية تزدهر على طرق الهجرة من ليبيا

تحولت القوارب المستخدمة في نقل المهاجرين غير النظاميين من ليبيا إلى أوروبا لجزء من سوق سرية تنمو بالتوازي مع نشاط تهريب البشر

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد عبد السلام القريو خلال اجتماع مع مراقبي التربية والتعليم يوم الأحد الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)

زيادة رواتب حرس المنشآت النفطية الليبية تغضب قطاعات مدنية

تصاعدت في ليبيا، الأربعاء، انتقادات معلمين وأطباء لقرار حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، زيادة مرتبات منتسبي جهاز حرس المنشآت النفطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

رسمت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت الأربعاء، خريطة حزبية جديدة في البرلمان، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال»، مقارنةً بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى الواجهة.

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وتوزعت المقاعد الأخرى على «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و«الحركة الشعبية» و«التقدم والاشتراكية» و«الاتحاد الدستوري». وبلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة.

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي بشأن رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري.


«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
TT

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

باتت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» تحظى بمتابعة عالية، بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يجري تصويرها في الشارع أو المنازل لحوادث أو مخالفات، وخاصة بعد أن عززتها الاستجابة السريعة للشرطة للتحقق من صحة تلك المقاطع وضبط المتهمين.

واحتلت الصفحة المركز الثاني عالمياً بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً في الربع الثالث لعام 2025، بعد «البيت الأبيض» الأميركي، وفقاً لتقرير مؤسسة (Emplifi) العالميّة.

ورغم العائد الإيجابي لتلك الطريقة الحديثة في تسهيل توثيق الجرائم وسرعة التبليغ عنها، فإنها لا تخلو من وصم وتشهير عبر نشر صور أشخاص دون إذن منهم، وأحياناً تثبت براءتهم، بعد التحقق من الملابسات، التي قد لا تكون واضحة من الوهلة الأولى.

استجابة فورية لبلاغ عن مغالاة في الأجرة (وزارة الداخلية المصرية)

آثار سلبية

ورغم أهمية الاستغاثة الإلكترونية التي أصبحت أسرع وأسهل من الذهاب إلى قسم الشرطة، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن لها آثاراً سلبية، مشيراً إلى أنها «حولت البلاغ الخاص إلى محاكمة علنية قبل أن ينتهي التحقيق».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «فارق كبير بين التبليغ السري للقنوات الرسمية سواء النجدة أو رقم واتساب لتلقي البلاغات والاستغاثات، وبين نشر فيديو يُظهر الوجه والعنوان والتفاصيل على العام؛ فالأخيرة ليست مساعدة أمنية لضبط جريمة ما فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها عقوبة مجتمعية فورية».

وانتشرت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو مع الإشارة لوزارة الداخلية، تتهم أشخاصاً بارتكاب جرائم، ثم يتضح لاحقاً أن التصور خاطئ. ومن ضمن هذه الوقائع التي انتشرت بقوة اتهام راكب لسائق حافلة باختطاف طفل؛ نظراً لعدم وجود شبه ظاهر بينهما، ليتضح في النهاية أن الطفل ابن السائق، بعد حملة تنمر به وبزوجته باعتبارهما «أفقر من أن ينجبا طفلاً جميلاً منمقاً».

الشرطة المصرية تستجيب لاستغاثة بالفيديو عن سرقة سيارات بالإكراه من قبل ملثمين (الداخلية المصرية)

وفي واقعة أخرى، رُفعت الكاميرات لتلقط مشاجرة زوج وزوجته في الشارع بغرض التبليغ والمساعدة، دون الحصول على إذن منهما، لكنهما تضررا من هذا «التشهير».

ويصل الأمر أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ قُتلت قاصر عمرها 16 عاماً في منطقة الصف (جنوب القاهرة) يوم 16 سبتمبر (أيلول) الحالي على يد شقيقها، بعد نشر تغيبها ثم العثور عليها لدى صديق في الإسكندرية.

بريء حتى تثبت إدانته

ويشير المحامي سامح سمير إلى أن نشر صور أشخاص دون إذنهم، خصوصاً في سياقات سلبية، ينضوي على جريمة تشهير يُعاقب عليها القانون.

وقال: «لو أن شخصاً نشر سباً وقذفاً لآخر على السوشيال ميديا دون صورته، فإن الحكم عادة يكون غرامة؛ أما لو نشر صاحب السب والقذف صورة، يرتفع الحكم إلى الحبس»، محذراً من خطورة تحول أفراد المجتمع إلى «مخبرين» يسارعون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على «صفحة الداخلية» حتى دون فهم السياق في أحيان كثيرة.

وانتقد كذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نشر قوات الأمن صوراً ومقاطع فيديو لمتهمين، حتى وإن كانت مموهة، لافتاً إلى المبدأ الدستوري والأساس القانوني القائم على أن المتهم «بريء حتى تثبت إدانته»، وإلى أن نشر هذه الصور يُسهِّل التعرف على هوية أصحابها، خصوصاً بين المعارف والأصحاب.

استغاثة تتعلق بسرقة دراجة نارية (وزارة الداخلية المصرية)

ويشير الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، إلى أن «المكايدة» كانت قائمة طوال الوقت تحت ما يعرف بـ«البلاغات الكيدية»، لكنها كانت محدودة؛ نظراً لما تنطوي عليه من كلفة مالية من خلال اللجوء لمحامٍ لصياغة البلاغ؛ لكن مع انتشار آلية «منشن الداخلية»، أصبح الأمر أسرع وأسهل.

ورغم بعض آثار النشر السلبية، قال: «لا يمكن نكران أن هذه الآلية التي تلقى استجابة سريعة من الأمن ساهمت في زيادة شعور المواطن بالحضور الأمني، ونجحت بالفعل في ضبط جناة كثيرين».

«حرمانية» التصوير

وخصصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة، 25 سبتمبر، لـ«حرمة تصوير الأفراد دون إذن، وحرمة الحياة الخاصة»، وفق نص الخطبة الذي نشرته الأربعاء، مشددة على أن «أعراض الناس ليست مشاعاً».

وأضافت: «حال وجود فيديو أو صور تثبت حقاً، فعلى الشخص التقدم بها للجهات، لا نشرها بغرض التشهير والترند».

ويحذر أستاذ علم النفس، جمال فرويز، من مخاطر كبيرة قد يتعرض لها البعض عند التشهير بهم وتقديمهم كمتهمين، حتى إذا اتضحت براءتهم فيما بعد.

وقال: «الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالشخصيات العصبية التي تُعَد عرضة للأمراض النفسية قد تصاب بأعراض اكتئابية وقد تفكر بإيذاء النفس».

وأضاف: «كلما كان الشخص ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى، وارتفع مستوى تعليمه، كانت احتمالات تأزمه نفسياً أكبر».


تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
TT

تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)

خفتت أصوات المعارك البرية على جبهات القتال الرئيسية في السودان، في مقابل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة واستمرار مناوشات محدودة على عدد من المحاور، وذلك بعد التقدم الذي حققه الجيش وتراجع «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان خلال الأيام الماضية.

ووفقاً لشهود ومصادر ميدانية، شهدت محاور العمليات تراجعاً نسبياً في حدة القتال البري، عقب الجولة الأخيرة من المعارك الواسعة في شمال كردفان، التي أحدثت تغييرات مهمة في خريطة السيطرة، وحقق الجيش خلالها تقدماً ملحوظاً، أحكم من خلاله سيطرته على عدد من البلدات، وعزز تأمين مدينة بارا ومحيطها وطريق الصادرات، كما فتح خط الإمداد الرابط بين أم درمان والنيل الأبيض وشمال كردفان وصولاً إلى مدينة الأُبيّض، في حين تراجعت «قوات الدعم السريع» باتجاه الشمال والشمال الغربي.

وذكرت المصادر أن اندفاعة الجيش غرب مدينة الأُبيّض توقفت بصورة مفاجئة بعد وصول قواته إلى بلدة أم صميمة، إثر تعرضها لضغط عسكري مضاد أجبرها على التراجع باتجاه مشارف الأُبيّض. ولم تُسجل منذ ذلك الحين محاولة كبيرة جديدة للتقدم على هذه الجبهة.

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرقاً) يوم 17 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وفي تطورات ميدانية أخرى، أفاد نشطاء بأن الجيش تراجع من محيط مدينتَي سودري والمزروب، بعد أن كان قد وسّع خطوطه الدفاعية في عدد من البلدات المحيطة بهما، في حين عادت «قوات الدعم السريع» إلى بلدة المزروب الاستراتيجية التي كانت قد انسحبت منها خلال العملية العسكرية الواسعة للجيش.

وفي محور النيل الأزرق، حافظ الجيش على مواقعه، وقالت مصادر موالية له إن قواته صدت هجمات لـ«الدعم السريع»، وألحقت بها خسائر بشرية ومادية حالت دون تحقيقها تقدماً جديداً، في حين لا تزال «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها تسيطر على مدينتَي الكرمك وقيسان.

وشهد هذا المحور أيضاً خلال الأيام الأخيرة تراجعاً في حدة المواجهات البرية المباشرة، في حين استمرت حرب الاستنزاف المتبادلة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية.

حرب المسيّرات

وأعلن الجيش، الخميس، إسقاط طائرة مسيّرة «معادية» طويلة المدى من طراز «FH-95». وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة في بيان إن الدفاعات الجوية أسقطت المسيّرة، وذلك بعد أيام من تعرض مدينة الأُبيّض لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية.

ويقول سكان في ولاية شمال كردفان إن «قوات الدعم السريع» كثفت هجماتها بالطائرات المسيّرة على مدن خاضعة لسيطرة الحكومة في الولاية، ما أدى إلى تعطيل جوانب من الحياة اليومية، وفاقم الشعور بانعدام الأمن لدى السكان.

وسجلت «رويترز» لقطات تظهر آثار هجمات كبيرة وقعت خلال الشهر الحالي على مدينتين تقعان على خط المواجهة. ووصف سكان تلك الهجمات بأنها جزء من موجة جديدة واضحة من الضربات، بعد أسابيع بدا خلالها أن «قوات الدعم السريع» قلّصت استخدام المسيّرات تحت وطأة ضغوط دولية.

وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة بصورة لافتة في الحرب السودانية المستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة؛ إذ يستخدم كل من الجيش و«قوات الدعم السريع» تقنيات حديثة باتت جزءاً أساسياً من حروب أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا.

حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)

وتقول الأمم المتحدة إن هجمات الطائرات المسيّرة التي شنها طرفا الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، في مؤشر على تزايد التكلفة البشرية لهذا النوع من الهجمات مع اتساع نطاق استخدامها بعيداً عن خطوط المواجهة التقليدية.

وفي الثامن من سبتمبر (أيلول)، أصابت طائرة مسيّرة قاعة محكمة مكتظة في مدينة أم روابة، الخاضعة لسيطرة الحكومة في شمال كردفان، وهي الولاية الواقعة في وسط السودان، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز جبهات الحرب.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي تعرف نفسها بأنها كيان مهني طوعي مستقل معنيّ بالدفاع عن الحقوق، إن نحو 10 أشخاص قُتلوا وأصيب عشرات آخرون في استهداف المحكمة التي تعرضت لدمار واسع، في حين تناثرت أعمدة الواجهة وأجزاء من أحد أبرز مباني المدينة في محيط المكان. وبعد ذلك بيوم واحد، استهدفت طائرة مسيّرة كلية التنمية والعلوم التكنولوجية في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ما أدى إلى تدمير سقفها وإلحاق أضرار واسعة بمبانيها.

وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ، وهو يقف وسط الدمار في حين كان عمال يزيلون الأنقاض، إن حارس أمن قُتل في الهجوم، وإن ثماني قاعات للمحاضرات تعرضت لأضرار جسيمة. وأضاف: «فقدنا غفير الكلية، نسأل الله أن يتقبله، وتم استهداف ثماني قاعات، حصل فيها دمار كامل»، مشيراً إلى أن أجزاء أخرى من الكلية تعرضت بدورها لدمار واسع. وعبرت أمنية أبو القاسم، وهي طالبة كانت قد أدت امتحاناً في الكلية قبل يوم واحد من الهجوم، عن حزنها وهي تقف بجانب الأنقاض، وقالت: «تدمرت كل الكلية، نحس أن أحلامنا تدمرت ومستقبلنا تدمر!».

مبنى محكمة في مدينة أم روابة بشمال كردفان تعرض لقصف بمسيّرة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» في 16 سبتمبر (رويترز)

وفي مستشفى بمدينة أم روابة، روى صلاح بخيت، الذي سُحقت ذراعه وأصيب جسده بشظايا في الهجوم على المحكمة، أنه لجأ إلى المدينة بحثاً عن الأمان بعدما فرّ من الأُبيّض، التي تعرضت على مدى أشهر في وقت سابق من العام لهجمات بالمسيّرات، في خضم محاولة «قوات الدعم السريع» تشديد الضغط عليها.

وهكذا، وفي الوقت الذي تراجعت فيه حدة المواجهات البرية المباشرة على عدد من الجبهات، باتت الطائرات المسيّرة تؤدي دوراً متزايداً في الحرب، سواء في استهداف المواقع العسكرية أو في ضرب مدن ومنشآت مدنية بعيدة نسبياً عن خطوط الاشتباك، بما ينقل جانباً متزايداً من تكلفة الحرب إلى السكان والمنشآت الحيوية.