الطفل الحساس للغاية... مَن هو؟ وكيف نتعامل معه؟

الدراسة الجديدة تنظر في كيفية تأثير حساسية الطفل على نموه لاحقاً في الحياة (رويترز)
الدراسة الجديدة تنظر في كيفية تأثير حساسية الطفل على نموه لاحقاً في الحياة (رويترز)
TT

الطفل الحساس للغاية... مَن هو؟ وكيف نتعامل معه؟

الدراسة الجديدة تنظر في كيفية تأثير حساسية الطفل على نموه لاحقاً في الحياة (رويترز)
الدراسة الجديدة تنظر في كيفية تأثير حساسية الطفل على نموه لاحقاً في الحياة (رويترز)

غالباً ما يحصل الأطفال الحساسون على سمعة سيئة. يمكن تصنيفهم على أنهم «صعاب» أو «دراماتيكيون» أو «مدللون»، وكثيراً ما يجري إلقاء اللوم على الآباء بسبب تدليلهم أو الإفراط في استيعابهم. ومع ذلك، تشير الأبحاث بشكل متزايد إلى أن الأطفال يظهرون اختلافات حقيقية في الحساسية، ويستجيبون للتربية بشكل مختلف نتيجة ذلك. بمعنى آخر، بعض الأطفال أكثر حساسية من الأطفال الآخرين، وهذا ليس مجرد عذر يستخدمه الآباء «لسوء سلوكهم»، وفقاً لتقرير لموقع «سايكولوجي توداي».

هل يمكن أن يكون طفلك شخصاً حساساً للغاية؟

تجري مناقشة الحساسية لدى الطفل أيضاً في إطار كونه «شخصاً حساساً للغاية» (HSP). وقد صاغت عالمة النفس، إيلين آرون، هذا المصطلح في عام 1997 في كتابها «الشخص شديد الحساسية: كيف تزدهر عندما يرهقك العالم؟». والحساسية المفرطة ليس تشخيصاً رسمياً أو حالة عقلية، لكن الأبحاث وجدت أنه اختلاف في الشخصية يتميز بكونك أكثر تردداً في المواقف الجديدة وبإظهار حساسية أكبر للمدخلات الحسية (مثل أن تكون أكثر تفاعلاً مع الألم أو الضوضاء أو قلة النوم). ووجدت الأبحاث أيضاً اختلافات بيولوجية عصبية حقيقية في كيفية استجابة الأفراد ذوي الحساسية العالية لبيئتهم.

أحدث الأبحاث حول الأطفال الحساسين

تقدم دراسة حديثة بعض الأفكار الجديدة حول الحساسية لدى الأطفال، وما يمكننا القيام به بصفتنا آباء. نظرت هذه الدراسة الجديدة في كيفية تأثير حساسية الطفل على نموه لاحقاً في الحياة، ووجدت بعض النتائج المثيرة للاهتمام. ونظرت هذه الدراسة في مدى حساسية الأطفال للمؤثرات التالية في عمر 3 سنوات:

- الثناء من الوالدين

- القلق المرتبط بالوالدين

- مزاج الطفل

- نوم الطفل

قام الباحثون بقياس حساسية الأطفال أثناء تنظيف الأسنان بالفرشاة. وقدّم الآباء مقاطع فيديو لأطفالهم أثناء تنظيف الأسنان لمدة أسبوعين، واحتفظوا بمذكرات عن الحالة المزاجية لأطفالهم ونومهم. ومن المثير للاهتمام أن هذه المجموعة البحثية وجدت في دراسة سابقة أن الأطفال ينظفون أسنانهم لفترة أطول عندما يستخدم آباؤهم مزيداً من الثناء والتعليمات المباشرة الأقل، وفي الأيام التي يكونون فيها في مزاج أفضل.

عندما كان عمر الأطفال من 5 إلى 7 سنوات، طلب الباحثون من الآباء الإبلاغ عن مشاكل الطفل (بما في ذلك مشاكل الصحة السلوكية والعقلية).

وقد وجد الباحثون ما يلي:

كان بعض الأطفال أكثر حساسية لمدح والديهم، وارتبط هذا النوع من الحساسية بمشاكل أقل في وقت لاحق من الحياة: الأطفال الذين كانوا أكثر حساسية لمدح والديهم في سن الثالثة أظهروا مشاكل سلوكية أقل وأعراضاً أقل للاكتئاب والقلق في سن 5 إلى 7.

كان بعض الأطفال أكثر حساسية للتغيرات في مزاجهم، وارتبط هذا النوع من الحساسية بمزيد من المشاكل في وقت لاحق من الحياة: الأطفال الذين تأثر سلوكهم بشكل أكبر بمزاجهم في سن الثالثة أظهروا مزيداً من أعراض الاكتئاب والقلق في سن الخامسة إلى 7.

ارتبط الثناء من الوالدين، بغض النظر عن حساسية الطفل، بمشاكل سلوكية أقل: عندما امتدح الآباء أطفالهم بشكل متكرر وأكثر ثباتاً في سن الثالثة، أظهر أطفالهم مشاكل سلوكية أقل في سن 5 إلى 7 سنوات.

كانت الحساسية للمزاج مرتبطة بالحساسية تجاه ضغوط الوالدين: وهذا يعني أن الأطفال الذين كانوا أكثر حساسية للتغيرات في مزاجهم كانوا أيضاً أكثر حساسية للتغيرات المرتبطة بضغوط الوالدين.

يقترح البحث بعض الطرق التي يمكن للوالدين من خلالها التفكير في الأطفال الحساسين ودعمهم، وفقاً لـ«سايكولوجي توداي»:

الحساسية ليست بالضرورة أمراً سيئاً

الأطفال الذين كانوا أكثر حساسية للثناء في الدراسة المذكورة أعلاه أظهروا مشاكل أقل في وقت لاحق من الحياة.

تحديد المواقف

تشير هذه الدراسة، إلى جانب الأبحاث السابقة، إلى أن الأطفال قد يكونون حساسين بشكل مختلف للمؤثرات المختلفة. بمعنى آخر، ينبغي ألا تفترض أن طفلك (أو أي طفل) «حساس» بشكل عام في جميع المجالات، بل قد يكون من المفيد التفكير في المواقف المحددة التي تثير الحساسية.

تعليم مهارات جديدة

وقد وجدت الدراسة أن الأطفال الذين كانوا أكثر حساسية للتغيرات في مزاجهم أظهروا مشاكل سلوكية أكثر في وقت لاحق من مرحلة الطفولة. يمكننا دعم الأطفال الأكثر حساسية من خلال تعليمهم مهارات التأقلم حتى لا يكون سلوكهم دائماً متأثراً بمزاجهم.

البيئة

عليك تقديم دعم إضافي في المجالات التي يكون فيها أكثر حساسية. تتعلق الحساسية عند الأطفال بكيفية الاستجابة لبيئتهم؛ لذا فكِّر في كيفية تغيير البيئة لمساعدتهم.

مدح الطفل

بغض النظر عن حساسيته، امتدح طفلك بشكل متكرر وباستمرار. وجدت الأبحاث السابقة كثيراً من فوائد الثناء. تضيف الدراسة إلى ذلك من خلال الإشارة إلى أنه إذا بدا أن طفلك يستجيب جيداً للثناء، فمن الأهم أن تمدحه بشكل متكرر وباستمرار.


مقالات ذات صلة

الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

خاص ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)

الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

تروج آلة الإعلام العسكري الإسرائيلية لصور تضفي على الضباط والجنود طابعاً إنسانياً... بينما الواقع الذي يرويه أبناء الحدث مختلف تماماً.

صحتك صدمات الطفولة... وخطر إيذاء النفس لدى المراهقين

صدمات الطفولة... وخطر إيذاء النفس لدى المراهقين

كشفت دراسة حديثة، عن ارتباط تجارب الطفولة المؤلمة بخطر إيذاء النفس أو الانتحار لاحقاً في فترة المراهقة.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك طفلة تنام بشكل هادئ في سريرها محاطة بألعابها (بيكسلز)

قد يجنب الجراحة... المحلول الملحي يحد من انقطاع النفس الانسدادي في نوم الأطفال

تفيد دراسة أسترالية بأن استخدام بخاخات المحلول الملحي الخاصة بالأنف فعّال مثل استعمال البخاخات الستيرويدية في علاج الأطفال المصابين بانقطاع ​النَّفَس الانسدادي.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
صحتك التدخل المبكر يساعد الأطفال المصابين بالتوحد على تحسين النطق

التدخل المبكر يساعد الأطفال المصابين بالتوحد على تحسين النطق

أظهرت دراسة حديثة، أن التدخلات المبكرة تساعد نسبة تقرب من ثلثي الأطفال المصابين بالتوحد، غير القادرين على التكلم، أو الذين يتحدثون بشكل محدود، في تعلم النطق.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك أطفال الأمهات اللواتي يعشقن التقاط صور «السيلفي» يكونون أكثر عرضة للتفكير في عمليات التجميل (رويترز)

هوس الأمهات بـ«السيلفي» يدفع أبناءهن للتفكير في عمليات التجميل

كشفت دراسة جديدة مثيرة للقلق، أن أطفال الأمهات اللواتي يعشقن التقاط صور «السيلفي» يكونون أكثر عرضة للتفكير في عمليات التجميل في سن المراهقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ساعة ذكية تتنبأ بانتكاسات الاكتئاب

تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)
تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)
TT

ساعة ذكية تتنبأ بانتكاسات الاكتئاب

تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)
تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)

أفادت دراسة جديدة، أجراها فريق من الباحثين من جامعة ماكماستر الكندية، بأن اضطرابات النوم والروتين اليومي للشخص، يمكن الآن رصد ذلك عبر ساعة ذكية تُرتدى على المعصم، قد تُنذران بزيادة خطر الانتكاس والعودة إلى عوالم الاكتئاب الحاد. وكشفت نتائج الدراسة أن أجهزة التتبع القابلة للارتداء قادرة على رصد انتكاسات الاكتئاب قبل أسابيع من عودتها.

ويعتمد الرصد الحالي بشكل كبير على الأعراض، التي عادةً ما تظهر لاحقاً مقارنةً بما يمكن رصده عبر الأجهزة القابلة للارتداء التي تمتلك قدرات تنبؤية مبكرة.

وتُسلط الدراسة المنشورة في مجلة «جاما سيكاتري»، الأربعاء، الضوء على طريقة بسيطة وفعّالة لمراقبة خطر الانتكاس لدى الأشخاص المصابين باضطراب الاكتئاب الحاد، حيث ترصد احتمالية الانتكاس قبل أسابيع أو أشهر من حدوثه.

يقول بينيسيو فراي، الأستاذ في قسم الطب النفسي وعلم الأعصاب السلوكي بجامعة ماكماستر: «تُبشّر التطورات في التكنولوجيا الرقمية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي بإمكانات هائلة للوقاية من انتكاسات الصحة النفسية».

ويضيف في بيان: «تخيّل مستقبلاً تستطيع فيه ساعة ذكية تنبيه الأشخاص المصابين بالاكتئاب عبر رسالة بسيطة: (من المرجح جداً حدوث نوبة اكتئاب جديدة خلال الأسابيع الأربعة المقبلة. ما رأيك بزيارة طبيبك؟)».

يُذكر أن حوالي 60 في المائة من المصابين باضطراب الاكتئاب الحاد ينتكسون خلال خمس سنوات من بدء التعافي، حتى مع تلقيهم العلاج.

ويُعد اضطراب الاكتئاب الحاد حالة طبية شائعة وخطيرة تصيب ملايين الأشخاص حول العالم. ويؤثر الاكتئاب على كيفية شعور الشخص وتفكيره وأدائه، ويمكن أن يسبب أعراضاً مستمرة مثل انخفاض المزاج، وفقدان الشهية، والشعور بالذنب، وفقدان الاهتمام بالأنشطة.

تابعت الدراسة 93 بالغاً في جميع أنحاء كندا ممن تعافوا سابقاً من الاكتئاب، وارتدوا جهازاً لقياس النشاط الحركي عالي الدقة، لمدة تتراوح بين سنة وسنتين، مما أدى إلى جمع بيانات عن النوم والنشاط اليومي لهم.

وكشفت النتائج أن الأفراد الذين يعانون من اضطراب في النوم كانوا أكثر عُرضةً للانتكاس بمقدار الضعف تقريباً؛ إذ تبين أن مدة اليقظة الليلية بعد الخلود إلى النوم تتنبأ بزيادة خطر الانتكاس.

ويؤكد هذا البحث على الإمكانات غير المستغلة للتقنيات القابلة للارتداء في دعم المتعافين من اضطراب الاكتئاب الحاد، إذ تجمع هذه التقنيات البيانات تلقائياً، وتوفر رؤية مستمرة بين المواعيد الطبية.

ويشير الباحثون إلى وجود فرص لتطوير النظام الصحي، حيث يمكن للتنبيهات المستمدة من الأجهزة القابلة للارتداء أن تساعد الأطباء على توجيه الرعاية نحو الأشخاص الأكثر عُرضة للخطر، مما يحسن النتائج، ويقلّل من عبء النوبات المتكررة.


تصرف لا يستغرق دقيقة قد يعزز مزاجك

هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
TT

تصرف لا يستغرق دقيقة قد يعزز مزاجك

هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)

كشفت عالمة نفس أميركية عن تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة، يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص وزيادة شعورهم بالسعادة.

وقالت الدكتورة ليندسي غودوين لموقع «سايكولوجي توداي» إن هذا التصرف يتمثل في «تقديم مجاملة صادقة واحدة يومياً لمدة أسبوع لشخص لا نعرفه جيداً».

ولفتت غودوين إلى أن تقديم مجاملة صادقة لشخص آخر قد يكون كافياً لإحداث تغيير ملموس في المزاج والشعور بالرضا لدى الطرفين.

وأضافت أن الشرط الأساسي هو أن تكون المجاملة محددة وتعتمد على سلوك أو ملاحظة حقيقية، بعيداً عن الإطراءات العامة، لافتة إلى أن الأبحاث تشير إلى أن المديح المحدد أكثر مصداقية وتأثيراً من العبارات العامة؛ لأنه يعكس انتباهاً حقيقياً للطرف الآخر.

أدلة علمية

وأشارت غودوين إلى وجود أدلة علمية على فائدة المجاملات للصحة النفسية لقائلها وللمتلقي.

وأشارت دراسة أجريت عام 2021 إلى أن الناس غالباً ما يستخفون بتأثير المجاملات على الآخرين، إذ يتوقع مقدمو المجاملة شعوراً بالحرج أو الرفض، بينما يُظهر المتلقون مستويات أعلى بكثير من السعادة والتقدير مما يتوقعه الطرف الآخر.

كما أظهرت أبحاث أخرى أن ممارسة أعمال اللطف الصغيرة بانتظام ترتبط بارتفاع مستويات السعادة والرضا عن الحياة.

ووفقاً لنظرية «التوسيع والبناء للمشاعر الإيجابية» لعالمة النفس الشهيرة باربرا فريدريكسون، تسهم المشاعر الإيجابية في توسيع أنماط التفكير وبناء علاقات اجتماعية أقوى بمرور الوقت. وعندما يعتاد الفرد البحث عما يستحق التقدير، يتحول تركيزه من رصد السلبيات إلى اكتشاف الجوانب المضيئة في محيطه.

كما تشير النظرية إلى أن المجاملة وإظهار التقدير للآخرين قد يخففان من حدة النقد الذاتي، إذ يصبح من الصعب الاستمرار في القسوة على النفس أثناء الاعتياد على رؤية الجيد في الآخرين.

لماذا نتردد في الإطراء؟

يرجع التردد غالباً إلى القلق الاجتماعي والخوف من التطفل أو إساءة الفهم. كما أن الثقافة السائدة تشجع على التنبيه عند وجود خطأ، لكنها نادراً ما تحث على التعبير عند ملاحظة شيء إيجابي.

مجاملات بلا مبالغة

تؤكد غودوين على أهمية تجنب المجاملات المبالغ بها. ولفتت إلى أن المجاملة المثالية «قصيرة، وواضحة، ولا تنتظر مقابلاً».


لماذا ترتفع معدلات التدخين بين المصابين بـ«طيف الفصام»؟

هل يشعر المصابون بـ«طيف الفصام» بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ (بكسلز)
هل يشعر المصابون بـ«طيف الفصام» بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ (بكسلز)
TT

لماذا ترتفع معدلات التدخين بين المصابين بـ«طيف الفصام»؟

هل يشعر المصابون بـ«طيف الفصام» بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ (بكسلز)
هل يشعر المصابون بـ«طيف الفصام» بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ (بكسلز)

نحو 70 في المائة من المصابين بـ«طيف الفصام» يدخنون السجائر... لكن لماذا؟ هل يشعر هؤلاء بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ أم إن التبغ يهدئهم بطرق لا توفرها مواد أخرى؟

في هذا السياق، يسلّط تقرير من موقع «سيكولوجي توداي» الضوء على الكيفية التي يؤثر بها التدخين في بنية الدماغ، ووظائفه لدى المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام».

ووفق التقرير، فقد أشارت أبحاث سابقة إلى أن المصابين بـ«طيف الفصام» قد يستفيدون أكثر من بعض تأثيرات النيكوتين، وأن انجذابهم نحوه يكون أقوى من المتوسط، غير أن هذه النتائج لم تكن شاملة. فالمواد المؤثرة في الدماغ غالباً ما تكون معقدة؛ إذ تجمع بين آثار إيجابية وأخرى سلبية.

ونجحت مراجعة منهجية نُشرت عام 2025 في تحديد التأثيرات الدقيقة للتدخين على المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام»، وبيّنت وجود اختلاف حقيقي في الطريقة التي يؤثر بها التدخين على أدمغتهم مقارنة بغيرهم.

بداية... ما «طيف الفصام»؟

يُستخدم مصطلح «طيف الفصام» للإشارة إلى مجموعة من الاضطرابات النفسية التي تتشارك خصائص وأعراضاً مع مرض «الفصام»، لكنها تختلف في شدتها، ومدتها، وتأثيرها على حياة المصاب. ويشمل هذا الطيف حالات تتراوح بين اضطرابات خفيفة في التفكير والإدراك والسلوك، و«الفصام» بوصفه الشكل الأشد والأكبر وضوحاً.

وتبيّن الأبحاث الحديثة أن هذه الاضطرابات ليست حالات منفصلة تماماً، بل تقع على خط واحد متدرّج، يختلف فيه المرض من شخص إلى آخر من حيث الشدة والتأثير. فهي تشترك في تغيّرات متقاربة بالدماغ، وقد تتشابه في بعض الأعراض، مثل صعوبة التفكير بوضوح، أو التحكم في المشاعر، أو تراجع التركيز والقدرات الذهنية.

التدخين واضطرابات «طيف الفصام»

حلّل الباحثون في هذه المراجعة 22 دراسة استخدمت وسائل مختلفة لرصد الخصائص البيولوجية لدى المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام». وشملت هذه الوسائل تقنيات تصوير الدماغ، مثل التصوير بـ«الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)» الذي يتيح مراقبة نشاط الدماغ خلال أداء مهمة معينة، والتصوير في حالة الراحة، إضافة إلى التصوير البنيوي الذي يسمح بدراسة حجم مناطق الدماغ، لا سيما فقدان «المادة الرمادية»، وهو أمر شائع لدى المصابين بهذه الاضطرابات.

وتلعب «المادة الرمادية» دوراً أساسياً في الوظائف المعرفية، ويؤدي انخفاض حجمها إلى تفاقم الأعراض وضعف القدرات الذهنية. ووجدت المراجعة أن المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام» الذين يدخنون يعانون انخفاضاً ملحوظاً في «المادة الرمادية»، مع تراجع واضح في مناطق مثل القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التفكير عالي المستوى، واللوزة الدماغية المرتبطة بتنظيم المشاعر، والحُصين المسؤول عن الذاكرة.

ويُعرَف التدخين و«اضطرابات طيف الفصام»، كلٌ على حدة، بارتباطه بتراجع «المادة الرمادية»، لكن اجتماع العاملَين معاً قد يفاقم هذا الأثر السلبي.

جانب غير متوقع

على نحو مفاجئ، أشار بعض النتائج إلى أن التدخين قد يساعد الدماغ والجهاز العصبي على تحسين التكامل الوظيفي. فقد وجدت إحدى الدراسات تفاعلاً أكبر بين شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ والجهاز الحوفي لدى المشاركين المدخنين؛ مما يوحي بأن التدخين قد يُحسّن من مشكلة ضعف الترابط بين المسارات العصبية ومناطق الدماغ المختلفة.

ولوحظ هذا التأثير لدى المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام» وكذلك لدى غير المصابين.

كما كشفت دراسات أخرى عن أنماط عصبية مميزة لدى مرضى «طيف الفصام» المدخنين، تشير إلى وجود قابلية خاصة لديهم تجاه التدخين والنيكوتين. ويبدو أن لديهم حساسية أعلى للمكافأة، إلى جانب ضعف في المسارات العصبية المسؤولة عادة عن معالجة الآثار السلبية للتدخين.

وبعبارة أخرى، يجد هؤلاء المرضى المكافآت قصيرة المدى مُرضية، بينما يكون وعيهم أو استجابتهم للآثار السلبية طويلة المدى أقل.

الإقلاع عن التدخين

يُعد المصابون بـ«اضطرابات طيف الفصام» أكبر عرضة لبعض التحديات مقارنة بغيرهم، ويبدو أن النيكوتين يتمتع بجاذبية كيميائية عصبية خاصة لديهم، تحمل في طياتها آثاراً إيجابية وأخرى سلبية في آن معاً. فالتدخين قد يمنحهم شعوراً بالراحة والتنظيم النفسي يصعب تعويضه بمواد أخرى، لكنه في المقابل يؤثر سلباً على الدماغ وقد يؤدي إلى نتائج أسوأ على المدى البعيد.

ونظراً إلى المخاطر المعروفة للتدخين؛ بما في ذلك ارتفاع خطر الإصابة بسرطان الرئة، فإن الباحثين يشيرون إلى أهمية مواصلة دراسة تأثيرات التدخين على المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام» بشكل أعمق.

وقد تفتح هذه الأبحاث الباب أمام تطوير علاجات تستهدف هذه المسارات العصبية الخاصة، مثل الحساسية المرتفعة للمكافأة، مع تقليل الأضرار عبر إحلال بدائل أعلى أماناً محل النيكوتين.

ويشمل التعافي أيضاً التعامل مع الرغبة الشديدة المرتبطة بالاضطراب نفسه وبالأدوية المستخدمة لعلاجه، والتي قد تزيد الشهية وتؤدي إلى زيادة الوزن. ورغم ذلك، فإن الباحثين يؤكدون أن الإقلاع ممكن، وأن الجهود مستمرة لتعزيز جودة الحياة والأمل لدى المصابين.