نمو قياسي لـ«الكتاب الصوتي» بفضل «الذكاء الاصطناعي»

«القراءة بالأذنين» توازي «القراءة بالعينين»

نمو قياسي لـ«الكتاب الصوتي» بفضل «الذكاء الاصطناعي»
TT

نمو قياسي لـ«الكتاب الصوتي» بفضل «الذكاء الاصطناعي»

نمو قياسي لـ«الكتاب الصوتي» بفضل «الذكاء الاصطناعي»

تتطور المنتجات الصوتية بشكل غير مسبوق، بفضل الذكاء الاصطناعي، الذي بات يوفّر آلياً ساعات من النصوص المسموعة، بكلفة منخفضة. وهو ما سمح، في السنوات الخمس الأخيرة، بتسريع إنتاج الكتب الصوتية بأعداد كبيرة وجودة عالية.

تدل الأرقام على أن الكتب الصوتية الرقمية هي أسرع القطاعات نمواً. ففي عام 2023، ارتفعت إيراداتها في الولايات المتحدة بنسبة 9 في المائة، وحققت 2 مليار دولار. فيما ارتفعت الإيرادات بما نسبته 24 في المائة خلال الفترة نفسها في بريطانيا، وهذا يحصى من خلال عمليات تنزيل الكتب، التي ارتفعت في المملكة المتحدة بنسبة 17 في المائة، بين عامي 2022 و2023.

يبقى أن رصد نمو الكتب الصوتية العربية أكثر صعوبة، لكن القيمين عليها يؤكدون أن الإقبال يتزايد، لكن الغالبية الساحقة تستفيد من الكتب المجانية والمقرصنة، التي تنتشر كالنار في الهشيم، مما يجعل فهم مدى الإقبال أكثر صعوبة. وهي مشكلة تطول المنتجات الرقمية الصوتية، لا سيما الكتب في مختلف اللغات، مما يعيد أزمة حقوق المؤلف إلى نقطة الصفر، مضافاً إليها هذه المرة حقوق الناشر، الذي يرى كتابه الذي صرف عليه أمواله، يوزَّع صوتياً، بعد أن كان يُقرصَن إلكترونياً وورقياً، دون أي اعتبار. كما أن شكوى الناشرين تتصاعد؛ بسبب عدم شفافية المنصات التي لا سبيل للتأكد من حساباتها، أو مراقبة عدد مرات التنزيل عليها.

الترويج على قدم وساق

وتقدّر منصة «سبوتيفاي» أن نمو صناعة الكتب الصوتية يمكن احتسابه بـ20 في المائة سنوياً بدءاً من سنة 2022. لكن الظاهرة ليس متروكة للظروف. فهناك عمل حثيث على الترويج للكتب الصوتية بلغات أجنبية عديدة، من خلال إقناع القارئ بأنها وسيلة أخرى للمعرفة من خلال القراءة بالأذنين، التي لا تختلف كثيراً في فائدتها، عن القراءة بالعينين.

ويستعان من أجل دعم هذه الأفكار بدراسات متتالية تظهر جدوى أن تستمع للكتب إن كنت لا تقرأها، أو أن تقوم بالأمرين معاً. فثمة دراسة نشرت مؤخراً تبين أن الاستماع لا يقل أهمية وتأثيراً على الشخص من القراءة نفسها. وثمة ترويج للكتب الصوتية، من خلال دراسات أخرى حول العلاقة الجدلية بين الاستماع للكتب وتحفيز بعض السلوكيات. ثمة دراسة بينت أن الاستماع لكتاب يعين على النوم، والاستغراق السريع، مع توصية باعتماد السير الذاتية، والقصص البوليسية حين لا تكون عنيفة، باعتبارها من بين الأفضل لجلب النعاس. ولتسويق أكبر تربط إعلانات بعض المنصات الأميركية، وبينها «أوديبل»، بين رياضة الركض والاستماع إلى نصوص الكتب المقروءة، وكذلك اقترحت المنصة عناوين معينة، اعتبرت أنها تحفّز على النشاط وتزيد من متعة الذين يمارسون هذا النوع من الرياضة.

أساليب تسويقية تتزامن مع ظهور دراسات تدعمها وتمنحها المصداقية، علماً بأنه من الصعب معرفة مدى دقة المعلومات في كل مرة، أو جدّية هذه الدراسات.

كل هذا يأتي بعد أن أصبح إنتاج الكتاب الصوتي متاحاً بسرعة مذهلة، بفضل الذكاء الاصطناعي التوليدي. وإن كانت الشركات المنتجة لا تتحدث بصراحة ووضوح عن استغلالها لبيانات أصوات موجودة لديها لإنتاج كتب جديدة، فمن المرجّح، حسب التقديرات، أن آلاف الكتب أصبحت موجودة، في الأسواق عبر استخدام الذكاء الاصطناعي، باستغلال أصوات بشرية دون أن يُدفَع لأصحابها أي مقابل.

ومؤخراً أعلنت «أمازون» عن وجود 40 ألف كتاب صوتي على منصتها «أوديبل» المتخصصة بالبودكاست والكتب الصوتية، التي تم إنتاجها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وقد أطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 خدمة تتيح للكتّاب نشر أعمالهم صوتياً، عبر الذكاء الاصطناعي. وهو ما سمح لكثير من المؤلفين تحويل كتبهم إلى صيغة جديدة بتكلفة وجهد مغريين.

وكان تسجيل الكتاب يحتاج لأيام وأسابيع وجهود كبيرة، وتكاليف عالية، إذا ما لجأ الكاتب لمن يقوم عنه بهذه المهمة. أما اليوم، فيتحدث المؤلفون الذين قاموا بتسجيل كتبهم عبر القراءة الآلية، عن حاجتهم إلى ساعة واحدة فقط لإتمام المهمة. وتقدم «أمازون» للمؤلف 40 في المائة من مدخول ما تسوقه، وإن كان بعض المؤلفين يشككون في صدقية تعاطي المنصات معهم، نظراً للمداخيل المتواضعة التي يجنونها.

انخفاض بالتكاليف والجهد

وبفضل الذكاء الاصطناعي أمكن خفض تكلفة إنتاج كتاب صوتي من 2500 دولار إلى 400 دولار تقريباً.

وقبل «أمازون» بأشهر كانت «غوغل» قد أعلنت عن الخدمة نفسها، عارضة عشرات الأصوات، بعدة لغات؛ بحيث أصبح بإمكان المؤلف أن يستخدم أكثر من صوت، وباللغة التي يختارها. وهذه التقنيات التوليدية، أتاحت إنتاج عشرات آلاف الكتب المسموعة، التي تسوّق ويروّج لها، وتجد بشكل متزايد طلباً عليها، خاصة بين الشباب الذين هم دون الـ35 من العمر.

ورغم التطمينات التي تنشرها المنصات، مؤكدة أن هذه الخدمة السحرية ليست موجودة لتحل مكان المؤدين المحترفين، أو تستغني عن القراءة البشرية التي تبقى مهمة وأساسية، وإنما هي تسعى فقط لتوسيع الإمكانات، ولا تريد للآلة أن تحل محل الإنسان، إلا أن الاعتراضات تتسع بين محترفي الأداء الصوتي.

محترفو الصوت في خطر

هذه التبريرات باتت تتكرر باستمرار، لكنها لا تُطمْئن أصحاب المهن المتضررة، مثل الممثلين ودور النشر وأصحاب استوديوهات الإنتاج. بل على العكس، تتعالى اعتراضات هؤلاء، ويعتبرون أن الذكاء الاصطناعي إنما ينطق بأصوات سبق لهذه المنصات أن استخدمتها لأناس من لحم ودم، وها هي تستفيد مما لديها من بيانات. ويكفي أن يتم التلاعب قليلاً بالصوت، عند إعادة استخدامه كي يتم التمويه، ولا تطلب موافقة من صاحبه الأصلي أو يتقاضى أجراً. وبات بالإمكان مزج عدة أصوات آلياً للحصول على صوت جديد، مختلف عنها جميعاً. فالآلة لا يمكنها خلق صوت من العدم.

لكن تبقى لأصوات كبار المؤدين والنجوم أهمية معنوية في تسويق الكتب المسموعة، ورفع سعرها. وإذا كان الحصول على أصوات مشاهير أحياء، مكلف إلى حد يجعل شركات الإنتاج تفكّر تكراراً في الجدوى قبل التعاقد معهم، فمما لا يخطر على بال أن ثمة لجوءاً إلى إعادة استعمال أصوات المشاهير الموتى. وقد تم بالفعل التواصل مع ورثة نجوم للحصول على موافقتهم لاستخدام أصواتهم في الذكاء الاصطناعي التوليدي، ليس لقراءة الكتب فقط، بل لأغراض قد تكون إعلانية أو تعليقات وما أشبه. فإعادة استخدام الصوت المسجل يتساوى فيه الأحياء كما الأموات، فلمَ لا يكون اللجوء إلى صوت، يأنسه المستمع وقد ألف بحّته، بأقل تكلفة ممكنة.

توظيف أصوات الموتى

لا تزال الأصوات المعروفة ذات النبرة المألوفة قادرة على اجتذاب المستمعين، كما أن الصوت البشري أقوى تأثيراً وحيوية واحترافية من الصوت المعالج رقمياً. لهذا حين يكون تسجيل كتاب مأمون الربح، لا تبخل المنصات في السخاء، حتى ولو كبرت التكاليف؛ لأن كتاباً «بست سيلر» بصوت أحد المشاهير، على منصة معروفة قد يتحول إلى مصيدة لاجتذاب القراء المستمعين، ليطّلعوا على مزيد من الكتب ويكتشفوا الرغبة في تنزيلها.

فبدءاً من العام المقبل، سيكون في متناول المستمعين المجلدات الـ7 من سلسلة هاري بوتر يؤديها 100 ممثل بأصواتهم. وهذا إنتاج ضخم ومكلف، يستغرق وقتاً وجهداً، ويحتاج لتنفيذه تقنيات عالية، من أجل ضمان إصدار مميز يستحق دفع مقابله للاستماع إليه.

بات بالإمكان مزج عدة أصوات آلياً للحصول على صوت جديد، مختلف عنها جميعاً. فالآلة لا يمكنها خلق صوت من العدم.

هاري بوتر بصوت 100 فنان

وقد ترددت الكاتبة جي كي رولينغ طويلاً قبل إعطاء موافقتها على هذا المشروع، نظراً لأن كتبها متوفرة صوتياً، مقرصنة ومنتشرة على نطاق واسع، بالمجان وكذلك على المنصات. كان لا بد من عرض مميز جداً، كي يستحق الجهد المبذول من أجله.

مما يؤسف له أن من فاتتهم متعة القراءة من العرب لا يبدو أنهم يحاولون تعويض النقص المعرفي لديهم، باللجوء إلى الاستماع. فالكتاب الصوتي لا يُروَّج له بالقدر الكافي، ويبدو غائباً عن الساحة، مع أن ثمة من وجد فيه حلاً لنقص الوقت، أو متعة أثناء القيام ببعض النشاطات، وهؤلاء لا يزالون قلة. بعض الهيئات الرسمية قامت بجهد في هذا المجال، غير أن باقي التسجيلات المتوافرة، في كثير منها، تتم على أيدي هواة، وتفتقد للقراءة السليمة، أو النبرة الجذابة، وربما الصوت الجميل والوضوح الكافي. أكثر من ذلك، نحن بحاجة لرصد سلوك المستمعين الفعليين، لمعرفة أعدادهم، ومتطلباتهم، خصوصاً أن غالبيتهم يعتمدون تسجيلات مقرصنة، يتم تبادلها على مجموعات خاصة من وسائل التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.