«موسكو 1980»: «الدب ميشا» يصفع المقاطعة الغربية

«الدب ميشا» في حفل افتتاح أولمبياد موسكو 1980 (اللجنة الأولمبية الدولية)
«الدب ميشا» في حفل افتتاح أولمبياد موسكو 1980 (اللجنة الأولمبية الدولية)
TT

«موسكو 1980»: «الدب ميشا» يصفع المقاطعة الغربية

«الدب ميشا» في حفل افتتاح أولمبياد موسكو 1980 (اللجنة الأولمبية الدولية)
«الدب ميشا» في حفل افتتاح أولمبياد موسكو 1980 (اللجنة الأولمبية الدولية)

«وداعاً موسكو وإلى اللقاء في الأولمبياد الـ23»، تلك العبارة ارتسمت على اللوحة الإلكترونية في استاد لينين الدولي في موسكو، يوم الثالث من أغسطس (آب) عام 1980، معلنة انتهاء دورة الألعاب الأولمبية.

ذرف الدب الشهير «ميشا» (تميمة الألعاب)، دمعةً أبكت الجمهور وحرّكت عواطفهم وحيّرت المراقبين وجعلتهم يتساءلون: «أدمعة حزن تلك التي ذرفها ميشا في وداع الشعلة الأولمبية، أم دمعة أسى على الرياضة التي أفسدتها السياسة، وهي ما دخلت شيئاً إلا وأفسدته؟».

نادى الرئيس الأميركي جيمي كارتر بمقاطعة «ألعاب موسكو»؛ احتجاجاً على التدخل السوفياتي في أفغانستان، فاستجابت 61 دولة لدعوته، وللمصادفة فإن الدورة الأولى في دولة اشتراكية شهدت مقاطعة من غالبية الدول الرأسمالية.

وفي غياب الولايات المتحدة واليابان وألمانيا الغربية والآخرين الدائرين في هذا الفلك، وحتى الصين، لم يتأثر المستوى الفنّي عمداً، لكن حرباً ضروساً على انتزاع الميداليات دارت تحديداً بين الحليفين السياسيَّين والعملاقين اللدودين رياضياً، الاتحاد السوفياتي وألمانيا الشرقية، واستطاع البلد المستضيف الانتصار، فحصد 80 ذهبية مقابل 47 لألمانيا الشرقية، و8 لبلغاريا وكوبا وإيطاليا.

ولأن قلوب غالبية الرياضيين كانت مع المشاركة، فإن لجاناً أولمبية عدة تمايزت عن القرار السياسي لحكوماتها وأكدّت استقلاليتها، وحضرت إلى موسكو حتى وإن سارت خلف العلم الأولمبي كما حصل مع بريطانيا.

وجاء القرار الإسباني بالمشاركة بعد تصويت داخل اللجنة الوطنية، فصوّت 17 عضواً معه ورفضه 14. وكان بالطبع موقفاً محرجاً لنائب رئيس اللجنة الدولية رئيس اللجنة الإسبانية آنذاك خوان أنتونيو سامارانش، المرشّح لرئاسة الدولية خلفاً للورد كيلانن، الذي بذل المستحيل للحد من أضرار المقاطعة.

وإزاء المواقف التصاعدية، كان السؤال: هل كان اختيار لاعب كرة السلة السوفياتي سيرغي بيلوف، الذي خطف الفوز من الولايات المتحدة في نهائي دورة ميونيخ 1972، لإيقاد الشعلة من باب إغاظة الأميركيين؟.

ومن أبرز الملامح الميدانية، كانت تلك الظاهرة التي تمثلت بتخصّص بعض الدول في احتكار عدد من المسابقات، فألمانيا الشرقية احتكرت ذهبيات السباحة والتجذيف، والسوفيات احتكروا ألقاب الجمباز ورفع الأثقال والرماية، والكوبيون بقيادة تيوفيلو ستيفنسون ذهبيات الملاكمة.

ولفت البريطانيون الأنظار في ألعاب القوى، لا سيما في ظل غياب الأميركيين، فبرز الأسكوتلندي ألن ويلز وأحرز سباق 100 متر.

ولعلّ من أجمل المنافسات صراع العدَّائَين ستيف أوفيت وسيباستيان كو، الذي مهّد لسلسلة إنجازاتهما على مدى نحو عقد من الزمن، وقد فاز أوفيت في سباق 800 متر، وحلّ كو ثانياً، وحصد الأخير ذهبية 1500 متر، وجاء أوفيت ثالثاً.

وتميّز ديلي تومسون في المسابقة العشارية، وفاز الإيطالي بييترو مينيا في سباق 200 متر، بعد نحو عام من تحطيمه الرقم القياسي العالمي في دورة الألعاب الجامعية في مكسيكو (19.72 ثانية)، حيث بات أول مَن يكسر حاجز 20 ثانية، واستعاد الإثيوبي ميروتس يفتر الإرث الإثيوبي في جري المسافات الطويلة، فحصد ثنائية 5 آلاف و10 آلاف متر، وبات الألماني الشرقي فالديمار سيربنسكي أول مَن يحتفظ بلقب سباق الماراثون.

وفي السباحة، عاد البريق كله إلى السوفياتي فلاديمير سالنيكوف أوّل مَن كسر حاجز 15 دقيقة في سباق 1500 متر (14:58.27 دقيقة).

وفي رفع الأثقال، سقط أعظم ربّاع في العالم، السوفياتي فاسيلي ألكسييف عندما فشل في محاولاته الثلاث في رفعة الخطف، وتوارى عن الأنظار بعدما سجّل ما يزيد على 80 رقماً عالمياً.

في المقابل، كانت البطلة الرومانية ناديا كومانتشي (18 عاماً) تحظى باهتمام الملايين وتسجّل أحد أفضل إنجازاتها في مسابقة عارضة التوازن، وتحرز العلامة الكاملة (10 من 10)، وتتبعه بإنجاز آخر على الأجهزة الثلاثة الأخرى؛ الأرضي، المتوازيين مختلفي الارتفاع، وحصان القفز. وكادت بفضل عروضها الساحرة تقود الفريق الروماني إلى المركز الأول لو لم تسقط بشكل دراماتيكي مفاجئ على جهاز المتوازيين لتحتل رومانيا المركز الثاني خلف الاتحاد السوفياتي.

وما يسجّل لكومانتشي على الرغم من نكستها، فإنها تفوّقت على نفسها لاحقاً، وأحرزت ذهبية الحركات الأرضية.

وفي الكاياك، دشّنت الألمانية، وكانت شرقية آنذاك، بريجيت فيشر، مسيرة حصدها الميداليات التي بلغت حتّى عام 2000، سبع ذهبيات وفضيتين.

والمسابقات الجماعية لم تخلُّ من المفاجآت، وكانت أبرزها سقوط المنتخب السوفياتي أمام يوغوسلافيا في كرة السلة، وخروج السوفيات من ميدان الصراع على ذهبية كرة القدم واحتلالهم المركز الثالث واكتفاؤهم بميداليتها البرونزية، في حين نجحت تشيكوسلوفاكيا في الفوز بالذهب بتغلبها بهدف على ألمانيا الشرقية بطلة دورة مونتريال 1976.

وكان لبنان وعلى الرغم من محنة الحرب التي تقطع أوصاله، البلد العربي الوحيد الذي أُدرج اسمه على لائحة الميداليات بعدما أحرز بطله حسن بشارة برونزية المصارعة اليونانية - الرومانية في وزن ما فوق 100 كيلوغرام.

وإدارياً حصل العرب على تأييد 5 اتحادات دولية هي؛ كرة السلة، والكرة الطائرة، وكرة اليد، والمصارعة، ورفع الأثقال؛ لقبول فلسطين عضواً دائماً في عائلتها، وعملاً بالقانون الأولمبي باتت الطريق ممهدة أمام الرياضيين الفلسطينيين للمشاركة في الألعاب المقبلة في لوس أنجليس.

ومثلما استحقت النتائج اللافتة والأرقام القياسية الأضواء، لم تمح الذاكرة الرياضية فوز البولندي فلاديسلاف كوزاكييفيتش في القفز بالزانة، وتحول صورته وهو يرفع يده بحركة تعبر عن التحدّي والقوّة، رمزاً لـ«مقاومة» من نوع مختلف في أنحاء العالم.

وُصفت الحركة بيده بالمزعجة للسوفيات، وهو قام بها يوم الأربعاء 30 يوليو (تموز) 1980 في اختتام مسابقة استمرت نحو 6 ساعات، وتابعها بلهفة 50 ألف متفرج صفّروا استهجاناً لفوزه، مسجلاً 5.78 متر، محطّماً بفارق سنتيمتر واحد الرقم القياسي العالمي الذي حققه الفرنسي فيليب هوفيون، لكنه توّج وسط مدرجات شبه خالية ومصابيح مطفأة.

ويكشف «البطل المقاوم» عن أنه بداية لم يعِ ردّ الفعل القوي الذي سيلي حركته، التي عدّها «عفوية»، «فسفير بولندا في موسكو طلب من بعثتنا إقصائي وسحب ميداليتي ومعاقبتي، لكن الشعب البولندي ساندني، ولم يجرؤ المسؤولون على معاقبة فائز في عز إضرابات ورش بناء السفن في حوض غدانسك، وصعود نجم حركة التضامن وزعيمها ليخ فاليسا».

ويضيف كوزاكييفيتش: «كانت عيون المخابرات السوفياتية على الرياضيين البولنديين في كل مكان، وأحياناً كنا نُمنع من تبادل وجهات النظر والالتقاء في غرف القرية الأولمبية».

غير أن التداعيات السلبية، كما حصل في استاد لينين، لاحقت كوزاكييفيتش طويلاً، إذ ضُيّق عليه ومُنع من مشاركات خارجية عدة، واحتُجز جواز سفره.

هذا ولم تنتهِ مسابقات المبارزة بسلام، فخلال نصف نهائي سلاح الشيش للفرق، أصيب بطل العالم السوفياتي فلاديمير لابيتسكي بسلاح منافسه البولندي الذي اخترق السترة الواقية، وكان لابيتسكي محظوظاً لأنه لم يصب في قلبه.


مقالات ذات صلة

يايسله: أثق بقوة الأهلي على أرضه

رياضة سعودية ماتياس يايسله خلال المؤتمر الصحافي (الشرق الأوسط)

يايسله: أثق بقوة الأهلي على أرضه

يستعد فريق الأهلي السعودي لخوض مواجهة مهمة أمام نظيره الخليج، مساء الثلاثاء المقبل، على «ملعب مدينة الملك عبد الله الرياضية (ملعب الإنماء)».

عبد الله الزهراني (جدة)
رياضة عالمية كارلوس ألكاراس (رويترز)

ألكاراس يهزم والتون في مستهل سعيه لإحراز لقب «أستراليا المفتوحة»

استهل كارلوس ألكاراس أحدث مساعيه لإضافة لقب جديد في ​البطولات الأربع الكبرى بفوز ساحق على الأسترالي غير المصنف آدم والتون 6-3 و7-6 و6-2 في الدور الأول.

«الشرق الأوسط» (ملبورن)
رياضة عالمية جوردي نجل الأسطورة يوهان كرويف (رويترز)

جوردي كرويف مديراً فنياً لآياكس أمستردام المتعثر

عُيّن جوردي، نجل الأسطورة يوهان كرويف، مديراً فنياً لآياكس أمستردام، وفقاً لما أعلن عملاق كرة القدم الهولندية الأحد.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
رياضة عالمية زينب سونميز (أ.ف.ب)

سونميز تأسر قلوب المشجعين في ملبورن بعد مساعدة فتاة جمع الكرات

حجزت زينب سونميز مكانين ​أحدهما في قلوب المشجعين والآخر في الدور الثاني من بطولة أستراليا المفتوحة للتنس اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (ملبورن )
رياضة عربية ستكون أنظار الشعب المغربي شاخصة مساء اليوم نحو المباراة النهائية لمسابقة كأس الأمم الأفريقية (أ.ف.ب)

«أمم أفريقيا»: المغرب على موعد مع لقب طال انتظاره

ستكون أنظار الشعب المغربي شاخصة مساء اليوم نحو المباراة النهائية لمسابقة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم المقامة على أرض المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

رئيس السنغال يحتفل باللقب الأفريقي… و يأمر بـ«عطلة» في البلاد

الجماهير السنغالية نزلت للشوارع تحتفل باللقب (أ.ف.ب)
الجماهير السنغالية نزلت للشوارع تحتفل باللقب (أ.ف.ب)
TT

رئيس السنغال يحتفل باللقب الأفريقي… و يأمر بـ«عطلة» في البلاد

الجماهير السنغالية نزلت للشوارع تحتفل باللقب (أ.ف.ب)
الجماهير السنغالية نزلت للشوارع تحتفل باللقب (أ.ف.ب)

أعرب الرئيس السنغالي باسيرو ديومباي فاي الذي انضم مساء الأحد إلى الحشود المحتفلة في دكار بفوز السنغال في نهائي كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، عن فرحته «التي لا توصف»، واصفًا اللاعبين بأنهم «وطنيون» و«رجال واجب على أرض الملعب».

وبملابس رياضية وابتسامات عريضة، خرج رئيس الدولة ورئيس الوزراء عثمان سونكو من القصر الجمهوري في وسط العاصمة للقاء الجماهير التي تحتفل بهذا الانتصار وسط دوي الألعاب النارية وأصوات أبواق السيارات والفوفوزيلا والطبول.

وقال للصحافيين: «الفرحة لا توصف».

وأضاف: «مررنا بكل المشاعر»، وذلك عقب نهائي مثير حُسم 1-0 بعد التمديد أمام المغرب في الرباط.

وأعلن الرئيس السنغالي أن يوم غد الاثنين سيكون «عطلة مدفوعة الأجر» حتى يتمكن السنغاليون من الاستمتاع بهذه اللحظة التي توحد البلاد بأكملها.

وتوقع «استقبالًا حارًا» لبعثة المنتخب السنغالي عند عودتها من المغرب. وقال: «لقد رأينا وطنيين ورجال واجب على أرض الملعب. لقد قاتلوا من أجل كرامتنا وشرفنا... إنه انتصار لكل الشعب السنغالي».

وعمت العاصمة السنغالية وضواحيها موجة من الفرح والارتياح بعد هذا اللقاء المتوتر والمثير، حيث جابت مواكب سيارات تقل مشجعين يصرخون فرحًا ويرفعون الأعلام شوارع العاصمة مساء الأحد.


ماني: لو أوقف النهائي بتلك الصورة فسيكون «جنونياً»

ماني يصرخ احتفالاً بالفوز باللقب (أ.ف.ب)
ماني يصرخ احتفالاً بالفوز باللقب (أ.ف.ب)
TT

ماني: لو أوقف النهائي بتلك الصورة فسيكون «جنونياً»

ماني يصرخ احتفالاً بالفوز باللقب (أ.ف.ب)
ماني يصرخ احتفالاً بالفوز باللقب (أ.ف.ب)

أكد السنغالي ساديو ماني أنه لم يتفهم قرار المدرب بابي ثيو بحث لاعبيه على الانسحاب من نهائي ​كأس أمم أفريقيا لكرة القدم احتجاجا على احتساب ركلة جزاء لصالح المغرب وإن هذا السيناريو كان سيصبح «جنونياً»، وذلك بعد فوز السنغال باللقب للمرة الثانية بتغلبها 1-صفر في الوقت الإضافي.

واحتج لاعبو منتخب السنغال ومدربهم على احتساب ركلة جزاء لصالح المغرب في الوقت ‌المحتسب بدل ‌الضائع للشوط الثاني بعدما ‌تعرض براهيم ⁠دياز ​لمخالفة ‌من مالك ضيوف. واتخذ الحكم القرار بعد الرجوع لحكم الفيديو المساعد ومشاهدة إعادة الواقعة على شاشة بجانب الملعب.

وأشار ثياو للاعبيه بالانسحاب من المباراة، وخرج بعضهم بالفعل من أرضية الملعب، لكن ماني توجه إلى غرف الملابس وأعادهم لاستئناف المباراة.

وقال ماني لقنوات «بي.⁠إن.سبورتس»: الأمر الغريب هنا هو أن المدرب والفريق والكل ‌قرر إيقاف المباراة وعدم المواصلة. ‍وبصراحة الفريق قرر أن ‍يغادر الملعب. لذا أنا لم أفهم ولم أتفهم ما حدث.

"أخذت نصائح بعض الأشخاص من حولي وقالوا لي كلا يجب أن تواصلوا المباراة وتطلب من الجميع العودة وهذا ما فعلته. ذهبت ​وقلت للمدرب 'كلا، لا يمكن أن نفعل ذلك. لا يهمني ما يحدث. يجب ⁠أن نلعب'. وهذا ما فعلناه".

وبعودة لاعبي السنغال استؤنفت المباراة بعد توقف دام 14 دقيقة بتنفيذ ركلة الجزاء. وحاول دياز خداع الحارس وتسديد الركلة على طريقة بانينكا في منتصف المرمى لكن إدوار مندي كان في المكان المناسب وتصدى لها بسهولة.

واحتكم الفريقان إلى وقت إضافي سجل فيه بابي جي هدف الفوز.

وقال ماني "كنا محظوظين بطبيعة الحال ولكن أظن بأن من الجنوني إيقاف المباراة بهذه الطريقة ‌لأن العالم يتابعنا".

وتوج منتخب السنغال باللقب للمرة الثانية بعدما أحرزه في 2021.


حين يطغى الجدل على المجد: كيف فازت السنغال وخسر النهائي هدوءه ؟

السنغال تحتفل بتتويجها باللقب (أ.ف.ب)
السنغال تحتفل بتتويجها باللقب (أ.ف.ب)
TT

حين يطغى الجدل على المجد: كيف فازت السنغال وخسر النهائي هدوءه ؟

السنغال تحتفل بتتويجها باللقب (أ.ف.ب)
السنغال تحتفل بتتويجها باللقب (أ.ف.ب)

تُوِّج منتخب السنغال بكأس الأمم الأفريقية للمرة الثانية في تاريخه، غير أن المباراة النهائية شابتها مشاهد فوضوية بعدما غادر لاعبو السنغال أرض الملعب في الدقائق الأخيرة احتجاجًا على احتساب ركلة جزاء مثيرة للجدل لصالح المغرب في الوقت بدل الضائع وذلك وفقا لشبكة The Athletic.

ماني كان نجم البطولة (رويترز)

وبعد مراجعة تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، اعتُبر أن الظهير الأيسر للسنغال، الحاج مالك ديوف، أسقط إبراهيم دياز داخل منطقة الستة أمتار إثر التحام بينهما خلال تنفيذ ركلة ركنية مغربية، ليشير الحكم جان-جاك ندالا نغامبو إلى نقطة الجزاء، وسط استياء شديد من لاعبي السنغال الذين كانوا قد حُرموا قبل لحظات من هدف.

صراعات بين لاعبي المغرب والسنغال (إ.ب.أ)

وفي واحد من أكثر المشاهد غرابة في تاريخ كرة القدم الدولية، غادر لاعبو السنغال باستثناء القائد ساديو ماني أرض الملعب، قبل أن يعودوا مجددًا بعد توقف طويل للسماح بتنفيذ ركلة الجزاء، التي أهدرها دياز بصورة سيئة.

وشعر منتخب السنغال بظلم مضاعف، إذ كان الحكم قد أطلق صافرة خطأ بداعي دفع من إدريسا غي على أشرف حكيمي قبل ثوانٍ من تسجيل إسماعيلا سار هدفًا في الدقيقة 93.

وفي الشوط الإضافي، سجل باب غي هدف الفوز بتسديدة صاروخية من مسافة بعيدة، غير أن جودة الهدف وانتصار السنغال سيظلان على الأرجح في ظل المشاهد الاستثنائية التي سبقتهما.

لاعبو السنغال لحظة الاتجاه نحو الانسحاب (رويترز)

ماذا حدث بالضبط؟

كان مشهدًا لا يرغب أي عاشق لكرة القدم في رؤيته في مباراة نهائية.

لم تنفجر المباراة إلا في اللحظات الأخيرة من الوقت بدل الضائع، أو بالأحرى انفجرت جدلًا، بعدما علّق كل شيء على قرار تحكيمي واحد.

ركلة ركنية متأخرة للمغرب شهدت قيام ديوف بوضع يديه حول عنق نجم المغرب إبراهيم دياز عند القائم البعيد. كان الاحتكاك محدودًا مع اللاعب البالغ 26 عامًا، وهو نوع من الاشتباكات الشائعة داخل منطقة الجزاء في معظم ألعاب الهواء حول العالم. تصرف ديوف كان أخرقًا، لكن سقوط دياز على الأرض وضع الحكم أمام قرار حاسم.

دياز أبدى غضبًا شديدًا لعدم احتساب الخطأ في البداية، لكن بعد تدخل VAR ونصيحة الحكم بتغيير قراره، اشتعل فتيل واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ اللعبة.

احتجاجات من اللاعبين، اشتباكات ودفع من دكتي البدلاء، وفوضى امتدت إلى المدرجات حيث كاد بعض المشجعين السنغاليين يقتحمون أرض الملعب. القول بوجود حالة من الهياج في الدقائق التالية سيكون أقل من الحقيقة.

غضب الجهاز الفني للسنغال بلغ حدًّا دفع المدرب باب ثياو إلى توجيه لاعبيه بمغادرة الملعب والتوجه إلى غرف الملابس احتجاجًا على القرار، خاصة وأن الاحتقان كان قد تضاعف بعد إلغاء هدف للسنغال قبل ثوانٍ، حين أطلق الحكم صافرة خطأ آخر وُصف بالناعم خلال ركلة ركنية، مفضّلًا إيقاف اللعب فورًا بدل انتظار مراجعة VAR.

القائد ساديو ماني قاد زملاءه للعودة إلى الملعب، ليتقدم دياز نفسه لتنفيذ ركلة الجزاء، لكنه سدد كرة ضعيفة في منتصف المرمى تصدى لها الحارس إدوار ميندي بسهولة. نهاية غريبة لسيناريو لا يُصدَّق استمر أكثر من 15 دقيقة.

وبغض النظر عن الموقف من القرار التحكيمي، فقد كانت تلك لحظة مخيبة لكرة القدم الإفريقية ككل. مشاهد أقرب إلى مباراة هواة منها إلى نهائي كأس أمم إفريقية.

هدف باب غي الرائع في الوقت الإضافي أحبط المغاربة (رويترز)

هدف باب غي الرائع في الوقت الإضافي

بعد كل ذلك الجدل المرتبط بـVAR والاحتجاجات، كان من السهل نسيان أن هناك 30 دقيقة إضافية يجب أن تُلعب. إضاعة دياز لركلة الجزاء أحدثت تحولًا كبيرًا في الزخم، إذ دخلت السنغال الشوط الإضافي مدفوعة بإحساس الغضب المشروع.

مع الإرهاق وارتفاع حدة المشاعر، ومع بدء تساقط الأمطار في الرباط، بدأت المساحات تظهر أمام منطقة جزاء المغرب. في الدقيقة 94 (بحسب الساعة الرسمية، لكنها كانت أقرب إلى الدقيقة 130 إذا أُضيف وقت التوقف)، قاد غي هجمة مرتدة سريعة من الجهة اليسرى.

مرر الكرة بسرعة إلى باب غي، الذي أطلق تسديدة قوية بقدمه اليسرى من على حدود المنطقة، باغتت الحارس ياسين بونو، ارتطمت بالعارضة ودخلت الشباك.

هدف رائع أسكت جماهير أصحاب الأرض، قبل أن تتساقط بعض المقذوفات من المدرجات باتجاه لاعبي السنغال المحتفلين. عدالة شعرية؟ ليس تمامًا، إذ إن موضع الاحتجاج كان ينبغي أن يكون على الحكام لا اللاعبين.

دياز خرج بديلًا بعد أربع دقائق من الهدف، ودخل إلياس أخوماش مكانه، وقد بدا لاعبًا مثقلًا بثقل التحول الدرامي في مجريات المباراة.

نقاشات طويلة مع حكام المباراة (إ.ب.أ)

هل كان يجب إخراج العيناوي؟

ومع عجز الطرفين عن كسر التعادل في منتصف الشوط الثاني، شهدت المباراة مشهدًا غير مستحب أدى إلى توقف اللعب.

لاعب وسط المغرب نائل العيناوي ارتقى لضرب الكرة برأسه إثر عرضية، لكنه اصطدم برأسه بظهر رأس الظهير السنغالي مالك ديوف. سقط العيناوي (24 عامًا) أرضًا، وساد القلق فورًا بعد ملاحظة تدفق الدم من فوق حاجبه.

تلقى العيناوي علاجًا طبيًا استمر 8 دقائق و28 ثانية بسبب الإصابة القوية، واضطر لتغيير قميصه مرتين لضمان خلوه من الدم. ورغم تضميد الجرح مؤقتًا، لم تكن هناك أي إشارة إلى إخراجه لتقييم احتمال الارتجاج، رغم أن طبيعة الإصابة كانت توحي بأن القرار ينبغي ألا يُترك بيد اللاعب.

إيقاع المباراة انخفض بشكل ملحوظ بعد عودته، وهو أمر مفهوم بعد هذا التوقف الطويل. سلامة اللاعب يجب أن تكون الأولوية دائمًا، لكن كان هناك احتمال حقيقي بأن يكون كل من العيناوي وديوف قد تعرضا لإصابات أخطر مما بدا في البداية.

لم يُستبدل أي منهما، لكن لا شك أن هذا المشهد ألقى بظلاله على جزء مهم من الشوط الثاني.

محاولات تهدئة للسنغاليين بعد محاولات الانسحاب (أ.ب)

«النهائيات لا تُلعب، بل تُفاز»، هي العبارة الشهيرة لجوزيه مورينيو.

نصف نهائي هذه البطولة كان مليئًا بالحسابات التكتيكية، ونال الإشادة على الصلابة الدفاعية أكثر من الطموح الهجومي. أنصار الكرة الجميلة يقولون إن الملل لا وجود له في كرة القدم، لكن المحايدين كانوا يملكون أسبابًا وجيهة لتوقع نهائي حذر ومغلق.

دفاع المغرب كان علامته الفارقة طوال البطولة، ومع القوة الهجومية للسنغال، كان من الممكن أن يُلغِي الطرفان بعضهما البعض.

لكن مع انطلاق المباراة، بدا واضحًا أن كلا المنتخبين يريد اللعب والفوز. الشوط الأول شهد فرصًا خطيرة للسنغال، وأظهر نيكولا جاكسون جانبيه المثير والمحبِط في آن واحد. المغرب، ورغم أنه لا يسعى دائمًا للاستعراض، هاجم بدوره بسرعة وبأعداد كافية حين سنحت الفرصة.

طريقة بسيطة لقياس إيقاع المباراة هي عدّ الثواني بين فقدان الكرة وتسديد أول محاولة على المرمى بعد استعادتها. الشوط الأول انتهى بلا أهداف، لكنه شهد تحركات سريعة ونوايا هجومية واضحة من الطرفين كلما توفرت المساحة.

دخلت السنغال الشوط الثاني وهي تتحسر على عدم تحويل أربع تسديدات إلى أهداف. أحيانًا، النهائيات تُلعب فعلًا. وكل من شاهد المباراة كان ممتنًا لرؤية فريقين يقرران المحاولة بدل التحفظ.